الاستثمار في المصارف السودانية

د. محمد عوض الكريم الحسين

كلية الاقتصاد والتنمية الريفية –جامعة الجزيرة

1/ مقدمة:

حظيت معظم البنوك الإسلامية عند ظهورها بحرية نسبية في العمل المصرفـي لفترة من الزمن دون أن تخضع لرقابة مصرفية خارجية. وقد أوضح عطيـة “1987م، ص 18” ”أن هذا الأمر كان له الأثر الملحوظ في نمو البنوك الإسلاميـة، إذ نجد مثلا أن قانون إنشاء بنك فيصل الإسلامي السوداني نص على تمتعه ببعض الإعفاءات والامتيازات.

ولحرص البنوك الإسلامية على استمرار إعفائها من الرقابة المصرفية التقليدية بواسطة البنوك المركزية فقد تم اقتراح بأن يقوم الاتحاد الدولي للبنوك الإسلامية أو البنك الإسلامي بجده بالدور الرقابي على هذه المصارف ولكن هذه المحاولة فشلت للآتي:

أولا: ليست كل البنوك الإسلامية أعضاء في الاتحاد الدولي للبنوك الإسلامية.

ثانيا: الدور الرقابي بطبيعته يحتاج لسلطات لا تتوافر لغير المؤسسات الحكومية مثل البنوك المركزية ووزارة المالية.

وقد بدأت البنوك المركزية في الدول المعنية مباشرة نوع من الرقابة المصرفية على البنوك الإسلامية.

تهدف عملية الإشراف والرقابة في الجهاز المصرفي إلى حماية كل من المساهمين والمودعين وكل المؤسسات الأخرى ذات الصلة وذلك بالتأكد من أن أعمـال البنك تسير وفقا للأهداف والخطط والسياسات التي تحقق أهداف الأطراف جميعها والاقتصاد القومي ككل. وتهتم الدولة بالرقابة والإشراف على الجهاز المصرفي لما له من تأثير مباشر وغير مباشر على الأنشطة الاقتصادية، مما يستوجب رقابتـه وتوجيهه نحو المصالح الاقتصادية للدولة وذلك عن طريق السياسات المالية والنقدية. وتمارس الدولة رقابتها على الجهاز المصرفي بواسطة البنك المركزي ووزارة المالية والتخطيط الاقتصادي والهيئة العليا للرقابة الشرعية على الجهاز المصرفي والمؤسسات المالية. لكن المساهمين أيضا يهتمون بالرقابة والإشراف للاطمئنان على سلامة رأس مالهم المستثمر وتحقيق الأرباح وزيادة سعر أسهمهم في الأسواق المالية. وقد زاد من أهمية ووظيفة الرقابة والإشراف فصل إدارة المنشأة عن مالك المشروع الغائب صاحب المصلحة والحق في المساءلة الدورية.

ويقوم المساهمون بالإشراف والرقابة على إدارة البنك بواسطة أجهزتهم المتمثلة في الجمعية العمومية للمساهمين               والمراجع               الخارجي               وهيئة الرقابة الشرعية.

1/2

أهمية الدور الرقابي للمودعين في المصارف الإسلامية:

يفضل كثير من الناس في مجتمعنا المعاصر إيداع أموالهم ومدخراتهم في المصارف، للحفاظ عليها أو الحصول على أرباح منها. وتعتبر هذه الودائع من أهم الموارد التي تستخدمها المصارف في تمويل عملياتها الاستثمارية والتجارية والنشاط الاقتصادي للمجتمع ككل.

ففي النظام المالي الربوي تقوم العلاقة بين أصحاب هذه الودائع والمصرف على أساس سعر فائدة محدد مسبقا مع ضمان رد الوديعة كاملة. فالوديعة أيا كان نوعها وعائدها المحدد مسبقا تعتبر حقا ثابتا في ذمة المصرف لمصلحة أصحابها وبغض النظر عن نتيجة النشاط. وفي حالة إفلاس المصرف فكثيرا ما يتدخل البنك المركزي لتعويضهم. ولذلك فهم لا يهتمون كثيرا بكيفية تحديد وقياس نتيجة النشاط. فالمودع مجرد دائن للمصرف وليس مشاركا في نشاطه لذلك لا يحق له حضور الجمعية العمومية للمصرف ولا مناقشة الحسابات الختامية أو الحصول على التقارير والبيانات عن نشاط المصرف. وكذلك لا يوجد لأصحاب الودائع في المصارف التقليدية أي دور رقابي، إذ أن علاقتهم بالمصرف علاقة دائن بمدين. ولا يؤثر على المودع ما حققه المصرف من ربح أو خسارة إذ أن ذلك عائد إلى المساهمين الذين يختارون مجلس إدارة المصرف والمراجع القانوني وهيئة الرقابة الشرعية.

أما في النظام المالي الإسلامي، فإن الودائع الجارية وودائع الادخار غير الاستثمارية تعتبران قرضا مضمون السداد. ففي حالة الإفلاس التام للمصرف سيتدخل المصرف المركزي لتعويضهم حفاظا على استقرار النظام المصرفي وثقة المودعين فيه. لذلك لا يهتم أصحاب هذه الودائع كثيرا بكيفية تحديد وقياس نتيجة النشاط فهم ليسوا شركاء في هذه النتيجة.

أما ودائع الاستثمار التي يقصد بها الأموال التي تم إيداعها على أساس عقد المضاربة المطلقة أو المقيدة في المصارف الإسلامية، فتشارك في الأرباح وتتحمل الخسائر، حسب نتيجة النشاط وأجل الوديعة. لذلك يعامل صاحب الوديعة الاستثمارية كالمساهم أو الشريك من حيث تحمله للمخاطر التي قد تحدث في العملية الاستثمارية، واحتمالات هلاك رأس المال المشارك به في الوديعة الاستثمارية. إلا أن ميزة الرقابة في هذا الحال يتمتع بها المساهم وحده، وذلك من خلال عضويته في الجمعية العمومية للمساهمين التي تتيح له اختيار مجلس الإدارة والمراجع الخارجي وهيئة الرقابة الشرعية.

