د. محمد قصري

عضو المجلس الدستوري

الرئيس الأول لمحكمة الاستئناف الإدارية بالرباط سابقا

لقد اعتبر إحداث المحاكم الإدارية بحق إصلاحا قضائيا بالغ الأهمية وفاتحة عهد جديد لضمان وصون الحقوق والحريات ببلادنا ومبدأ المشروعية وسيادة القانون. وأهم المستحدثات التي أتى بها هذا القانون هو مؤسسة المفوض الملكي التي تعتبر مكسبا قضائيا لا عهد للقضاء المغربي به، وقد أناط بها الدفاع عن القانون والحق بكل استقلال وحرية، وأطلق عليها المشرع المفوض الملكي للدفاع عن الحق والقانون وهو اسم يميزها عن باقي التشريعات المقارنة كفرنسا ومصر. إذ أن تسمية مفوض الحكومة بفرنسا وتسمية مفوض الدولة في مصر يعتبر اسما على غير مسمى، ولا ينطبق على المهام التي يقوم بها باعتباره يوحي فقط بالدفاع عن الحكومة والدولة في المنازعات الإدارية، وكأنه نوع من النيابة العامة، وهو اسم منتقد فقها وقضاء لأنه لا ينطبق على المهمة التي يقوم بها في تلك المنازعات من الدفاع عن الحق والقانون بكل تجرد وحرية.

وقد نظم المشرع المغربي من خلال القانون 90-41 المحدث للمحاكم الإدارية، ولا سيما الفصول 2-4-5 طريقة تعيين المفوض الملكي ومهمته في الدفاع عن القانون والحق، وسيلته في ذلك هي مستنتجاته الكتابية والشفوية وحضوره في جلسات المحكمة، ولم يخول له حق المشاركة في إصدار الأحكام بمفهوم تصويته في المداولة اعتبارا لخصوصية هاته المؤسسة.

والواقع أن وظيفة هذه المؤسسة، كما هي محددة باقتضاب وشمولية بالمواد المذكورة أعلاه، تثير عدة تساؤلات وإشكالات لدى الباحثين والمهتمين بها من حيث تعيين المفوض الملكي وعلاقته برئيس المحكمة الإدارية وبالهيئة القضائية، ومركزه القانوني وعلاقته بالأنظمة القانونية المشابهة، ومدى خضوعه لقواعد التجريح، ودوره في الدفاع عن الحق والقانون بصدد المنازعات الإدارية ومستنتجاته ومجالها بين قضاء الموضوع والقضاء الاستعجالي، وكيفية إنجازها وطريقة عرضها على هيئة المحكمة بالجلسة، ومدى مواصلة الدفاع عن الرأي والقانوني بها خلال جلسة المداولة، ومعرفة مآلها بحضور جلسة النطق بالأحكام.

وعلى ضوء ذلك تتضح معالم هذا البحث كما يلي: سوف نتناول في القسم الأول نظام المفوض الملكي في القانون المقارن وسوف نقسمه إلى مبحثين: المبحث الأول نتناول فيه نظام مفوض الحكومة بفرنسا من حيث نشأته وتعيينه ومهمته القضائية ودوره في المنازعة الإدارية مع تقييم هذا النظام، ثم نتناول في مبحث ثان نظام مفوض الدولة في مصر وطبيعته المتميزة عن كل من القانون المغربي والقانون الفرنسي، حيث يجمع فيه بين تحضيره الدعوي الإدارية وإبداء الرأي القانوني فيها واختصاصه في المنازعة الإدارية مع تقييم هذا النظام وإبراز مميزاته وإيجابياته وسلبياته.

وفي القسم الثاني سنتناول نظام المفوض الملكي في التشريع المغربي وسوف نتناول في مبحث أول الجانب الإداري من مؤسسة المفوض الملكي، وهو ينقسم إلى فرعين: الفرع الأول يتعلق بتعيين المفوض الملكي والإشكال المرتبط بذلك. والفرع الثاني يتعلق ببيان علاقة المفوض الملكي برئيس المحكمة على ضوء أحكام ظهير 15 يوليوز المتعلق بالتنظيم القضائي وما لحقه من تعديل. ونتناول في مبحث ثان المركز القانوني للمفوض الملكي وعلاقته ببعض الأنظمة المشابهة ومدى خضوعه لقواعد التجريح المنصوص عليها بالفصول 195 إلى 199 من قانون المسطرة المدنية. ونتناول في مبحث ثالث المهمة القضائية للمفوض الملكي في الدفاع عن القانون والحق بدءا بإحالة الملف على مكتبه وانتهاء بوضع مستنتجاته في المنازعة الإدارية بعد تبيان طبيعة مستنتجاته ومجالها بين دعوى الموضوع والقضاء الاستعجالي وحضور جلسات المحكمة، وكيفية عرض تلك المستنتجات وحضوره جلسات المداولة والنطق بالأحكام، ومدي جواز الطعن فيها، لنذب أخيرا لتقدير نظام هاته المؤسسة على ضوء ايجابياتها وسلبياتها الملاحظة بحكم واقع التجربة خلال مدة العمل بها مع اقتراحات في الموضوع.

القسم الأول: نظام المفوض الملكي في القانون المقارن

سوف نتناول في هذا القسم نظام مفوض الحكومة في فرنسا باعتبار أن القضاء الإداري بفرنسا يعتبر النظام النموذجي في القضاء الإداري العالمي والتجربة الرائدة للدول التي حدت حدود كما نتناول فيه نظام مفوض الدولة في مصر الذي يعتبر ذا طبيعة خاصة يجمع فيه المفوض الملكي بين مهمة تحضير الدعوي الإدارية وإبداء الرأي القانوني المسبب حولها.

المبحث الأول: نظام مفوض الحكومة في فرنسا

لا يمكن فهم هذه  الوظيفة على حقيقتها دون التذكير بالإطار التاريخي الذي نشأت فيه وتشكلت، وعليه سوف نتناول في هذا المبحث التطور التاريخي لنظام مفوض الحكومة بفرنسا، وطريقة تعيينه ودوره في المنازعة الإدارية وعلاقته بهيئة القضاء الإداري وطبيعة مستنتجاته لتنتهي إلى تقييم هذا النظام.

أولا: نشأة مفوض الحكومة بفرنسا:

إن القرار الملكي الصادر بتاريخ 12 مارس 1831 هو الذي أحدث نيابة عامة لدى مجلس الدولة وقد نص فيه من خلال الفصل الثاني منه أنه في بداية كل ثلاثة أشهر يعين رئيس مجلس الدولة ثلاث نواب يمارسوا مهام النيابة العامة وفي كل قضية يجب أن يستمع إلى واحد منهم للدفاع عن مصالح الإدارة. وقد علق د. دوفيرجي على ذلك بقولها: “لا شيء يحدد مهام وواجبات هذه النيابة العامة فستطبق دون المقتضيات المتعلقة بالنيابة العامة أمام المحاكم العادية”([1]). وقد اعتبر في تلك الفترة النواب المعينون لممارسة النيابة العامة بصفة عامة بأنهم ناطقين باسم الحكومة، وقد كتب عن ذلك CORMER في 1840 بقوله: “مؤسسة النيابة العامة تمد المساعدة للدولة حيث يكلف مفوضها علي الخصوص بإبراز ومساندة مصلحتها”([2]). وقد بينت ديباجة قرار 1831 ذلك بقولها “حيث أنه انطلاقا من الوقت الذي تحصل فيه الأطراف على امتيازات العلنية والمناقشة الشفوية، فإنه من الملائم أن تجد الإدارة والنظام العام وسائل دفاع مماثلة لتلك التي يستفيدون منها أمام المحاكم العادية”. وقد أصبح ممثلوا هذه النيابة العامة يعرفون باسم المفوض الملكي (قرار قضائي 7 يناير 1842) عوض القائم بمهام النيابة العامة، ولم يصدر أي نص لتنظيم هاته الوظيفة حيث سمح لها أن تحدد نفسها بنفسها، وأن تتكيف مع الحالات، لكنه من الناحية العملية لم تكن هاته الوظيفة مطابقة للفكرة السائدة لدى الذين أحدثوها، فمنذ السنوات الأولى كان نواب مجلس الدولة المعينون لممارسة مهام النيابة العامة يتقدمون بملاحظاتهم بكل استقلال ويتوصلون في مستنتجاتهم حسب الحالات المعروضة موقف الإدارة أو ادعاءات الأفراد دون تمييز وهكذا ففي قضية Annebault et consorts صدر قرار يقضي طبقا لمستنتجات المفوض الملكي برفض طلبات وزارة المالية مما آثار غضب الإدارة.

ونتيجة لذلك، وفي سنة 1852 تم عزل مفوض الحكومة reverchon لأنه رفض أن يتقدم لمستنتجات تهدف إلى الإبقاء على إجراءات اتخذت ضد أسرة أورليان غداة الانقلاب الذي حصل في فرنسا آنذاك. وقد آثار إجراء العزل هذا روبعة وكان مثار سخط لدى المهتمين بالقضاء الإداري وحقوق الإنسان إلى أن جاء قرار gervaise الشهير بتاريخ 10-7-1957، حيث ألغى مجلس الدولة القرار الإداري الذي عزل مفوض الحكومة لدى مجلس القضاء الإداري الذي لم يساند وجهة نظر الإدارة.

وقد أعطى قرار gervaise تعريفا أكثر معاصرة للوظيفة بقوله: “إن مفوض الحكومة لدى مجلس المنازعات ليس ممثلا للإدارة… إن مهمته هي أن يعرض أمام المجلس المسائل التي يجب الحكم فيها في كل طعن قضائي، وأن يعمل بواسطة التعبير بكل الاستقلال في مستنتجاته على التعريف بالظروف الواقعية والقواعد القانونية الواجبة التطبيق، وكذلك التعريف برأيه حول الحلول التي يستدعيها حل النزاع المعروض علي الهيئة القضائية”([3]).

ثانياً: تعيين مفوض الحكومة

ويتم اختيار المفوض بمعرفة نائب رئيس المجلس ورئيس القسم القضائي، ويعين بمرسوم من رئيس الوزراء بناء على اقتراح وزير العدل([4]). ويراعي في اختياره عامل الكفاءة والخبرة الطويلة في العمل القضائي.

ولم يحدد هذا النص الوظيفة وتعريفها إلا أنها استطاعت أن تحدد وتفرض نفسها بالممارسة، والملاحظ أن لقب مفوض الحكومة الموروث عن حقبة تاريخية خلت لا يترجم بالضبط الوظيفة التي يقوم بها أمام الهيئات القضائية لذلك ذهب Henri sain في بحثه حول([5]) les cours administrative d’appel approche critique إلى القول: “ويستحسن الحديث عنه باسم مفوض القانون أو نائب العدالة Maitre de justice.

ثالثاً: مهمته القضائية ودوره في المنازعة الإدارية:

ومهمته هو أن يعرض بكل استقلال على هيئة الحكم مستنتجاته حول ظروف الواقع والقواعد القانونية الواجبة التطبيق ويهيئ مستنتجاته انطلاقا من ملف جاهز غالبا ما يكون قد تم فحصه في جلسة التحقيق عن طريق المداولة المسبقة بمعرفة مشروع القرار الذي أعده القاضي المقرر، وربما حتي الملاحظات المكتوبة للرئيس المراجع. ومنذ دخول الفصل 9 من مدونة المحاكم الإدارية ومحاكم الاستئناف الإدارية حيز التطبيق سنة 1990 وكلما كانت هنالك قضية لا تثير صعوبات كثيرة، كعدم القبول الواضح أو التنازل أو عدم وجود وجه لإقامة الدعوي، فإن ذلك يسوي بقرار رئيس المحكمة الشيء الذي يجعل أن الملفات الحقيقية فقط هي التي تصل بين أيدي مفوض الحكومة.

وحول مهمة مفوض الحكومة وطبيعتها أمام الهيئات القضائية الإدارية تقول([6]) مدام كرستيان فرانز: “فمفوض الحكومة يمكنه ويجب أن يقول كل شيء دون الخوف من أن لا يعجب ذلك أحد فهو يقف ليقول ذلك، من أجل إثارة الانتباه بشكل أفضل إلى أهمية القانون الذي يمثله، ولهذا السبب فهو يتكلم في الأخير رابطا بذلك بين المرافعة الحضورية وبين المداولة وعندما يقف فإن التحقيق يكون قد انتهى والمستنتجات ليست أمرا مفروضا، ومن المؤكد أنها موجهة أولا إلى المحكمة ولكنها لا تلزمها فليس هنالك أية علاقة تبعية بينهما فمفوض الحكومة مستشار من بين أعضاء المحكمة يمارس لمدة محددة هذه الوظيفة ودوره هو أن يوضح لزملائه وليس فرض شيء ما عليهم، فالنتيحة لا تكون قد تحددت عندما يأخذ مكانة للتدخل فدوره المسطري يكون قد انتهى ولكن القضية تدخل إلى المداولة، وهنا يأتي دور هيأة الحكم لإعطاء الحل للنزاع.. ويجوز لمفوض الحكومة أن يحضر المداولة وعلي المستوى العملي فإنه يحضر، علما بأنه لا يشارك أبدا في التصويت”.

هاته هي المهمة القضائية والاستشارية لمفوض الحكومة كما وصفتها مدام كرستيان فرانز، وتكمن في إبداء الرأي القانوني المحيط بالظروف الواقعية والقواعد القانونية الواجبة التطبيق على النازلة بكل تجرد واستقلال في شكل فتوى قانونية غير ملزمة للمحكمة متى أصبحت القضية جاهزة للحكم فيها دون مشاركة منه في عملية التصويت بحضوره مجلس المداولة.

رابعاً: تقييم نظام مفوض الحكومة

وقد كتب الرئيس odent([7]) في إطار تقييم عمل مفوض الحكومة مشيرا إلى ما يجري لمجلس الدولة: “ودون الرغبة في تجاهل أهمية ودور مفوض الحكومة، فإنه من المبالغة أن نسند بصفة منهجية لمفوض الحكومة مسؤولية كل تقدم أو تقهقر للاجتهاد القضائي، فمفوض الحكومة هو الشخصية الوحيدة في إطار العمل المجهول والجماعي المنجز داخل الهيئات القضائية التي يعبر عن رأيه بمعرفة الناس، وهذه العلنية هي التي تدفع إلى القول بأن هذه الوظيفة هي أساس كل تطور للاجتهاد والواقع يختلف عن ذلك شيئا ما، فتارة يمارس مفوض الحكومة تأثيرا شخصيا عظيما على تشكيل الاجتهاد القضائي، وتارة فإنه يكتفي بأن يكون الناطق باسم أحد الفروع داخل المجلس، وكل ذلك رهين بالنازلة وبالأمزجة المتواجدة”.

وقد لخصت هونري آسيا المهمة القضائية لمفوض الحكومة داخل المنازعة الإدارية بقوله أنه يتعين التمييز بين التأثير الذي يمكن لمفوض الحكومة أن يمارسه على مستوى حل كل نزاع علي حدة، والتأثير الممكن على مستوى التطور العام للاجتهاد القضائي والفقه.

ففيما يتعلق بحل النزاع يمكن القول أنه في كثير من الحالات أن اتجاه القرار يكون قد تحدد قبل أن يأخذ مفوض الحكومة الكلمة في الجلسة فإذا وجد اتفاق بين المستشار المقرر والرئيس المراجع فإن مفوض الحكومة لا يملك سوى حظوظا قليلة لتغليب وجهة نظر مخالفة عند المداولة، علي أن مفوض الحكومة هنا غالبا ما يلجأ إلى ضبط وتأطير مستنتجاته، وعندما يصدر قرار المحكمة مطابقا لمستنتجاته فإن أطراف النزاع والمعلقين على القرار يظنون أن هيئة الحكم قد تبعت مفوضها، في حين أن هذا الأخير لم يقم سوى بالانضمام إلى مواقف المستشار المقرر أو الرئيس المراجع.

وإذا كان من الصعب على مفوض الحكومة أن يعارض بنجاح الحل الذي يدافع عنه في آن واحد المستشار والمقرر والرئيس المراجع، فإن تدخله يكون حاسما تقريبا عندما تكون هيئة الحكم مقسمة أو مترددة حول الطريق الواجب اتباعه.

فوظيفة مفوض الحكومة داخل المحاكم الإدارية تكمن أساسا في البحث عن مدى مطابقة الحل الذي يفترضه المستشار المقرر للوضع القانون، وخاصة مطابقته لاجتهاد مجلس الدولة، ربما أنه في المرحلة الابتدائية ليس هناك مراجعة حقيقية للملف من طرف رئيس هيأة الحكم فإن مراقبة المطابقة هذه تبدو منطقية تماما، بل وضرورية ويجب أن لا يعهد بها إلى قاض مبتدئ أما في مجلس الدولة فإن دور مفوض الحكومة مختلف عن ذلك، ففي حين يقوم المستشار المقرر والرئيس المراجع بأقصى تعميق للمشاكل التي يطرحها الملف فإنه على العكس من ذلك يتعين على مفوض الحكومة أن يتخذ بعض البعد بالنسبة للملف حتى يمارس مراقبة انسجام الحل المقترح بالنظر لبناء الاجتهاد القضائي.

وهكذا فإن مفوض الحكومة في مجلس الدولة هو مبدئيا نوع من الفقيه وعونا للقاضي بالمعنى الكامل للكلمة، فهو يرشد القاضي إلى الطريق الذي يجب أن يتبعه ودوره ليس القيام ببرهنة ونلكن اقتراح مسار فكري واستدلال.

إن الوصف الذي يعطيه([8]) Guylissandro عن مفوض الحكومة Jean Kahn ليعبر بشكل كبير عن الأبحاث التي كان يقوم بها لتطوير الاجتهاد القضائي الإداري والدفع به إلى الخلق والإبداع: “بصفة عامة كان يعمل جاهدا على تشريح كل نازلة ولا يهمل الجوانب النظرية ولا العناصر التي كان يعتبرها هو نفسه ثانوية، فقد كان يتحدث مطولا عن مسائل قانونية ليست من النظام العام، ولكن يعتبر تناولها ضروريا، ولولا عادة تأكيد بل وتركيز اجتهاد قضائي ثابت، وكان غالبا ما يدرس الوسائل التي يعتبرها مع ذلك زائدة، وكان يبرر هذه الطريقة بالخوف في أن لا يحصل المنطوق المقترح على قبول القاضي كذلك عندما تكون هناك بناءات مختلفة من شأنها أن تتبع من طرف زملاءه، فإنه يعمل على توضيح آلياتها ويوضح نواقصها وعدم انسجامها أو أخطاءها ليبعدهم عنها بصفة نهائية. وفي نفس الاتجاه فقد كان يعمل على توضيح وشرح مختلف الأوجه التي تخفي عن الملاحظة المباشرة، ويتم التعبير عن هذه الرغبة في تعميق هذه المشاكل عند تحليل النصوص ودراسة أهداف أصحابها وقد كان يتبع ويستعرض في الاجتهاد القضائي العناصر الجديدة التي تمر دون أن ينتبه إليها أحد، كذلك الأمر بالنسبة لإعداد البرهان القانوني، فقد كان بإمكانه أن يعتمد فقط على العناصر التي يستمدها من القضية التي يتعين عليه تقديم مستنتجاته بشأنها، فقد كان أحيانا يغدي فكرة انطلاقا من تحاليل مفترضة للقانون في الاتجاهات العصرية للقضاء الإداري، أو من تطورات الاجتهاد الواجب استكمالها ويضع طرقا جديدة للتفكير يتعين اتباعها في النزاعات المستقبلية”.

خامسا: مفوض الحكومة يواجه أزمة هوية:

وإذا كانت وظيفة مفوض الحكومة ودوره في المنازعات الانتخابية هي التي كانت سائدة في حقبة تاريخية سلفت من خلال مثال Khan، حيث عمل على تطوير الاجتهاد القضائي الإداري بفرنسا من خلال تكريسه المبادئ العامة للقانون الإداري عبر اجتهادات قضائية بناءه فإن وضعية مفوض الحكومة أصبحت حالية منتقدة بعد أن أصبح القضاء الإداري محدد بمبادئ وقواعد قانونية قارة من طرف مجلس الدولة وفي هذا الإطار يقول هونري آسيا:”فإنه لا يمكن لمفوض الحكومة أن يكون ذلك النحاث الذي يصبو إلى اكتشاف جوانب غير معروفة في القانون الإداري، على العكس من ذلك فإن يخاطر بفقدان نفسه شيئا فشيئا لأنه ملزم بقوة الأشياء أن يتخلى عن وظيفته الحقيقية لكي يرتبط فقط بترتيب وتوضيح وشرح النصوص الموجودة. وهكذا وباستثناء مجال القانون الأوربي وآثاره علي القانون الداخلي حيث لا زال الاجتهاد ممكنا، يمكن أن نتساءل إذا ما كان هذا المهندس الكبير للاجتهاد القضائي الإداري الذي هو مفوض الحكومة سيصبح فقط مجرد مرتب مركب للقانون”.

المبحث الثاني: نظام مفوض الدولة بمصر

أنشأ نظام هيئة مفوض الدولة بموجب القانون رقم 165 لسنة 1955، ومهمة مفوض الدولة تتمثل في إبداء الرأي المحايد في الدعوى الإدارية، وقد بينت المذكرة الإيضاحية للقانون المذكور طبيعة عمل هيئة المفوض بقولها:

“إن مهمة هاته الهيئة أوضحتها المواد من 27 إلى 34، وتقوم على أغراض شتي منها تجريد المنازعات الإدارية من لدن الخصومات الفردية باعتبار أن الإدارة خصم شريف لا يبتغي إلا معاملة الناس جميعا طبقا للقانون على حد سواء، ومنها معاونة القضاء الإداري من ناحيتين إحداهما: أن يرفع عن القضاء عبء تحضير القضايا وتهيئتها للمرافعة حتي يتفرغ للفصل فيها، والأخرى تقديم معاونة فنية ممتازة تساعد على تمحيص القضايا تمحيصا يضيء ما أظلم من جوانبها، ويجلي ما غمض في وقائعها برأي تتمثل فيه الحيدة لصالح القانون. ويتفرع على ذلك أن هيئة مفوض الدولة تعتبر أمينة على المنازعة الإدارية وعاملا أساسيا في تحضيرها وتهيئاتها للمرافعة، وفي إبداء الرأي القانوني المحايد لها”.

لقد رسمت هاته المذكرة الإيضاحية عن إحداث هيئة المفوضين ومهمتها في المنازعة الإدارية الأهداف المتوخاة منها، فما هي الاختصاصات المنوطة بها في إطار المنازعات الإدارية وما هي الكيفية التي تحضر فيها الدعوى الإدارية لجعلها جاهزة للمرافعة، وكيف تعد تقريرها في موضوع الدعوى الإدارية وماهي القواعد التي تستند إليها في تسوية النزاع حبيا بين أطراف الخصومة وما هي إيجابيات وسلبيات هذا النظام في إطار تقييمه على ضوء الواقع العملي لهاته الهيئة ذلك ما سنحاول الإجابة عنه في الفقرات التالية:

أولا: اختصاصات هيئة مفوض الدولة:

لقد حددت اختصاصات هيئة مفوض الدولة بموجب القانون 165 لسنة 1955 من المواد 27 إلى 34 في المجالات التالية:

  • النظر في طلبات المساعدة القضائية.
  • تحضير الدعوى الإدارية حتى تجعلها صالحة للحكم فيها.
  • تسوية النزاعات الإدارية بين الأطراف وديا على أساس المبادئ القانونية التي استقر عليها قضاء المحكمة الإدارية العليا.
  • الطعن في الأحكام أمام المحكمة الإدارية العليا متى رأت وجها لذلك بعد موافقة رئيس هيئة مفوضي الدولة.

والملاحظ أن المفوض في النظام المصري، وعلي خلاف كل من النظام الفرنسي والمغربي جمع بين مهمة تحضير الدعوى الإدارية وبين إبداء الرأي القانوني في جميع القضايا التي تعرض على مجلس الدولة، وبذلك يعد المفوض بحق حجر الزاوية في سير الدعوى الإدارية والمحور الأساسي الذي يتوقف عليه نجاح القضاء الإداري.

وفي ذلك يقول الدكتور محمد فؤاد مهنا “ولا نخطئ إذا قلنا أن نجاح النظام الجديد لمجلس الدولة كهيئة قضاء إداري أو فشله إنما مرده في الحقيقة إلى نجاح هيئة مفوضي الدولة أو فشلها في أداء رسالتها”.

أ تحضير الدعوى الإدارية وتهيئتها للمرافعة:

تقضي المادة 57 من قانون مجلس الدولة رقم 47 لسنة 1972 بأن تتولى هيئة مفوضي الدولة تحضير الدعوى وتهيئتها للمرافعة ولمفوض الدولة في سبيل تهيئة الدعوى الاتصال بالجهات الحكومية المعنية للحصول على ما يكون لازما من بيانات وأوراق باستدعاء ذوي الشأن لسؤالهم عن الوقائع التي يرى لزوما تحقيقها أو إدخال شخص ثالث في الدعوى أو تكليف ذوي الشأن بتقديم مذكرات أو مستندات تكميلية وغير ذلك من إجراءات التحقيق. والغاية من ذلك هو رفع عبء الدعوى وتهيئتها للمرافعة عن القضاء حتى يتفرغ للفصل فيها، والملاحظ أن دور المفوض في المنازعة الإدارية يعتبر دورا إيجابيا يتمثل في الهيمنة على المنازعة وتوجيهها الوجهة السليمة حتى تصبح صالحة للحكم فيها.

ب إعداد تقرير مفوض الدولة في المنازعة الإدارية:

تنص الفقرة الرابعة من المادة 27 من قانون مجلس الدولة على إيداع المفوض بعد تهيئة الدعوى للمرافعة تقريرا يحدد فيه الوقائع والمسائل القانونية التي يثيرها النزاع ويبدي رأيا مسببا في موضوعها، ويجوز لذوي الشأن أن يطلعوا على تقرير المفوض بقلم كتابة المحكمة، ولهم أن يطلبوا صورة منه على نفقتهم وتقضي المادة 29 من القانون 47 لسنة 1972 على أن تقوم هيئة مفوض الدولة خلال الثلاثة أيام من تاريخ إيداع التقرير بعرض الملف على رئيس المحكمة لتعيين تاريخ الجلسة التي تنظر فيها الدعوى.

ويؤخذ من هذه النصوص أن دور مفوض الدولة في المنازعة الإدارية يتمثل علاوة علي اختصاصه في تحضير الدعوى الإدارية وجعلها جاهزة للحكم فيها، في إيداع تقريره بالملف بالرأي المحايد المستخلص من الواقع والقانون الواجب التطبيق ومن مبادئ المحكمة الإدارية العليا والسوابق القضائية للمحكمة، وتتمثل فيه الحيدة لصالح القانون والمشروعية. وإذا كان رأيه القانوني غير ملزم للمحكمة، فإن إيداعه بالملف يعتبر إجراءا جوهريا ليرتب عن الإخلال به بطلان الحكم الذي يصدر في الدعوى الإدارية([9]) كما هو الشأن بالقضاء الفرنسي.

ج تسوية النزاع وديا بين أطراف الخصومة:

تقضي المادة 28 من القانون 47 لسنة 1972 أن لمفوض الدولة أن يعرض على الأطراف تسوية النزاع على أساس المبادئ القانونية التي استقر عليها قضاء المحكمة الإدارية العليا خلال أجل يحدده، فإذا ما تمت هاته التسوية تحرر في محضر موقع عليه بين الخصوم أو وكلائهم. ويكون لهذا المحضر قوة السند التنفيذي وتعطي صورة منها للأطراف وفق القواعد المقررة لإعطاء صور الأحكام.

وحول أهمية نظام مفوض الدولة بمصر يقول د. النجار([10]): “أن التنظيم الذي أتى به المشرع المصري لهيئة مفوض الدولة، هو تنظيم مبتكر من أساسه لم يحاول المشرع فيه تقليد النظام الفرنسي كما جرت على ذلك العادة في أغلب التنظيمات التي لها أصل فرنسي وإنما ابتدع نظام أصيلا يناسب ظروفنا الخاصة، ويجمع بين مزايا نظام المقرر ونظام مفوض الحكومة في فرنسا مع سلطات أوسع في سبيل تهيئة الدعوى”.

ثانياً: إيجابيات وسلبيات نظام مفوض الدولة:

إذا كانت تقارير مفوض الدولة تعتبر الدعامة الرئيسية لتطوير أحكام القانون الإداري وتنوير الطريق أمام المحكمة عند إصدار أحكامها في المنازعة الإدارية. وإذا كان الهدف من إنشاد هيئة مفوض الدولة هو الإسراع في الفصل في الدعاوى الإدارية نظرا لطبيعة روابط القانون العام التي تتعلق بأوضاع إدارية تتطلب الاستقرار ولا تتحمل التأخير. وقد ترجمت ذلك المذكرة الإيضاحية للقانون 165 لسنة 1955 بقولها: “أنه لا يخفى على البال أن العدالة الإدارية لن تتحقق على خير وجه إلا إذا سارت على نمط يجمع بين التبسيط وسرعة الإجراءات”. وإذا كانت هاته هي غاية المشرع من إحداث هيئة مفوض الدولة فإن كثرة الاختصاصات التي تباشرها هاته الهيئة علاوة على تزايد عدد القضايا المنوط بها تحضيرها كل ذلك أثر بشكل كبير على مردودية هيئة مفوض الدولة وجعلها لم تف بالغرض الذي أنشأت من أجله، وهي تحقيق عدالة إدارية تقوم على التبسيط والسرعة، مما حدا ببعض الفقه إلى توجيه انتقادات لاذعة لهاته الهيئة([11]).

ولا نبالغ إذا قلنا إن تقارير المفوض في كثير من الأحيان تتناول النقاط التي أوجبها القانون دون بحث أو تمحيص للمسائل الواجب الإحاطة بها، وأن تحضير الدعوى وتهيئتها للمرافعة يستغرق وقتا طويلا قد يتجاوز العامين أو أكثر مما يثير في نفوس المتقاضين القلق في تعليق المراكز القانونية دون حسم… ومن السلبيات التي كشف عنها الواقع… إن تقارير مفوض الدولة غدت في بعض المنازعات نمطية أو ما يطلق عليها تقارير نموذجية لا تنطوي على أبحاث قانونية تتناول مختلف الآراء والاتجاهات الفقهية وكافة جوانب المنازعة وفي ابتداع الحلول والنظريات القانونية المناسبة”.

وإذا كان الهدف من إنشاء هيئة مفوض الدولة هو تيسير الإجراءات وسرعة الفصل في القضايا وإعداد تقارير بالرأي القانوني المعلل المبني على التحليل والتمحيص والإحاطة بالجوانب القانونية والاتجاهات الفقهية الحديثة تدفع القضاء الإداري إلى الإبداع والخلق، فإن الطريقة التي يمارس بها عمل هيئة مفوض الدولة حيادا على ذلك أصبحت مثارا للسخط والتعطيل غير المبرر والتقارير النمطية مما دفع بعض الفقه([12])، إلى المطالبة بإلغاء هيئة مفوض الدولة لفشلها في تحقيق الأهداف المنوطة بها. وقد خالف هذا الرأي د. النجار بقوله: “أن هذا الاتجاه فيه تجن شديد علي نظام مفوض الدولة، وأنه وإن شاب هذا الدور بعض السلبيات علي كثرتها إلا انه لا يمكن أن تنال من النظام ذاته، وأن تعلقت بأسلوب أدائه، وأن هذا النظام ككيان متميز أصبح من مستلزمات القضاء الإداري، وأن نجاح القضاء الإداري أو فشله هو رهين بفشل أو نجاح هذا النظام.

لذلك اقترح إعادة النظر في نظام هيئة مفوض الدولة وإحالة الدعاوى الإدارية ذات الأهمية عليها مع إعطاء رئيس المحكمة سلطة تقديرية في هذا الشأن مع تقليص اختصاصاتها.

القسم الثاني: نظام المفوض الملكي للدفاع عن القانون والحق بالمحاكم الإدارية للمملكة المغربية

لقد نظم المشرع المغربي من خلال القانون رقم 90. 41 الجانب الإداري للمفوض الملكي ومركزه القانوني ودوره في المنازعة الإدارية، وهكذا فقد نصت المادة الثانية في فقرتها الأخيرة علي أنه: “يعين رئيس المحكمة الإدارية من بين قضاة المحكمة مفوضا ملكيا أو مفوضين ملكيين للدفاع عن القانون والحق باقتراح من الجمعية العمومية لمدة سنتين. ونصت المادة الرابعة من فقرتها الأولي على انه: “بعد تسجيل مقال الدعوى يحيل رئيس المحكمة الإدارية الملف حالا إلى قاض مقرر يقوم بتعيينه وإلى المفوض الملكي للدفاع عن القانون والحق”. ونصت المادة الخامسة في فقرتها الثانية على أنه: “يجب أن يحضر الجلسة المفوض الملكي للدفاع عن القانون والحق، ويعرض المفوض الملكي للدفاع عن القانون والحق آراءه المكتوبة والشفهية على هيئة الحكم بكامل الاستقلال سواء ما يتعلق بظروف الوقائع أو القواعد القانونية المطبقة عليها، ويعبر عن ذلك في كل قضية بالجلسة العامة. ويحق للأطراف أخذ نسخة من مستنتجات المفوض الملكي للدفاع عن القانون والحق قصد الاطلاع ولا يشارك المفوض الملكي للدفاع عن القانون والحق في إصدار الحكم”.

هاته هي المقتضيات القانونية المنظمة لوظيفة المفوض الملكي في المنازعة الإدارية، وقد جاءت على وجه الإجمال والغموض مما طرح إشكالات عديدة حول الجانب الإداري للمفوض الملكي وعلاقته برئيس المحكمة الإدارية ومركزه القانوني وعلاقته ببعض الأنظمة القانونية، خصوصا منها القاضي وممثل النيابة العامة ودوره في المنازعة الإدارية ابتداء من تاريخ إحالة الملف علي مكتبه لغاية صدور الحكم في المنازعة الإدارية،. وهاته المهمة القضائية للمفوض الملكي داخل المنازعة الإدارية بدورها تثير العديد من الإشكاليات من حيث ممارستها، سواء فيما يتعلق بالمستنتجات من حيث الشكل والمضمون، أو من حيث حضور جلسات المحكمة، أو من حيث حضور أشغال المداولة ومدى إمكانية الطعن في الأحكام الصادرة عن هاته المحكمة في إطار الدور المنوط به للدفاع عن القانون والحق.

كل هاته التساؤلات والإشكالية سوف نتناولها في هذا القسم الذي نخصص له ثلاث مباحث نتناول في الأول فيه الجانب الإداري للمفوض الملكي، وفي المبحث الثاني المركز القانوني للمفوض الملكي، وفي المبحث الثالث دوره في المنازعة الإدارية ومهمته القضائية في الدفاع عن القانون والحق.

المبحث الأول: الجانب الإداري للمفوض الملكي للدفاع عن القانون والحق.

وهو الجانب الإداري في نظام المفوض الملكي، ونتناول من خلاله طريقة تعيينه وموقعه في منظومة المحاكم الإدارية على ضوء أحكام ظهير 15 يوليوز1974 المتعلق بالتنظيم القضائي الذي تسري أحكامه على قضاة المحاكم الإدارية بصريح المادة الأولى من القانون رقم 90. 41 المحدث للمحاكم الإدارية على الشكل التالي:

المطلب الأول تعيين المفوض الملكي

تنص الفقرة الأخيرة من المادة الثانية من القانون رقم 90-41 المتعلق بالمحاكم الإدارية على أن: “الرئيس يعين من بين القضاة مفوضا ملكيا أو مفوضين للدفاع عن الحق والقانون باقتراح من الجمعية العمومية لمدة سنتين”، غير أن تطبيق هذا النص على أرض الواقع يثير عدة إشكاليات تتعلق بداية بمن يعين مفوضا ملكيا؟ هل هو أقدم القضاة فقط أم أكفؤهم؟ وهل أن رئيس المحكمة الإدارية بمناسبة تعيينه للمفوض الملكي لا يصادق سوى على اقتراح الجمعية العمومية أم أن ذلك التعيين أمر موكول له في النهاية، وهل يمكن الجمع بين مهمة المفوض الملكي ومهمة القاضي المقرر؟

في الواقع وبالنظر لأهمية المفوض الملكي ودوره الفاعل في القضاء الإداري كمهندس وصانع للاجتهاد القضائي الإداري، يجب أن يكون كفئا ميالا إلى البحث، موهوبا أكثر من زملاءه حتى يكون معاونا للمحكمة في إيجاد الحلول القانونية والواقعية العادلة للقضايا المعروضة علي أنظارها من خلال توجيهاته وآرائه القانونية النيرة.

ومن الناحية العملية وبالنظر للجو الحميمي الذي يسود بين قضاة المحاكم الإدارية، فقد وقع إجماع على قضاة معروفين لتعيينهم كمفوضين ملكيين بحكم ما لديهم من التجربة والكفاءة والأقدمية الكفيلة بالقيام بهاته المهمة أحسن قيام.

وبخصوص كيفية تعيين المفوض الملكي غالبا ما لا يقع أي خلاف حول الشخص المقترح خلال اجتماع الجمعية العمومية اعتبارا لحسن الاقتراح وموضوعيته وتعلقه بمن تتوفر فيه الكفاءة والتجربة المعاينة. إلا أنه رغم ذلك قد يحدث خلاف في الجمعية العمومية حول تعيين المفوض الملكي، ونعتقد أنه ما دام أن المشرع قد أوكل أمر تعيين المفوض الملكي لرئيس المحكمة الإدارية بناء علي اقتراح الجمعية العمومية، فإن سلطة هذا التعيين تبقى من اختصاص رئيس المحكمة الإدارية. ولو حدث خلاف بين قضاة الجمعية العمومية.

ويبقى أن نتساءل ما إذا كان القرار القاضي بتعيين المفوض الملكي الصادر عن رئيس المحكمة الإدارية قابل للطعن بالإلغاء لتجاوز السلطة باعتباره سلطة إدارية أم لا ونعتقد أن تعيين المفوض الملكي للدفاع عن القانون والحق من طرف رئيس المحكمة الإدارية يدخل في نطاق إجراءات التنظيم الداخلي لمرفق القضاء الذي يختص به رئيس المحكمة بوصفه الرئيس المشرف على عمل المفوض الملكي، ومن تم فهو لا يدخل ضمن طائفة القرارات الإدارية المستوفية لجميع شروط ومقومات القرار الإداري القابل للطعن بالإلغاء لتجاوز السلطة. ويجوز تكليف بعض قضاة الأحكام بحالة الضرورة للقيام بمهمة مفوض ملكي معاون للمفوض الملكي الرسمي باقتراح من الجمعية العمومية أثناء انعقادها مع الاحتفاظ بمهمته كمقرر في بعض القضايا، كما لا يوجد ما يمنع أن يكون المفوض الملكي قاضيا مقررا في بعض القضايا على غرار ما يجري به العمل في القضاء الفرنسي شريطة أن لا يجمع بين الصفتين معا في قضية واحدة. إذ أن المفوض الملكي يعتبر أحد قضاة المحكمة قبل قيامه بمهامه كمفوض ملكي وأن الأمر يتعلق بوظائف مؤقتة، إذ أن مآل المفوض هو أن يعود مستشارا أو قاضيا بعد انتهاء مدة تعيينه وعدم تجديدها.

المطلب الثاني: طبيعة العلاقة بين الرئيس والمفوض الملكي

نتناول من خلاله موقع المفوض الملكي داخل منظومة المحاكم الإدارية على ضوء أحكام ظهير 15 يوليوز 1974 المتعلق بالتنظيم القضائي الذي تسري أحكامه على قضاة المحاكم الإدارية بصريح المادة الأولى من القانون رقم 90-41.

لقد ترتب عن إحداث المحاكم الإدارية جملة من التعديلات التشريعية طالت مقتضيات ظهير 15 يوليوز 1974 المتعلق بالتنظيم القضائي، ويهمنا هنا أن نقف عند مقتضيات الفصل 19 منه التي تتعلق بالجانب الإداري للمفوض الملكي ما قبل التعديل بل وبعده وبصيغته العربية والفرنسية. ونلاحظ هنا أن صياغة الفصل المذكور بالنص العربي طرأ عليها تعديل غير مضمونة ومعناه، فيما ظل النص باللغة الفرنسية هو في مرحلة ما قبل التعديل وما بعده ([13]).

والملاحظ هنا إعمالا لصيغة النص العربي قبل التعديل وبعده، أنه فيما كان الرؤساء يمارسون رقابتهم على قضاة الأحكام، أصبحوا بعد التعديل يشرفون على قضاة المحاكم بصفة العموم. والعلة من التعديل المذكور هو أن يصبح المفوض الملكي مشمولا بتلك الصياغة وتحت إشراف رئيس المحكمة الإدارية. لكن إذا كان هذا يصدق علي صياغة النص باللغة العربية، فهو غير ذلك في ضوء صياغة النص الفرنسي بعد التعديل الذي ظل هو. وأمام هذا التعارض الملاحظ سواء من حيث المبنى أو المعنى للنصين معا فما هو النص الواجب التطبيق بالنسبة للمفوض الملكي والذي تنسجم مقتضياته من خلال صياغته مع الواقع ومقصد المشرع. أهو النص العربي أم الفرنسي؟.

ذلك أنه من وجهة نظر النص العربي يخضع المفوض لإشراف رئيس المحكمة الإدارية لأنه من قضاة محكمته التي يشرف عليها. ومن جهة النص الفرنسي فهو لا يخضع لذلك الإشراف الذي لا يهم حسب دلالات النص العربي إلا قضاة الأحكام وهو ليس منهم خلال فترة تعيينه كمفوض ملكي.

وأمام هاته النتائج المتضاربة ما هو السبيل لرفع هذا التباين والتعارض، خصوصا ونحن أمام نصين كلاهما منشور بالجريدة الرسمية وكلاهما يعتمد عليه في إنجاز أية دراسة عملية، وقد تختلف نتائج تلك الدراسة بين باحث باللغة العربية والفرنسية للتعارض المذكور. ويطالعنا معياران لرفع ذلك التعارض، أولهما إعمال قواعد التفسير، وثانيهما معيار مواجهة النصين ببعضهما.

 معيار قواعد التفسير:

انتهى الفكر القانوني والعمل القضائي إلى اعتماد بعض القواعد لإزالة التعارض بين قواعد القانون، ومن أهم تلك القواعد قاعدة الخاص – يقيد العام – والنص اللاحق يلغي السابق. وإعمالا لهذا المبدأ على الصياغة القانونية لنص الفصل 19 بالعربية يبقى المفوض الملكي خاضعا لإشراف رئيس المحكمة الإدارية وعلى ضوء صياغته بالفرنسية خارج عن إشراف رئيس المحكمة باعتباره ليس من قضاة الأحكام، وهذا المعيار لا يصلح هنا لإزالة التعارض المذكور.

 معيار مواجهة النصين ببعضهما

هذا المعيار يعتبر أكثر انتشارا في قواعد القانون الدولي العام، ويقوم على قاعدة المعنى الضيق، ذلك أنه في حالة تحرير معاهدة بأكثر من لغة رسمية ويحدث خلاف عند تفسير نص من نصوصها، فإن التفسير يتم في هاته الحالة على أساس المعنى الضيق الذي يتفق والمعنى الوارد في النصوص المحررة باللغات المستعملة جميعا. وهذا ما قررته محكمة العدل الدولية إذ تقول صراحة: “إزاء وجوده نص قانوني بلغتين لهما قوة رسمية واحدة مما يجعل معناه في إحدى اللغتين أوسع من معناه في اللغة الأخرى، فإنها ترى اعتماد المعنى الضيق لأنه يستجيب للغتين معا”.

وإعمال هاته القاعدة على نص الفصل 19 بمقابلة نصية ببعضهما في اللغتين العربية والفرنسية يقتضي البحث عن المعنى الضيق والمشترك الذي يستجيب للنصين معا. فعبارة قضاة المحاكم الواحدة في النص العربي تشمل المفوض الملكي باعتباره واحدا من القضاة. أما عبارة قضاة الأحكام الواردة في النص الفرنسي فهي لا تشمله لأنه ليس قاضي حكم، ويبقي المعنى المشترك بين النصين هو كلمة قضاة، وهو المدلول الضيق والمعنى المشترك الذي يستجيب للغتين معا، يبقى أن المفوض الملكي في جميع الحالات قاضيا لأن الأمر يتعلق فقط بوظيفة مؤقتة مآلها العودة إلى قضاة الحكم، وبالتالي يبقى خاضعا لإشراف رئيس المحكمة الإدارية.

ويؤيد الأمر تعقيدا إذا أخذنا بعين الاعتبار أن نص القانون رقم 90-41 صيغ باللغة الفرنسية، وهو النص الأصلي ويمكن الاستدلال على ذلك بالرجوع إلى الفصل 20 منه المتعلق بالعيوب التي تشوب القرار الإداري، وتجعله قابلا للطعن بالإلغاء لتجاوز السلطة. فقد ذكر عيب انعدام التعليل في النص العربي فيما تكلم النص الفرنسي عن عيب Defaut de motif ولا يختلف اثنان بأن المقصود من ذلك هو انعدام السبب، ولو كان النص العربي هو الأصلي لوجب ترجمة انعدام التعليل وهو عيب شكلي، في حين أن عيب السبب هو عيب موضوعي.

هاته عموما بعض المعايير التي تساعد القضاء في إزالة التعارض بين النصوص العربية والفرنسية.

وخلاصة صحة القول أنه ينبغي التفرقة بين علاقة رئيس المحكمة الإدارية بالمفوض الملكي خارج الدعوى الإدارية وداخلها. فخارج الدعوى الإدارية يعتبر المفوض الملكي مرؤوسا للرئيس، والعلاقة بينهما هي علاقة تبعية من حيث الإشراف والتنقيط والمراقبة، وداخل الدعوى الإدارية يعتبر شخصا مستقلا بذاته لا يخضع لأي توجيه أو إملاء رأي لا يحكمه سوى ضميره ومبدأ الدفاع عن الحق والقانون.

المبحث الثاني: المركز القانوني للمفوض الملكي وعلاقته بيع الأنظمة القانونية المشابهة ومدى خضوع لقواعد التجريح

نتناول في هذا البحث المركز القانوني للمفوض الملكي الذي يعتبر خاضعا لنظام خاص يميزه عن باقي الأنظمة المشابهة، وإن جمعته بها بعض الأحكام المطبقة عليه المتعلقة بقواعد التجريح. ونتعرض لذلك علي الشكل التالي:

المطلب الأول: المركز القانوني للمفوض الملكي

إن المفوض الملكي ونظامه الخاص الذي يميزه عن باقي الأنظمة القانونية المشابهة، وإن جمعت بينهما بعض الأحكام فهو رجل محايد يمثل القانون والقانون وحده في الدعاوى الإدارية، لا يمثل أحدا في المنازعة الإدارية لا الأطراف ولا الإدارة، ولا يعتبر طرفا في الدعوى سواء أصليا أو منضما ولا يمثل صالحا شخصيا يبتغيه، همه الوحيد داخل الدعوى الإدارية هو الدفاع عن الحق والقانون ابتغاء تحقيق مبدأ الشرعية وسيادة القانون، يعمل باسمه الخاص ويتكلم طبقا لضميره بمنأى عن كل تدخل أو توجيه، وخارج كل تراتيب إدارية، يعرض بكل استقلال على هيئة الحكم رأيه القانوني المسبب بكل استقلال حول ظروف الواقع والقواعد القانونية الواجب التطبيق.

المطلب الثاني: علاقة المفوض الملكي بالأنظمة القانونية المشابهة:

ثمة تشابه بين نظام المفوض الملكي وما ماثله من النظم القانونية الأخرى وبصفة خاصة الفقيه والقاضي وممثل النيابة العامة، فهل يعد مماثلا لأي من هذه النظم، أم أن له نظامه الخاص به، الذي يستقل به عن تلك الأنظمة؟ ذلك ما سنحاول الإجابة عنه فيما يلي:

أولا: المفوض الملكي للدفاع عن الحق والقانون والفقيه:

هناك مجال مشترك بين المفوض الملكي والفقيه ويظهر ذلك من خلال التقارير التي ينجزها، والتي يتناول من خلالها النظريات القانونية والاجتهادات القضائية على ضوء القضاء المقارن والإشكاليات التي يطرحها النزاع والحلول العملية لها، فتأتي مستنتجاته عبارة عن صفحات من الفقه، وهو يشترك مع الفقيه في هذا المجال بما يتمتع به كل منهما من حصانة من كل تدخل كيفما كان نوعه.

ومن تم فإن المفوض الملكي في مجال المنازعة الإدارية يعتبر نوعا من الفقيه عون للقاضي بمعنى الكلمة يرشده من خلال أبحاثه القانونية ويرشده إلى الحل الذي يقترحه معززا إياه بالاتجاهات القضائية الحديثة. وموقف الفقيه والقضاء من الإشكال المطروح ودوره ليس في إعطاء الحل العملي للنزاع، بل احترام مسار فكري والاستدلال عليه بالقواعد القانونية الواجبة التطبيق انطلاقا من معارفه القانونية وقدرته علي وزن الحجج المتعارضة: ففن الاستدلال القانوني والقدرة على استخراج المفاهيم الأساسية المتعددة يساهم في تطوير الاجتهاد القضائي. وانطلاقا من ذلك يعد بحق فقيها في القانون.

وعلى الرغم من التشابه الموجود بين الفقيه والمفوض اعتبارا لما ذكر، فالمفوض الملكي له نطاقه الخاص به، فهو يراعي في تقاريره وأبحاثه القانونية نقطة التوازن بين المصلحة العامة المتمثلة في حسن سير المرافق العامة والصالح العام فضلا عن مراعاة الظروف المحيطة لمستلزمات الإدارة السليمة. يضع تقريره المتضمن الحلول العملية المناسبة التي تتماشى مع الواقع والقانون. أما الفقيه فيعمل في نطاق الحياة النظرية. لذلك يمكن القول بأن المفوض الملكي لا يعد فقيها، وإن جمعت بينهما بعض الميادين المشتركة.

ثانياً: المفوض الملكي للدفاع عن الحق والقانون والقاضي

من المسلم به أن لكل من المفوض الملكي والقاضي دوره في المنازعة الإدارية، وهو دور مشترك ومتكامل في حل تلك المنازعة، وأن المفوض الملكي في جميع الأحوال قاض مكلف بمهمة الدفاع عن القانون خلال فترة مؤقتة آيلة إلى رجوعه إلى وضعه الطبيعي كقاض عند انتهاء مدة تعيينه. ويسري عليه كالقاضي النظام الأساسي لرجال القضاء من حيث حقوقه وواجباته.

وعلى الرغم من ذلك فثمة اختلافات بينهما نوجزها فيما يلي:

  • إن مستنتجات المفوض الملكي تعتبر مجرد فتوى قانونية غير ملزمة للمحكمة، ولا تكتسب أية حجية للشيء المقضي به على خلاف القاضي الذي يصدر أحكاما تكتسي صبغة الإلزام وحجية الشيء المقضي بت.
  • إن المفوض الملكي لا يعد عضوا بالمحكمة، وليس له صوت في المداولة بخلاف القاضي الذي له صوت معدود في المداولة.

وما تجب به الملاحظة هنا أن المادة الثانية من القانون رقم 90-41 تنص على تكوين المحكمة الإدارية من رئيس وعدة قضاة وكتابة الضبط. ويفهم من الصياغة القانونية لهذا النص أنه ميز بين القضاة والمفوضين الملكيين. وتقضي المادة الأولى من نفس القانون على أنه يسري على قضاة المحاكم الإدارية أحكام الظهير الشريف المعتبر بمثابة قانون الصادر في 15/11/1974 بتحديد النظام الأساسي للقضاة مع مراعاة الأحكام الخاصة الواردة فيه باعتبار خصوصية المهام المنوطة بهم. ولم يكشف الواقع العملي عن أية خصوصية معينة للقاضي الإداري بمفهوم تمييزه عن القاضي العادي في مجال الحقوق والواجبات والامتيازات، فهو كالقاضي العادي يطبق القانون وتسرى عليه أحكام الظهير الشريف المتعلق بالنظام الأساسي لرجال القضاء. ولكن قد يفهم من ذلك أن مرد تلك الخصوصية هو الدور الخاص الذي يلعبه المفوض الملكي في المنازعة الإدارية الذي يختلف عن دور القاضي الإداري، وإن كان يجمع بينهما الدور المشترك في حل النزاع الإداري.

ثالثاً: المفوض الملكي وممثل النيابة العامة:

هناك اختلاف كبير بين المفوض الملكي وممثل النيابة العامة، ذلك أنه إذا كان عضو النيابة العامة يستمد رأيه من رئيسه المباشر ولا يجوز مخالفته في هذا الرأي باعتباره نائبا عنه، فالمفوض الملكي يعمل لحسابه الخاص ويضمن مستنتجاته رأيه القانوني المسبب بكل تجرد واستقلال.

وإذا كانت أعمال المفوض الملكي تكتسي صبغة قضائية، فإن أعمال النيابة العامة ليست كلها أعمالا قضائية وتباشر إلى جانبها أعمال إدارية تتمثل في الإشراف على السجون وغير ذلك.

وإذا كانت النيابة العامة طرفا أصليا أو منضما في بعض الدعاوى المدنية، وتملك حق استئناف الأحكام حينما تكون طرفا أصليا في مثل المنازعات المتعلقة بالجنسية، فإن المفوض الملكي لا يعد طرفا في الدعوى ولا يملك حق استئناف الأحكام الإدارية.

وإذا كانت النيابة العامة جزء لا يتجزأ من القضاء، فإن هاته القاعدة لا تنطبق على المفوض الملكي الذي يعمل باسمه الخاص بكل تجرد واستقلال.

ولعل الصورة الواضحة لمهمة المفوض الملكي وطبيعتها وتميزها عن النيابة العامة هي التي رسمها السيد وزير العدل بمناسبة جوابه عن أسئلة أحد النواب خلال المناقشة العامة لسنة 1991 حيث قال: “أما بالنسبة للمفوضين الملكيين للدفاع عن الحق والقانون فقد ظهر أن اختصاص النيابة العامة لدى المحاكم الإدارية وصلاحياتها التقليدية وخضوعها للإشراف الإداري والتزامها بالتعليمات الموجهة إليها يتنافى كله مع ما أريد لهذه المحاكم من فرض سلطة القانون بتجرد تام وموضوعية كاملة، لذلك فقد عوضت مؤسسة النيابة العامة بهؤلاء المفوضين الملكيين الذي يقتصر دورهم على الإفصاح عن وجهة النظر القانونية في كل ملف وعرض مستنتجاتهم المكتوبة والشفوية بكل استقلال وتقصي الجوانب القانونية في الدعاوى المرفوعة بإثارتها بكامل الحرية دون تأثير أو توجيه، ودون أن يكونوا طرفا رئيسيا أو منضما في هذه الدعاوى”([14]).

ومؤدى ذلك أن المفوض الملكي له ذاتيه الخاصة والمستقلة به، والتي تنبع من صميم طبيعته دون أن تمتد إليه من نظام آخر، وهو في أبسط عبارة يمثل القانون لما يتصف به من حيدة واستقلال وتجرد لصالح القانون وسيادة القانون ويبقى أن المشبه الوحيد به هو ممثل النيابة العامة بالمجلس الأعلى لما يجمعهما من ذلك من دفاع عن القانون من خلال المستنتجات المعروضة على هيئة الحكم”.

المطلب الثالث: مدى خضوع المفوض الملكي لقواعد التجريح:

والسؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح حول مؤسسة المفوض الملكي هو مدى خضوعها لقواعد التجريح.

وقبل أن نجيب عن التساؤل المذكور تجب الملاحظة أولا أن تلك القواعد المتعلقة بالتجريح وردت بقانون المسطرة المدنية، وأن الفصل 7 من القانون رقم 90-41 يحيل عليها، وأنه يتعين تطبيق قواعد المسطرة المدنية طالما أنه لا توجد مقتضيات مخالفة بنص خاص بحكم المسألة.

كما تجب الملاحظة بأن قواعد التجريح تشكل أصلا عاما يتصل بأسس النظام القضائي لما تضمن من كفالة الطمأنينة للمتقاضي وصون سمعة القضاء، ولذلك فهي ضمانة أساسية لطمأنة المتقاضي وسمعة القضاء. وأن مهمة المفوض الملكي داخل الدعوى الإدارية هي مهمة قضائية وهو جزء من التشكيلة القضائية يجب أن يحضر جلساتها ويودع مستنتجاته بالرأي القانوني في كل قضية محالة عليه. فهل يكون خاضعا في ضوء هاته المعطيات لقواعد التجريح المنصوص عليها بالفصول 295 إلى 299 من قانون المسطرة المدنية.

إن الإشكال المطروح تتنازعه نظريتان:

النظرية الأولى: تقول بأن المفوض الملكي يجب أن يخضع لقواعد التجريح، وتعلل ذلك بأن المفوض الملكي يقوم بمهمة قضائية بحتة في المنازعة الإدارية لا ينتقص منها عدم تصديه للفصل فيها، بحكم إذ هو علي كل حال جزء من التشكيل القانوني والقضائي للمحكمة يؤدي عملا قضائيا ويباشر السلطة القضائية لصالح القانون وعلى استقلال تام كالقضاة، ولرأيه تأثير كبير على اتجاه المحكمة. لذلك وجب خضوعه لتلك القواعد.

النظرية الثانية: تقول بعدم خضوع المفوض الملكي لقواعد التجريح، وحجتها في ذلك تقوم على أساس أن المفوض ليس طرفا في الدعوى لا أصليا ولا منضما، ولا يبتغي مصلحة شخصية فيها يؤدي وظيفته لصالح القانون، ويبدي رأيا استشاريا وفتوى قانونية غير ملزمة للمحكمة لها أن تأخذ بها أو لا، لا يفصل في النزاع ولا يقضي بشيء وليس له صوت معدود في المداولة. ولذلك لا موجب لإخضاعه لقواعد التجريح.

 الرأي الشخصي في الموضوع:

وإذا كان لكل من النظريتين وجاهتها والحجج التي تستند إليها سواء من الناحية الواقعية أو القانونية، فإن الرأي الذي ينادي بضرورة خضوع الملكي لقواعد التجريح هو الأولى بالاتباع اعتبارا للمهمة القضائية التي يقوم بها المفوض الملكي داخل الدعوى الإدارية. إذ هو قبل كل شيء قاض يعامل معاملة القضاة من حيث التعيين والحقوق والواجبات، وهو جزء من التشكيل القانوني والقضائي للمملكة ولرأيه تأثير كبير على اتجاه المحكمة، وفي غالب الأحيان يكون منطوق الحكم قد تحدد بمجرد تلاوة مستنتجاته أو بسطها شفويا خصوصا عند الاستدلال بالسوابق القضائية للمحكمة، وما استقر عليه العمل القضائي بها.

وفي هاته الحالة يقال بأن المحكمة تبعت رأي مفوضها، وخضوعه بذلك لقواعد التجريح أدعى إلى بث الطمأنينة في نفوس المتقاضين وصون سمعة القضاء والمحافظة على الحيدة فيه ونزاهته خصوصا وأن تلك القواعد بالنظر لأهميتها تعتبر من النظام العام ويترتب عنها البطلان، ويجوز التمسك بها في جميع مراحل الدعوى متى كانت عناصرها مطروحة أمام محكمة الموضوع.

المبحث الثالث: دور المفوض الملكي في الدفاع عن القانون والحق أمام هيئة القضاء الإداري

إن الغاية من إحداث مؤسسة المفوض الملكي بالمحاكم الإدارية من خلال الفصول 2-4-5 من القانون رقم 90-41، هو الدفاع عن القانون والحق في المنازعة الإدارية المعروضة علي هيئة المحكمة بكل تجرد واستقلال. فمتى تبتدأ هذه المهمة القضائية ومتى تنتهي وما هي المراحل التي تتخللها؟

لاشك أن انطلاق هاته المهمة تبتدئ من إحالة الملف علي مكتب المفوض الملكي، وهاته الإحالة تطرح عدة إشكاليات، وأن عصب هاته المهمة هو المستنتجات الكتابية المدلي بها لدى هيئة الحكم والمعروضة شفويا، وهي تثير عدة تساؤلات من حيث مجالها ومحتواها وطريقة عرضها وعلاقتها بالحكم وطبيعتها القانونية وحضور المفوض جلسات المحكمة لتلاوتها أو بسطها شفويا وصلة النطق بالأحكام حولها ومدي إمكانية الطعن بالأحكام الصادرة فيها.

تلك مجموعة من التساؤلات أفرزها الواقع العملي المعاش، سنحاول الإجابة عنها في مطالب متتابعة من خلال التجربة المعاشة.

المطلب الأول: إحالة الملف علي مكتب المفوض الملكي

تنص المادة 4 من القانون رقم 90-41 في فقرتها الأولى على أنه: “بعد تسجيل مقال الدعوى يحيل رئيس المحكمة الإدارية الملف حالا إلى قاض مقرر يقوم بتعيينه وإلى المفوض الملكي للدفاع عن القانون والحق”.

والسؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح حول هذا المقتضي القانوني هو لماذا قرر المشرع إحالة الملف علي المفوض الملكي والقاضي المقرر من طرف رئيس المحكمة بعد تسجيل مقال الدعوى؟ فإذا كانت الغاية بالنسبة للقاضي المقرر بعد تكليفه هي مراقبة شكليات المقال وتجهيز القضية للحكم فيها. فما هو القصد من تلك الإحالة بالنسبة للمفوض الملكي؟

لابد أن هناك غاية من هاته الإحالة والمشرع منزه عن العبث، ونعتقد أن الحكمة من ذلك هو من جهة تمكينه من الإطلاع على المقال الافتتاحي للدعوى، والإشكال القانوني الذي يطرحه النزاع بداية قصد تكوين فكرة أولية عني النزاع لانطلاق بحثه فيه، خصوصا إذا ما كان يثير إشكالا يحتاج إلي بحث عميق. ومن جهة أخرى فتلك الإحالة تعتبر إيذانا ببداية علاقة بين القاضي المقرر والمفوض الملكي لفتح باب الاستشارة المتبادلة منذ البداية في إجراءات التقرير، خصوصا إذا كانت معطيات المقال الافتتاحي توحي أن القضية واضحة ووجه عدم القبول واضح فيها، فلماذا إطالة النزاع عن طريق مواصلة إجراءات التحقيق؟ ويمكن هنا أن تتقرر إحالة الملف على المفوض الملكي لوضع مستنتجاته، لكن هل يحق للمفوض الملكي أخذ نسخة من مقال الدعوى عند إحالة الملف علي مكتبه.

لقد ذهب عمل قضاء المحاكم الإدارية في البداية إلى تمكين المفوض الملكي بنسخة من مقال الدعوى، وهاته الإحالة بالشكل المذكور تثير مشكلا عمليا وعرقلة لعمل القاضي المقرر الذي يرجع إليه الملف وهو ناقص من نسخة من المقال فيضطر إلى إنذار المدعى بتقديم نسخة من المقال داخل أجل معين لتبليغه لأحد الأطراف، وذلك يفضي إلى إطالة النزاع. ويطرح تساؤل هنا حول الأساس القانوني الذي يعتمده القاضي المقرر في مطالبة المدعى بضرورة الإدلاء بنسخة من المقال، وما هو الجزاء المترتب عن عدم استجابة المدعى للطلب المذكور، وهل يؤدي ذلك إلى التصريح بعدم قبول الدعوى تطبقا للفصل 32 من قانون المسطرة المدنية الذي يقضي بضرورة إرفاق الدعوي بنسخ من المقال موازية لعدد الأطراف المدعى عليها؟.

نعتقد أن المفوض الملكي ليس طرفا في الدعوى الإدارية، ومن تم ليس من حقه أخذ نسخة من المقال الافتتاحي للدعوى، ولا وجه لمطالبة المدعى بضرورة الإدلاء بنسخة من المقال المسلمة خطأ للمفوض الملكي. وإن هذا الأخير لا يجوز له تسلم نسخة منه إلا إذا كان زائدا أو عن طريق نسخة من المقال بعد تصوريها وهي الطريقة المعتمدة حاليا في مجموع المحاكم الإدارية تجنبا لكل عرقلة سير إجراءات تحقيق الدعوى.

المطلب الثاني: مستنتجات المفوض الملكي للدفاع عن القانون والحق

فتناول فيه مستنتجات المفوض الملكي مجالها بين قضاء الموضوع والقضاء الاستعجالي وطبيعتها القانونية وعلاقتها بالحكم والدفوعات الممكن إثارتها من خلالها وطريقة عرضها، وموقف الأطراف منها بين الإطلاع عليها والتعقيب علي مضمونها.

أولا: مستنتجات المفوض الملكي للدفاع عن القانون والحق في المنازعة الإدارية

يعطينا الفصل 11 من قانون المسطرة المدنية المحال عليه بموجب المادة 7 من القانون رقم 90-41 فكرة حول مدلول المستنتجات من حيث هي طلبات توجه إلى المحكمة وينبغي أن تكون واضحة ومحددة ومعللة بالوجه المطلوب، وهي في عرف الفقه الإداري ومدلول الفصل 5 من القانون المحدث للمحاكم الإدارية الرأي القانون المكتوب والشفوي الذي يعرضه المفوض الملكي على هيئة الحكم بكل استقلال وتجرد يتقصى من خلاله الجوانب الواقعية والقانونية في النزاع لينتهي فيه إلى اقتراح القانون الواجب التطبيق والحل الواقعي والقانوني للنزاع.

هذه فكرة مقتضبة عن مستنتجات المفوض الملكي، فكيف ينبغي أن تكون وما هو شكلها ومضمونها، وهل يمكن المفوض الملكي سلطة إبداء جميع الدفوعات الإدارية من خلالها حتى تلك المتعلقة بالنظام العام، وما هي طبيعة تلك المستنتجات وعلاقتها بالحكم، وما هو مجالها بين قضاء الموضوع والقضاء الاستعجالي. ذلك ما نتناوله تباعا.

1 مستنتجات المفوض الملكي من حيث الشكل:

إذا كان الفصل 50 من قانون المسطرة المدنية قد حدد البيانات الإلزامية التي يجب أن يشتمل عليها كل حكم قضائي تحت طائلة البطلان، ومنها صدوره باسم جلالة الملك في جلسة علنية، مع ذكر اسم القاضي أو القضاة الذين أصدروه، وإسم كاتب الضبط والأطراف وعناوينهم ومهنتهم وحضورهم أو غيابهم، ومستنتجاتهم ودفوعهم ووقائع القضية كما بسطها المدعي بمقال الدعوي والطلبات العارضة وحججهم وضرورة تعليل الحكم إلى منطوق الحكم وتوقيعه من الهيئة، فإن القانون رقم 90-41 من خلال الفصول 2-4-5 منه لم يحدد شكليات المستنتجات المدلي بها من طرف المفوض الملكي لهيئة الحكم، ولا بين البيانات القانونية اللازم توفرها فيها.

ولكن باعتبار أن الأمر يتعلق بطلبات ومقترحات مقدمة من طرف المفوض الملكي إلى المحكمة بالرأي القانوني في إطار الدفاع عن القانون والحق، ينبغي أن تتضمن في شكلياتها رقم القضية والأطراف ودفاعهم والتعريف بالوقائع المنتجة في الدعوى والقواعد الواجبة التطبيق، مع التعريف بالرأي القانوني المسبب بعد استعراضه الإشكاليات القانونية المعروضة للمناقشة من خلال النزاع لينتهي إلى اقتراح الحلول القانونية والواقعية للنزاع.

2- مستنتجات المفوض الملكي من حيث المضمون:

لا يجب على المفوض الملكي أن يذهب مباشرة في مستنتجاته نحو الهدف ليقترح الحل القانوني للنزاع، بل عليه قبل كل شيء أن يستعرض الإشكال المطروح علي المحكمة في النزاع ويحيط به من جميع جوانبه الواقعية والقانونية، ويبين رأي الفقه والقضاء فيه، ويتعرض إن اقتضى الحال إلى موقف القضاء المقارن والاجتهاد القضائي في الموضوع، مع بيان القواعد الواجبة التطبيق، وأن يتعرض لجميع وسائل الطعن، وأن يحللها على حدة وأن يقدم للهيئة لوحة كاملة للوضعية مع مختلف الاتجاهات الممكنة، أو يستدل في بعض الحالات علي غاية المشرع من سن بعض النصوص لتعليل موقعه من النزاع، وأن يتعرض إلى مراحل تطور الاجتهاد القضائي في المادة، كما عليه أن يبين للمحكمة سوابقها القضائية في الموضوع حتى يضمن بذلك استقرار العمل القضائي بالمحكمة.

كما يجب أن تكون مستنتجاته تسفيرية موضحة لعناصر النزاع عن طريق برهنة رأيه والاستدلال عليه، ولو من خلال ذكر بعض الفرضيات مع مناقشة أبعادها ونواقصها لاستخلاص الرأي القانوني المقترح من خلالها، وإن المفوض الملكي وهو يستعرض النظريات الفقهية والقواعد القانونية الواجبة التطبيق والعمل القضائي في الموضوع مع اجتهاد محكمة النقض وتواتره أو تباينه للاستدلال على اتجاه معين بمستنتجاته يجب أن لا يكون ناقلا لذلك بل يجب عليه أن يبين موقفه الشخصي من ذلك حتى تأتي، مستنتجاته مطبوعة بطابعه الشخصي. ويجب أن يقول كل شيء في مستنتجاته دون الخوف من أن لا يعجب ذلك أحد، شريطة أن لا يخرج عن الموضوع وهو مستقل في عمله ورأيه، لا ينال من عمله أي تدخل أو ترتيب إداري داخل الدعوى الإدارية، غير أن هذا الاستقلال ينبغي أن لا يدفعه إلى تجاهل رأي زملاءه وما جرى به العمل القضائي في موضوع الإشكال المطروح.

وإن تحرير مستنتجات المفوض الملكي لهذا المضمون من شأنه أن يساعد هيئة القضاء الإداري على إيجاد الحلول الناجعة والعادلة للنزاعات المعروضة عليها، ولتطوير الاجتهاد القضائي الإداري، لما يخدم مبدأ الشرعية وسيادة القانون واستكمال دولة القانون والحق.

3- مجال المستنتجات بين قضاء الموضوع وقضاء الاستعجال:

تنص المادة 5 من القانون رقم 90-41 المحدث للمحاكم الإدارية على أن المفوض الملكي بعرض مستنتجاته على هيئة الحكم. وهذا يصدق على المحكمة بمفهومها الواسع كقضاء موضوع دون مؤسسة القضاء الإستعجالي، وأن منطق تقديم تلك المستنتجات هو الدفاع عن القانون والحق الذي يتصرف إلى جوهر المنازعة دون قضاء الاستعجالي الذي يبت فقط في الأمور الوقتية، ثم إن تقديم الرأي القانوني للمفوض الملكي في المادة الاستعجالية من شأنه أن يؤدي إلى تأخير الفصل في الدعوى، والحيلولة دون اتخاذ إجراءات سريعة للفصل فيها. لذلك فالبين أن مجال مستنتجات المفوض الملكي هو قضاء الموضوع دون قضاء الاستعجال لكن على الرغم من ذلك فالأمر لا يخلو من إشكال.

فإذا كانت العلة في عدم تقديم المفوض الملكي لمستنتجاته في الدعاوى الاستعجالية هو أن مناط هاته الأخيرة هو اتخاذ إجراءات وقتية وسريعة. فإذا جرى العرف القضائي بالمحاكم الإدارية علي تقديم المفوض الملكي أمام هيئة الحكم لمستنتجاته فيما يخص طلبات إيقاف تنفيذ القرارات الإدارية التي تنطوي بدورها على اتخاذ إجراءات وقتية. ثم إذا كان موضوع الحق هو مناط تقديم مستنتجات المفوض الملكي ألا ترون أنه في بعض الأحيان تعرض على القضاء الإستعجالي بعض الطلبات الموضوعية بدعوى طرد المحتل بدون سند، ولا قانون وهي بطبيعتها لا تتعلق بإجراءات وقتية. ونعتقد في نهاية الأمر أنه لا يوجد ما يمنع المفوض الملكي من تقديم مستنتجاته أمام القضاء الاستعجالي، خصوصا إذا تعلق الأمر ببعض القضايا التي تمس الموضوع كحالة رفع الاعتداء المادي، وأن يترك لرئيس المحكمة الإدارية أمر تقدير الحالات التي تعرض على المفوض الملكي لوضع مستنتجاته بها، وأن تقديم مستنتجاته في القضايا الاستعجالية وحتي ولو تعلق الأمر بالمطالبة باتخاذ إجراءات وقتية لا يعتبر عيبا مسطريا يودي إلى البطلان، خصوصا وأن الغرفة الإدارية بمحكمة النقض أيدت مجموعة من القرارات الصادرة عن القضاء الاستعجالي، مضمنة بها الرأي القانوني للمفوض الملكي.

4- سلطة المفوض الملكي في إبداء الدفوع في المنازعة الإدارية:

إذا كان المفوض الملكي في الدعوى الإدارية لا يمثل أحدا، لا الإدارة ولا الأطراف الأخرى، ويعمل باسمه الخاص في إطار نظامه الخاص به المميز له عن باقي الأنظمة القانونية السالفة الذكر، لا يمثل إلا القانون يعرض مستنتجاته في كل قضية إدارية بكل تجرد واستقلال وحيدة، فهل يملك الحق في إثارة جميع الدفوع الإدارية ما تعلق منها بالنظام العام أو ما لم يتعلق به؟

المسلم به أن الدفوع المتعلقة بالنظام العام واجبة الدفع بها من قبل المفوض الملكي، ويقع على عاتق المحكمة التصدي لها من تلقاء نفسها. ولكن تغدو المسألة أكثر صعوبة فيما يتعلق بدفع المفوض الملكي بدفوع لا علاقة لها بالنظام العام، إذ بينما اتجه رأي إلى إعطاء المفوض الملكي سلطة الدفع بأي دفع أو دفاع في الدعوى الإدارية، ولو لم يتعلق ذلك بالنظام العام، – كالدفع بسبق البت في النازلة المعروضة سابقا على المحكمة – بينما يرى البعض أنه لا يجوز للمفوض الملكي أن يثير إلا الدفوع المتعلقة بالنظام العام.

والواقع أن الرأي الذي لا يقبل من المفوض الملكي إلا الدفوعات المتعلقة بالنظام العام هو الأقرب إلى الصواب. ذلك أن مهمته تعتبر مهمة قضائية ولا يمكن اعتباره ذا مصلحة شخصية في الدعوي الإدارية بالنظر لمهمته القضائية أمام المحكمة الإدارية في تمثيل القانون. وفي هذا الشأن فقد قضى بأنه لا يجوز للمفوض الملكي الدفع بتقادم دعوى التعويض لأنه دفع يتعلق بحقوق صاحب الشأن وليس متعلق بالنظام العام.

5- علاقة المستنتجات بالحكم وطبيعتها القانونية:

إذا كانت المادة 5 من القانون رقم 90-41 تنص على أن المفوض الملكي يعرض آراءه الكتابية والشفوية بكامل الاستقلال وبعبر عنها في كل قضية أمام المحكمة بجلستها العامة، فإن المستنتجات بهذا التصور التشريعي تعتبر جزءا لا يتجزأ من الحكم الذي يصدر في الدعوى. إذا كان الأمر على مستوى التشريع واضح، فإن الحكم الذي لا يتضمن مستنتجات المفوض الملكي يكون قد لحقه خرق مسطري للمادة 5 أعلاه، ويفضي إلى الحكم ببطلانه باعتبار أن الأمر يتعلق بخرق إجراء جوهري من إجراءات الدعوى الإدارية، ويكون البطلان هو جزء من مخالفته فكيف سيكون موقف الغرفة الإدارية من الحكم الذي يعرض عليها بمناسبة الطعن فيه، وهو لا يتضمن مستنتجات المفوض الملكي، الأمر يكون هينا في الحالة التي تكون فيها الغرفة الإدارية بالمجلس الأعلى تنظر في الطعن بصفتها جهة نقض حيث الحل واضح، إذ يتوفر لديها أحد أسباب النقض قياسا على حالة عدم إيداع مستنتجات النيابة العامة في القضايا المدنية في نطاق الفصل 9 من قانون المسطرة المدنية. غير أن الأمر غير ذلك إذ أن الغرفة الإدارية قد تنظر في بعض الحالات كجهة استئناف وتنظر في الطعن كمحكمة للموضوع وليس كجهة نقض.

ونعتقد أنه في جميع الحالات فالأمر يتعلق بخرق إجراء جوهري من النظام العام يترتب عنه البطلان ومن هنا تملك الغرفة الإدارية إلغاء الحكم الذي لم يتضمن مستنتجات المفوض الملكي، وإحالته علي المحكمة لتدارك الخلل المذكور بإيداع مستنتجات المفوض الملكي في الدعوى.

وخلاصة القول أن الرأي القانوني للمفوض الملكي وإن كان في طبيعته القانونية غير ملزم للمحكمة، ويعتبر مجرد فتوى قانونية ورأي استشاري، إلا أن إيداعه بالملف يعتبر إجراء جوهري، ومن النظام العام يترتب عن تخلفه بطلان الحكم الذي يصدر دونه باعتباره جزء لا يتجزأ منه.

6- طريقة عرض المفوض الملكي لمستنتجاته وحضوره جلسات المحكمة

تنص الفقرة الثانية من المادة 5 من القانون رقم 90-41 علي أنه: “يجب على المفوض الملكي أن يحضر جلسة المحكمة للدفاع عن القانون والحق من خلال مستنتجاته الكتابية والشفوية وأنه لا يشارك في إصدار الأحكام”.

وتطبيق هذا النص في الحياة العملية للمفوض الملكي أثناء تنفيذ مهمته القضائية في الدفاع عن الحق والقانون يثير عدة تساؤلات منها كيف يعرض المفوض الملكي مستنتجاته على هيئة الحكم مكتوبة أم شفوية، هل يقف لتلاوتها أو بسطها شفويا أم يظل جالسا، هل يحضر جلسات المداولة وجلسات النطق بالأحكام هاته مجموعة من التساؤلات يطرحها الفصل المذكور في ظل عموميته سنحاول الإجابة عنها انطلاقا من واقع التجربة.

.6.1طريقة عرض المستنتجات علي هيئة الحكم:

إن عبارتي المكتوبة والشفوية الواردتين بالفصل 5 أعلاه أثارت جدالا في أواسط العمل القضائي بالمحاكم الإدارية، فبينما يرى البعض أنه يجوز للمفوض الملكي أن يعرض مستنتجاته أمام هيئة الحكم سواء مكتوبة أو بشكل شفاهي، يرى البعض الآخر ضرورة عرض تلك المستنتجات مكتوبة على أنظار المحكمة وأن المستنتجات الشفوية غير مقبولة.

والملاحظ هنا أن الصياغة القانونية للمادة 5 أعلاه تضمنت كلا من عبارة المكتوبة والشفوية، وقد استعمل المشرع هنا واو العطف، ولم يستعمل كلمة “أو” لاستعمال الخيار المدلول أعلاه. لذلك نعتقد أن الصيغة القانونية الحقيقية للفصل المذكور هو أن يحرر المفوض الملكي مستنتجاته بالرأي القانوني مكتوبة في كل قضية يبسط شفويا أمام أنظار المحكمة, ويستحسن أن يعرف بمستنتجاته المكتوبة بشكل شفوي مقتضب يطرح من خلاله الإشكال القانوني المطروح على أنظار المحكمة والقانون الواجب التطبيق والحل القانوني والواقعي المقترح. وهو في ذلك يجب أن يتمتع بنوع من الجرأة وفن الاستدلال والفصاحة والشجاعة في الرأي يدافع بالجلسة العلنية بنوع من الطلاقة والتركيز، يطرح التساؤلات ويجيب عنها بشكل مقنع حتى يجلب إليه أنظار الحاضرين، ويضفي قيمة على علنية الجلسة، وأن يتجنب في ذلك تلاوة تقريره لما في ذلك من إحداث الملل في الجلسة وإطالة وقت المحكمة بشكل ممل.

.6.2 هل يقف المفوض الملكي لبسط مستنتجاته شفويا أم يضل جالسا؟

في الواقع لا يوجد نص قانوني يلزمه بالوقوف لبسط مستنتجاته على هيئة الحكم كما لا يوجد أي نص يلزمه بالجلوس في هذا الشأن. ولكن وقوف المفوض الملكي لبسط مستنتجاته فيه احترام لهيئة المحكمة ويضفي علي الجلسة قيمتها الوجاهية والعلنية، وقد جرى العمل على وقوف المفوض الملكي لبسط مستنتجاته الشفوية لما في ذلك من تقدير واحترام للمحكمة، وإضفاء للهيبة علي قضاءها.

.6.3 هل يملك الأطراف حق التعقيب على مستنتجات المفوض الملكي؟

انطلاقا من أن المفوض الملكي يعتبر رجلا محايدا يمثل القانون فقط في المنازعات الإدارية، ولا يمثل أحدا من أطراف المنازعة، وليس له صالح شخصي يبتغيه، يدافع عن القانون والحق لتحقيق مبدأ الشرعية وسيادة القانون، فإن الأطراف من هذا المنظور، لا تملك حق التعقيب عليه، وهو يتكلم في الأخير رابطا بذلك بين المرافعة الحضورية والمداولة وعندما يقف ليعرض مستنتجاته، فإن التحقيق قد انتهى ولا يمكن لرئيس الهيئة سوى أن يرفض إعطاء الكلمة للأطراف أو ممثليهم الذين يرغبون أحيانا في التدخل للتعقيب على رأي المفوض الملكي.

ثانياً: هل يملك المفوض الملكي الحق في حضور أشغال المداولة؟

تنص المادة 5 من القانون رقم 90-41 على أن المفوض الملكي لا يشارك في إصدار الأحكام.

ويجب هنا أن نفرق ما بين كلمة إصدار الأحكام وصدور الحكم. وقد وردت كلمة صدور الأحكام بالمادة 50 من قانون المسطرة المدنية بقولها تصدر الأحكام في جلسة علنية، فكلمة صدر هنا يقصد بها النطق بالحكم في جلسة علنية. أما إصدار الحكم فهي مرحلة ما قبل النطق به. والمقصود بها أنه لا يشارك في عملية التصويت، وأنه ليس له صوت معدود في المداولة على خلاف القاضي. لكن وعلي الرغم من ذلك فإنه لا يوجد أي مقتضى قانوني يمنعه من حضور جلسة المداولة لاستكمال دوره في الدفاع عن القانون والحق ورأيه القانوني خلال تلك المداولة ومناقشته فيه من طرف هيئة المحكمة.

وقد جرى العمل القضائي بذلك في جميع المحاكم الإدارية وحضوره جلسات المداولة ليس التزاما. وإذا تدخل في المداولة فيجب أن يكون تدخله معتدلا وفي حدود الدفاع عن وجهة نظره القانونية لإقناع هيئة الحكم بصحتها وضرورة الأخذ بها للبت في النازلة.

ثالثاً: هل حضور المفوض الملكي يعتبر إلزاميا في جلسة النطق بالأحكام؟:

ويطالعنا هنا رأيان: رأي يقول أن المفوض الملكي غير ملزم بحضور جلسة النطق بالأحكام علي اعتبار أن حضوره في ذلك لن يفيد في شيء ما دام أنه لا يملك الحق في الطعن في تلك الأحكام، وأن دوره المسطري في الدعوى الإدارية ينتهي بتقديم مستنتجاته، وإذا تخلف عن حضور جلسات النطق بالأحكام لا يعتبر الحكم باطلا لقاعدة لا بطلان بدون نص ولا بطلان بدون ضرر.

ورأى آخر يستلزم حضور المفوض الملكي جلسات النطق بالأحكام باعتباره جزءا من التشكيل القضائي والقانوني للمحكمة، وقد أوجب عليه المشرع بمقتضى المادة 5 من القانون 90-41 حضور جلسات المحكمة بما فيها النطق بالأحكام. وهذا الرأي الأخير هو الأقرب إلى الصواب على اعتبار أن المشرع بالقانون رقم 90-41 اعتبر المفوض الملكي جزء من التشكلة القانونية والقضائية للمحكمة، وأوجب عليه حضور جميع جلسات المحكمة دون أن يستثني منها جلسة النطق بالحكم، وأن الأمر يتعلق بقاعدة آمرة يجب التقيد بها تحت طائلة البطلان خصوصا وأن مطبوع الأحكام الإدارية قد نص عليه ضمن تشكل الهيئة وأن الأحكام تصدر بحضوره.

تقدير نظام المفوض الملكي:

إن نظام المفوض الملكي كأي نظام لابد أن يكون له إيجابياته وسلبياته، ويأتي الحكم على مدى نجاح أو فشل هذا النظام من خلال مقابلة الايجابيات التي حققها والسلبيات والمعوقات التي أحاطت به.

وتبرز إيجابيات نظام المفوض الملكي للدفاع عن القانون والحق من أهمية مستنتجاته الكتابية والشفوية التي يعرضها على أنظار هيئة الحكم طبقا للمقولة الشهيرة بقدر ما توجد قرارات كبرى توجد مستنتجات كبرى.

والمفوض الملكي للدفاع عن الحق والقانون اعتبر بحق خلال فترة العمل بالمحاكم الإدارية صانع أحكام إدارية جريئة وعادلة ومتطورة، بفضل مستنتجاته التي عرضها على هيئة المحكمة مضمنا إياها أبحاثا قانونية نيرة وحلول قانونية رائعة، تستمد مقوماتها من الفقه والقضاء المقارن واجتهاد محكمة النقض في المادة، والرأي الشخصي للمفوض النابع من فهمه الجيد للمادة القانونية وحسن تركيبها، وإلمامه بالقواعد القانونية والنظريات الفقهية.

وإذا كان الجميع من باحثين ومهتمين ومتقاضين ومسؤولين يجمع على نجاح تجربة المحاكم الإدارية بالنظر لما أصدرته من قرارات جريئة وعادلة وسريعة تنبع من قواعد العدالة والقانون، ومستلزمات سير الإدارة، فإن ذلك يرجع إلى ذلك الرجل الخفي الذي شارك المحكمة في إصدار تلك الأحكام، وكان بمثابة المهندس والمخطط الكبير لها. وإذا كان لا أحد ينكر تطور الاجتهاد القضائي في المادة الإدارية ومواكبته خلال فترة وجيزة للأنظمة العريقة في هذا الميدان فذلك بفضل المجهود المتبادل والمشترك والمتواصل بين المفوض الملكي وهيئة الحكم. وهنا تكمن إيجابيات المفوض الملكي الذي يجب عليه أن يواصل الطريق في مساعدة المحكمة على صنع أحكام إدارية متطورة وعادلة وجريئة، تصون المتقاضي من تعسف الإدارة وتحقق مبدأ الشرعية وسيادة القانون ولاستكمال دولة القانون والحق.

وإذا كان المفوض الملكي يساهم في تكوين الاجتهاد القضائي الإداري، ويدفع المحكمة إلى الخلق والإبداع من خلال تقاريره التي تتضمن أبحاثا من الفقه والقضاء والقانون، فإنه يجد نفسه في النهاية في وضع محبط، إذ أنه يقوم بعمل كبير في البحث والتفكير دون أن يتمكن أشخاص آخرون غير أعضاء هيئة الحكم أو الحاضرين بالجلسة من الاستفادة منه، فتقاريره حول ذلك لا تنشر في المجلات المتخصصة إلا نادرا جدا. وغالبا ما يتضمن الحكم الإداري الصادر حولها إشارة مقتضبة إلي اقتراح المفوض الملكي الرامي إلى كذا دون التعريف برأيه القانوني المسبب وبالمجهود الذي بذله بالمستنتجات المعروضة على أنظار المحكمة.

وإذا كانت تقارير المفوض الملكي هي الدعامة الرئيسية لتطور أحكام القانون الإداري، فالملاحظ أن بعض تقارير المفوض الملكي لم تعد تحيط بالمسائل القانونية والإشكاليات التي يثيرها النزاع، وتتناول فقط النقط القانونية بشكل وجيز دون بحث أو تمحيص للإشكال الواجب الإحاطة به، دون التطرق إلى الاتجاهات الفقهية والقضائية في النزاع، وتأتي على شكل تقارير نموذج تقصد الهدف مباشرة ومثل هذا المعطي يفضي إلى تعطيل مفعول نظام المفوض الملكي للدفاع عن القانون والحق، والغاية من استحداثه وهاته هي سلبيات نظام المفوض الملكي. والحقيقة فإن الوظيفة تكون بقدر الشخص الذي يمارسها.

خاتمة

إن إستحداث نظام المفوض الملكي بمقتضى القانون رقم 90-41 المحدث بموجبه المحاكم الإدارية يعتبر بحق مكسبا قضائيا يجب المحافظة عليه وتفعيل دوره في الدفاع عن القانون والحق. وقد أصبح هذا النظام لما بذله من جهة في توجيه المحكمة إلى صنع قرارات جريئة وعادلة من خال أبحاثه القيمة ومعرفته الجيدة بالفقه والقضاء والقانون من مستلزمات القضاء الإداري، وأن نجاح القضاء الإداري أو فشله رهين بفشل أو نجاح هذا النظام. ومن هنا يجب تدعيم هذا النظام وتفعيله لاستكمال دوره في الدفاع عن القانون والحق بالعمل علي ضمان استقلاله الإداري عن طريق هيكلة مؤسسة المفوض الملكي وإعادة تنظيمها تشريعيا بما يكفل لها استقلالها الإداري إلى جانب الاستقلال الوظيفي، مع الرفع من درجة المفوض الملكي وجعله من قضاة الدرجة الأولي، وتمكينه من حق الطعن في الأحكام الإدارية، ولو تلك التي تتعلق بالنظام العام وتجاوز الاختصاص، مع التعريف برأيه القانوني المسبب سواء داخل الحكم الإداري أو بواسطة المجلات المتخصصة بنشر تقاريره مع نفس الأحكام الإدارية، وإعطاء الصلاحية لرئيس المحكمة في إحالة الملفات الصعبة والحقيقية على مكتب المفوض الملكي لتعميق البحث فيها، دون الملفات البسيطة المتعلقة بعدم القبول لخرق مسطري واضح أو المتعلقة منها بالتنازل، إن هذا لكفيل بضمان نجاح مؤسسة المفوض الملكي في الدفاع عن الحق والقانون وتحقيق مبدأ الشرعية وسيادة القانون.


[1] أوردت ذلك مدام غزلين فرانر دورسين في بحثها حول مفوض الحكومة أمام الهيئات القضائية.

[2] نفس المرجع أعلاه.

[3] مذكرة مدام اكزلين في المرجع السابق.

[4] مرسوم 63. 766 بتاريخ 30-7-1963.

[5] les cours administratives d’ appel approche critique

[6] راجع المرجع السابق.

[7] اوردته هونري اسيا في بحثها حول les cours administratives d’ appel approche critique.

[8] المرجع السابق.

[9] د. النجار تقديم نظام مفوض الدولة في المنازعات الإدارية صفحة 36.

[10] المرجع السابق، ص57.

[11] د. النجار كتاب تقديم نظام مفوض الدولة المرجع السابق، ص156.

[12] الدكتور مصطفى كمال أصول إجراءات القضاء الإداري صفحة 237.

[13] فقد كان النص العربي لهذا الفصل قبل التعديل كما يلي:”يمارس رؤساء المحاكم الإبتدائية مراقبتهم على قضاة الأحكام العاملين بمحاكمهم وكذا علي مصالح كتابة الضبط”. أما بعد التعديل فقد أصبح كالتالي: “يشرف رؤساء المحاكم الإدارية ورؤساء المحاكم الإبتدائية على قضاة المحاكم العاملين بمحاكمهم وعلى مصالح كتابة الضبط”.

أما النص الفرنسي قبل التعديل:

“Les presidents des tribunax de 1 instance excrcent leur surveillance sur les majistrats du siege ainsi que sur les services de greffe”.

بينما أصبح بعد التعديل المذكور كما يلي:

“Les presidents des tribunaux administrative et ceux des tribunaux de 1 instance exerecent leur surveillance sur les majistrats du siege de leur tribunal ainsi que sur les services de greffe”.

[14] تقرير لجنة العدل والتشريع حول القانون رقم 41. 90 المتعلق بإحداث المحاكم الإدارية، ص8.  

×
error: Content is protected !!

اكتشاف المزيد من

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading