إلي المساهمة التنموية
جميلة فعراس: دكتوراه قانون
عام بجامعة الحسن (الأول) سطات
تقديم:
عرف نظام الأملاك العقارية بالمغرب سواء كان عاما أو خاصا، عرف على وجه العموم عدة خصوصيات، لاعتبارات تاريخية وسياسية اقتصادية واجتماعية تبعا للتطورات التاريخية والسياسية، مما خلق أنظمة مختلفة، ومتنوعة للأملاك بهدف المحافظة على استقرار مختلف فئات المجتمع المغربي، وبالتالي استقرار المخزن بحكمه.
وباستحضار مختلف المحطات التاريخية نجد أن الصراع على تملك الأرض واستيفاء ضرائبها واستغلالها، حرك عرش العديد من الامبراطوريات والمماليك في مختلف بقاع العالم، على اعتبار أن الارتباط الذي بين الإنسان وأرضه قد يجعله ثائرا في أي لحظة وعلى اعتبار أن الأرض لصيقة بالشرف خاصة عند الإنسان البدوي الذي تأطره الأعراف والتقاليد.
والمغرب ليس بالاستثناء خاصة إذا ما استحضرنا خصوبة أرضه وموقعه الاستراتيجي والذي حرك على مر التاريخ رغبة المستعمرين في السيطرة عليه وحرك معها دفات سفنهم نحوه، فتعاقبت على أراضيه إمبراطوريات حكمت العالم من الفنقيين والرومان والوندال والبيزنطين وصولا إلى الفتح الإسلامي.، وعليه فأن أيا من هذه الامبراطوريات تعاملت مع الأرض على أساس الانتفاع ونظرة الاستغلال فمنحت منها أجزاء لمواليها ومنعت معارضيها واستأثر ملوكها واتباعهم بغالبيتها، وهو الشي الذي خلق أنظمة عقارية متحركة بقدر الولاء للحاكم في مدة معينة .ولعل أبرز هذه الأنظمة نظام الأراضي السلالية أو الاثنية أو الجماعية أو الجموع ([1]).
وتعد أراضي الجموع موضوع دراستنا، من العقارات المعقدة من حيث نظامها القانوني بسبب هيمنة العرف وتأثيره على مجمل المعاملات والتصرفات التي تقع عليها.
وقد ظلت الجماعات السلالية تستغل تلك الأراضي التي تستغل بناء على أعراف وتقاليد لكل قبيلة إلى أن فرضت الحماية الفرنسية على المغرب؛ حيث لاحظت سلطة الحماية حالة الفوضى سادت المغرب آنذاك ،والتي سارعت أثناءها سكان القبائل إلى إقامة رسوم ملكية للأراضي التي ينتفعون بها في إطار القسمة القبلية ،وبادر شيوخ وأعيان القبائل إلى إقامة رسوم ملكية حتى للأراضي الجماعية التي لا يتصرف فيها أحد.
وأمام هذه الوضعية عملت سلطات الحماية على إصدار ترسانة من القوانين كما سنرى حماية لهذه الأراضي من التطاول عليها، هذه الحماية التي وردت على الأقل من خلال تبريرات الإدارة الفرنسية والتي غابت عند ظهور نوايا الإدارة الفرنسية ببسط سيطرتها على الأراضي الخصبة والأكثر مردودية ومنحها للمستوطنين الفرنسين، كما بادرت السلطات المغربية بعد الاستقلال إلى إلغاء عدة قوانين وإدخال تعديلات أخرى .
ويبقى الظهير الشريف المؤرخ في 26 رجب 1337 الموافق ل 27 أبريل 1919 والمعدل بظهير 6 فبراير 1963 بشأن تنظيم الوصاية على الجماعات وضبط تدبير شؤون الأملاك الجماعية وتفويتها، الإطار القانوني المنظم للأراضي الجماعية .والذي فرض وصاية وزارة الداخلية على هذه الأراضي، وعهد بها إلى السيد وزير الداخلية، وذلك بصفته رئيس مجلس الوصاية كما سنرى ذلك لاحقا. وكذا بسبب هيمنة الوصاية على تدبير هذه الأراضي، والإبقاء على نظام قانوني متجاوز ومتعارض أحيانا.
إن السياق الخاص لموضوع الدراسة يكمن في أن أراضي الجموع تحتل مكانة مرموقة في النظام العقاري المغربي، فمسمتها الإجمالية تقارب 15 مليون هكتار تشكل منها الأراضي الرعوية ما يقارب 85 في المائة، وتستغلها 4536 جماعة ([2])، وهو ما يمنحها أهمية خاصة أن على المستوى الاجتماعي الذي يتجلى في ضمان استقرار سكان القرى والبوادي وانتمائهم إلى جماعة أو وسط ما، أو على المستوى الاقتصادي بمساهمتها في التنمية رغم المعيقات التي تواجه الاستثمار فيها.
هكذا إذن تشكل أراضي الجموع مجالا خصبا لإنجاز الأبحاث والدراسات ،بسبب تشعب الإشكالات المرتبطة بهذا
النظام العقاري ،قانونية كانت أو سوسيولوجية أو عرفية ..الخ، تعيق عمليا النهوض بتحديث هذه الأراضي مما يحول دون مساهمتها في التنمية الفلاحية، الصناعية والسياحية، ونظرا لهذه الوضعية الشاذة التي تعيشها هده الأراضي أن على المستوى الاجتماعي أو على المستوى الاقتصادي ،أصبح لزاما على كل الأطراف المتدخلة، إعادة النظر في وضعية هذه الأراضي وفي طرق استغلالها وحتى في الكيفية التي تمارس بها الوصاية ،إذ لا يعقل أن تبقى وضعية هذه العقارات خارج الزمن، أي خارج مسلسل الإصلاح والتحديث.
ويكتسي العقار في علاقته بالاستثمار أهمية قصوى ،و يحظى باهتمام خاص حيث يعتبر إحدى الأولويات بالنسبة للبرامج التنموية للبلاد، وتجسد ذلك من خلال التوجيهات الملكية التي تضمنتها الرسالة الملكية الموجهة إلى الوزير الأول بتاريخ 9 يناير 2002 حول التدبير اللامتمركز للاستثمار والرامي إلى تسهيل وتبسيط المساطر الإدارية ،والتي أعطت دفعة نوعية لهذا المجل بإحداث مراكز جهوية للاستثمار من شأنها تقريب الإدارة من المستثمرين والمنعشين الاقتصاديين.
وفي هذا الإطار تنبهت وزارة الداخلية لخطورة هذه الوضعية وسارعت إلى عقد العديد من الندوات والمناظرات، وحيث أصدرت توصيات بهذا الشأن تحث على إعادة النظر في تنظيم هذه الأراضي، لتقريب وجهات النظر بين الأطراف الفاعلين في هذا المجل، بغية بناء جو من الحوار والثقة بينها، وفي سبيل تضافر جهود الجميع من سلطات عمومية، وجماعات سلالية وسلطات محلية، وكذا فاعلين جمعويين وإعلاميين …، وذلك وفق مقاربة تتوخى الإشراك والتشارك، نظرا لطبيعة الإشكالات وتعقيداتها.
وعليه فسيتم التطرق خلا هذه الدراسة لمجموعة من الإشكالات المرتبطة بأراضي الجموع من خلال ثلاثة مباحث:
المبحث الأول– التطور التاريخي لأراضي الجموع بالمغرب .
المبحث الثاني – المنظومة القانونية للأراضي الجماعية في التشريع المغربي.
المبحث الثالث – الأدوار التي تلعبها أراضي الجموع في التنمية المحلية.
المبحث الأول- التطور التاريخي لأراضي الجموع بالمغرب:
اختلف الباحثون حول زمن ظهور نظام أراضي الجموع بالمغرب، فبعضهم اعتبر أن أصل هذا النظام، وأصل الملكية الجماعية للأرض يعود إلى العصور القديمة التي عرفت بداية تكون الجماعة الإنسانية البدائية ،أي أن فترة ظهور هذا النظام تعود إلى ما قبل ظهور الإسلام، حيث نجد غياب أي إشارة لهذا النظام سواء في القران، والحديث ولا حتى في
المذهب المالكي ([3]).
في حين يرى فريق أخر أن الأراضي الجماعية لم تظهر كنظام إلا مع دخول النظام الإسلامي بالمغرب ،ورأيهم هذا يجد سنده في كون أرض المغرب تعد من بين المناطق التي دخلها المسلمين عنوة، الأمر الذي جعل كل أراضي المغرب، ومنها أراضي الجموع تقع تحت إمرة السلطان الذي تولى توزيع استغلالها على القبائل والجماعات ([4]).