تبدو الحاجة للرقابة والإشراف على نشاط المصرف من قبل أصحاب ودائع الاستثمار ضرورية للتأكد من حسن اختيار الاستثمارات التي تم تمويلها من ودائعهم، وللتأكد من أن إدارة المصرف تراعي مصالحهم، كما تراعي مصالح المساهمين. وفي ذلك يشير فهمي “1992” «إلى ضرورة إشراك أصحاب ودائع الاستثمار في تحقيق نوع من الرقابة على إدارة أموالهم أسوة بالمساهمين، على أساس أن للمودع في عقد المضاربة حق مساءلة المصرف عن النتيجة النهائية للنشاط، وعن كيفية توزيعه للأرباح الناتجة، كما أن من حقه أيضا مساءلته عن أي مخالفة يكون قد ارتكبها في شروط العقد». ويقول سراج “1981”» إن من حق رب المال أن يراجع حسابات المضاربة في أي وقت شاء وأن يحصل على المعلومات المتعلقة بسير العمل حماية للمصالح المشتركة وكذلك من حقه أن يفرض قيودا على نشاط المضاربة، وهو بهذا يستطيع التدخل لرسم سياسة المشروع ومتابعة سير العمل فيه.» «ويرى قحف” 1996م” أن الافتراض الشرعي هو دائما من حق رب المال في صيغة المضاربة أن يعلم الربح ويسأل عما اثر عليه من حسابات، فهو شرط رقابة واطمئنان وليس تدخلا منه في إدارة المصرف.» وكذلك تأتي أهمية رقابة أصحاب ودائع الاستثمار لنشاطات المصرف من أن عائد استثماراتهم يتوقف إلى حد كبير على الإجراءات المحاسبية المتبعة بواسطة الإدارة مثل معالجة الديون المشكوك في تحصيلها والديون المعدومة والمخصصات وكيفية معالجة المصروفات المشتركة بين نشاط المضاربة ونشاطات المصرف الأخرى. ففي حالة تعرض ودائع الاستثمار للخسارة فمن الصعب اكتشاف أسباب الخسارة وهل هي لقصور إداري؟ أم تعود لمخاطر الاستثمار وفي هذا الصدد يقترح عطية” 1987م” «ضرورة تمثيل أصحاب حسابات الاستثمار في الجمعية العمومية للمساهمين خاصة عند مناقشة القرارات التي تمس مصالح المودعين.»

من ناحية أخرى يلاحظ أن البيان الذي يحصل عليه صاحب الوديعة الاستثمارية بعد إعداد القوائم المالية للمصرف يقتصر على النسبة التي حققتها وديعته من نتيجة النشاط ولا يعرف كيف تم حساب نصيبه من الدخل. ولا يعرف كيف تم تحديد نصيب حسابات الاستثمار من الإيرادات وكيف تم تخصيص المصروفات خاصة الإدارية منها. فعقد الوديعة الاستثمارية في كثير من المصارف الإسلامية لا ينص على أنواع النفقات والأعباء الإدارية التي تحمل على حساب المضاربة، ولا على نسبة ما يحجز من الربح لتغذية احتياطي مخاطر الاستثمار.

1/3

مشكلة البحث:

بناء على ما سبق يمكن طرح مشكلة البحث في الأسئلة المحورية التالية:

أولا:

كيف تطمئن فئة أصحاب ودائع الاستثمار بأن البنوك الإسلامية عند إعدادها للقوائـم المالية المنشورة قامت بالمعالجة الموضوعية لبنود الإيرادات والمصروفات التي تؤثر في نتيجة النشاط الذي يشاركون في أرباحه ويتحملون خسائره، علما بأن أصحاب ودائع الاستثمار يشاركون في نتيجة هذا النشاط وليس لديهم أي دور رقابي عليه؟.

ثانيا:

هل للمؤسسات الرقابية القائمة الآن في الجهاز المصرفي، المتمثلة في المراجع الخارجي، وهيئة الرقابة الشرعية، والبنك المركزي، والهيئة العليا للرقابة الشرعية على الجهاز المصرفي والمؤسسات المالية، أي دور رقابي مباشر لصالح أصحاب ودائع الاستثمار؟.

ثالثا:

هل يحتاج أصحاب ودائع الاستثمار لإقامة أي مؤسسة رقابية جديدة في النظام المصرفي لرقابة حقوقهم؟ وكيف يتم ذلك؟.

1/4

أهـداف البحث:

يهدف هذا البحث إلى معرفة:

  1. حجم الرقابة المطلوبة على المعالجات المحاسبية المختلفة المتعلقة بالإيرادات والمصروفات التي تؤثر في نتيجة نشاط المضاربة.
  2. التعرف على الأطر الرقابية القائمة في الجهاز المصرفي الآن وبيان قصورها في تحقيق رقابة على أصحاب ودائع الاستثمار.
  3. التحقق من إمكانية إحداث آلية جديدة لتحقيق رقابة على حقوق أصحاب ودائع الاستثمار.

1/5

أهمية الدراسة:

تأتي أهمية هذه الدراسة لتناولها قضية أخلاقية تتعلق بعدالة الوضع الحالي لعلاقة أصحاب ودائع الاستثمار في البنوك الإسلامية. فهنالك عدة جهات رقابية تعمل وكيلا للمساهمين ولا يوجـد من يقوم بنفس الدور لأصحاب ودائع الاستثمـار، الذين هم في وضع الشريك في نتيجة نشاط المضاربة ولا يتمتعون بحقوق الشريك من حيث الرقابة على ذلك النشاط في هذه البنوك.

وكذلك تنبع أهمية هذه الدراسة من قصور الأدبيات عن إيجاد إجابات عن الأسئلة المطروحة في الدراسة على الرغم من أن هذه الأسئلة تتعلق بقضايا أساسية في البنوك الإسلامية.

1/6

منهجية البحث:

المنهجية المتبعة في هذا البحث وصفية تحليلية تناسب طبيعة الدراسة، حيث يتم تحليل الوضع الحالي للرقابة وأجهزتها المختلفة في الجهاز المصرفي ومن ثم محاولة اختبار مدي حاجة أصحاب ودائع الاستثمار لرقابة النشاط الذي يشاركون في أرباحه ويتحملون خسائره في البنوك الإسلامية، وكيفية تحقيق هذه الرقابة وتحديد الجهة التي ستقوم بها مع أخذ ملاحظات المصارف في الحساب.

1/7

محددات البحث:

تتمثل محددات الدراسة في أن معظم البيانات والمعلومات المطلوبة واللازمة لإكمال البحث تعتبر شبه سرية وبعضها يتعذر الإطلاع عليها بواسطة الأفراد من خارج المصارف، خاصة تلك المتعلقة بقسم الحسابات العامة وقسم الاستثمار.

1/8

تنظيم البحث:

يتكون البحث من خمسة محاور، فالمحور الأول يتناول المقدمة ويتطرق المحور الثاني للدراسات السابقة، في حين يستعرض المحور الثالث دور الأجهزة المصرفية في الرقابة على حقوق أصحاب ودائع الاستثمار، ويتناول المحور الرابع ملاحظات على عقود ودائع الاستثمار في المصارف السودانية والآلية المقترحة للرقابة على حقوق أصحاب ودائع الاستثمار، في حين يتناول المحور الأخير خلاصة البحث.

2/

الدراسات السابقة:

تناولت العديد من البحوث الودائع الاستثمارية في المصارف الإسلامية من حيث شروط قبولها وحقوق كل طرف في عقد الوديعة ولكن لا توجد دراسة متكاملة تناولت موضوع الرقابة على حقوق أصحاب ودائع الاستثمار من جميع الزوايا.

فقد ركزت بعض الأدبيات والدراسات السابقة على آليتين لمعالجة أمر إشراك أصحاب ودائع الاستثمار في رقابة حقوقهم في المصارف. فالآلية الأولى تتمثل في إمكانية مشاركة أصحاب ودائع الاستثمار في الجمعية العمومية للمساهمين، بينما تتمثل الآلية الثانية في تعيين مراجع خارجي خاص بأصحاب ودائع الاستثمار أو مطالبة المراجع الخارجي للبنك بكتابة تقرير مالي يوجه لهم يوضح فيه أهم المعالجات المحاسبية للبنود التي تؤثر في حقوقهم.

فأشار الخضيري “1995م، ص 159” في كتابه بعنوان البنوك الإسلامية بضرورة «أن يكون للمودعين “أصحاب ودائع الاستثمار” حق حضور الجمعية العمومية للمساهمين والمشاركة معهم في مناقشة القوائم المالية واختيار المراجع الخارجي دون مجلس الإدارة». وكذلك نادي فهمي “1992م، ص 27” في دراسته بعنوان نحو إعادة هيكلة النظام المصرفي الإسلامي «بضرورة تغيير هيكلة مصادر استخدامات الأموال في البنوك الإسلامية وإحلال هيكل آخر مكانه أكثر التصاقا بالقواعد الشرعية التي تحكم عملية المضاربة». ويرى المصـري “1999م، ص 103” في دراسته بعنوان أصول توزيع الأرباح واقتطاع الاحتياطات في البنـوك الإسلاميـة أيضا أن «المساهمـون والمودعون “أصحاب ودائع الاستثمار” أصحاب حقوق متعارضة عند اقتطاع الاحتياطات والمخصصات، وعند تحميل المصروفات، وعند توزيع الإيرادات وفي حين أن للمساهمين تنظيماتهم الإدارية التي تحمي حقوقهم مثل مجلس الإدارة والجمعية العمومية للمساهمين فإن المودعون مشتتون ويجب أن يكون لهم دور فعال من خلال شكل تنظيمي أو آخر».

لا شك أن مقترح إشراك أصحاب ودائع الاستثمار في الجمعية العمومية للمساهمين بواسطة شكل تنظيمي معين سيعالج أمر الرقابة على حقوق أصحاب ودائع الاستثمار من الناحية النظرية حيث يتيح لهم حضور الجمعية المشاركة في اختيار المراجع الخارجي، وهيئة الرقابة الشرعية، وكذلك مناقشة القرارات التي تؤثر في حقوقهم. ولكن عملية إشراكهم في الجمعية العمومية تواجه بعدة مشاكل عملية لم تناقشها الدراسات السابقة أهمها: كيف يتم تحديد مقاعد أصحاب ودائع الاستثمار مقارنة بمقاعد المساهمين؟ كيف يتم تحديد ممثل أصحاب ودائع الاستثمار في الجمعية العمومية للمساهمين؟ وما هي القرارات التي سيشاركون فيها؟ وكيف تكون طبيعة مشاركتهم فيها؟

من المعلوم أنه لكي يتأكد أصحاب ودائع الاستثمار من دقة وسلامة العمليات والإجراءات المحاسبية، لا بد من وجود جهة مستقلة تثبت لهم ذلك. وقد قدم هندي “1994م، ص 213” في دراسته بعنوان الفكر الحديث في مجال الاستثمار اقتراحا يتمثل في «إعطاء الحق لأصحاب ودائع الاستثمار في تعيين مراجع خارجي خاص بهم ليتأكد من سلامة إعداد القوائم المالية». ولكن هذا الاقتراح يواجه ببعض الاسئلة العملية الملحة والتي لم تتم مناقشتها مثل: هل تعيين مراجع خارجي مستقل من قبل أصحاب ودائع الاستثمار بجانب المراجع الخارجي للمساهمين مقبولا من الناحية القانونية والمحاسبية؟ كيف يتم حل الخلافات بينهما في بعض الأمور المحاسبية التقديرية؟ كيف يمكن تلافي الآثار السالبة المترتبة على زيادة الأجهزة الرقابية في الجهاز المصرفي المشرف على إدارة البنك؟ أما قيام المراجع الخارجي بعملية المراجعة للطرفين معا “بدلا من تعيين مراجع خارجي لكل جهة” يؤدي إلى خفض تكلفة المراجعة ولا يسبب لإدارة البنك تدخلا جديدا من فئة أخرى في الشئون الحسابية إنابة عن أصحاب ودائع الاستثمار. غير أن مراجعة الحسابات الختامية بواسطة مراجع خارجي واحد لصالح الطرفين يواجه بمشكلة أن المساهمين وأصحاب ودائع الاستثمار شركاء في الأرباح، وحجم ربح كل فئة يؤثر مباشرة على حجم ربح الفئة الأخرى. فكيف نضمن حياد المراجع الخارجي تجاه مصالح هاتين الفئتين؟ وكيف يتم تخصيص أتعابه بين الطرفين؟ وكيف يتم تعيينه وعزله في حالة الاختلاف؟

أما هذه الدراسة ستتناول دور إدارة المصرف، والمراجع الخارجي، وهيئة الرقابة الشرعية، وأصحاب ودائع الاستثمار، والبنك المركزي في الرقابة على حقوق أصحاب ودائع الاستثمار.

3/

دور أجهزة الرقابة المصرفية في الرقابة على حقوق أصحاب ودائع الاستثمار:

يوجد في أي اقتصاد عدد من الأجهزة والمؤسسات المسئولة عن الرقابة المباشرة في الجهاز المصرفي تختلف أدوارها حسب طبيعة نشاط كل جهة. وتشتمل هذه الأجهزة والمؤسسات في جمهورية السودان على المصرف المركزي، والهيئة العليا للرقابة الشرعية للجهاز المصرفي والمؤسسات المالية، والمراجع الخارجي وأجهزة الرقابة الشرعية.

أ/ دور المصرف المركزي في الرقابة على حقوق أصحاب ودائع الاستثمار:

يقوم المصرف المركزي دور مباشر في توجيه المؤسسات المصرفية والتأثير على عرض النقود والائتمان. ويمثل عادة السلطة النقدية في أي دولة حيث يقوم بوضع ورسم السياسات النقدية والإشراف والرقابة على تنفيذها. وتعتبر رقابة وإشراف المصرف المركزي من أكثر أنواع الرقابة والإشراف أهمية وشمولا على الجهاز المصرفي بحكم الصلاحيات العديدة التي يتمتع بها المصرف المركزي بصفته مصرف الدولة ووكيلها المالي.

وعن أهداف هذه الرقابة يقول سويلم “1987” «إن رقابة المصرف المركزي على أعمال المصارف تهدف إلى التأكد من أن المؤسسات تتقيد في أعمالها بأحكام قانون المصرف المركزي والتأكد من سلامة مراكزها المالية، والتأكد من تحقيق الاستقرار النقدي، وأخيرا التأكد من تحقيق أفضل معدلات للنمو الاقتصادي». ويضيف حسن “1998” «أن الهدف من إشراف ورقابة المصرف المركزي على أداء المصارف التجارية والمتخصصة والمؤسسات المالية التي تمارس أعمالا مصرفية هو تحقيق وتأمين مصالح المتعاملين مع الجهاز المصرفي والمؤسسات المالية».

ومن أهم أنواع رقابة المصرف المركزي على أعمال ونشاطات المصارف كما يقول محمد “2001” فإن «المجالات الرئيسية للرقابة المصرفية التي يمارسها المصرف المركزي في تحقيق أهداف النظام الرقابي تتمثل في ضوابط التأسيس، ضوابط الإدارة والنشاط، ضوابط التمويل، ضوابط الرقابة الخارجية المتمثلة في المراجع الخارجي للمصرف».

فعادة ما تهدف سياسات المصرف المركزي إلى تشجيع الادخار ذلك لأن الادخار هو أساس الاستثمار ومن ثم الإنتاج. فهنالك بعض السياسات أو الإجراءات التي يمكن أن يقوم بها المصرف المركزي وتساعد في تشجيع ونمو ودائع الاستثمار. فيستطيع المصرف المركزي ضمان عائد مجزى لهذه الودائع وذلك بتحديد أسس لتوزيع الأرباح بين المساهمين وأصحاب ودائع الاستثمار كما تفعل بعض المصارف المركزية. حيث أشار السادة “1998” إلى «أن مؤسسة النقد في البحرين قامت بتطوير نماذج لحساب الأرباح والخسائر والميزانية العمومية “قائمة المركز المالي” للمؤسسات المالية الإسلامية بما يتلاءم وطبيعة أنشطتها الاستثمارية. وقد درجت المؤسسة على أن تقوم بتحليل الحسابات الختامية لهذه المصارف ومناقشتها بشكل تفصيلي من خلال الاجتماعات الدورية مع إدارة تلك المصارف». وكذلك تستطيع المصارف المركزية من باب المصلحة العامة والعدالة أن تنص في سياساتها الائتمانية على أولوية الودائع الاستثمارية في فرص الاستثمار على أموال المساهمين إذا كان النشاط لا يستطيع أن يستوعب كل أموال الفئتين معا. وأيضا يمكن للمصرف المركزي أن يسمح لأصحاب ودائع الاستثمار باستخدامها كنوع من الضمانات المصرفية وغيرها من الضمانات. فرغم أنه من الناحية النظرية لا أصل الوديعة ولا العائد عليها مضمون السداد ولكن في الواقع العملي تخلط هذه الودائع مع بعضها البعض ومع أموال المساهمين وتستثمر في عدة مشاريع، فالمشاريع التي تحقق أرباحا تجبر تلك التي تحقق خسائر. وعمليا فقد سمح المصرف المركزي في السودان للشركة السودانية للمناطق والأسواق الحرة أن تضع ضمن مزايا مضاربة الأسواق الحرة ميزة مفادها أنه «يجوز لرب المال أن يستخدم مبلغ مساهمته في المضاربة كضمان لمشترياته من الأسواق الحرة في حالات البيع الآجل».

لا شك أن الأداء المالي للمصارف التجارية، وبالتالي أرباح المساهمين وأصحاب ودائع الاستثمار تتأثر سلبا وإيجابا بالسياسات المالية والنقدية التي يتبعها المصرف المركزي. فالمصرف المركزي قد يمنع المصارف التجارية من الاستثمار في قطاع معين أو إستخدام صيغة تمويلية معينه رغم شرعيتها أو قد يقوم بالإفراط في إصدار النقود بناء على طلب الدولة مما يساعد في زيادة معدلات التضخم مما يؤثر سلبا على القوة الشرائية للنقود ويحقق خسائر لأصحاب ودائع الاستثمار والطوائف الأخرى، وذلك لأن أرباح ودائع الاستثمار تتأثر بمخاطر الاقتصاد القومي. وهنا تبرز أهمية استقلالية المصرف المركزي في أداء وظائفه بحيث يراعي أهداف الاقتصاد القومي، وأهداف أجهزة الدولة المختلفة، وأهداف المساهمين، وأهداف المودعين وغيرهم من الطوائف.

ويشير الحسين “2003” إلى «أن المصرف المركزي في السودان يعتمد على عدة وسائل وأدوات رقابية يستخدمها في الرقابة على حقوق أصحاب الودائع الجارية والادخارية غير الاستثمارية، وتتمثل هذه الوسائل في إلزام المصارف بالاحتفاظ بالاحتياطي النقدي القانوني ومحاسبة أي مصرف يخل بهذا الاحتياطي، وكذلك يقوم بإلزام المصراف بالاحتفاظ باحتياطي داخلي لمقابلة التزامات السحب اليومي للعملاء».

ولا يملك المصرف المركزي في السودان وسائل مباشرة لرقابة حقوق أصحاب ودائع الاستثمار وإنما هنالك وسائل غير مباشرة تسهم في ذلك مثل إعداد نماذج للقوائم المالية المنشورة وعمل معايير لتوزيع الأرباح بين المساهمين والمودعين وغيرها من الوسائل.

كما لا يعتبر من مهام وواجبات المصرف المركزي أيضا القيام بمراجعة الحسابات الختامية وإقرار نتائج الأعمال لصالح أي جهة بما في ذلك أصحاب ودائع الاستثمار لأن هذا العمل يتطلب مؤهلات وخبره متميزة في مجال المحاسبة والمراجعة وأن المصرف المركزي لا يمكن أن يكون وكيلا لأحد أو حتى لكل الأطراف، فهو وكيل للدولة ويهتم بمصالح الاقتصاد الوطني.

ب/ دور الهيئة العليا للرقابة الشرعية للجهاز المصرفي والمؤسسات المالية في الرقابة على حقوق أصحاب ودائع الاستثمار:

لقد تم إنشاء هيئة عليا للرقابة الشرعية بالإتحاد الدولي للمصارف الإسلامية في عام 1983م. وتم تشكيلها من ممثل عن هيئة الرقابة الشرعية من كل مصرف إسلامي وعدد من علماء الشريعة وفقهاء القانون. ويقول البعلي”1991″ «أن الهدف من وراء إنشاء هذه الهيئة هو دراسة فتاوى هيئات الرقابة الشرعية بالمصارف الإسلامية سعيا نحو توحيد الرأي وكذلك إبداء الرأي الشرعي في المسائل المصرفية والمالية التي تعرضها إدارات المصارف أو هيئات الرقابة الشرعية بها».

وتم تكوين الهيئة العليا للرقابة الشرعية للجهاز المصرفي والمؤسسات المالية في السودان بقرار إداري من وزير المالية والاقتصاد الوطني بتأريخ 2/3/1992م. وتتكون عضويتها من مختصين في الشريعة الإسلامية والقانون، والاقتصاد، إضافة إلى ذوي الخبرة من المصرفيين. وتوجد بالهيئة أمانة عامة متفرغة لأعمال الهيئة، حيث تقوم بالإعداد لاجتماعات الهيئة ومتابعة تنفيذ قراراتها، والاتصال بالمصارف والمؤسسات المالية بما فيها المصرف المركزي لطلب البيانات والمعلومات اللازمة في الموضوعات المعروضة على الهيئة.

وفي سبيل تحقيق أهدافها منحت الهيئة بعض الاختصاصات المتمثلة في وضع نماذج العقود والاتفاقات لجميع معاملات المصرف المركزي والمصارف والمؤسسات المالية التي تمارس أعمالا مصرفية. وكذلك تقوم الهيئة بمراقبة عمليات الجهاز المصرفي والتأكد من التزامه بالشريعة الإسلامية في جميع معاملاته، ودراسة المشاكل التي تواجهها وإبداء الرأي الشرعي فيها. وكذلك تنظر في تظلمات المصارف من المصرف المركزي أو العكس وتظلمات المتعاملين مع المصارف التجارية والمتخصصة من مودعين وعملاء وغيرهم.

ولتحقيق هذه الأهداف والاختصاصات فقد منحت الهيئة سلطة الإطلاع على أي مستندات أو وثائق أو سجلات أو عقود أو مكاتبات ترى أنها لازمة وضرورية لتمكينها من أداء مهامها بالصورة المطلوبة. ومنحت الهيئة أيضا سلطة تفتيش أعمال الجهاز المصرفي والمؤسسات المالية بغرض التأكد من سلامة تطبيق الجوانب الشرعية في أعمالها، والتأكد كذلك من أن المؤسسات قد قامت بتنفيذ الفتاوى الصادرة من الهيئة.

وتستطيع الهيئة أن تقدم عملا كبيرا في مجالها لأصحاب ودائع الاستثمار، فهي تستطيع مراجعة عقود ودائع الاستثمار في النظام المصرفي وذلك حتى تراعي هذه العقود مصالح المستثمرين والمساهمين في وقت واحد. وكذلك تستطيع الهيئة أيضا بالتعاون مع أهل الاختصاص أن تحدد بدقة نوعية المصروفات التي يجب أن يقوم المصرف بتحميلها على نشاط المضاربة وتلك التي تتحملها المصارف على نشاطاتها الأخرى. فتحديد هذه المصروفات له أثر مباشر على حجم أرباح فئة المساهمين وفئة أصحاب ودائع الاستثمار. وأيضا تستطيع هذه الهيئة تحديد نوعية الإيرادات التي يجب أن تشترك فيها كل من الودائع الاستثمارية والمساهمين، وتلك التي تكون خالصة للمساهمين وحدهم.

ويقول الحسين “2003” أن الهيئة العليا للرقابة الشرعية بالسودان قد قامت بدراسة عقود ودائع الاستثمار في المصارف السودانية ولم تجد اختلافات جوهرية تذكر بين هذه العقود. كما أكدت الهيئة على أن المصارف السودانية لا تشرك أصحاب ودائع الاستثمار في وضع عقود ودائع الاستثمار وذلك بسبب عدم وجود جهة تمثل أصحاب ودائع الاستثمار ليتم التفاوض معها في مضمون هذه العقود.

ج/ دور أجهزة الرقابة الشرعية بالمصارف في رقابة حقوق أصحاب ودائع الاستثمار:

تتمثل وظيفة أجهزة الرقابة الشرعية في المصارف الإسلامية في التأكد من أن جميع أعمال ونشاطات المصرف الاستثمارية والخدمية قد تمت وفقا لأحكام الشريعة الإسلامية وكذلك في إيجاد البدائل والصيغ المشروعة لأي أعمال مصرفية تخالف أحكام الشريعة الإسلامية السمحاء. وعليها أن تقدم تقريرا للجمعية العمومية للمساهمين توضح فيه مدى التزام المصرف بأحكام الشريعة الإسلامية في جميع معاملاته.

وقد عرف شحاته “1990” الرقابة الشرعية «بأنها متابعة وفحص وتحليل لجميع الأعمال والتصرفات والسلوكيات التي يقوم بها الأفراد والجماعات والمؤسسات للتأكد من أنها تتم وفقا لأحكام الشريعة الإسلامية». ويعتبر هذا النوع من الرقابة نوعا خاصا تتميز به المصارف الإسلامية عن البنوك التقليدية “التي تتعامل بسعر الفائدة”. وأثبتت التجربة العملية في السودان ضرورة تعدد أفراد أو أعضاء أجهزة الرقابة الشرعية ليتحقق لهم التشاور في القضايا المطروحة للوصول للرأي الفقهي الذي يمكن تطبيقه في الواقع العملي. وكذلك يساعد التعدد في متابعة العمل في داخل البنك، إذ يصعب على الفرد الواحد متابعة ما يجري داخل المصرف خاصة إذا وضعنا في الحسبان تنوع وتعدد المشكلات المصرفية وتعقدها. ونلاحظ أن هنالك تطورا في عضوية تكوين أجهزة الرقابة الشرعية في السودان، فعند بداية التجربة “مصرف فيصل الإسلامي” أقتصر تكوين الهيئة على عدد من علماء الشريعة الإسلامية ولاحقا أضافت بعض أجهزة الرقابة الشرعية إلى تكوينها الخبرة القانونية وبعض التخصصات الأخرى مثل الاقتصاد والدراسات المصرفية للاستعانة بهم في توضيح الجوانب الفنية للقضايا المطروحة على الهيئة.

وتقوم أجهزة الرقابة الشرعية بالإشراف على وضع نماذج العقود، ومراجعة العمليات الاستثمارية، وإصدار الفتاوى في المسائل التي تعرض عليها في الإدارة التنفيذية. ويؤكد عبد الكريم “1990” «أن لهذه الهيئة وظيفة أخرى تتمثل في تقديم المشورة للمراجع الخارجي ولإدارة المصرف حول المعالجات المحاسبية التي قد تستدعى الخروج عن المبادئ المحاسبية المتعارف عليها من أجل الالتزام بأحكام الشريعة الإسلامية». ويرى الحسين “2003” أنه «لا بد لأجهزة الرقابة الشرعية من الإطلاع على قائمة الدخل للتأكد من أن توزيع الأرباح بين المساهمين وأصحاب ودائع الاستثمار قد تم وفقا لعقود صيغة المضاربة وأن حساب الزكاة تم وفقا للأسس المعروفة. وكذلك يجب على هذه الأجهزة أن تشارك في مراجعة الأنشطة التي حققت خسائر لمعرفة أسبابها لتحديد المسؤولية والمعالجة المالية حتى لا يتحمل أصحاب ودائع الاستثمار الخسائر الناتجة عن إهمال أو تقصير الإدارة التنفيذية». ويشير عطية “1989” «إلى أن عددا قليلا من المصارف الإسلامية يتيح لهيئة الرقابة الشرعية مراجعة جميع عملياتها بالتفصيل وتقديم تقرير عنها لمجلس الإدارة، وأن السواد الأعظم من المصارف الإسلامية حصر دور هذه الأجهزة في الإفتاء فقط. فالفتوى تتوقف عادة على الطريقة التي يوجه بها السؤال». وعن مسؤولية هذه الهيئة تجاه الأطراف المختلفة المستخدمة لمعلوماتها وتقاريرها، فقد أوضح شحاتة “1991” أن «مسؤولية هذه الهيئة تعتبر مسؤولية مدنية في حالة الإهمال أو التقصير أمام المساهمين والمودعين والمتعاملين مع المصرف الإسلامي ولهم الحق في مقاضاتها إذا أصابهم ضرر بسبب الاعتماد على تقاريرها». ولا تستطيع هذه الهيئة القيام بأعمال المراجعة المالية والمحاسبية للقوائم المالية لأن ذلك لا يدخل ضمن اختصاصاتها.

ويتطلب تكامل الرقابة المصرفية ضرورة وجود علاقة بين أجهزة الرقابة الشرعية وبين أجهزة الرقابة الأخرى الممثلة في المراجع الخارجي ونظم الرقابة الداخلية بالمصرف لأن الجانب الشرعي والجانب المالي والإداري يرتبطان ببعضهما البعض في كل من قياس وتوزيع الأرباح بين المساهمين وأصحاب ودائع الاستثمار.

د/ دور المراجع الخارجي في رقابة حقوق أصحاب ودائع الاستثمار:

تهدف عملية مراجعة القوائم إلى إمداد إدارة المصرف بالمعلومات الضرورية عن نظام الرقابة الداخلية وبذلك تهدف إلى التأكد من سلامة المعاملات والتصرفات المالية للمصرف والتحقق من درجة اتفاقها مع المعايير والأسس والقواعد الموضوعة وبالتالي تعبر عن نشاط المصرف. وفي النظام المالي الإسلامي والتقليدي يعتبر المراجع الخارجي وكيلا عن مجموع المساهمين ويقوم بعمله نيابة عنهم وهم الذين يقومون بدفع أتعابه. فقد ذكر إبراهيم “1981” أن «علاقة المراقب الخارجي بالمساهمين هي عقد وكالة بأجر، وتتمثل مسئوليته في التزامه في تنفيذ العقد». ويرى يوسف “1980” «أن مراقب الحسابات لا يعتبر وكيلا عن المساهمين بالمعنى التقليدي للوكالة. لأن المراجع لا يقوم بأعمال قانونية لحساب الشركة كما يفعل الوكلاء ولكنه يمارس الإشراف والرقابة على الحسابات». ويرى الحسين “2003” نقلا عن لجنة الأساتذة الخبراء الاقتصاديين والشرعيين والمصرفيين “1996” «ضرورة تفقة المراجع الخارجي أو حضوره لدورات تدريبية في مجال فقه المعاملات الاقتصادية لمعرفة مدى إلزام المصرف بقرارات وتوصيات أجهزة الرقابة الشرعية ودراسة طرق قياس وتوزيع الأرباح في كل الصيغ الإسلامية طبقا للعقود المبرمة مع الأطراف المختلفة».

فتعتبر علاقة المراجع الخارجي تجاه مستخدمي المعلومات المحاسبية علاقة غير مباشرة لذلك تعتبر مسؤولية مدنية ويطلق عليها عادة علاقة المراجع الخارجي بالطرف الثالث لعملية المراجعة. ويجب على الذين وقع عليهم ضرر من اعتمادهم على تقريره في تحديد علاقتهم بالمصرف اتخاذ الإجراءات القانونية تجاه المراجع الخارجي بسبب تقصيره. فقد أكد يونس “1991” على أن «المراجع الخارجي مسئول عن أخطائه أمام الغير رغم أن عمله غير موجها للغير، وليس للغير أن يعتمد عليه بل يقوم المراجع الخارجي بعمله لصالح المساهمين». وتثار هنا قضية علاقة المراجع الخارجي بأصحاب ودائع الاستثمار في المصارف الإسلامية، فهل تعتبر مسؤولية المراجع الخارجي تجاههم من قبيل المسؤولية تجاه الطرف الثالث؟. وتثار هذه القضية لأن طبيعة الودائع لأجل في النظام المالي التقليدي تختلف عن طبيعة ودائع الاستثمار في النظام المالي الإسلامي من حيث ضمان أصل الوديعة وكذلك ضمان العائد المحدد مسبقا لها. فأصحاب ودائع الاستثمار في المصارف الإسلامية كالمساهمين يتعرضون للربح والخسارة حسب نتيجة نشاط المضاربة، فهم شركاء في الأرباح ويتحملون الخسائر وليسوا طرفا ثالثا. فأصحاب ودائع الاستثمار لا تتم مشورتهم عند اختيار المراجع الخارجي ولا يحق لهم مراجعة الحسابات الختامية للمصرف لدى مراجع آخر. وهنالك مسئولية أدبية وأخلاقية تمنع المراجع الخارجي للمصرف من أن يفشي أسرار المصرف حتى ولو كان ذلك ينصب في صالح فئة أصحاب ودائع الاستثمار.

4/ ملاحظات على عقود ودائع الاستثمار في المصارف السودانية والآلية المقترحة للرقابة:

تم الاطلاع على عقود ودائع الاستثمار في المصارف السودانية وكذلك تمت مقابلة إدارة قسم الاستثمار في كل المصارف السودانية وتم التوصل للآتي:

  1. أن المصارف السودانية لم تشرك أصحاب ودائع الاستثمار في وضع عقود ودائع الاستثمار بحجة عدم وجود جهة تمثلهم، وللتغيير المستمر فيهم. فأصبحت هذه العقود تمثل وجهة نظر المصارف فقط ولا تتضمن بعض البنود التي يهتم المودع بمعرفتها مثل أنواع الإيرادات والمصارف التي تشارك فيها وديعته، وكيفية معالجة أرباح الوديعة التي سحبت قبل المدة المحددة لسحبها، وما هي الموارد التي لها أولوية في البنك، وما هي مصادر تكوين المخصصات ولمن تؤول في نهاية كل فترة. فالمودع يصعب عليه عمليا رقابة المصارف لأن العقد الوحيد الذي ينظم علاقته معها لم يشرك في وضعه.
  2. لاحظ الباحث أن هنالك اختلافات ومفارقات كبيرة بين المصارف السودانية حول موضوع السماح بالسحب من الوديعة الاستثمارية قبل نهاية المدة المحددة لذلك وكيفية معالجة الأرباح في حالة السحب قبل المدة المحددة. فالودائع الاستثمارية في بعض المصارف لا تستحق أرباح رغم أنها قد تبقي في البنك لأكثر من خمسة أشهر في حين تستحق وديعة في مصرف آخر أرباح وإن بقيت لأقل من شهر واحد. علما بأن المودع لا يعلم بهذه المعالجة. ويرجع السبب في هذه المفارقات لاختلاف الفقهاء حول معالجة هذه القضية ولعدم وجود معايير محاسبية موحدة تعالج الموضوع من الدولة أو من الجهات الرقابية الأخرى تلزم بها المصارف. وتبرز مثل هذه النتيجة ضرورة وجود جهة رقابية تقوم بدور المتابعة والرقابة لصالح أصحاب ودائع الاستثمار “البنك المركزي”.
  3. لاحظ الباحث أن المصارف السودانية تقوم بدراسة العمليات الاستثمارية الخاسرة لمعرفة أسباب الخسارة ولمنع تكرارها في المستقبل ولكنها لا تهتم كثيرا بمسألة ربط أسباب الخسارة بالجهة التي ستتحملها. فخسارة العمليات الاستثمارية في معظم المصارف السودانية تحمل على المساهمين وأصحاب ودائع الاستثمار معا بغض النظر عن الأسباب التي أدت لتلك الخسائر. وتؤكد هذه النتيجة أيضا ضرورة وجود رقابة مباشرة لمصلحة أصحاب ودائع الاستثمار.
  4. وجد الباحث أن المصارف السودانية لا تقوم بتقديم أي تقرير مالي لأصحاب ودائع الاستثمار وكذلك لا تمكنهم من الاطلاع على الأسس المحاسبية المتبعة في البنك بحجة التكلفة المالية العالية، ولعدم وجود جهة تلزم البنك بذلك، ولعدم مطالبة أصحاب ودائع الاستثمار بها. ويقود هذا الوضع إلى عدم وجود البيانات والمعلومات المناسبة التي تساعد أصحاب ودائع الاستثمار في معرفة نتائج استخدام أموالهم بالتفصيل الذي يخدم أغراض المتابعة واتخاذ القرار.
  5. توصل الباحث إلى أن أجهزة الرقابة الشرعية بالسودان تقوم بالإشراف على إعداد نماذج العقود في المصارف ولكنها لا تقوم بتحليل العمليات الاستثمارية الخاسرة لمعرفة أسبابها والتأكد من أن المصارف قد قامت بربط الأسباب بالجهة التي تتحملها. وكذلك لا تشرف على عملية توزيع الأرباح للتأكد من أن المصارف قد قامت بتطبيق بنود عقود ودائع الاستثمار. ويؤدي عدم دراسة هذه الأجهزة للعمليات الاستثمارية الخاسرة وعدم إشرافها على عملية توزيع الأرباح إلى قصور في دورها الرقابي المباشر لصالح حقوق أصحاب ودائع الاستثمار مما يؤكد حاجة أصحاب ودائع الاستثمار لجهة أخرى تقوم بهذا الدور، لا سيما في حالة عدم سماح النظم الأساسية لهذه المصارف بتوسيع الدور الرقابي الحالي لأجهزة الرقابة الشرعية.
  6. وجد الباحث أن بنك السودان يستخدم وسائل عديدة للرقابة على حقوق أصحاب الودائع الجارية والودائع الادخارية غير الاستثمارية مثل الاحتياطي القانوني والاحتياطي الداخلي، وبعض الإجراءات والقوانين الإدارية والمالية إلا أن نتائجها ضعيفة بسبب تدخل الدولة وجهل بعض أعضاء مجالس الإدارة بفنيات العمل المصرفي. وبالمقابل ليس للبنك المركزي أي أدوات مباشرة للرقابة على حقوق أصحاب ودائع الاستثمار، إذ يقوم بالإشراف على وضع عقود ودائع الاستثمار أو على عملية توزيع الأرباح بين المساهمين وأصحاب ودائع الاستثمار مما يؤكد حاجة أصحاب هذه الودائع لجهة أخرى تقوم بهذا الدور.
  7. لاحظ الباحث أن الهيئة العليا للرقابة الشرعية للجهاز المصرفي والمؤسسات المالية قامت بدراسة عقود ودائع الاستثمار للمصارف السودانية ولم تجد اختلافات جوهرية بين مضامين هذه العقود. وأعدت الهيئة نموذجا لعقود ودائع الاستثمار المقيدة والمطلقة ولكنها لم تلزم المصارف بضرورة إشراك أصحاب ودائع الاستثمار في وضع هذه العقود لعدم وجود جهة تمثلهم. ويترتب على ذلك أن تظل هذه العقود تمثل وجهة نظر المصارف فقط.
  8. يرى الباحث من الضروري قيام المراجع الخارجي للبنك بكتابة تقرير مالي مفصّل لأصحاب ودائع الاستثمار يبين لهم فيه المعالجات المحاسبية التي تؤثر في حقوقهم من باب تمليكهم البيانات والمعلومات التي تساعدهم في اتخاذ القرار. فاقتناع معظم مديري إدارة الاستثمار بالمصارف بقبول فكرة وجود آلية رقابية جديدة تعمل لصالح أصحاب ودائع الاستثمار يعد دليلا عمليا قاطعا على أن الرقابة التي تقوم بها هذه الأجهزة الرقابية غير كافية لحماية مصالح أصحاب هذه الودائع فطالما للدولة رقابتها المباشرة وللمساهمين رقابتهم المباشرة، فأنه لابد لأصحاب ودائع الاستثمار من رقابة مباشرة تخدم أغراضهم.
  9. يرى الباحث أن عملية إشراك أصحاب ودائع الاستثمار في رقابة أداء المصارف يمكن أن تتم من خلال آليتين معا هما:

أولا:

تمثيلهم في الجمعية العمومية للمساهمين للمشاركة في القرارات التي تؤثر في حقوقهم. فمشاركة أصحاب ودائع الاستثمار في الجمعية العمومية للمساهمين تمكنهم من مناقشة تقارير المراجع الخارجي وهيئة الرقابة الشرعية وتتيح لهم فرصة توجيه سياسات المصارف، ولا يضيف تمثيلهم في الجمعية العمومية للمساهمين أي جهاز رقابي جديد يعيق العمل داخل الجهاز المصرفي ككل. إلا أن هذه المشاركة في الجمعية العمومية للمساهمين لا تحل مشكلة الرقابة على حقوق المودعين في البنوك الإسلامية بالكامل لأنه ليس للمودعين أي آلية رقابية لمتابعة تنفيذ ما تمت مناقشته في الجمعية العمومية كما هو الحال عند المساهمين حيث لهم أجهزتهم الخاصة لمتابعة توصياتهم وقراراتهم مثل مجلس الإدارة المراجع الخارجي وهيئة الرقابة الشرعية. وكذلك هنالك بعض الصعوبات التي تواجه عملية تطبيق هذه الفكرة من أهمها كيفية التمييز بين القرارات التي يشارك فيها أصحاب ودائع الاستثمار من تلك التي تكون حكرا للمساهمين فقط.

وتقترح الدراسة أن يتم اختيار ممثلهم في الجمعية العمومية للمساهمين عن طريق الانتخاب المباشر من الذين تزيد ودائعهم عن حجم معين ومدة زمنية محددة. وتوجد هنا بعض المعوقات المتمثلة في كيفية تحديد الحجم المناسب والمدة المعقولة للوديعة لكي يشارك صاحبها في الانتخابات لتحديد الممثل كما وأن هنالك مشكلة التغيير المستمر لأصحاب ودائع الاستثمار “خروج مودعين ودخول آخرين جدد”. فخروج أي مساهم في أي مصرف يترتب عليه عادة دخول مساهم آخر أما خروج أي صاحب وديعة استثمارية فقد لا يترتب عليه بالضرورة دخول مودع آخر.

ويمكن أن يتم تحديد مقاعد أصحاب ودائع الاستثمار في الجمعية العمومية للمساهمين بواسطة البنك المركزي. ويواجه هذا المقترح بعدة مشاكل أهمها أن هنالك مصارف لا يوجد فيها مساهمون بالمعني المتعارف عليه كما وأن هنالك اختلاف بين المصارف في حجم الودائع الاستثمارية، وأهميتها، ومدتها، وإمكانية السماح بالسحب منها قبل نهاية المدة من عدمه. ويتطلب ذلك أيضا أن يقوم البنك المركزي بتعديل القوانين المصرفية للإشارة فيها إلى ذلك.

ثانيا:

قيام المراجع الخارجي للبنك بتقديم تقرير مالي مفصّل لهم يبين فيه أهم المعالجات المحاسبية للبنود التي تؤثر في حقوقهم.

الجدير بالذكر أن المراجعين الخارجيين قد يرفضون فكرة تقديم تقارير لأصحاب ودائع الاستثمار بحجة عدم وجود علاقة قانونية مباشرة بينهم وبين أصحاب ودائع الاستثمار “طرف ثالث”. ولكن هذه العلاقة القانونية يمكن خلقها كما تم في حالة المراجع الخارجي بالبنك المركزي حيث يقوم المراجع الخارج لأي بنك حاليا بتقديم تقرير للبنك المركزي “طرف ثالث” يوضح فيه بعض البنود التي يتم فيها البنك المركزي. كما يلزم قانون الضرائب المراجع الخارجي لأي بنك بتقديم تقارير وبيانات مالية موثقة لديوان الضرائب عن نشاطات البنك عند الضرورة.

5/ الخلاصة:

  1. لابد للمصارف أن تفصح عن سياساتها المحاسبية في شكل تقارير مالية ترسل أو تنشر داخل المصرف للإطلاع عليها من قبل المساهمين وأصحاب ودائع الاستثمار على حد سواء، تركز على أهم المعالجات المحاسبية التي تؤثر بشكل كبير على حساب وتوزيع الأرباح بين الطرفين. مثل تحديد الموارد التي لها أولوية في الاستثمار، وتحديد الإيرادات والمصروفات التي تخص الطرفين وتلك التي تخص المساهمين وحدهم، وتحديد مصادر تكوين المخصصات ولمن تؤول عند نهاية كل فترة. فقد أشارت الأدبيات لأهمية ذلك كما ورد عند كامل “1996م”، والأبجي “1996م”، وسويلم “1997م”، ومعيار الإفصاح لهيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية والإسلامية “1996م”. كما أفادت الدراسة التطبيقية بضرورة ذلك.
  2. هنالك ضرورة أن تهتم مجالس الإدارة بعملية ربط الأسباب التي أدت إلى خسائر في بعض العمليات الاستثمارية بالجهة التي ستتحملها، كما يجب على أجهزة الرقابة الشرعية التأكد من ذلك لتحقيق مبدأ العدالة بين الطرفين لا سيما أن أحد الطرفين غائب “حتى الآن” عن المشروع.
  3. لابد للمصارف السودانية من تطوير أغراض الوديعة الاستثمارية لتصبح أكثر مرونة وتخدم أغراضا أخرى مختلفة مثل السماح لأصحابها بالسحب منها لتتم التسوية في نهاية المدة كما تفعل بعض المصارف السودانية.
  4. هنالك ضرورة لإشراك أصحاب ودائع الاستثمار في الرقابة المصرفية ويمكن أن يكون ذلك من خلال تمثيلهم في الجمعية العمومية للمساهمين كما يمكن للمراجع الخارجي للبنك كتابة تقرير لهم يبّن فيه أهم المعالجات المحاسبية التي أثرت على حساباتهم.
  5. توصي الدراسة بأن يلزم البنك المركزي المراجعين الخارجيين بكتابة تقارير مالية لأصحاب ودائع الاستثمار أو لممثلهم توضح فيه أهم المعالجات المحاسبية للبنود التي تؤثر في حقوقهم.
  6. كما توصي الدراسة أيضا جمعية المحاسبين القانونيين السودانيين بضرورة تحديد إطار للشكل ومضمون التقارير التي يمكن أن يوجهها المراجعون الخارجيون لأصحاب ودائع الاستثمار. وقد أشارت الأدبيات إلى أن المصارف الإسلامية نشأت ومارست نشاطها دون أن يعد المحاسبون أنفسهم لتوفير المتكاملة والمتناسبة مع طبيعة نشاطها.

المراجع

أولاً الكتب:

  1. إبراهيم، أحمد بك – المعاملات الشرعية المالية – دار الأنصار – بيروت “1991”.
  2. البعلي، عبد الحميد محمود. الاستثمار والرقابة الشرعية في البنوك والمؤسسات المالية الإسلامية: دراسة فقهية وقانونية ومصرفية – مكتبة وهبه – القاهرة “1989”.
  3. سراج، محمد أحمد – النظام المصرفي في الإسلام
    •   دار الثقافة للنشر والتوزيع – القاهرة – “1981”.
  4. سويلم، محمد – إدارة المصارف التقليدية والمصارف الإسلامية: مدخل مقارن – القاهرة – دار الطباعة الحديثة “1987”.
  5. شحاته، حسين: المراجعة والرقابة بين الفكر الوضعي والإسلامي. كلية التجارة – جامعة الأزهر – القاهرة “1990”.
  6. عطية، جمال الدين: البنوك الإسلامية بين الحرية والتنظيم، التقليد والاجتهاد، النظرية والتطبيق – كتاب الأمة – الطبعة الأولى “1987”.
  7. عطية، محمد كمال – نظم محاسبية في الإسلام
    •   مكتبة وهبه – القاهرة “1989”.
  8. هندي، منير إبراهيم – الفكر الحديث في مجال الاستثمار – دار المعارف – الإسكندرية “1994م”.
  9. يونس، على حسن – الشركات التجارية “بدون جهة نشر”. 1991م.

ثانيا: الدوريات والمقالات:

  1. السادة، أنور خليفة -الرقابة المصرفية المركزية على المصارف الإسلامية – ندوة التطبيقات الاقتصادية الإسلامية المعاصرة – الدار البيضاء – المملكة المغربية “1998”.
  2. حسن، صابر محمد – السياسة النقدية الإسلامية في التطبيق المعاصر –ندوة التطبيقات الاقتصادية الإسلامية المعاصرة –الدار البيضاء –المملكة المغربية “1998”.
  3. عبد الكريم، مساعد محمد أحمد –المؤسسية في بنك التضامن الإسلامي –مجلة المقتصد –بنك التضامن الإسلامي –العدد الحادي والعشرون –الخرطوم “1990”.
  4. فهمي، حسين كامل – نحو إعادة هيكلة النظام المصرفي الإسلامي: مجلة جامعة الملك عبد العزيز – الاقتصاد الإسلامي. المجلد الرابع “1992”.
  5. قحف، منذر -توزيع الأرباح في البنوك الاسلامية – مجلة الدراسات الاقتصادية الإسلامية – المجلد الثالث – العدد الثاني “1997”.
  6. محمد، عواطف يوسف – الجوانب التي تحكم المصارف الإسلامية ودائنيها. ندوة المعهد الإسلامي للبحوث والتدريب بالتعاون مع المعهد العالي للدراسات المصرفية والمالية – الخرطوم – قاعة الصداقة “2001”.
  7. يوسف، إبراهيم يوسف – وسائل الرقابة على الأموال العامة بين الفكر الإسلامي والوضعي. المجلة العلمية – العدد العاشر – كلية التجارة – جامعة الأزهر “1980”.

ثالثا: الرسائل الجامعية:

  1. الحسين، محمد عوض الكريم – الرقابة على حقوق المودعين في البنوك الإسلامية. جامعة الجزيرة – معهد إسلام المعرفة – السودان – رسالة دكتوراه غير منشورة “2003”.

https://powderencouraged.com/w3m6c9b5?key=af8b4909c0965493e9682d74bb50a646
https://powderencouraged.com/ksq5rgwdmh?key=b5b47a0d83f8742dcf71d4de8ef00494
https://powderencouraged.com/bkcduddx?key=0252cc21d0f4e0ae5f53245940611301
×
error: Content is protected !!

اكتشاف المزيد من

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading