القاضي د/هيكل أحمد عثمان
مقدمة:
من المسلم به أن الاعتراف بوجود السلطة التقديرية المنوطة بالقاضي الجنائي في مجال تطبيق القانون وتقدير بدائل العقوبات السالبة للحرية، تعد ضرورة لتحقيق العدالة الجنائية، والسبب أن المشرع ليس في مكنته الإحاطة بكل أنماط السلوك الإنساني، الذي يشكل ضررا على المصالح محل الحماية القانونية، كما ليس في استطاعته أن يضع يده على كل فروض الخطورة الإجرامية واحتواءها قانونياً، ومن ثم كان لا بد له من التسليم بالسلطة التقديرية للقاضي في تحديد الجزاء الجنائي المناسب للتطبيق. ولا يمكن للعقوبة أن تؤدي الدور الذي أنيطت به، والذي يتمثل في مكافحة الظاهرة الإجرامية، إلا إذا كان الجزاء يتناسب مع ظروف ارتكاب الجريمة وشخصية المجرم. ومن ناحية أخرى فإن فكرة السلطة التقديرية للقاضي الجنائي، لها أهمية في تعزيز نظام العدالة الجنائية. وبالتالي فإن التشريعات الحديثة أجمعت على منح القاضي سلطة تقديرية تمكنه من تفريد العقوبة بما يتناسب وشخصية المتهم وظروفه التي أدت به لارتكاب الجريمة، بهدف حماية المجتمع وإصلاح مرتكب الجريمة.
وبالرغم من اعتراف النظام القانوني اليمني بهذه السلطة للقاضي بموجب نصوص المواد 109عقوبات وما بعدها ونصوص قانون الأحداث، إلا أن إشكاليات نظام العدالة الجنائية، ومنها اكتظاظ السجون، وعدم تحقيق نظام العقوبات السالبة للحرية لوظائفه، في الحد من ظاهرة الجريمة، ثار معه السؤال عن حقيقة نظام السلطة التقديرية للقاضي في استبدال العقوبات السالبة للحرية ببدائل غير احتجازية، ودوره في تحقيق العدالة الجنائية .
مشكلة البحث:
إن اكتظاظ السجون، يعد مشكلة تعيق عملية الإصلاح والتأهيل ،ويزداد هذا الاكتظاظ سوءاً بزيادة أعداد الموقوفين على ذمة التحقيق، وتأخر القضاة في إصدار الأحكام فتضيق معه السجون وتستهلك، معها، معدات ومرافق السجن، إضافة إلى وجود مصروفات مادية كبيرة. وهذه المشكلة تعد من مشكلات العدالة الجنائية، نتج عنها إهدار لمقاصد العقوبات السالبة للحرية، وإهدار لكرامة الإنسانية، وهذا الأمر دفعنا للبحث في العلاقة بين هذه المشكلة، وفكرة نظام السلطة التقديرية للقاضي الجنائي في استبدال العقوبات السالبة للحرية ببدائل غير احتجازية.
اسئلة البحث:
يثور السؤال عن العلاقة بين هذه المشكلة، ونظام السلطة التقديرية للبدائل غير الاحتجازية. وما هو محتوى السلطة المخولة للقاضي الجنائي في تقدير العقوبة ؟وماهي مشكلات نظام السلطة التقديرية للبدائل غير الاحتجازية وآثارها على العدالة الجنائية ؟..ما هي العلاقة بين مشكلات نظام السلطة التقديرية للقاضي، وبين مشكلات العدالة الجنائية؟.
أهداف البحث:
يهدف البحث إلى معرفة ماهية نظام السلطة التقديرية للقاضي الجنائي باستبدال العقوبات السالبة للحرية، ببدائل غير الاحتجازية ودوره في حماية فاعلية نظام العدالة الجنائية.
-يهدف البحث إلى معرفة العلاقة بين مشكلات نظام السلطة التقديرية للبدائل غير الاحتجازية وآثارها على العدالة الجنائية، والحلول القانونية لها، ومد المعنيين بها.
منهج البحث:
منهج وصفي استقرائي يعتمد على تجميع اللأفكار والملاحظة، ثم تحليلها، والوصول إلى نتائج البحث.
خطة البحث:
سوف نقسم هذه الورقة إلى ثلاثة مطالب نتناول في المطلب التمهيدي تحديد نظام بدائل العقوبات السالبة للحرية، وفي المطلب الأول: سنتناول تحديد ماهية السلطة التقديرية للقاضي للبدائل غير الاحتجازية، وفي المطلب الثاني: بيان ضوابط السلطة التقديرية للقاضي للحكم بالبدائل غير الاحتجازية ودوره في حماية فاعلية نظام العدالة الجنائية وموانعها. ثم الخاتمة وتتضمن أهم النتائج والتوصيات .
مطلب تمهيدي
نظام بدائل العقوبات السالبة للحرية
معلوم إن مهمة القاضي مهمة شاقة، والوصول إلى الحقيقة أمر في غاية الصعوبة ،لأن العمل القضائي يتطلب تعاملاً مع نفوس بشرية تحيط بظروف مختلفة، فالقاضي هو الذي يعطي الفاعلية للقانون بوجه عام، من خلال تطبيقه، اعتماداً على ما يتمتع به من سلطة تقديرية. والتي تعد من الوسائل المهمة لتحقيق أهداف السياسة الجنائية وأهداف النظام العقابي،. ولمعرفة ما هو النظام القانوني للسلطة التقديرية للقاضي الجنائي في استبدال العقوبات السالبة للحرية ببدائل غير احتجازية لابد من معرفة نظام بدائل العقوبات السالبة للحرية لذلك ،سوف نقسم هذا المطلب التمهيدي إلى فرعين .
الفرع الأول
إشكاليات العقوبات السالبة للحرية
معلوم أنه إذا حدثت جريمة، فإن الأصل وفقاً لقواعد نظام العدالة الجنائية القانونية، الموضوعية والشكلية، إنها تحدد أفعال الانسان المجرمة والعقوبات(1( المقررة لها في إطار القانون، وشق شكلي يضم قواعد إجرائية، توضح طرق اكتشاف الجرائم والبحث عن مرتكبيها والتحقيق معهم ومحاكمتهم وتنفيذ العقوبة عليهم، والواقع إن الشقين معاً متكاملان لا غنى لأحدهما عن الآخر، وما يميزهما معا هو ذلك التطور المستمر والتغير الدائم الذي يطبع قواعدهما. ودورهما في تحديد النشاط الواجب لمعالجة الظاهرة الإجرامية، والوسائل الكفيلة بتحقيق الصالح المشترك.
ومن هذه الوسائل لمعالجة الظاهرة الإجرامية، العقوبات السالبة للحرية، منها: عقوبة الحبس التي تعتبر عقوبة(2) أساسية وفقا للمادة 38/8 عقوبات، ومن ضمن العقوبات الأصلية ،ووفقا للمادة (39) عقوبات التي تحدد مدة هذه العقوبة بأن: لا تقل مدة الحبس عن أربع وعشرين ساعة ولا تزيد على عشر سنوات ما لم ينص القانون على خلاف ذلك.
وبالرغم من تقرير المشرع لهذه الوسيلة، إلا أن الواقع يكشف عن وجود تحديات تواجه العدالة الجنائية(3)لم تكن مطروحة من قبل تحديات تمتحن الوسائل التقليدية التي تعتمدها، والمناهج والنظم الاجرائية التي تعمل وفقها .
وهذه المشكلات تشكل موانع لمقاصد النظام القانوني للعدالة الجنائية. ومن أهم هذه المشكلات ما يتعلق بنظام العقوبات السالبة للحرية. خاصة قصيرة المدة، والتي تعد من أكثر العقوبات التي تستأثر بأعلى نسبة من أحكام القضاء في الواقع(4).
وعلى الرغم من الاستحسان الذي لاقته عقوبة الحبس، خصوصا أنها جاءت لتحل محل عقوبات تتسم بالشدة والقسوة وهي العقوبات البدنية، وخاصة عقوبة الإعدام ،لكن هذا لم يمنع من أن تتعرض هذه العقوبة لنقد المعارضين، والسبب أنها تحوي على مشاكل تتنافى ومبدأ الإصلاح والتأهيل الاجتماعي الذي هو هدف السياسة العقابية الحديثة، إضافة إلى تضمنها بعض المساوئ التي تحول دون تحقيق الردع الخاص، والتي نتج عنها ازدحام السجون بالسجناء، وأدت إلى غياب الإصلاح والتأهيل للمتهم أو المحكوم عليه من فكرة عقوبة الحبس وبالذات قصير المدة، كما أن عقوبة الحبس لمدة قصيرة، لا تؤدي إلى ازدحام السجون فحسب وإنما إلى إفساد المحكوم عليهم بدلا من إصلاحهم، سواء نفسيا أو اجتماعيا لأنه يسهم في فساد أخلاق المحكوم عليهم وقد يتطور الأمر إلى حد إقحام الأشخاص المحكوم عليهم في عصابات وتكوين جماعات أشرار داخل المؤسسة العقابية، كما أن الحبس لمدة قصيرة يؤثر على المحكوم عليه وعلى أسرته، من حيث أنها تفقد المعيل لها، مما قد يسبب التفكك الأسري أو حتى لجوء بعض أفراد الأسرة إلى سلوك طريق الإجرام، وكل ذلك حتما يتعارض مع أهداف السياسة الجنائية والعقابية .
الفرع الثاني
ماهية بدائل العقوبات السالبة للحرية
معلوم أن -مشكلات العقوبات السالبة للحرية وبالذات قصيرة المدة ،كشفت عن إضرار لعقوبة الحبس، تفوق منافعها، وأن هذا الأمر دفع بالمهتمين بالسياسة العقابية إلى إدراج بعض الأنظمة البديلة لهذه العقوبة خاصة القصيرة. كما أوصى المؤتمر الثاني للأمم المتحدة في شؤون الوقاية من الجريمة ومعاملة المجرمين الذي عقد في لندن سنة،1960،(5)،كافة الدول بالعمل على ألا يحكم قضاتها الجنائيون قدر المستطاع بعقوبة قصيرة المدة، وأن يحلوا محلها: وقف التنفيذ، أو الاختيار القضائي ،أو الغرامة، أو العمل في ظل نظام من الحرية المشروطة، أو الإيداع في مؤسسة مفتوحة…..ونتيجة لذلك ظهرت بدائل للعقوبة السالبة للحرية لتمحو مساوئها وفي نفس الوقت تحقق أغراض العقوبة وخاصة الردع الخاص.
أولا : مفهوم نظام العقوبات البديلة(6). وأهميته:
بالرغم من اختلاف التعريفات ظاهريا حول مفهوم العقوبات البديلة(7). إلا أن هذه التعريفات تكشف عن جوهر نظام العقوبة البديلة(8). ويقصد ببدائل العقوبة السالبة للحرية بأنه: نظام يتيح إحلال عقوبة غير سالبة للحرية محل عقوبة سالبة للحرية قضائيا؛ أي ابدال عقوبة غير سالبة للحرية بعقوبة سالبة للحرية ينص عليها النظام القانوني، إذا توافرت شروط معينة يرجع تقدير توافرها لقاضي الموضوع. سواء تم الإحلال ضمن حكم الإدانة أو بعده، ويتم ذلك عند تعذر تنفيذ العقوبة الأصلية، أو قيام احتمال تعذر تنفيذها، أو إذا كانت العقوبة البديلة أكثر ملاءمة من حيث التنفيذ بالقياس إلى العقوبة المحكوم بها بداية منظورة في ذلك حالة المتهم.
وخصائص هذه العقوبات أنها عقوبات يفرضها القضاء، على المحكوم عليه عوضا عن العقوبة الأصلية السالبة للحرية، وهي عقوبة تحل محل السجن لإصلاح الجاني وحماية الجماعة، والتي من شأنها إصلاح المحكوم عليه وتأهيله. وتؤدي إلى تحقيق الردع العام والخاص. وتهدف إلى الإرضاء والشعور بالعدالة. وتحقيق دفاع المجتمع عن نفسه ضد المجرم فتردع هذا الأخير وتمنعه من العودة إلى الإجرام.
كما انها تهدف إلى وقاية المجتمع من اقتداء الغير بهذا المجرم في المستقبل أي تمنع الغير من أن يحذو حذوه.
وعلى ذلك فمقاصد العقوبة مزدوجة أي تنطوي على منع خاص، أو وقاية فردية بمنع المجرم من معاودة الإجرام. إما بتقويمه أو إصلاحه أو ردعه، كما تنطوي على منع عام، أو وقاية اجتماعية بمنع الغير من الاقتداء بالجاني في المستقبل.
ثانيا: أنواع بدائل العقوبات السالبة للحرية.
تتعدد العقوبات البديلة، وتأخذ أشكالا مختلفة في التشريعات الحديثة ، تتمثل في ما يلي:
-العقوبات المالية أو عقوبة الغرامة : وهي التي تمس المدان في ذمته المالية، وتعد من مصادر الإيرادات للخزينة العمومية، وتتولى عملية تحصيلها مصالح الضرائب المختلفة.
– نظام وقف التنفيذ ويقصد به تعليق تنفيذ العقوبة فور صدورها على شرط موقوف من خلال فترة اختبار يحددها القانون.
-التعهد والكفالة بحسن السلوك: وهو أن تحكم المحكمة على المدان بأن يقدم تعهدا بحسن السلوك لمدة معينة إذا كانت الجريمة جنحة على أن يودع المحكوم عليه في صندوق المحكمة مبلغا من المال تراعي المحكمة في تقديره حالته المالية ولا يرد له في حال إخلاله بتعهده.
– الإلزام بإزالة الأضرار وتعويض المجني عليه بحيث يجوز للمحكمة بناء على طلب من المجني عليه أن تحكم على الفاعل بإزالة الأضرار التي أحدثتها جريمته وتعويض المجني عليه، وفي حالة رفض المحكوم عليه تطبق العقوبة .
– نظام تحويل الدعوى الجنائية إلى الطريق غير الجنائي: هو أسلوب حديث يسمح بتفادي الحبس في أحوال معينة بالنسبة للمحكوم عليهم، ويطبق هذا النظام بصورة كبيرة في الولايات المتحدة في متابعة المدمنين على المخدرات والكحول؛ خاصة إذا رأى القاضي أن الطريق الجنائي لن يجدي نفعا .
– الإلزام بالعمل لمصلحة المجتمع: وهو إلزام المحكوم عليه بالعمل مقابل قليل من المال يسد حاجته وأسرته خدمة للصالح العام في إحدى المؤسسات العامة أو المشروعات، سواء أكانت زراعية أو صناعية أو خدمية أو الجمعيات أو غيرها، عددا من الساعات خلال مدة معينة تحدد في الحكم وقد يخصص جزء من أجر العمل الإلزامي لتعويض المجني عليه. ومن المجالات المقترحة في مجال العمل لمصلحة المجتمع : المشاركة في أعمال يدوية أو مهنية مثل مساعدة المرضى والمعوقين ومن في حكمهم لمدة معينة، أو المشاركة في تدريب السجناء في المهن التي يتقنونها وغير ذلك، أو المساهمة في تنظيم أعمال المرور أثناء الأعياد ونحوها .(9)
(10) وبدائل السجون بشكل عام :المراقبة القضائية: هي إجراء قضائي تتخذه المحكمة بحق المجرم بعد إدانته نهائيا عن جريمة ما إذ تأمر المحكمة بإطلاق سراحه تحت شروط تحددها المحكمة، وبإشراف ومراقبة شخصية من قبل هيئة أو إدارة المراقبة القضائية المختصة؛ إذ هي نوع من المعاملة الإصلاحية غير المؤسسية (خارج السجن) التي تهدف إلى إعادة بناء شخصية المجرم البالغ أو الحدث الجانح ومساعدته على تعديل مسيرة حياته، أما الحكم المعلق فهو تعليق إصدار الحكم النهائي في القضية بهدف الرأفة بالمجرم وتخفيف العقاب عنه.
– الإفراج الشرطي: هو إطلاق سراح السجين من المؤسسة قبل استكمال مدة حكمه، وذلك بوضعه تحت مراقبة أو إشراف معين بهدف مساعدته على اجتياز ما بقى من مدة حكمه بسلوك حسن خارج المؤسسة.
– الرقابة الإلكترونية: تعتبر الرقابة الالكترونية من بدائل السجن، ويرتبط تطبيقها بنظام الحبس المنزلي، حيث يتم التأكد من احترام المطلق سراحه بتنفيذ شروط الوجود في مكان محدد له وعن طريق استخدام الكمبيوتر الذي يعمل على اختزان المعلومات التي ترسلها الإشارات لكل فرد على حدة، وتستخدم برامج اتصال على فترات للتأكد من وجود المطلق سراحه في المكان المعني؛ حيث يعطي الكمبيوتر تقارير عن نتائج هذه الاتصالات.
والرقابة الإلكترونية كبديل للسجن ليست برنامجا في حد ذاتها، ولكنها الوسيلة التي تستخدم في تشغيل البرنامج، وفي الوقت ذاته لا يمكن تشغيلها دون الأجهزة الرقابية التي يمكن لها مراقبة دخول أو خروج المجرم من البيت .
كما أن من بدائل السجن التقليدي، هو إعفاء المؤسسات العقابية التقليدية من مسؤولية إصلاح المجرمين، والاستعانة ببعض مؤسسات الرعاية الاجتماعية القائمة في المجتمع لتقديم بعض الرعاية لبعض أنواع من السجناء الذين يعانون من مشاكل طبية ونفسية وعقلية.
-وجود ما يسمي بالسجون المفتوحة، وتعد هذه المؤسسات من أحدث المؤسسات العقابية، وهي سجون تعتمد على أساليب معنوية تتمثل في إقامة العلاقات بين السجناء والإدارة على أساس الثقة. والسجون المفتوحة عبارة عن مبان صغيرة لها أبواب عادية بدون قضبان حديدية ولا تحيطها أسوار عالية تعمل هذه المؤسسات على استبدال الأساليب المادية بأخرى معنوية تهدف إلى بث الثقة و الطمأنينة في نفس النزلاء وتعويدهم الاعتماد على أنفسهم وتبادل الثقة بينهم وبين القائمين على إدارتهم ،ولهذا فهذه المؤسسات هي أقرب إلى تأهيل المحكوم عليهم وإصلاحهم لما لها من مزايا حيث تزيل الملل و التوتر عن نزلائها، كما تحفظ لهم حياة نفسية وعقلية عادية.
بالإضافة إلى قلة تكاليفها على اعتبار بساطة صيانتها والحراسة. لكن يعاب عليها أنها تساعد على هروب المسجونين(11).
ثالثاً : وظائف نظام بدائل العقوبات السالبة للحرية .
مع التسليم بأن العقوبات السالبة للحرية قد تؤدي إلى تحقيق العدالة، إلا أنه بسبب مشكلات العقوبات السالبة للحرية وبالذات قصيرة المدة، والسالف بيانها، فقد أوجد المشرع اليمني نظاما، حدد فيه بدائل العقوبات السالبة للحرية، في المواد 39،38 من قانون العقوبات، منها العقوبات الآتية: العمل الالزامي، التعويض او الغرامة، التدابير كما تضمن قانون الأحداث بياناً بالعقوبات البديلة لعقوبة الحبس،،بما يكفل إصلاحهم وتربيتهم وحمايتهم. إضافة للتدابير المقررة للمصابين بأمراض عقلية، وقف التنفيذ، الامتناع من النطق بالعقوبة، الارش، الحرمان من بعض الحقوق…ومقاصد المقنن من هذا النظام، ليس التأكيد على إدراكه لحقيقة أن العقوبات البديلة، تعد حلاً حقيقياً وإنسانياً يساعد على مكافحة الجريمة وحفظ الأمن والاستقرار داخل البلد، وتؤدي إلى تحقيق الردع العام والخاص، فحسب وإنما مقاصده، هي تحقيق فوائد ووظائف العقوبات البديلة لمرتكبي الجرائم وللمجتمع، ومن أهمها:
1-التقليل من النفقات الباهظة لعقوبات الحبس أو السجن. تيسر من تفعيل قواعد العدالة من خلال توفير مدى واسع أمام المحاكم لاختيار العقوبة المناسبة لكل جريمة.
2-التحقق أو التأكيد على الأمن العام من خلال توفير إجراءات الرقابة والمحاسبة.
3-تحويل أو تغيير المجرمين أو المتهمين إلى مواطنين منتجين، وبتحديد أكثر انخراط المجرمين في عملية تسمح لهم بتغيير أنفسهم والتحول إلى مواطنين صالحين منتجين.
4 – توفر لهم مهارات التوظيف، والعلاج من الإدمان وكل أشكال التدخل والعلاج المختلفة.
ومن أجل هذه الوظائف اتجهت السياسة الجنائية الحديثة في غالبية دول العالم إلى الأخذ بهذا النظام، وقد عقد تحت رعاية الأمم المتحدة العديد من المؤتمرات(12) التي كان هدفها منع وقوع الجريمة، وعلاج أسبابها .
وتحقيق أهداف العقوبة بصفة عامة، إضافة إلى حماية مصلحة المحكوم له، من الأضرار التي قد تنجم عن مساويء عقوبة الحبس قصير المدة، ثم تحقيق أهداف السياسة الجنائية للدولة)13(.
المطلب الأول
ماهية سلطة القاضي التقديرية للحكم بدائل العقوبات السالبة للحرية
معلوم أن التقدير المنوط بالقاضي في تطبيق القانون والعقوبة، أصبح من المسلمات في التشريعات العقابية المعاصرة. وبالرغم من أن هذه السلطة التقديرية للقاضي الجنائي، تتسع وتضيق تبعا لسياسة المشرع في التجريم والعقاب، إلا أن المفترض في العقاب، أنه يهتم بتأهيل المجرمين وإصلاحهم وتهذيبهم، وإذا كان لا يهدف لذلك فهو عمل لا طائل منه، وغير إنساني. لذلك سوف نبين من خلال فرعين:
الفرع الأول
مدلول السلطة التقديرية للقاضي الجنائي
تعرف السلطة التقديرية للقاضي(14) بأنها: “القدرة على الملاءمة بين الظروف الواقعية للحالة المعروضة عليه وظروف مرتكبها بصدد اختيار الجزاء الجنائي، عقوبة كان أم تدبيراً وقائياً، نوعاً أو مقداراً، ضمن الحدود المقررة قانونا بما يحقق الاتساق بين المصالح الفردية والاجتماعية على حد سواء”. وهو نظام بموجبه رخص المشرع للقاضي، سلطة، إحلال عقوبة من نوع معين محل عقوبة من نوع آخر قضائيا؛ سواء تم الإحلال ضمن حكم الإدانة أو بعده، ويتم ذلك عند تعذر تنفيذ العقوبة الأصلية ،أو قيام احتمال تعذر تنفيذها، أو إذا كانت العقوبة البديلة أكثر ملاءمة من حيث التنفيذ بالقياس إلى العقوبة المحكوم بها بداية منظورا في ذلك حالة المتهم. وهذه الرخصة تمنح للقاضي أثناء توقيع العقاب على الجاني وفق ما لا يزيد على حد العقوبة الأقصى ولا يقل عن حد العقوبة الأدنى وتتمثل هذه السلطة بما يتركه المشرع للقاضي من حرية بمقتضى بعض التعابير التي يتضمنها النص القانوني مثل (يمكن) أو (يحق) أو (للقاضي أن….. )
وقد أكد هذا المعنى المشرع اليمني في المادة(109)عقوبات، حيث بين ماهية تفريد القاضي للعقوبة حيث نص على أن : يقدر القاضي العقوبة التعزيرية المناسبة بين الحدين الأعلى والأدنى المقررين للجريمة مراعيا في ذلك كافة الظروف المخففة أو المشددة، وبوجه خاص درجة المسؤولية والبواعث على الجريمة وخطورة الفعل والظروف التي وقع فيها وماضي الجاني الإجرامي ومركزه الشخصي وتصرفه اللاحق على ارتكاب الجريمة وصلته بالمجني عليه وما إذا كان قد عوض المجني عليه أو ورثته وعند تحديد الغرامة يراعي القاضي المركز الاقتصادي للجاني وإذا كانت العقوبة المقررة للجريمة هي الإعدام واقترنت بظرف مخفف طبق القاضي عقوبة الحبس بحد أعلى لا يتجاوز خمس عشرة سنه وبحد أدنى لا يقل عن خمس سنوات .
وتتميز السلطة التقديرية بخصائص عدة أهمها، أنها سلطة قانونية تستمد أساسها من نص في القانون، وهي ملزمة للقاضي فلا يجوز التحلل منها بحجة عدم وجود نص قانوني أو كون هذا النص غامضاً، وتأسيسا على ذلك فإن القاضي عند تقديره الجزاء الجنائي، يجب أن يأخذ في الاعتبار شخصية المجرم وظروفه، فهدف العقوبة، هو إصلاح المجرم والقضاء على الظاهرة الإجرامية، وهذا ما يسعى القاضي إلى تحقيقه في إطار السلطة الممنوحة له، في ظل ما عرف ب “التفريد القضائي ،”حيث يقدر القاضي العقوبة الملائمة لكل حالة تعرض عليه وفق منهج علمي. لذلك تعد السلطة التقديرية للقاضي هي رخصة منحها المشرع للقاضي تنازلا منه عن جزء من سلطاته في سبيل التطبيق الواقعي للقاعدة الجنائية(15).
الفرع الثاني
ضوابط سلطة القاضي في الحكم ببدائل العقوبات السالبة للحرية
معلوم أن تحقيق أهداف السياسة العقابية تقتضي من القاضي الجنائي، و هو يباشر سلطته التقديرية، في تحقيق وظائف هذا النظام أنه يستعين بضوابط إرشادية و معايير يقيس تقديره.
وقد أشار المشرع حدود هذه السلطة(16)وفي حالة تعدد الجرائم التعزيرية وأثره في العقوبات في المادة115) ) وفي حالة تعدد عقوبات الدية والأرش والغرامة في المادة (116) وفي حالة تعدد عقوبات المراقبة في المادة 117)) وفي حالة وقف التنفيذ في المادة (118)، وفي حالة الامتناع من النطق بالعقوبة في المادة 119)) وفي حالة إلغاء وقف التنفيذ في المادة 120))،كما بين ذلك في المادة43) ) : الغرامة بأنها إلزام المحكوم عليه بأن يدفع لخزينة الدولة المبالغ التي تقدرها المحكمة في الحكم ولا تنقص الغرامة عن مائة ريال ولا تجاوز سبعين ألف ريال مالم ينص القانون على خلاف ذلك.
وفي المادة44) ) المتعلقة بعقوبة العمل الإلزامي: يجوز للمحكمة في الجرائم المعاقب عليها بالحبس مدة لا تزيد على ثلاث سنوات أن تستبدل بالحبس عقوبة العمل الإلزامي مدة لا تزيد على مدة الحبس المقررة للجريمة وذلك متى تبين لها من أسباب الجريمة وشخصية الفاعل وماضيه ووضعه الاجتماعي أن الأثر التربوي للعقوبة يمكن تحقيقه بغير اللجوء إلى الحبس، ويجري تنفيذ العقوبة بتشغيل المحكوم عليه حسب قدراته في أحد المشروعات العامة المدة التي يقررها الحكم .ويجوز أن يتضمن الحكم إلزام المحكوم عليه بالإقامة في منطقة المشروع الذي يجري فيه التنفيذ أو في إحدى المنشآت العقابية القريبة منه. ويخصم من أجر المحكوم عليه مقابل ما يقدمه المشروع له من خدمات كالمأكل والملبس والسكن. وفي المادة (45) : إذا تكاسل المحكوم عليه عن العمل المسند إليه أو لم يقم به أو فر منه جاز للنيابة العامة أن تطلب من قاضي المحكمة الابتدائية التي أصدرت الحكم والتي يجري التنفيذ في دائرتها، أن يصدر أمرا بتنفيذ عقوبة الحبس عليه وعندئذ يستكمل تنفيذ المدة المحكوم عليه بها في إحدى المنشآت العقابية العامة .
ومن هذه الضوابط: التي أشــارت إليها المــادة 109 عقوبات، :درجة المسؤولية، والبواعث على الجريمة وخطورة الفعل.-الظروف التي وقع فيها، ماضي الجاني الإجرامي ومركزه الشخصي وتصرفه اللاحق على ارتكاب الجريمة وصلته بالمجني عليه وما إذا كان قد عوض المجني عليه.
وهذه الضوابط منها ما يتعلق بالنطاق الموضوعي للجريمة كمدى المساس بالمصلحة محل الحماية، والآثار التي تخلفها الجريمة بعد تنفيذها، وكذلك الظروف المادية الملابسة للجريمة، وطبيعة العلاقة بين الجاني والمجني عليه، فمثل هذه العوامل يجب أن يراعيها القاضي عند الحكم بتنفيذ العقوبة تشديداً أو تخفيفاً أو عندما يلجأ إلى البدائل .
أما بالنسبة للضوابط المتعلقة بالجانب الشخصي لمرتكب الجريمة : فهي الصفات التي يكتشفها القاضي في المجرم، مثل درجة الإثم الجنائي لدى الجاني، والمرحلة النفسية التي تسبق تنفيذ الجريمة، وكذا البواعث على الجريمة والغاية منها، ومدى تمتع الجاني بإرادة حرة واعية وقت ارتكاب الجريمة، كما يمكن للقاضي مراعاة مدى الاستجابة المتوقعة من قبل الجاني لتحقيق أغراض العقوبة معه. ومدة خضوعه لتأثير العوامل الإجرامية وخطورته .
فمثل هذه العوامل سواء في الجانب الموضوعي أو الشخصي تؤثر في استعمال السلطة التقديرية للقاضي تغليظاً للعقوبة أو تخفيفاً أو عند استعمال البدائل، فأي البدائل تأتي بثمارها مع حالة الجريمة وظروف الجاني .
ومن ضوابط تنفيذ بدائل العقوبة مراعاة التحديد القضائي لكيفية التنفيذ، حيث يمكن للقاضي الذي ينطق بالحبس أن يأمر بتنفيذ بعضه خارج السجن وفقاً لنظام شبه الحرية، أو يأمر بتشغيل المحكوم عليه خارج نطاق السجن .
كما يمكن أيضاً النطق بالعقوبة والأمر بتجزئة تنفيذها على فترات متعاقبة تتخللها بصفة منتظمة فترات إيقاف ولا تحتسب ضمن مدة التنفيذ للعقوبة .
كما يمكن للقاضي أن يأمر بإيقاف تنفيذ العقوبة وفق ضوابط بعضها يتعلق بالجريمة ذاتها وبعضها يتعلق بالمحكوم عليه، والآخر يتعلق بالعقوبة سواء تعلق الأمر بالعقوبات الأصلية أم بالعقوبات التبعية والتكميلية أم بالآثار الجنائية الأخرى للحكم. وذلك بحسب سلطة القاضي التقديرية، بيد أنه يجب أن ينص على إيقاف التنفيذ في الحكم وإلا تم التنفيذ وفقاً للأصل العام، وإذا قرر إيقاف التنفيذ عليه أن يذكر الأسباب التي تبرره .
وتكمن أهمية هذه الضوابط في مواجهة عدم الاستقرار القانوني الذي يعتبر كواحدة من عيوب السلطة التقديرية المتاحة للقاضي الجنائي، ورغبته في تضييق دائرة الاختلاف في العقوبة بين المحكوم عليهم، ضمانا لقدر أوفى من المساواة، حتى لا تضحي هذه السلطة محل تحكم وتعسف)17(.
والحكمة التي استهدفتها التشريعات التي أخذت بفكرة الضوابط الاسترشادية من وضع هذه الضوابط، هو ما رأته إزاء السلطة التقديرية التي خولتها لقاضي الموضوع في تقدير العقوبة، من وجوب إحاطة هذه الحرية في التقدير ببعض القيود والضمانات، التي بموجبها يملك القاضي الجنائي عادة سلطة تقديرية، في اختيار نوع العقوبة، كما يمكن له اختيار قدر العقاب بين حديه الأدنى والأقصى، وهو ما يسمى بالاختيار الكمي، بالإضافة إلى ذلك يمكن له التبديل النوعي للعقاب بتدبير أو أكثر من التدابير التهذيبية المقررة للأحداث على سبيل المثال، وقد يخول القاضي في جرائم معينة استبدال تدبير بالعقوبة المقررة أصلاً للجريمة، ويخول القاضي الجنائي سلطة تقديرية في استبعاد بعض العقوبات الأصلية لمدة قصيرة .
وعلى ما سبق فإن التنفيذ للعقوبات البديلة يتم وفقاً للضوابط المنصوص عليها في القانون،، وأن يتم ذلك تحت الرقابة القضائية الكاملة وفقاً للهدف من العقوبة البديلة، والعمل على عدم إهدار الطاقات وتعطيل الإنتاج وإرهاق ميزانية الدولة في تنفيذ العقوبات الأصلية التي قد تؤدي بانعكاسات خطيرة على الفرد والمجتمع.
وأهمية هذه الضوابط لهذه السلطة، تأتي، من كونها تحول دون الانحراف بهذه السلطة عن مقصدها الأصلي، وهذه الضوابط، تجعل القاضي يأخذها في الاعتبار عند استعمال سلطته التقديرية في البحث عن بدائل العقوبة السالبة للحرية، وبما يتناسب مع الجريمة، ويتفق مع أهداف العقاب(18).
المطلب الثاني
إشكاليات نظام السلطة التقديرية للقاضي للحكم بدائل غير احتجازية
معلوم أنه بسبب مشكلات نظام العقوبات السالبة للحرية وبالذات قصيرة المدة، والتي كشفت أن إضرار هذه العقوبات أصبح أكثر من نفعها،،فإن المشرع لم يوجد نظاما حدد فيه بدائل العقوبات السالبة للحرية، فحسب، وإنما أوجد نظاما للسلطة التقديرية للقاضي للحكم ببدائل غير احتجازية.
والغاية من منح السلطة التقديرية للقاضي في استبدال العقوبات السالبة للحرية ببدائل غير احتجازية، هي أن المشرع ليس في مكنته الإحاطة بكل أنماط السلوك الإنساني، الذي يشكل ضررا على المصالح محل الحماية القانونية، كما ليس في استطاعته أن يضع يده على كل فروض الخطورة الإجرامية واحتواءها قانونيا، ومن ثم كان لا بد له من التسليم بالسلطة التقديرية للقاضي في تحديد الجزاء الجنائي المناسب للتطبيق. ولا يمكن للعقوبة أن تؤدي الدور الذي أنيطت به، والذي يتمثل في مكافحة الظاهرة الإجرامية، إلا إذا كان الجزاء يتناسب مع ظروف ارتكاب الجريمة وشخصية المجرم. ومن ناحية أخرى فإن فكرة السلطة التقديرية للقاضي الجنائي ،لها أهمية في تعزيز نظام العدالة الجنائية. وبالتالي فإن التشريعات الحديثة أجمعت على منح القاضي سلطة تقديرية تمكنه من تفريد العقوبة بما يتناسب وشخصية المتهم وظروفه التي أدت به لارتكاب الجريمة، بهدف حماية المجتمع وإصلاح مرتكب الجريمة. وذلك وفقا لقيود وضوابط قانونية.
كما أن مقاصد المشرع من هذا النظام، هي تقريره بأن العقوبة وتنظيمها ليست حلاً كاملاً للمشكلة الجنائية التي يسببها الإجرام لان هناك أنواعاً من المجرمين لا تجدي معهم العقوبة كما أن هنالك حالات لا تكون العقوبة فيها ذات اثر فعال في منع الجريمة. وإنما الحل لمكافحة الجريمة مكافحة فعالة وضع جزاءات أخرى ذات طبيعة مختلفة تحت تصرف القاضي يأمر بها إلى جانب العقوبات المقررة أو بدلاً منها وذلك كي تتحقق أهداف السياسة الجنائية العقابية، ويضمن اختيار أحسن الوسائل الوقائية والعقابية أو بمعنى آخر أحسن الوسائل المانعة والرادعة لمكافحة الجريمة فكلما كان اختيار القاضي للوسيلة العقابية المناسبة للجاني موفقاً أي ملائماً لحالته الشخصية وظروفه الخاصة كلما كان تفريد العقاب سليماً منتجاً لأثره وهو مكافحة الجريمة مكافحة فعالة ولذلك يجب أن نضع تحت يد القاضي من العقوبات والتدابير ما يمكنه من التفريد فما يحتاجه بالنسبة لمجرم معتاد غير ما يحتاجه لمجرم مبتدئ وعلى ذلك فقد تكون العقوبة المقررة للجريمة في القانون ليست هي الوسيلة الفعالة لمنع الشخص من ارتكاب الجرم من جديد وقد ينص القانون على عدم تطبيقها عليه لجنونه، ففي هذه الحالة يجب ان يكون لدى القاضي من التدابير ما يمكنه فيما لو حكم أو أمر بها أن يقي المجتمع شر إجرام هذا الشخص في المستقبل. وبالرغم من أهمية وظائف نظام السلطة التقديرية لتحقيق أهداف نظام بدائل العقوبات السالبة للحرية، إلا أن الواقع يكشف عن وجود مشكلات تعيق مقاصد نظام السلطة التقديرية للقاضي للحكم ببدائل غير احتجازية.
ومن أهم هذه المشكلات قصور الدور الرقابي للمحكمة العليا، والتفتيش القضائي، الذي يعد من الضمانات المفترضة لتحقيق مقاصد المقنن من نظام السلطة التقديرية، وقد نتج عن هذه المشكلة عدم التناسب بين العقوبات والجرائم،،وزيادة أعداد السجناء، واكتظاظ السجون، والإسراف في استعمال السلطة التقديرية للقاضي، وعدم المساواة في العقوبة.
كما أن هذه المشكلات ستؤدي حتما إلى تلاشى صفة اليقين في العقوبة، وبالتالي يضعف تأثيرها في تحقيق الردع العام، بسبب التفاوت الذي يمكن حدوثه في الأحكام بين قاض وآخر في الأفعال المتشابهة، أو عندما يتعدد المساهمون في الجريمة، وهذا التفاوت قد ينعكس على مصداقية نظام إدارة العدالة الجنائية في الدولة فيقلل من درجة الاحترام والثقة في هذا النظام، ويقلل أيضاً من وظائف النظام الجنائي كوسيلة لتحقيق أهداف السياسات الجنائية، وتحقيق الضبط الاجتماعي، والعدالة الجنائية .
وغموض في السياسة الجنائية، وعدم فاعلية نظام العدالة الجنائية .
كما أن غياب سياسات التدريب للقضاة، والتي تكفل لهم تطبيق نظام العقوبات البديلة، بمهنية عالية، نتج عنه، إفراط في عقوبة الحبس،،حتى في الأحوال التي يكون فيها :طبيعة الجرم، ودرجة المسئولية، وماضي الجاني، وسنه، وعلاقته بالمجني عليه ،والباعث على الجريمة، لا يشكل خطرا.
كما نتج عن ذلك زيادة عدد السجناء، واكتظاظ السجون، وما يترتب على ذلك من إهدار لكرامة السجناء، وتعطيل لوظائف بدائل العقوبات السالبة للحرية. إضافة إلى الابتعاد عن أهداف السياسة الجنائية للدولة، وصيرورتها لا تهدف إلى التهذيب والإصلاح أو إعادة التأهيل…أو إهدار لمقاصد العقوبات.
كما أن وجود مشكلات آخري تصاحب نظام بدائل العقوبات السالبة للحرية، ومن أهمها قصور هذا التنظيم، عن مجاراة أبرز الاتجاهات الحديثة البديلة للسجن ،وما يؤكد ذلك، أن بدائل العقوبات السالبة للحرية. لا يزال قاصرا ،ولا يشمل عقوبات بديلة حديثة مثل : الرقابة الإلكترونية، وبدائل السجن التقليدي، منها الاستعانة ببعض مؤسسات الرعاية الاجتماعية القائمة في المجتمع لتقديم بعض الرعاية لبعض أنواع من السجناء الذين يعانون من مشاكل طبية ونفسية وعقلية. وكذلك إيجاد ما يسمي بالسجون المفتوحة. ومن ناحية أخرى فإن غياب قاض متخصص لتطبيق هذه العقوبات، ينتج عنه حتما تغييب لمقاصد المشرع من نظام بدائل العقوبات السالبة للحرية، ونظام السلطة التقديرية للقاضي الجنائي.
النتائج والتوصيات:
-الأصل في العقوبات البديلة أنها عقوبات مستقلة وليست تكميلية، لها وظائف مهمة في إعادة تأهيل وتهذيب المحكوم عليه، وباعتبارها تدابير مستقلة للتأهيل الاجتماعي للمحكوم عليه.
-إن نظام بدائل العقوبات السالبة للحرية في القانون اليمني لا يزال نظاما تقليديا، ويحتاج إلى تطوير من خلال توسيع دائرة هذه العقوبات البديلة .
-إن تحقيق مقاصد نظام العقوبة البديلة،، لن يتحقق إلا إذا حصل تطور في نظام السلطة التقديرية للقاضي ،
-إن نظام السلطة التقديرية للقاضي في تقدير، بدائل العقوبات السالبة للحرية يعد من أهم الوسائل التي تساعد المشرع في تحقيق أهداف العقوبة، وتعزيز نظام العدالة الجنائية.
-إن مفهوم السلطة التقديرية لاستبدال العقوبات السالبة للحرية ببدائل غير احتجازية، هو نظام يعطي القاضي سلطة إحلال عقوبة بديلة، على سالبة للحرية .
-إن السلطة التقديرية للقاضي في تقرير بدائل للعقوبات السالبة للحرية، مقيدة بشروط معينة، نص عليها القانون، ويجب أن تتوافر حتى يلجأ القاضي لاستخدام هذه السلطة.
-إن السلطة التقديرية الممنوحة للقاضي أصبحت من المسلمات في هذا العصر ،باعتبارها المخرج الذي يلجأ إليه القضاة عند استنفاذ العقوبات المقررة قانونا، لعدم مواءمتها للجرم المرتكب أو لظروف المجرم، ومن ثم اللجوء إلى حلول أخرى منحها إياه المشرع في إطار ما يعرف بالسلطة التقديرية.
- إن هذه السلطة التقديرية يجب أن تخضع في تطبيقها، لضوابط يسترشد بها القاضي عند تقدير الجزاء الجنائي، فالغاية من وجود هذه الضوابط، هي الوصول إلى قياس سليم، ومتكامل لجسامة الجريمة ومسؤولية مقترفها وقدر ما يستحق من العقاب..
-إن نظام السلطة التقديرية للقاضي، يوجب على القاضي أن يلتزم الضوابط التي يجب أن تصاحب الأحكام بالعقوبات البديلة، والتي تضمن عند التنفيذ، إصلاح الجاني والحفاظ على المجتمع آمناً مطمئناً.
-إن تحقيق العدالة الجنائية يكلف ميزانية الدولة مصاريف وتكاليف ضخمة في سبيل القضاء على الجريمة والبحث عن مرتكبيها ومحاكمتهم وتنفيذ العقوبة في حقهم، وهذا يقضي إمعان النظر في النتائج المحصل عليها والبحث عن البدائل الضرورية فالتركيز على العقوبة لوحدها غير كاف للوصول إلى الإصلاح المنشود، بل لابد من توجيه الاهتمام إلى التقليل ما امكن من العقوبات السالبة للحرية في بعض الجرائم السابقة وتعويضها بالجزاءات الإدارية أو على الأقل بالعقوبات المالية ،وتشجيع التدابير الوقائية والبحث على تطبيقها وتنويعها، في حالة ضرورة انزال العقوبات السالبة للحرية فلا بد إن يكون الهدف الرئيسي هو السعي إلى إصلاح المحكوم عليه وتتبع وضعيته داخل السجن وتفادي تهميشه والعمل على تيسير إعادة إدماجه عند مغادرته للسجن، ووضع معايير دقيقة تتيح للقضاء تطبيقا سليما لمبادئ تفريد العقاب والظروف المخففة أو المشددة.
-إن العناية بالعنصر البشري العامل في محيط العدالة الجنائية يعد من الأولويات الأساسية والمقصود هنا هم القضاة سواء كانوا قضاة حكم أو قضاة نيابة عامة وأيضا المحامون وكذا كتاب الضبط ورجال الضبطية القضائية والخبراء والمترجمون وغيرهم من المساعدين، والعناية بهؤلاء تكون من خلال توفير الإمكانيات المادية والمعنوية وتمكينهم من أداء وظائفهم في احسن الظروف.
- إن تحقيق مقاصد نظام العقوبات البديلة يفرض وجود نظام رقابة فعال على أعمال القضاة، من المحاكم الأعلى، ومن هيئة التفتيش القضائي عند تقدير الكفاءة، وذلك حتى نضمن تعزيز وظائف نظام العدالة الجنائية.
التوصيات:
-اعتماد سياسات تدريب ملائمة لإكساب القضاة وأعضاء النيابة العامة والادعاء العام المعارف والخبرات والمهارات اللازمة للتعامل مع الظواهر الجرمية المستحدثة ،و تدريبهم على تطبيق نظام بدائل العقوبات السالبة للحرية، وبما يحقق مقاصد المشرع من العقوبات البديلة.
-تفعيل دور المحاكم العليا في التنظيم القضائي، ودور التفتيش القضائي في الرقابة على الأداء القضائي،، وبما يضمن حقوق المتهم وتطبيق مبادئ العدالة. وعدم الانحراف بهذه السلطة الممنوحة للقاضي.
-الأخذ ببدائل السجن التقليدي، بشكل عام: منها المراقبة القضائية، والرقابة الإلكترونية و إعفاء المؤسسات العقابية التقليدية من مسؤولية إصلاح المجرمين ،والاستعانة ببعض مؤسسات الرعاية الاجتماعية القائمة في المجتمع لتقديم بعض الرعاية لبعض أنواع من السجناء الذين يعانون من مشاكل طبية ونفسية وعقلية.
وإيجاد ما يسمي بالسجون المفتوحة، والتي هي عبارة عن مبان صغيرة لها أبواب عادية بدون قضبان حديدية ولا تحيطها أسوار عالية، وعلى استبدال الأساليب المادية بأخرى معنوية تهدف إلى بث الثقة و الطمأنينة في نفس النزلاء وتعويدهم الاعتماد على أنفسهم وتبادل الثقة بينهم وبين القائمين على إدارتهم .
- إيجاد قاض متخصص في تطبيق العقوبات البديلة، على مستوى كل مؤسسة عقابية.
- إيجاد دليل يتضمن إرشادات وموجهات حول البدائل التي يمكن تطبيقها.
- يتعين ألا تكون شروط بدائل الحبس مفروضة على المحكوم عليهم؛ إنما يجب إن تكون قابلة للتفريد بحسب شخصية وظروف كل محكوم عليه على حدة؛ وأن يكون هناك قابلية للتعديل تبعا للظروف التي تطرأ على شخصية المحكوم عليه ومتطلبات ومفترضات تأهيله اجتماعيا.
- إجراء مراجعة شاملة للتشريعات الجنائية الوطنية في إطار ملاءمتها للمعايير الدولية لحقوق الإنسان عبر مراحل الاتهام والتحقيق والمحاكمة والتنفيذ العقابي والعمل على تعديلها، ليكون القانون القائم الواجب التطبيق في متناول القضاء، سليماً وتتوافر فيه كافة ضمانات حقوق الإنسان عبر هذه المراحل.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
(1) – العقوبة : العقوبة La peine جزاء يوقع باسم المجتمع، حماية له وضماناً لمصلحته، وهى جزاء يتناسب مع جسامه الواقعة الإجرامية ومقدار الخطيئة والإثم إعمالا لمبادئ العدالة. فالعقوبة ضرورة حتمية تفرضها اعتبارات حماية النظام العام السياسي والاقتصادي والاجتماعي. ومن المؤكد أن الهدف أو الغرض الانتقامي أو التكفيري للعقوبة لم يعد له دور يذكر في العصور الحديثة والمعاصرة. ومن ثم يمكن حصر أغراض العقوبة فقط في نوعين من الأغراض، أحدهما الغرض الأخلاقي، وهو تحقيق العدالة، والآخر غرض نفعي هو تحقيق الردع بنوعيه العام والخاص.
(2) – تختلف العقوبات السالبة للحرية عن العقوبات المقيدة للحرية فالأخيرة هي التي تفترض بوجود المجرم خارج المؤسسة العقابية ويخضع لتدابير كمراقبة البوليس أما العقوبات السالبة للحرية فمنها عقوبة الحبس.
(3) – والسبب أنه ظهرت أشكال جديدة من الإجرام استفادت من الثورة العلمية والتقنية الحديثة “جرائم الحاسوب والإنترنيت والجرائم ضد الإنسانية وجرائم المواصلات السلكية واللاسلكية وجرائم البيئة” وفي نفس الوقت أصبحت الحقوق والحريات الفردية معترفا بها على المستوى العالمي اكثر من أي وقت مضى، واصبح على العدالة الجنائية أن تساير المعطيات التكنولوجية بسرعتها ودقتها وضبطها بدلا من الاعتماد على أساليب عمل تقليدية مكلفة وبطيئة لذلك اصبح العمل جادا على المستوى الدولي من اجل حوسبة العدالة الجنائية وجعلها اكثر عصرنة واكثر علمية، وان كان ذلك غير كاف وحده، إذ أن العدالة الجنائية لا يمكن فصلها عن العدالة الاجتماعية والاقتصادية، والسياسية، فتحقيق العدالة في شقها الجنائي لن يتم ألا بشكل مواز مع تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية والديمقراطية السياسية وذلك عن طريق الاهتمام بالطبقات الاجتماعية المحرومة ومحاربة أشكال الفقر والبطالة والقضاء على الأمية وتشجيع التعليم وتوفير السكن اللائق ورعاية الطفولة وفتح المجال للحريات العامة في اطار الالتزام والمسؤولية.
(4) – وهذا ربما يرجع لأنها تطبق على اقل الجرائم جسامة وهي الجرائم التي ترتكب بكثرة، أو ربما يرجع إلى أن القضاة وخوفا من أن يظلموا المحكوم عليه بعقوبة طويلة المدة يلجؤون إلى تطبيقها.
(5) -1 شريف سيد كامل، الحبس قصير المدة في التشريع الجنائي الحديث، دار النهضة العربية، القاهرة ،1999، ص6
– )6(
(7) يراجع في ذلك بهزاد علي ادم – مفهوم العقوبة البديلة – الموقع الإلكتروني الحوار المتمدن.
(8) منجد الطلاب. فؤاد افرام البستاني. الطبعة الثامنة والثلاثون. دار المشرق. ش م م. صفحة 25
(9) تجارب الدول الأخرى لبدائل عقوبة السجن؛ عبد الله بن عبد العزيز اليوسف؛ ضمن ندوة بدائل عقوبة السجن ،
(الجمعية الوطنية لحقوق الإنسان، الرياض، ط1، 1428هـ- 2007م)، ص 30- 36.
10)) بدائل السجن؛ دراسة مقارنة؛ حجاب بن عائض الذيابي، رسالة ماجستير من جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية (المعهد العالي للقضاء- قسم السياسة الشرعية ؛ بإشراف الدكتور: منصور نصر قموح، العام الجامعي 1421هـ- 2000م، ص
(11) — كنزة حرشي – علم العقاب – طبعة جديدة – 2007 – 2008. ص: 99 – 100. – فوزية عبد الستار، مبادئ علم الإجرام وعلم العقاب : 316.
(12) -ومن هذه المؤتمرات المؤتمر السابع للأمم المتحدة المنعقد في ميلانو في عام 1985 الذي اعتمد على وجوب اتخاذ كافة التدابير والإجراءات الناجعة لمعالجة ظاهرة الاكتظاظ لدى السجناء، والاستعاضة بقدر المستطاع عنها بالتدابير البديلة، وذلك من اجل إعادة تأهيل ودمج المحكوم عليهم في المجتمع باعتبارهم جزء لا يتجزأ من النسيج الاجتماعي، وذلك من اجل أعادتهم أعضاء فاعلين في المجتمع، ففي توصيته رقم 16 شدد على وجوب اتخاذ التدابير اللازمة لعلاج ظاهرة تكدس السجناء، والاستعاضة ما امكن عن عقوبة السجن بالتدابير البديلة والمؤهلة لا عادة دمج المحكوم عليهم في الحياة الاجتماعية كأعضاء فاعلين، وإذ يؤكد أن الإجراءات التي لا تشترط الحبس تمثل طريقة إنسانية لتسهيل جهود إعادة التأهيل التي تبذل بشأن الأفراد المحكوم عليهم فقد أوصى بما يلي:
1 .يوصى بأن تعمل الدول الأعضاء على زيادة جهودها الرامية إلى الحد من الآثار السلبية للسجن.
- يوصي الدول الأعضاء كذلك بتكثيف البحث عن الجزاءات المعقولة التي لا تشترط الحبس كوسيلة لتخفيض أعداد السجناء.
- يطلب من لجنة منع الجريمة ومكافحتها أن تقوم بدراسة مسألة الجزاءات التي لا تشترط الحبس والتدابير الرامية إلى الاندماج الاجتماعي للمجرمين مع مراعاة جملة أمور
(13) – يمكن تعريف السياسة الجنائية بصفة عامة بأنها مجموعة الوسائل والتدابير التي تحدثها الدولة في حقبة زمنية معنية لمكافحة الجريمة وحفظ الأمن والاستقرار داخل ربوعها، أو المجموعة المنظمة من المبادئ التي يتحتم على الدولة والمجتمع اعتمادها لتنظيم عملية محاربة الجريمة.
(14) – إن مصطلح السلطة التقديرية هو ذو معنى واسع في مختلف فروع القانون يقوم على أساس من التحليل الذهني أو الفكري للقاضي فهو نشاط ذهني وعقلي يضطلع به القاضي في فهم الواقع المطروح عليه واستنباط عناصر هذا الواقع في نطاق قاعدة قانونية يعتقد أنها تحكم النزاع المعروض. وهي بذلك تتألف من عنصرين شخصي وهو القاضي وموضوعي وهو القانون. د. نبيل إسماعيل عمر – سلطة القاضي التقديرية – منشاة المعارف بالإسكندرية – 1984،ص50 وما بعدها-،
(15) – د. أكرم نشأت إبراهيم، الحدود القانونية لسلطة القاضي الجنائي في تأجيل العقوبة، دراسة مقارنة، مكتبة دار الثقافة للنشر والتوزيع، عمان ،1998، ص287.
(16) – في حالة: تعدد عقوبات القصاص في المادة(110) عقوبات وفي حالة تعدد عقوبات الحدود في المادة(111) عقوبات وفي حالة تعدد عقوبات القذف في المادة (112)، وفي حالة تزاحم عقوبات الحدود والقصاص في المادة (113).
(17) -47 د/حسني محمود نجيب، شرح قانون العقوبات (القسم العام)، الطبعة الخامسة، دار النهضة العربية ،القاهرة، مصر ،1982،. ص 782
(18) – الإشراف القضائي في تطبيق الجزاء الجنائي في التشريع الجزائري، رسالة ماجستير،2012م، جامعة الحاج الخضر باتنيه، الجزائر.. ص10 وما بعدها.1- فاضل زيدان محمد – سلطة القاضي الجنائي في تقدير الأدلة – رسالة دكتوراه – مقدمة إلى كلية. القانون-جامعة بغداد – 1987