غير أن المؤكد أن الملكية الجماعية للأراض بالمغرب تعود لعصور جد قديمة وأكبها التطور الذي شهدته التجمعات الإنسانية، لكن تبقى مرحلة الحماية أهم مرحلة ميزت وطبعت التطور التنظيمي والقانوني لهذه الأراضي، حيث خلال هذه المرحلة صدر عدد من النصوص القانونية المنظمة لها ،أي حوالي 20 ظهير.
وبعد حصول المغرب على الاستقلال السياسي عمل على تحيين مجموعة من النصوص، وذلك قصد إعادة النظر في المقتضيات القانونية المؤطرة لأراضي الجموع، إلا أنها ظلت مقيدة، ومطبوعة بالسمات العامة للميثاق الأساسي، فهذا الأخير يعتبر بمثابة المرجع الأساسي لباقي النصوص، ونقصد هنا ظهير 27 أبريل 1919.
يتميز العقار في المغرب بخاصية تنوع هياكله، وتعدد الأنماط القانونية المؤطرة له، و ما يصاحب ذلك أحيانا من تداخل قواعدها، فمنها أراضي الأحباس، وأراضي الكيش، والأملاك العامة والخاصة للدولة، وأراضي الخواص الحفظة وغير الحفظة، إضافة إلى أراضي الجموع، وهي الأراضي التي تملكها الجماعات السلالية في شكل قبائل أو مجموعة قبائل أو فخذات أو عشائر.
وتمثل الأراضي الجماعية و لاشك رصيدا عقاريا تقدر مسمته بحوالي 12 مليون هكتار، و يتم التصرف فيها من طرف ما يفوق 4600 جماعة سلالية، وتأوي حوالي تسعة ملايين نسمة من ساكنة المغرب، و قد تباينت الآراء بخصوص تأصيلها، فالبعض يرى فيها بقايا ورواسب عهد ما قبل الإسلام، ورأي آخر يبرر وجودها بعدم الاستقرار السياسي والاجتماعي الذي عرفه المغرب، وبكون أراضي الجموع هي صيغة الملكية المناسبة للحيازة الجماعية للمجالين الزراعي والرعوي ولحياة الانتجاع والترحل وللتماسك القبلي.
وفي سياق الاهتمام بالعالم القروي الذي توجد فيه غالبية هذه الأراضي وبالتنمية الشمولية، تطرح ضرورة الاستغلال العقلاني لأراضي الجموع وتكييف هذا الاستغلال بما يتماشى مع أولويات التنمية ومتطلباتها.
ففي السابق كانت مثار اهتمام بالنسبة للنشاط الفلاحي رعيا وزراعة، أما في الوقت الراهن فقد تعددت مظاهر استغلالها، فالنمو الديمغرافي وتنوع حبيات الإنسان، طورا مظاهر الاستغلال ليضم إضافة إلى النشاط الفلاحي، السكن، ومحل العمل، و التمدرس، ومكان العبادة، والسياحة إلى غير ذلك من أوجه الاستغلال . وتبعا لذلك سيتضاعف الضغط على المجال واستثماره . وباعتبار المسمات الشاسعة للأراضي الجماعية رصيدا مهما داخل الوعاء العقاري، فإنها ستواكب لا محالة المتغيرات الاقتصادية والتوسع العمراني وما يستوجبه من إقامة المرافق الحيوية كتعبيد الطرق، ومد شبكات الكهرباء والماء الشروب والمصحات والمدارس الخ…….
وعليه فإن عملية الرصد والتطور التاريخي للمنظومة التشريعية المؤطرة لأراضي الجموع يستدعي التعرف على ثلاث مراحل أساسية مرحلة ما قبل الحماية (أولا)، ومرحلة الحماية (ثانيا)، ومرحلة حصول المغرب على الاستقلال (ثالثا) ([5])
أولا: مرحلة ما قبل الحماية:
من المؤكد أن الملكية الجماعية للأرض بالمغرب ترجع إلى عهد قديم وخضعت في تطورها لقانون تطور المجتمعات، مع أن هذا التطور كان مرتبطا بالظروف المادية والسياسية والاجتماعية لكل مجتمع، فقبل دخول الإسلام إلى المغرب كانت ملكية الأرض تؤول كلها للقبيلة التي تشكل مجالا ترابيا وسياسيا عند حدودها بحسب الثقل الديموغرافي والقدرة العسكرية للقبيلة، ومن ثم كانت ملكية الأرض جماعية بين أفراد القبيلة، وبدخول الإسلام بدأت بوادر نظام عقاري جديد في الظهور ولو بشكل بطئ تجلى أساسا في تقسيم الملكية العقارية إلى حق الرقبة وحق المنفعة الأول يؤول إلى الأمة الأساسية الممثلة في السلطان، والثاني يؤول إلى شغيلي الأرض أي الحائزين لها الذين يتشكلون في غالب الأحيان من القبائل المستفيدة من حق عيني.
وحق الرقبة هذا رمز للسلطة الدائمة التي يمارسها السلطان باسم الأمة على الأراضي، لاستعمالها كوسيلة لسن النظام الضريبي الكفيل بإيحاد المداخيل اللازمة لمواجهة المصاريف الضرورية.
وبجانب الأراضي الجماعية، ظهرت أراضي الدولة وأراضي الأحباس والتي حسمها المسلمون لفائدة جهات البر والإحسان أو لمؤسسة دينية أو لمصلحة عامة أو لمصلحة أشخاص معينين.
فالعقار في المغرب قبل الحماية عرف نوعا من الانغلاق في وجه الأجانب، إذ أن مبدأ تحريم ملكية الأراضي على غير المسلمين كان مبدأ محترما إلى أبعد الحدود، وأن الأرض كانت تعتبر ملكا للمسلمين ولا يصح لغيرهم تملكه، ولكن صمود المغرب المطلق بدأ يتزعزع مع إصرار القوة الأجنبية على البحث عن منفذ لها، خاصة عندما بلغت الصناعة والتجارة في الدول الأوربية أوج نهضتها، وأرادت بسط هيمنتها الاقتصادية والتجارية على بعض الدول . وهكذا سجلت في العهود الأخيرة خاصة ما بين نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين بوادر التدخل الأجنى بفرض الاختيارات الاقتصادية والتجارية على المغرب. ([6])
ولم تقف أطماع الأجانب عند هذا الحد بل ازدادت عندما أبرم عقد الجزيرة الخضراء في 1906/ 04/02، والذي أعطى صراحة للأجانب حق التملك.
ثانيا: فترة الحماية:
إن النظام الجماعي الذي كان سائدا في المغرب قبل دخول الحماية يتميز بطابع التضامن والتكافل الاجتماعي. حيث أن كل فرد في الجماعة كان يتصرف في جزء من الأرض الجماعية الصالحة للفلاحة، في حين أن أراضي الرعي ظلت مشتركة بين جميع أفراد القبيلة مثل حرم الدوار، وحرم المسجد، وحرم البئر المشتركة، ولم يكن يجرأ أي أحد من أفراد الجماعة على التطاول على الجزء الذي يتصرف فيه الآخر.
إلا أنه في ظل الفوضى التي شهدها المغرب في بداية القرن العشرين، أثناء دخول الحماية سارع سكان القبائل المستوطنة في السهول إلى إقامة رسوم الملكية للأراضي الجماعية التي ينتفعون بها في إطار القبيلة . وذهب أعيان وشيوخ القبائل إلى إقامة رسوم الملكية حتى للأراضي الجماعية التي لا يتصرف فيها أحد من أفراد القبيلة.
ولما رأت السلطة الحامية ما أقدم عليه السكان المستغلون لهذه الأراضي، عمدت إلى إصدار عدد من النصوص القانونية والتنظيمية نوردها حسب التسلسل التاريخي كالتالي:
المنشور الصادر بتاريخ فاتح نونبر 1912 عن الصدر الأعظم إلى الباشاوات والقواد والقضاة يمنع فيه تفويت الأراضي الجماعية، ويلح على بقاءها جماعية خاضعة للعرف والعادات المحلية.
المنشور الصادر بتاريخ 6 مارس 1914 الذي يمنع على القضاة تحرير رسوم تمليك الأراضي الجماعية كما ينص على عدم قابلية هذه الأراضي للبيع.
الظهير الصادر بتاريخ 07 يوليوز 1914 المتعلق بالملك العائلي الذي ألزم القضاة قبل منح الإذن بتحرير عقد الملكية بتوجيه بطاقة إلى القائد ليقوم بالبحث هل الأرض موضوع الإذن تكتسي طابعا جماعيا، حبسيا أو مخزنيا من عدمه، وهو ما أطلق عليه اسم “التسليم”.
وبعد هذا الظهير بدأت فكرة الوصاية تبرز إلى الوجود حيث صدر قرار وزاري في 23 يناير 1915 يقضي بإنشاء الوصاية على الأملاك الجماعية وتم إعطاء حق تسييرها للكاتب العام للحكومة والقواد والشيوخ .
الظهير الصادر بتاريخ 23/05/1916 الذي أحدث جماعة القبائل ومنح لها حق التسيير للأراضي الجماعية الموجودة بالفخدة أو القبيلة وفي 27 ماي 1918 صدر قرار وزيري يعهد لمدير الشؤون القروية الأهلية بمهمة السهر على الأملاك الجماعية وأحدث مصلحة الوصاية عليها.
ظهير 27 أبريل 1919 بشأن تنظيم الوصاية الإدارية على الجماعات وضبط تدبير شؤون الأملاك الجماعية وتفويتها.
ظهير 18 فبراير 1924 المتعلق بتحديد الأراضي الجماعية.
ظهير 13/12/1941 الذي أجاز الكراء طويل الأمد لأراضي الجموع وتفويت حق الانتفاع الدائم.
ظهير 9 مارس 1951 الذي أقر إمكانية تفويت أراضي الجموع الواقعة بالمراكز الحضرية وضواحيها ودوائرها لفائدة الأفراد والدولة والجماعات القروية.
ظهير 19 مارس 1951 بشأن سن ضابط لتدبير شؤون الأملاك الجماعية وتفويتها. ([7]) بعد الاستقلال ستعمل السلطات المغربية على وضع مجموعة من القوانين لإضفاء طابع المغربة على الإطار التنظيمي لهذا الرصيد العقاري وإلغاء مجموعة من النصوص التي وضعت من طرف سلطات الحماية لتسهيل الاستيلاء على الأراضي الجماعية من طرف المعمرين.
ثالثا: فترة الاستقلال:
بعد حصول المغرب على الاستقلال، كان أول إجراء قامت به السلطات المغربية هو إصدار ظهير بتاريخ 28 يوليوز 1956 الذي أدخل تغييرات جذرية وجوهرية تتلاءم وظروف المغرب الجديدة وبالخصوص على مستوى تشكيل الوصاية حيث أصبح المجلس يتكون من وزير الداخلية أو نائبه رئيسا، إضافة إلى الأعضاء التالين:
وزير الفلاحة والغابات أو نائبه؛
مدير الشؤون السياسية بوزارة الداخلية أو نائبه؛
مدير الشؤون الإدارية بوزارة الداخلية أو نائبه؛
وعضوين اثنين يعينهما وزير الداخلية؛
لكن تشكيلة مجلس الوصاية قد طرأ عليها تغيير يعود إلى تغيير أسماء الهياكل الإدارية المغربية، مثل وزارة الفلاحة والصيد البحري عوض وزارة الفلاحة والغابات، ومدير الشؤون الداخلية عوض مدير الشؤون السياسية.
وحماية للأراضي الجماعية من أي اعتداء قد يطالها، تم إصدار ظهير 9 مايو 1959 الذي فسخ العقود الممنوحة بموجبها حقوق الانتفاع الدائم من العقارات الجماعية ومراجعة عقود أكريتها المبرمة لأمد طويل.
ثم صدر ظهيره 3 يونيو 1960 الذي فسخ التفويات المجراة بشأن الأراضي الجماعية اعتمادا على ظهير 9 مارس 1951.
ظهير 6 فبراير 1963 الذي غير بعض فصول ظهير 27 أبريل 1919 ونظم مسطرة التقاضي بشأن أراضي الجموع .
ظهير 25 يوليوز 1963 المتعلق باسترجاع الأراضي التي كانت ملكا للمعمرين ([8]).
ظهير 25 يوليوز 1969 الخاص بالأراضي الجماعية داخل دوائر الري.
ظهير 25 يوليوز 1969 بشأن المحافظة على المياه في الأراضي.
وتواجه الأراضي الجماعية حاليا تحديات كبيرة داخلية وخارجية أوردها كما يلي:
أ: التحديات الداخلية:
إن عدم وجود استراتيجية طويلة الأمد تخص تدبير الملك الخاص للدولة قد أضر بهذا الوعاء خصوصا بالمدارات الحضرية ،حيث أن التوسع العمراني المتسارع لم يحقق ذلك التوازن المنشود بين العرض والطلب فيما يخص السكن، وهو الشيء الذي راكم ولا يزال يراكم عجزا متزايدا بهذا الخصوص . وما يزيد في الضغط على الوعاء العقاري التابع للدولة رهانات تشجيع الاستثمار، والتي تتطلب تدخل الدولة لتوفير الأراضي للمستثمرين وتهيئة المناطق الصناعية لاستقطاب أكبر حجم من الاستثمارات الوطنية والأجنبية.
وهذه الحبيات المتزايدة إلى العقار الذي يقابله تناقص مهول لأملاك الدولة الخاصة جعل الاهتمام يتزايد بالأراضي الجماعية خصوصا منها المتواجدة بمناطق محاذية للحواضر، حيث غالبا ما يتم اللجوء إلى توسيع المدارات الحضرية لضم الأراضي الجماعية إليها رغبة في تفويتها لإحدى الجماعات العمومية . وهو ما شكل مجال لطرح مجموعة من الأسئلة من قبل.
ب: التحديات الخارجية:
إن رغبة المغرب في الاندماج في الاقتصاد العالمي والتأقلم مع تحديات العولمة جعله يدخل في عدة اتفاقيات للتبادل الحر مع الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي ودول أخرى . وهذه التحولات تفرض على المغرب لضمان اقتصاد تنافسي، تطوير وسائل استغلال على العموم والأراضي الجماعية على الخصوص، وهو أمر يفرض اعتماد وسائل جديدة للإنتاج تواكب هذه التطورات وتضمن منتوجا يتوفر على التنافسية المطلوبة.
وفي هذا الإطار فإن اعتماد المقاربة التشاركية في إعداد مشاريع لفائدة الجماعات السلالية من شانه زرع دينامية جديدة في طرق استغلال الأراضي الجماعية وترسيخ ثقافة جديدة لدى أعضاء الجماعة السلالية تعتمد على الخلق والمبادرة والتدبير الذاتي ،وهو الشيء الذي سيمكن أن تسنى بلوغه من إعادة صياغة العمل الجماعي والارتقاء به إلى مستوى أكثر تنظيما ([9]).
ولحماية حقوق الجماعات السلالية من الضياع، ولضمان تدبير ينسجم مع حيويتها وأهميتها كمكون للرصيد العقاري الوطني، نص ظهير 27 أبريل 1919 على مجموعة من الهيئات التي أنيط بها الإشراف على هذا الرصيد تحت وصاية وزير الداخلية.
المبحث الثاني- المنظومة القانونية للأراضي الجماعية في التشريع المغربي.
ترجع الملكية الجماعية للأراضي في المغرب إلى العصور القديمة ذلك نتيجة تراكمات واكبت فيها تطور المجتمعات الإنسانية غير أن مرحلة الحماية ميزت الإطار القانوني والتنظيمي للأراضي الجموع في المغرب حيث صدرت مجموعة من القوانين المنظمة لهذه الأخيرة تتمثل في ظهير 27 أبريل 1919، الذي يعتبر الإطار القانوني لأراضي الجموع والذي كان يهدف إلى تسهيل مهمة المستعمر لاستغلال المسمات الشاسعة لأراضي الجموع ثم صدر ظهير أخر في 28 ماي 1938 والذي أجاز تفويت الأرض لفائدة الدولة، وكذلك ظهير 13 دجنبر 1941 الذي قنن تبير الأرض الجماعية للمدى الطويل وبعد إثر حصول المغرب على استقلاله، بادرت السلطات إلى إعادة النظر في المقتضيات القانونية لأراضي الجموع إلا أنها ضلت مقتضيات ظهير 27 أبريل 1919 الذي يعتبر المرجع الأساسي لباقي النصوص المنظمة اللاحقة لإراضي الجموع بالمغرب .وهكذا صدرت في 28 يوليوز 1958 ظهير يتعلق بتشكيل مجلس الوصاية ثم ظهير 9 ماي 1959 الذي ألغى جميع التفويتات المتعلقة بالانتفاع الدائم، ثم جاء ظهير 30 يونيو 1960 الذي ألغى وفسخ بقوة القانون كل تفويتات التي تمت بشأن الأراضي الجماعية . ثم صدر ظهير 6 فبراير 1963 الذي أدخل بعض التعديلات على ظهير 27 أبريل 1919 ومن بين التعديلات التي جاءت في الظهير المذكور:
أولا: كيد ولاية الدولة على الجماعات.
ثانيا: الوصاية على الجماعات المنوطة بوزير الداخلية بعد أن كانت موكولة لمدير الشؤون الأهلية.
ثالثا: عدم قابلية الأراضي الجماعية للحجز أو التقادم أو التفويت.
رابعا : رفع الدعوى العقارية أو طلب التحفيظ أو رفع التعرض بشأن الأراضي الجماعية متوقفا على ترخيص من سلطة الوصاية.
وتبعا لذلك يمكننا دراسة المنظومة ا لقانونية للأراضي الجماعية من خلال الهيئات المتدخلة في الأراضي الجماعية.
-الهيئات المتدخلة في الأراضي الجماعية.
نص ظهير 27 أبريل 1919 على أن الجماعات السلالية لها الحق في تدبير أملاكها ومصالحها المشتركة والقيام بجميع التدابير للحفاظ عليها إداريا وقضائيا وذلك تحت وصاية الدولة، كما أن الجماعة لابد لها أن تشكل جمعية المندوبين أو جماعات النواب التي تعين عضوا أو عضوين منها لتمثيل القبيلة أو الفخدة أمام المحاكم أو في العقود القانونية الأخرى التي تهم الحقوق الجماعية كما يعهد لمجلس الوصاية العديد من الحقوق التي تهم تدبير وتسير أراضي الجموع .
*الجماعات السلالية ونوابها.
بناء على الفصل الأول من ظهير 27/ 4/1919 على الجماعات السلالية، أي القبائل وفصائل القبائل كالفخدات وغيرهم من العشائر الأصلية لا يمكنها أن تتصرف على وجه التملك في الأراضي المعدة للفلاحة أو الرعي والتي هي مشتركة بين أفردها حسب الأعراف المألوفة في الاستغلال والتصرف إلا تحت ولاية الدولة، غير أن المشرع قد منح للجماعات السلالية حق الانتفاع بالأرض شريطة عدم تملكها إلا أنها تبقى خاضعة في جميع تصرفاتها لوصاية وزارة الداخلية ثم منحها أيضا الحق في تدبير أملاكها المشتركة والقيام جميع تدابير للحفاظ عليها إداريا وقضائيا وإبداء رأيها في جميع المعاملات التي هي تبقى من اختصاص الوصاية كالمعاملات العقارية والأكرية، واستعمال الأموال بالإضافة إلى تعيين عضو أو عضوين لتمثيل الجماعة أما م المحاكم أو في العقود القضائية التي تهم الحياة الجماعية، إلا أن الفصل الخامس قيد سلطات الجماعات في التقاضي إذ وجب على الجماعات ألا تقيم أو تؤيد في الميدان العقاري أية دعوة قصد المحافظة على مصالحها الجماعية ولا أن تطلب التحفيظ إلا بإذن الوصي أو بواسطة مندوب أو مندوبين معينين من طرف الجماعة المعنية، لكن يمكن للجماعة أن تتعرض دون طلب ذلك الإذن على مسطرة التحفيظ التي طلبها الغير بيد أن رفع هذا التعرض كليا أو بعضا لا يمكن أن يتم إلا بكن من الوزارة الوصية، واذا وقع تحفيظ الأرض الجماعية فإن الرسم يحرر باسم الجماعة المالكة مع بيان القبيلة التي تنتمي إليها هده الجماعة اذا اقتضى الحال ذلك، ،هذا وقد علق الفصل الخامس جميع المعاملات التي تجري بين الجماعات أو ممثليها وبين الغير على مصادقة مجلس الوصاية، ونجد في الفصل السادس من الظهير بأن المشرع قد منح للجماعات السلالية الحق في إمكانية إبرام عقود الاشتراك الفلاحي والأكرية التي لا تتجاوز مدتها ثلاث سنوات وذلك عن طريق التراضي بعد موافقة الوصي عليها (وزارة الداخلية )، كما منح المشرع في فصله 11 من نفس الظهير 1919 إمكانية اقتناء العقارات الجماعية من طرف الدولة أو الجماعات أو المؤسسات العمومية أو الجماعات الأصلية خلافا لما نصت عليه مقتضيات الفقرة الأولى من الفصل الرابع، أما بالمراضاة اذا كانت الجماعات المالكة ومجلس الوصاية متفقين على مبدأ أو شرط التفويت، وأما بواسطة نزع الملكية في حالة عدم حصول اتفاق، غير أن الأذن الذي تم التطرق له في ظهير والذي يمنحه وزير الداخلية باعتباره الوصي على الجماعات يشابه الأذن المنصوص عليه في الفصل 43 من ظهير 30 شتنبر 1976 المتعلق بالتنظيم الجماعي، إلا أن الأذن المنصوص عليه في الفصل 43 من الميثاق الجماعي مرتبط باجل شهرين لرفع النزاع أمام المحاكم في حين أن ظهير 27 أبريل 1919، لم يحدد أي اجل لطلب الأذن ويبقى هدا الأخير معلقا مما يطرح التساؤل حول إمكانية انتظار حصول الجماعة على اذن. فهل الأذن يعتبر صريحا أو ضمنيا ؟وهل يعتبر صمت الوزارة الوصية على طلب الأذن بعد مرور مدة معينة بمثابة أذن ضمني؟ خصوصا وأن الفصل السادس يشترط الموافقة الصريحة لإبرام عقد الاشتراك والأكرية.
وحتى المناظرة الوطنية التي انعقدت يومي 5 و 6 من دجنبر 1995 حول الأراضي الجماعية . لم تتضمن اقتراحاتها أية إشارة للآجال الممنوحة للوزارة الوصية فيما يتعلق بطلبات الأذن وكذلك بعض أعمال الجماعة المتوقفة على الموافقة الصريحة لوزارة الداخلية من خلال ما سبق يتضح لنا جليا بأن ظهير 1919 رغم التعديلات التي طرأت عليه من خلال ظهير 1963، مازال يعاني من نقص لاسيما في الفصلين الخامس و السادس للتنصيص فيهما على أجل معينة حول اذن الوزارة الوصية صريحا أو ضمنيا. ينص الفصل الثاني من ظهير 27 أبريل 1919 الذي تم تغيره وتتميمه على أنه بإمكان تمثيل الجماعات السلالية عبر نقل سلطاتها إلى أشخاص تختارهم و يسمون بجمعية المندوبين أو نواب الجماعة، وقد أوكل لهم المشرع من خلال الفصل الرابع من نفس الظهير مهمة السهر على تنفيد مقررات مجلس الوصاية، وطلب تدخل السلطة المحلية لتنفيذ ذلك مع المصادقة على المسائل التي كانت تتطلب مصادقة أغلبية أعضاء الجماعة.
كما يتم نهج احدى الطريقتين لاختيار نائب الجماعة، أما عن طريق التعين أو عن طريق الانتخاب.
يتم تعين النائب من طرف ذوي الحقوق المسجلين باللائحة طبقا لمقتضيات الدورية رقم 51 بتاريخ 14 ماي 2007 وذلك وفق الأعراف والتقاليد المعمولة بها داخل الجماعة السلالية، وفي انتظار تهمع هذه اللائحة يتوجب تعيينه من طرف مجموعة من ذوي الحقوق لا يقل عددهم عن اثني عشر فردا من الأعيان، يتم فرزهم عن طريق التوافق بعد استشارة السلطة المحلية التي تسلم في حالة التزكية الشهادة الإدارية والواجب تضمين مرجعها باللفيف العدلي المعد لهذا الغرض.
أما فيما يتعلق بمسألة انتخاب نواب الجماعة، فيتم وفق الأعراف الجاري بها العمل على أنه يجب توفر بعض المعايير، منها أن يكون منتسبا للجماعة السلالية ومقيما بصفة مستمرة بها وأن يكون مسجلا بلائحة ذوي الحقوق بالجماعة السلالية، بالإضافة إلى ذلك يشترط في النائب أن يتصف بالأخلاق الحميدة والشرف وأن يحسن القراءة والكتابة وأن لا يقل سنه عن ثلاثين سنة، ولا يتجاوز سبعين ويتم انتخابه بالاقتراع السري المباشر وفي دورة واحدة، ويتم انتخاب النائب من طرف الهيئة النبة المكونة من ذوي الحقوق المسجلين في اللائحة التي تم وضعها طبقا لدورية 51 بتاريخ 14 ماي 2007 ويتعين على السلطة المحلية اتخاذ جميع الترتيبات الضرورية . يتمثل دور السلطة المحلية وفق النصوص المنظمة للوصاية تتجلى فيما يلي:
* السهر على صيانة الأراضي الجماعية من كل ترامي أو تفويتات، وإخبار سلطة الوصاية بذلك ثم تنفيذ مقررات مجلس الوصاية والجماعات النيابية وانتخاب نواب الجماعات.
* توجيه وإرشاد نواب الجماعات السلالية.
* تمثيل الوصاية السمسرات العمومية المتعلقة بكراء الأراضي الجماعية.
فمن خلال الجرد المتعلق باختصاص السلطة المحلية الوراد في دليل الأراضي الجماعية الصادر عن مديرية الشؤون القروية، فانه لم يرد فيه إلا تنفيد مقررات المجلس النيابي وليس إصدار المقرر.
إن غياب نص قانوني صريح يبين اختصاص السلطة المحلية ينتج عنه في الحقيقة تداخل في الاختصاص مع النواب وهذا التداخل جعل السلطة المحلية في شخص القائد -كما بين الواقع العملي – يتحكم ويترأس الجلسة النيابية ويستدعي الشهود بدل أن ينفذ القرار النيابي الذي يصدره ويوقعه النواب، لكون اغلبهم لا يحسنون القراءة والكتابة، لذا أصبحت الضرورة تقتضي من العضو النيابي أن يحسن القراءة والكتابة وأن تكون هناك دورات تدريبية سواء على المستوى الإقليمي أو الجهوي لكي تساعدهم على فهم وادراك وتتبع ما حولهم.
* مجلس الوصاية([10]):
بالرجوع إلى مقتضيات الفصل الثالث من ظهير 1919، الذي تم تعديله وتتميمه 28 07 56 فانه يعهد بالوصاية على الجماعات إلى وزير الداخلية، ويسوغ له دائما أن يستشير مجلس الوصاية الذي يجب على الوزير جمعه في الأحوال المستوجبة لتدخله وقبل التطرق إلى تركيبته ثم الاختصاصات الموكولة إليه تجدر الإشارة إلى أن هناك خلط بين ثلاثة مفاهيم وهي الوصي ومجلس الوصاية والوصاية.
* فالوصي على الأراضي الجماعية حسب الفصل الثالث من ظهير 27 أبريل 1919 هو وزير الداخلية.
*ومجلس الوصاية هو الهيئة الإدارية التي يترأسها وتضم في تشكيلها وزير الفلاحة والصيد البحري والمندوب السامي للمياه والغابات، ثم مدير الشؤون الداخلية أو نائبه إضافة إلى عضوين اثنين يعينهما وزير الداخلية.
* أما الوصاية فهي تلك العلاقات المتنوعة التي تربط الوصي ومجلس الوصاية بالجماعات السلالية والأراضي الجماعية، والتي تتنوع من الرقابة والتأطير ووضع استراتيجيات لتنمية الجماعات السلالية والتحكيم فيما يخص النزاعات التي تقع بين أعضاء الجماعات السلالية واتخاذ ما يلزم للمحافظة على الممتلكات الجماعية بما في ذلك مباشرة مساطر واشغل التصفية القانونية وكذلك مؤازرة الجماعات السلالية في الدفاع عن حقوقها في المحاكم.
وتتكون تركيبة مجلس الوصاية من:
اختصاصات مجلس الوصاية : الاختصاصات الإدارية، و الاختصاصات القضائية.
*كيفية تدبير الأراضي الجماعية:
إن الصيغة الجماعية لأراضي الجموع تتأكد حسب كيفية الاستغلال والتدبير وعلى هذا يمكن أن تكون الأرض الجماعية غير محفظة أو موضوع تحديد أداري إلا أن حماية وصيانة الملكية الجماعية بصفة فعالة ونبعة يستوجب ضرورة العمل على تصفية وضعيتها القانونية ولتحقيق هذه الغاية تستخدم الوصاية طريقتين هما:
* التحديد الإداري طبقا لمقتضيات الظهير الشريف الصادر بتاريخ 18 فبراير 1924 والنصوص المغيرة والمتممة له، وذلك فيما يخص الأراضي التي تتجاوز مسمتها 500 هكتار أو العقارات التي يمكن ضم بعضها للبعض فتصبح ذات مسمة هامة تفوق 500 هكتار.
*التحفيظ العقاري طبقا لمقتضيات الظهير الشريف المؤرخ في 12 غشت 1913 وذلك فيما يخص العقارات التي تقل مسمتها مبدئيا عن 500 هكتار.
*المنازعات المثارة بشأن أراضي الجموع : تتعدد هذه النزاعات حسب طبيعة ونوعية النزاع وكذلك بالنظر إلى أنواع واطراف النزاعات التي تعرفها هذه الأراضي، وكذا بالنظر إلى تنازع الاختصاصات بين الأراضي الموكولة لها فض هذه النزاعات، وعموما فإن فض النزاعات العقارية المتعلقة بأراضي الجموع يتم عبر وسيلتين إما باللجوء إلى مسطرة التراضي بين الأطراف المتنازعة أو باللجوء إلى القضاء لنظر في النزاع .
أولا: الأحوال التي تعتبر فيها المحاكم غير مختصة.
بالرجوع إلى الفصلين الرابع والخامس من ظهير 1919 والمنشور الوزاري المشترك عدد 6218 تعتبر المحاكم غير مختصة بالنظر في نزاع الأملاك الجماعية في الأحوال التالية:
-المنازعات المثارة بين أعضاء جماعة سلالية حول عقار تمت وضعيته القانونية بإقامة رسم عقاري أو بالمصادقة
على تحديد أداري في الجماعة السلالية.
-المنازعات القائمة بين جماعات سلالية متعددة تملك على وجه الشياع عقارا تأكدت صبغته الجماعية عن طريق التحفيظ أو التحديد الإداري، فعملية التحفيظ أو إصدار رسوم بالمصادقة اذا ثبت بمقتضاها ماهية العقار تخوله صفة الملك الجماعي الذي لا يمكن أن ينازع فيها بتاتا وعلى أعضاء الجماعة المالكين أن يخضعوا لهيئة النواب أو مقررات مجلس الوصاية ليتصرفوا في الملك المشترك .
-المنازعات القائمة بين جماعة سلالية والغير المتعلقة بما يلي:
-ادعاء حق الملكية من طرف بعض الأغيار داخل عقار جماعي، قد يكون فيطور خوض مسطرة التحفيظ العقاري أو التحديد الإداري ويترتب عن المطالبة بذلك الحق، القيام بتعرضات كلية، أو جزئية تكون موضوع دعاوى عقارية تعرض على أنظار المحاكم.
-استرداد ديون ناجمة عن عدم الوفاء بأداء الواجبات الكرائية المتعلقة بإبحار عقارات جماعية، فكثيرا ما يدعي رب عائلة انتسابه لجماعة سلالية وأنه من جملة أعضائها مطالبا بنصبه في التصرف في ملكها، فالمنشور عدد 2977 المؤرخ في 13 نوفمبر 1957 يسمح للأجانب عن الجماعة الذين يكونون قد تمتعوا طيلة عشر سنوات على الأقل بما لإرباب العائلات المنتسبين للجماعة السلالية من حقوق وما عليهم من واجبات بالانخراط في حقوق الجماعة، ويتعين على مجلس الوصاية والقواد أن يعملوا على تنفيذ هذه المقتضيات بدون تدخل المحاكم . وتطبق هذه القاعدة فيما يخص الشخص الذي يعتبر نفسه من أفراد الجماعة السلالية والحال أن هذه الجماعة لا تعترف له بهذه الصفة.
من جهة أخرى، فإن الفصل 12 من ظهير 27 أبريل 1919 ينص على اجتماع مجلس الوصاية باستدعاء من وزير الداخلية للنظر في المشاريع والطلبات المدعمة والمعروضة كتابة على الوصاية، وكذا البث فيما يستلزم منها زيادة في البحث، ويساعد المجلس كاتبا يعينه وزير الداخلية ويجرى بحثا في الأوراق، ويتحقق في كل قضية من غير إشهار، وتحرر المقررات من طرف الكاتب ويوقع عليها جميع أعضاء المجلس . وتكون هذه المقررات غير مدعمة بالأسباب وغير قابلة لأي طعن ([11])، وهكذا يتبين أن النزاعات الخارجة عن اختصاص المحاكم إنما هي اختصاصات تتعلق فقط بكيفية قسمة الأراضي أو كرائها وبالبث في صفة العضو المنتمي للجماعة السلالية، فيما تبقى النزاعات الأخرى من اختصاصات المحاكم.
ثانيا: الأحوال التي تعتبر فيها المحاكم مختصة في نزاعات أراضي الجموع:
يختص القضاء الزجري بمقتضاه الفصل التاسع من ظهير 1919 المشار إليها، بالنظر في الاعتداءات التي يتعرض لها الملك العقاري للجماعات السلالية ،وكل استهداف لنزع حيازته أو تخريبه، وتختلف طبيعة هذه النزاعات كما بينا سابقا.
وهكذا فهي تتوزع بين نزاعات ذات طابع جنائي وتشمل دعاوي الترامي أو انتزاع عقار الغير ودعاوى تحويل الحدود وإتلافها، وكذا نزاعات ذات طابع مدني وأخيرا نزاعات متعلقة بالتحفيظ والتحديد.
وسنكتفي بإيراد النزاعات ذات الطبيعة الجنائية ومعالجة بعض أنواع هذه الجرائم لكن قبل ذلك لابد من الخوض في إشكالية الأذن بالتقاضي للجماعة السلالية.
وفي هذا الإطار صدر منشور مشترك بين وزيري العدل والداخلية في شان توضيح جهة الاختصاص بالنظر في نزاعات الأملاك الجماعية للقبائل، وعليه فان النزاعات التي تهم العقارات التي لم يتم تصفيتها بصفة قانونية كالترامي ودعاوى التصرف تفصل فيها المحاكم، بحيث أن سلطة الوصاية أو ممثلها سيمتنعون عن تسويتها مادامت تنصب على عقارات غير محددة وغير واضحة المعالم، أو غير مضبوطة من حيث التملك والتصرف ،غير أنه اذا كانت مثل هذه النزاعات تدخل في اختصاص المحاكم فإنه لم يكن دائما من السهل تحديد نوع المحكمة المختصة، هكذا تعتبر النزاعات المنصبة على الأراضي غير المحددة ولا الحفظة من اختصاص المحاكم الشرعية .وقبل التطرق إلى مدى اختصاص المحاكم في البث في نزاعات أراضي الجموع وجب الإشارة هنا إلى إشكالية تعتبر قطب الرحى في مسألة الوصاية الممارسة من طرف الدولة وهي إشكالية الأذن بالتقاضي والحصول عليه قبل التوجه إلى المحاكم
وعليه فقد نص الفصل الخامس من ظهير 27 إبريل 1919 على أن الجماعات الأصلية يمكنها أن تتعرض بدون رخصة من الوصاية على مطلب التحفيظ الذي يقدمه الغير أما الدعاوى المتعلقة بحماية العقارات الجماعية ضد الترامي أو التصرف فإن حصول الجماعة على إذن الموصي بإقامتها امر ضروري لا يمكن الاستغناء عنه وهذا ماكده المقطع الأول من الفصل الخامس من ظهير 11 فبراير 1963 حيث يمنع الجماعات من إقامة دعوى في الميدان العقاري قصد على المحافظة على مصالحها الجماعية إلا بأن من الوصي على الجماعات وبواسطة مندوب معين ضمن الشروط المحددة في الفصل الثاني من نفس الظهير.
وفي هذا صدرت عدة قرارات قضائية من بينها قرار مؤرخ في 30 نونبر 2005 ([12]) الغرفة الجنائية جاء فيه ” انه بمقتضى الفصل الخامس من ظهير 1963 بشأن الوصاية الإدارية على الجماعات وضبط تدبير الأملاك الجماعية فانه لا يمكن للجماعات أن تقيم في الميدان العقاري أية دعوى قصد المحافظة على مصالحها الجماعية والا تطلب التحفيظ إلا بإذن من الوصي بواسطة مندوب أو مندوبين معين طبقا لشروط المحددة من الفصل الثاني من نفس الظهير، إلا أن المحكمة المحررة للقرار المطعون فيه لم تتأكد مما اذا كان المطلبون في النقض مندوبين عن جماعتهم طبقا للقانون ويتوفرون على الترخيص من السلطة الوصية لرفع شكاية ضد الطاعن أم لا .مما تكون معه المحكمة قد خرقت مقتضيات الظهير المذكور ويتعين نقض وابطل القرار المطعون فيه” أيضا صدر قرار أخر بتاريخ 28 شتنبر 2005 ([13]) عن الغرفة الجنائية جاء فيه” وجب الحكم بعدم قبول الشكاية المباشرة وليس فقط التصريح بعدم قبول الطالب مدنيا شكلا”، هذا من جهة، من جهة أخرى فان المشرع في الوقت الذي استلزم الأذن بالتقاضي لإقامة الدعوى لم يحدد اجل للمطالبة بالإذن المذكور كما لم ينظم الأجل الذي يجب على السلطة الوصاية أن تجيب خلاله على طلب الأذن المذكور، وهنا يفرض التساؤل نفسه حول ما اذا كان لزاما على الجماعة أن تتنظر الأذن الصريح لإقامة الدعوى وفي حالة عدم حصولها على الأذن هل يعتبر سكوت سلطة الوصاية على طلب الأذن بمرور مدة معينة بمثابة أذن ضمني بإقامة الدعوى وما هو أجل إقامة الدعوى أمام الجهة القضائية المختصة؟
واذا ما بحثنا اكثر في قرارات مجلس الأعلى نجد قرار ([14]) جاء فيه” لكن حيث أن الصفة الجماعية لإراض النزاع قد ثبت للمحكمة من الرسم العقاري عدد 3623 حرف ميم الأمر الذي لم يتعرض له طالبو النقض في مذكرتهم كما أن الحكم المطعون فيه جاء مطابقا لمقتضيات الفصل الخامس من ظهير 06/02/63 الذي منع إقامة أية دعوة في الميدان العقاري قصد المحافظة على مصالحها الجماعية إلا بكن من الوصي على الجماعات بوسطة مندوب يعين طبقا لشروط المحددة في الفصل الثاني من نفس الظهير كما أن مسالة توزيع استغلال الأراضي الجماعية خاضع لاختصاص نائب الجماعة ” فالملاحظ أن الإذن المذكور تستلزمه المحاكم سواء في القضايا الجنحية أو المدنية وحتى أمام القضاء الاستعجالي، كما ذهب إليه قرار محكمة الاستئناف بالرباط بتاريخ 2 فبراير 1971 ([15]) لذلك، فالأمر يستلزم تدخل المشرع ليبين على وجه التحديد والحصر الحالات التي تستلزم حصول الإذن والحالات التي لا تستوجب ذلك وآجل طلب الإذن والأجل الممنوح للإدارة الوصية للجواب عنه والأجل الذي يترتب عنه نشوء القرار الضمني بحصول الإذن وآجال رفع الدعوى سواء بالإذن الصريح أو الضمني حتى يزول الغموض واللبس اللذين يكتنفان الفصل 5 من ظهير 6 -فبراير- 1963 . بالإضافة إلى هذا كله فكا ما افترضنا وجود الدولة كطرف في نزاع فهل تمنح أذن التقاضي ضد نفسها؟
ويعد إسناد النظر في المنازعات المتعلقة بأراضي الجموع في الحالات السالفة الذكر يعد استثناء من الأصل والقاعلة أن الاستثناء لا يقوم فيه حماية للنظام العام من الاضطراب هذا من جهة ومن جهة أخرى يتعين التعامل بشع من المرونة مع إجراءات الأذن بالتقاضي أعمالا لمبدا مرونة العمل الإجرائي باعتباره تبعا لذلك غير متعلق بالنظام العام وبالتالي لا يجوز للمحكمة أن تثيره تلقائيا من نفسها
وبصرف النظر عن طبيعة الأذن في الترافع وبمقتضى ظهير 21 إبريل وكذلك منشور المشترك بين وزير الداخلية ووزير العدل يتعين على المحاكم المختصة بالنظر في نزاع الأملاك الجماعية في الأحوال التالية:
أولا: المنازعات القائمة بين الجماعات حول عقارات لم تتم تصفيتها بعد.
ثانيا: المنازعات القائمة بين جماعات وفرد يدعي حقوق خاصة به في ارض جماعية لم تتم تسويتها القانونية.
وعليه فان بعض النزاعات يبث فيها القضاء الزجري والتي تنازع حول أراضي الجموع من جرائم انتزاع عقار من حيازة الغير وجرائم خلاف الحدود وجرائم الترامي على ماء السي وجرائم الترامي على المحرم الجماعي وجرائم الترامي على مراعي وغابات الجماعات، وغني عن البيان أن هذه الأفعال تعد جرائم يختص بها القضاء الزجري بالمحاكم العادية بعد تحريك الدعوى العمومية من طرف النيابة العامة ضد المتهم لأجل زجره بالعقوبات المنصوص عليها في القانون الجنائي ([16]):
جنحة الترامي ([17]): تعد جنحة انتزاع عقار من حيازة الغير من اهم المظاهر التشريعية لحماية الحيازة جنائيا والتي نظمها المشرع المغربي ضمن مقتضيات الفصل 570 من القانون الجنائي الذي جاء فيه: يعاقب بطبس من شهر إلى ستة اشهر وغرامة من مائتين إلى خسمائة درهم من انتزع عقارا من حيازة الغير خلسة أو باستعمال التدليس “فيما تنص الفقرة الأخيرة من الفصل الرابع من ميثاق أراضي الجموع على أن كل تعرض على تدبير التنفيذ التي التي تتخدها يعاقب عنه بالسجن لمدة تتراوح بين شهر وثلاثة اشهر وبغرامة 120 إلى 500 درهم أو بإحدى العقوبتين فقط بصرف النظر على العقوبات المنصوص عليها في حالة العصيان وهنا يطرح التساؤل حول مدى إمكانية تطبيق أحكام الفصل 570 من القانون الجنائي دونما تعارض مع النص الأخر وبتبع واستقراء قضاء المجلس الأعلى يتضح جليا على أن هذا الأخير دأب على اعتبار عناصر جريمة انتزاع عقار جماعي من حيازة الغير تقف على إصدار مقرر من طرف جمعية المندبين أو مجلس الوصاية المكلفيين بتقسيم الانتفاع بالأراضي الجماعية والذي في حالة التعرض عليه يعاقب بمقتضى قانون خاص فلا مجال لتطبيق مقتضيات الفصل 570 من القانون الجنائي بشأن الاعتداء على أراضي الجموع وإنما تطبق مقتضيات ظهير 27 إبريل 1919 المعدل بظهير 06 فبراير 1963 المتعلق بالوصاية الإدارية على الجماعة وضبط تدبير شؤون الأملاك الجماعية ([18]).
أن النزاعات التي تعرض على المحاكم سواء عن طريق النيابة العامة أو عن طريق الشكاية المباشرة من أفراد الجماعات السلالية حول الترامي على الأرض أو على المحروم الجماعي تكييف دائما في اطار مقتضيات الفصل 570 من القانون الجنائي لأنه يعاقب على انتزاع عقار والمشرع هنا استعمل مفهوم العقار على إطلاقه ومن غير تخصيص وبالتالي فان عموم اللفظ يؤخذ على إطلاقه، فإذا كانت الحيازة هي وضع اليد على عقار فان الانتزاع هو الدخول إلى العقار بطريقة غير مشروعة وفرض سيطرة مادية عليه تحرم الحائز من التصرف لذا فان الأراضي الجماعية وان المتصرف فيها ليس مالكا وإنما له حق الانتفاع فان التطاول على هذا الحق يعرض القائم به إلى العقاب المنصوص عليه في الفصل 570.
وموقف المجلس الأعلى من خلال القرار السابق يسلك بوضوح توجها مخالفا لما دأبت عليه محاكم الموضوع في جميع ربوع المملكة والتي تقضي بإدانة المتهم من اجل انتزاع عقار من حيازة الغير متى ثبتت العناصر التكونية للجنحة المذكورة وفقا لأحكام الفصل 570 مع التأكيد تقر بانه لا يعتبر احد أفراد الجماعة السلالية مترامي حسب مفهوم الفصل 570 من القانون الجنائي إلا اذا صدر قرار جنحي ونفذ عليه وترامى بعد ذلك أن الحكم الذي قضى بإدانة المتهم من اجل جنحة انتزاع عقار من حيازة الغير دون أن يثبت المجلس النيابي حول أحقيته في ارض النزاع هو حكم غير مؤسس قانونيا ([19]).
وللإشارة فان دعوى الترامي يعبر عنها بالدعوى التصرفية وهي ترمي إلى استرجاع الحيازة ولهذا فان هذه الدعوى لا يدور الخصام حول حق الملكية بل يقتصر على أثبات حيازة العقار ووقوع الاعتداء على هذه الحيازة وبالتالي فان المحاكم عندما تنظر في مثل هذه الدعاوى فإنها لا تبحث في الملكية وإنما تثبت عمن كان الحائز قبل رفع النزاع اليها فان جميع النزاعات الجماعية المنصبة على الفصل 570 تدخل في اختصاص المحاكم الابتدائية صاحبة الولاية العامة
والجدير بالذكر هنا انه اذا كان الترامي على حق من حقوق المتصرف لا يخلق أية إشكالية لان المترامي يحكم عليه بالإدانة وكذا بالتعويض والإفراغ لصالح المتضرر فان الترامي على محروم الجماعة يختلف عن الترامي على حق التصرف في ارض جماعية لأنه غالبا ما تكون هناك ارض مخصصة للرعي أو حرما لدوراها فيعمد احد أفراد الجماعة إلى ترامي عليها بالحرث فان السلطة المحلية تحرر بشان ذلك محضرا تحيله على النيابة العامة التي تتابع بحنحة الفصل 570 وفي هذه الحالة فان شخص الذي يدعي أن الحروم خاص به أو المرعى أن يطالب بتعويض ولا بالإفراغ لأنه لا صفة له في ذلك وان صاحب الصفة هم نواب الجماعة.
أما بخصوص الأذن بالتقاضي في جنحة الترامي فان القرار ([20]) المؤرخ في 25 دجنبر 2009 الصادر عن المجلس الأعلى قد أعفاء الجماعة من الحصول على أذن مجلس الوصاية حيث جاء فيه أن “للجماعة السلالية الحق في تقديم شكاية إلى النيابة العامة بشان الترامي على أرضيها ولا ضرورة لحصولها على اذن من مجلس الوصاية في ذلك على غرار الأذن المتطلب قانون لإقامة أو تأييد الدعوى العقارية قصد المحافظة على مصالحها الجماعية “، هذا وقد سبق للمجلس الأعلى أن قرن هذه الجريمة بإثبات مسبق لصفة الجماعية للملك حيث أكد أن أثبات الصفة الجماعية يعتبر عنصرا أساسيا في جريمة الاعتداء على ملكها ويجب إثباته طبقا لقواعد الأثبات المقبولة قانونا ولا يكفي التقرير الذي أعدته السلطة المحلية في هذا الشأن ([21]).
المبحث الثالث- الأدوار التي تلعبها أراضي الجموع في التنمية الحلية:
إن دور الأراضي الجماعية في مجال التنمية يتجلى بوضوح في جميع القطاعات وعلى جميع المستويات كونها تحتل موقعا مركزيا في التنمية الفلاحية، وتشكل هذه الأراضي ثروة لا يستهان بها في الرصيد العقاري الفلاحي في المغرب وتتجلى أهميتها من خلال نسبة مساهمتها الهامة في إنتاج المنتوجات الفلاحية على المستوى الحلي والوطني كذلك الأهمية التي يمثلها القطاع الرعوي في الاقتصاد الفلاحي، ومن هنا يبرز الدور الفعال لمساهمة أرضي الجموع في إغناء الأسواق باللحوم .
ولقد خضعت العديد من أراضي الجموع لعملية الاستصلاح و أعمل التحسين والصيانة التي سملت مجالات كمجال إنشاء احزمه لتحسين المراعي، ومجل دراسة وإعداد المراعي . وكذلك مجموعة من المحاولات التي تستهدف وضع طرق لاستغلال المراعي استغلالا عقلانيا.
وبحكم العلاقة بين القطاع الفلاحي والقطاع الصناعي يمكن قياس دور أراضي الجموع ومدى مساهمته في هذا القطاع الهام . فالمواد الأولية التي يعتمد عليها هذا الصناعي تأتي من القطاع الفلاحي وذلك من خلال إبرام اتفاقيات التشارك والتعاون مع المؤسسات العمومية والخصوصية ( كشركة تعبئة التمور) (وشركة تحويل السوائل السكرية) .
ولن ننسا دورها في إنتاج المواد الأولية حيت يتم تفويت مجموعة من الأراضي السلالية بمسمات شاسعة لصالح المكتب الشريف للفوسفاط سنويا، كما أن هناك مجموعة من المواد الأولية في جوف هذه الأراضي مثل مادة الغسول، الملح …. الح، أيضا ثروة هائلة من المواد الأولية للبناء في أراضي الجموع كرخام، الكلس، الرمل، أحجار البناء ……. الخ، ومن هنا تظهر مدى مساهمة أراضي الجموع في تحريك عجلة التنمية الاقتصادية، وكذا العقارية من خلال تفويت جزء من هده الأراضي إلى كل من الدولة والمؤسسات العمومية وهذا من أجل الاستجابة لتوسع الاقتصادي الذي يرافقه توسع عقاري من أجل حل مشكل أزمة السكن وإنجاز المشاريع التنموية وكذا دور أراضي الجموع في التوظيف المالي، بحيث أصبح تسير الأملاك الجماعية يكتسي فعالية قصد الرفع من قيمتها ومحاولة جعلها تواكب المستجدات.
وعليه، ورغم الدور الذي تلعبه أراضي الجموع في حل الإشكالية التنموية، إلا أن هناك سيل من العراقيل التي تقف حاجزا أمام تحقيق التنمية الجهوية.
إن العراقيل التي تقف دون تحقيق التنمية الجهوية لأراضي الجموع، التي أصبحت محطة أنظار الباحثين والدارسين وكذا المسؤولين الرسمين عليها، هاته العراقيل منها ما هو إداري، مؤسساتي، وما هو سوسيو-اقتصادي، وما هو سياسي قانوني . ولعل أهم هذه العراقيل وأكثرها مواجهة من طرف سلطات الوصاية هي ما هو مرتبط بذوي الحقوق والذي تعكسها القوة المتينة التي تجمع بين الفلاح والأرض فمن الصعب أقناع ذوي الحقوق بالتخلي عن ارض عاش عليها الأجداد والأباء ([22]).
هذا بالإضافة إلى الأعراف التي تخضع لها الأراضي الجماعية والتي تلعب دورا كبيرا في عرقلة عملية استغلال هذه الأخيرة بل وتعمل على إعاقة تطبيق مختلف الحلول التي من شأنها النهوض بهذا الاستغلال بغية الرفع من انتبها والتي يوجد من أهمها نظام التعاونيات الفلاحية.
وخلاصة القول أن هذا النظام العقاري المتميز والذي يعتبر جزاء لا يتجزأ من تاريخ المغرب، وأمام الفشل الذي لاقته المناظرة الوطنية حول الأراضي الجماعية المنعقدة بالرباط يومي 5 و 6 دجنبر 1995 حيث لم تتمكن من تحقيق الأهداف المتوخاة منها في النهوض بأوضاع هذه الأراضي، وأمام الفشل الذي لاقته فكرة تمليك هذه الأخيرة لذوي الحقوق والتي تبنتها المناظرة السابقة من خلال التوصيات الصادرة عنها، لعدم مسايرة الآليات والميكانزمات التي تقوم عليها هذه الفكرة للواقع العملي لهذه الأراضي، كما أن الفردية التي غلبت اشغل المناظرة من خلال تقديم الحلول كان لها سبب في عدم نجاح التجربة بما حملت من حلول، مما جعل المهتمين يفكرون في قبول الواقع والحل عما هو عليه، لكن بعد أن أصبحت أروقة المحاكم تعج بصيحات ذوي الحقوق وبعد أن اصبحنا لا نتصفح جريدة إخبارية إلا ووجدنا مشكل من مشاكل الأراضي السلالية والتي أصبحت بمشاكلها تهدد استقرار العديد من الثوابت، اصبح لزاما مع هذا الوضع الدخول في حوار وطني يهم جميع مناطق المغرب المتواجدة بها الأراضي السلالية وإشراك جميع الفاعليين والمهتمين لإيجاد صيغة نهائية لإشكالات القانونية المطروحة وعلى رأسها الاطار القانوني، وإيقاف الارتجالية في تسيير هذه الأراضي بل والبحث عن حلول وليس إنصافها.
[1]اختلاف التسمية ناتج عن القوانين المتعاقبة على تنظيم هذه الأراض من ظهائر وأعراف ودوريات.
[2]الموقع الكتروني الخاص بأراضي الجموع: l http://www.terrescollectives.ma/accueil-ar.cshtm
[3]انظر في هذا الصدد عبد الكريم بالزاع: “أراضي الجموع محاولة لدراسة بنيتها السياسية والاجتماعية ودورها في التنمية”،. مطبعة النجاح الجديدة الدار البيضاء 1998، ص 5
[4]عبد الوهاب رافع : أراضي الجموع بين التنظيم والوصاية: موقعها في النظام العقاري -تنظيمها القانوني- المنازعات الإدارية والقضائية مع اجتهادات قضائية ومساطر خاصة، المطبعة والوراقة الوطنية، مراكش 1999 ص 15.
[5] حسن صبطي: “أراضي الجموع” بين التنظيم والتدبير”، بحث لنيل دبلوم السلك العالي في التدبير الإداري بالمدرسة الوطنية للإدارة فوج 2006/ 2008، ص 17.
[6]الدكتور عبد اللطيف الودناسي: أراضي الجموع في المنظومة القانونية، مجلة المحامي، عدد 46، السنة 2005 ص 53-54.
[7]عبد الوهاب رافع، أراضي الجموع بين التنظيم والوصاية، الطبعة الأولى- 1999، ص 23.
[8]لقد تم استرجاع العديد من الأراض من يد المعمرين وكان ذلك لفائدة الدولة مع أن كثيرا منها كان في الأصل أراضي جموع، ذ. عبد الكريم بالزاع : أراضي الجموع محاولة لدراسة بنيتها السياسية والاجتماعية ودورها في التنمية الاقتصادية، ص: 18 .
[9]حسب ما استقيته خلال أول لقاء مع أحد مسؤولي مديرية ن الشؤون القروية بوزارة الداخلية خلال شهر يناير 2014.
[10]تجدر لإشارة هنا إلا انه طبقا لدورية الأخيرة رقم 42 م.ش.ق، الصادرة عن وزارة الداخلية يوم 23 أغسطس 2012 والموجهة إلى السادة ولاة وعمال العمالات والأقاليم بشأن ميثاق لا تمركز تدبير الأراضي الجماعية فقد تقرر لا تمركز تدبير الأراضي الجماعية على الصعيد الإقليمي طبقا لمضامين الميثاق المعد لهذا الغرض.
[11]وعليه فإذا اعتبارنا أن مجلس الوصاية سلطة إدارية بالنظر إلى ترؤسه من طرف وزير الداخلية وتشكليه من أعضاء ينتمون إلى سلطات العمومية، فان القرارات الصادرة عنه هي حتما قرارات إدارية قابلة للطعن.
[12]مجلة المعيار العدد 41/2009 ص 260.
[13]منشور بمجلة الملف العدد/ 10 2007 ص 222.
[14]قرار المجلس الأعلى الصادر بتاريخ 2/6/1971 مشار اليه في كتاب أراضي الجموع للأستاذ عبد الوهاب رافع ص 25.
[15]محمد قصري، إشكالات تطبيق الظهير لأراضي الجموع، أراضي الجماعات السلالية بالمغرب، سلسلة الأنظمة والمنازعات العقارية عدد 1 منشورات مجلة الحقوق المغربية 2010 ، ص 79.
[16]محمود شوارق، الدليل العلمي في تدبير أراض الجموع، مطبعة الأمنية، الطبعة الأولى 2009، ص 61.
[17]حسن البكري، الحماية القانونية لحيازة العقار في التشريع الجنافي المغربي، مكتبة الرشاد الدار البيضاء، 2001 ص 73.
[18]قرار مجلس الأعلى عدد 143/06 بتاريخ 14/4/2001 منشور بمجلة قضاء المجلس الأعلى عدد مزدوج 57/ 58 ص 377 وما بعدها.
[19]قرار محكمة الاستئناف بمراكش 39994 الصادر بتاريخ 1998/10/02 أشار له عبد الوهاب رافع ص :148.
[20]الغرفة الجنائية مجلة قضاء المجلس الأعلى العدد 72 2010 ص 310
[21]قرار رقم 426 بتاريخ 1972/03/16 في الملف الجنحي رقم 51423 منشور بمجلة قضاء المجلس الأعلى، العدد 26 النسخة الخامسة أكتوبر 1980 الصفحة 252.
[22]مقابلة مع أحد مسؤولي مديرية الشؤون القروية بوزارة الداخلية بالرباط يوم 2014/02/14 على الساعة 30: 2.


