وإشكالية الجمع بينها وبين دعوى التعويض([1])
الأستاذ: محمد محجوبي
مستشار بالمجلس الأعلى
مقدمة:
تتمتع الإدارة، وهي تعمل على تحقيق المصلحة العامة، بقدر كبير من السلطات في سبيل الوصول إلى أداء الرسالة، إلا أنه بالرغم من ذلك، فقد يتم المساس بمصالح الأفراد أو الجماعات، لأن المصلحة العامة ليست مستقلة عن مصالح هؤلاء([2]).
لذا فإن المشرع هو الذي يعمل على الفصل بين ما يندرج ضمن المصلحة العامة، وما يعود للمصالح الخاصة، ومع ذلك، فإن الإدارة هي التي تختار وسائل العمل الناجعة والتوقيت المناسب للقيام بمختلف أعمالها أو إصدار قراراتها، وهي في كل ذلك تخضع لمبدأ “المشروعية”، حتى يمكن أن يقال عنها بأنها “دولة قانون”، وإلا صارت “دولة بوليسية”([3]).
فلئن كانت حقوق الأفراد وحرياتهم سابقة على وجود الدولة ذاتها، فإن هذه الحقوق والحريات قد تفقد قيمتها بالمرة في مواجهة سلطات الدولة، إن لم تكن خاضعة للقانون بمعناه الواسع في كل تصرفاتها.
فمختلف دساتير الدول الديمقراطية، لا تختلف عن الدستور المغربي، الذي ينص على أن: “القانون هو أسمى تعبير عن إرادة الأمة، ويجب على الجميع الامتثال له…”([4])، كما ينص على أن جميع المواطنين سواسية أمام القانون([5])، وينص كذلك على أن الدستور يضمن لجميع المواطنين مختلف الحريات والحقوق الأساسية([6])، في إطار القانون.
إلا أن ذلك غير كاف في حد ذاته، ما لم تتوافر مجموعة من الضمانات تتكفل برد السلطة العامة إلى الصواب، كلما خرجت عن مبدأ المشروعية، ومن بين تلك الضمانات: ضمانة الرأي العام، أو المجتمع المدني، إلا أن هذه الأخيرة لا تظهر أهميتها في دول العالم الثالث التي ما زال الفقر والجهل فيها منتشرين، وحتى بالنسبة لمن هم قادرون على الوقوف في وجه تعسفات الإدارة إن وجدت، فهم في حاجة إلى توافر الحريات الأساسية المختلفة الكفيلة بتكوين الرأي العام، الذي “يضمن لتلك الحريات البقاء والازدهار”([7]).
ولما كانت الضمانات القانونية والسياسية، بعضها غير كاف، وبعضها صعب المنال، للوصول إلى تفعيل مبدأ المشروعية، فإنه لا سبيل إلا لوجود رقابة قضائية تمارس على نشاط السلطات العامة داخل الدولة، لتضمن أن يكون هذا النشاط منسجماً مع الدستور والقانون، ومحترماً لحقوق وحريات الأفراد([8]).
ولعل للقضاء الإداري([9])، وخاصة قضاء الإلغاء، الدور الأعظم في تكريس دولة القانون على أرض الواقع، من خلال نظره في الطعون المقدمة أمامه ضد القرارات الإدارية التي قد تكون مشوبة بتجاوز السلطة، فيعمل على إلغائها ووضع حد لها وكأنها لم تصدر أصلاً، وبذلك يمكن القول بوجود دولة قانون.
فإلى أي حد استطاع القاضي الإداري المغربي أن يساهم في بناء دولة القانون؟
ذلك ما نجيب على جزء يسير منه من خلال ما تعلق بهذا العرض، الذي يقسم إلى مبحثين، المبحث الأول يخصص لبيان دعوى الإلغاء، والمبحث الثاني يتعلق بمدى إمكانية الجمع بينها وبين دعوى التعويض، انطلاقاً من الاجتهاد القضائي الإداري المغربي على وجه الخصوص.
المبحث الأول: خصائص دعوى الإلغاء
لم تعرف دعوى الإلغاء في المغرب إلا بعد استقلاله وإنشاء المجلس الأعلى([10]) سنة 1957، الذي أحدثت به غرفة إدارية من بين مهامها النظر في طلبات إلغاء القرارات الإدارية([11]) كدرجة أولى وأخيرة([12])، وبتاريخ 8 يونيو 1990 أعلن جلالة الملك المغفور له الحسن الثاني عن إحداث محكمة إدارية بكل عاصمة من عواصم الجهات الاقتصادية السبع وقتئذ([13])، في خطابه التاريخي بمناسبة إحداث المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان([14])، وفعلاً ترجمت الإرادة الملكية إلى إحداث سبع محاكم إدارية بموجب القانون رقم 90.14([15]) الذي جرى العمل به بتاريخ 4 مارس 1994([16])، وأصبحت هذه المحاكم تنظر في طلبات الإلغاء كدرجة أولى، بينما تنظر فيها الغرفة الإدارية بالمجلس الأعلى كدرجة ثانية، مع مراعاة المقتضيات الخاصة المنصوص عليها في نفس القانون المذكور([17]) أو في قوانين أخرى خاصة([18])، إلى أن أحدثت محاكم الاستئناف الإدارية بمقتضى القانون رقم 03.80([19])، فأضحت الغرفة الإدارية المذكورة بمثابة محكمة للنقض الإداري، في أفق إحداث مجلس للدولة([20]).
فما هي أهم المميزات التي تختص بها دعوى الإلغاء؟ وكيف تعامل القضاء الإداري المغربي معها؟
من بين أهم خصائص دعوى الإلغاء، أنها دعوى قضائية، وهي دعوى موضوعية (عينية)، كما أنها من النظام العام.
1- دعوى الإلغاء دعوى قضائية:
إذا لم تكن هذه الخاصية مطروحة عندنا([21])، فهي لم تكن كذلك في فرنسا، مهد القضاء الإداري، فهي إلى غاية 1872 لم تكن دعوى قضائية، وإنما كانت مجرد تظلم إداري رئاسي([22])، خلال فترة القضاء المحجوز([23])، فقد عهد رجال الثورة الفرنسية، الذين كانوا متشبثين بمبدأ “فصل السلطات” إلى أقصى حد ممكن، بالنظر في التظلمات الموجهة ضد الإدارة ذاتها فيما كان يعرف باسم “نظام الإدارة القاضية”([24])، في شخص بعض الوزراء وكبار حكام الأقاليم، لأن مبدأ استقلال الإدارة يحول دون خضوعها للقضاء، بغض النظر عن طبيعته، وبتاريخ 24 مايو 1872 أصبح مجلس الدولة محكمة بمعنى الكلمة، تصدر أحكاماً قضائية تلزم الإدارة بمجرد صدورها، وبهذا انتقل القضاء الإداري الفرنسي من مرحلة القضاء المحجوز إلى مرحلة القضاء المفوض([25])، وعلى إثر ذلك أحدثت محكمة التنازع للفصل في الإشكاليات المتعلقة بالاختصاص النوعي بين القضاء العادي والقضاء الإداري، وإلى غاية 13 دجنبر 1889 ظل مجلس الدولة حبيس ما كان يسمى بنظرية “الوزير القاضي”([26])، إذ لم يكن القاضي الإداري يضع يده على النزاع إلا إذا نص القانون على ذلك صراحة، وإلا التزم من يعنيه الأمر بعرض النزاع على الوزير أولاً، باعتباره قاضي القانون العام، ثم بعد ذلك يلتجئ إلى مجلس الدولة باعتباره جهة استئنافية، إلى أن صدر قرار مجلس الدولة الشهير في قضية “كادو” “Cadot”، عندما تم قبول الطلب المرفوع إليه مباشرة من دون المرور عبر الوزير، فأصبح مجلس الدولة هو قاضي القانون العام وتم وضع حد لنظرية “الوزير القاضي”، في انتظار التنظيم الجديد الذي خضع له المجلس بمقتضى مرسوم 30 شتنبر 1953([27]).
2- دعوى الإلغاء هي دعوى موضوعية( عينية):
بمعنى أن الخصومة في دعوى الإلغاء تنصب على القرار الإداري المطعون فيه وتحقق المصلحة العامة.
أ- ففي الدعوى الشخصية يكون النزاع قائماً بين أشخاص، فالشخص الذي يريد حماية مركزه القانوني يلجأ إلى القضاء لحماية هذا المركز في مواجهة شخص بعينه، وإذا هلك هذا الشخص انتهت الخصومة بكاملها أو وجب تصحيحها بإدخال الخلف الخاص أو الخلف العام للمدعي عليه عند الاقتضاء، بينما في دعوى الإلغاء، وهي دعوى موضوعية، فهي تقام في مواجهة قرار إداري، بغض النظر عن الشخص الذي أصدره، فقد يتغير منصب المطلوب في الطعن، وتبقى الدعوى سارية في مواجهة نفس الإدارة، لأن الذي يتغير هم المسؤولون الإداريون الممثلون للإدارة المطلوبة في الطعن، أما هذه الأخيرة فلا تتغير، وعليها يتم التنفيذ لاحقاً، ولا يمكنها أن تدعي بأن الذي أصدر القرار المطعون فيه قد توفي أو انتقل إلى إدارة أخرى أو حصل على التقاعد مثلاً، بل عليها تنفيذ حكم الإلغاء الصادر في مواجهتها، لأن الشخص المذكور كان ممثلاً ليس إلا، ولذلك قيل عن حق بأن الطاعن في دعوى الإلغاء يؤدي دوراً مماثلاً لدور النيابة العامة في الدعوى العمومية، حتى ولو لم يكن مدركاً لهذا الدور، خاصة عندما يطعن في قرار فردي، معتقداً أنه يدافع عن مصلحته الخاصة، بينما هو يتصرف في نفس الوقت باسم “المشروعية”([28])، وهذا ما عبر عنه “لافيريير” (LAFERRIERE) بمقولته المشهورة، وهي أن “دعوى الإلغاء ليست نزاعاً بين خصوم، وإنما هي دعوى ضد قرار”([29])، وهو ما أكده القضاء الإداري في مختلف الدول التي تعرف هذا النوع من القضاء، ومن بينها القضاء الإداري المغربي.
ب- ومن جهة أخرى، فإن دعوى الإلغاء ترمي إلى تحقيق المصلحة العامة، فإلغاء القرار الإداري لا يعني إلا شيئاً أساسياً، وهو محو نتائج عدم المشروعية الشيء الذي يدفع بالإدارة المعنية إلى الاتعاظ وعدم مخالفة القانون في مثل نفس النازلة، لذلك قيل بأن حكم الإلغاء له حجية مطلقة في مواجهة الكافة، ما دام الإلغاء لا يتقرر لفائدة الطاعن فقط، وإنما هو بالأساس لفائدة المشروعية التي هي لفائدة الجميع داخل نفس المجتمع، ومن ثم فالقرار إذا ما ألغي مرة واحدة، لا يقبل طلب إلغائه مرة ثانية ولو تعاقب الطاعنون، أو كما قال الفقيه “هوريو”([30]) (M. HAURIOU)، بأن دعوى الإلغاء هي وسيلة موضوعية للبطلان منظمة لتحقيق حسن سير العدالة”([31]).
وبالرغم من كل ما ذكر، فإن السمة الشخصية لدعوى الإلغاء تظل قائمة من خلال الملاحظات التالية:
– فدعوى الإلغاء، كما قررت المحكمة الإدارية العليا في مصر، هي: “خصومة بين طرفين، محلها اختصام قرار إداري معيب”([32])، وهو مبدأ من الأهمية بمكان، فلو أن الطاعن اقتصر مثلاً بتوجيه دعواه ضد قرار إداري معين، هكذا من دون ذكر الإدارة التي صدر عنها، لتعذر تبليغها بنسخة من مقال الطعن ولقضي بعدم قبول طلبه شكلاً لعدم إمكانية تطبيق مبدأ المواجهة بين “الخصوم”، ولما أمكن للإدارة الطعن في الحكم القاضي بالإلغاء…
– إن الطاعن في دعوى الإلغاء لا يهدف في الأساس إلا لتحقيق مصلحته الخاصة، غير أن ذات المصلحة تتفق مع المصلحة العامة المتمثلة في تحقيق المشروعية، ومعلوم أن المصلحة في دعوى الإلغاء شرط لقبولها، إذ لا يكفي مجرد الرغبة في احترام القانون داخل المجتمع.
3- دعوى الإلغاء هي دعوى من النظام العام:
فهي كذلك، لأنها تهدف إلى حماية مبدأ المشروعية وسيادته داخل المجتمع المتمدن، وتترتب على ذلك النتائج التالية:
أ- لا يجوز التنازل مسبقاً عن رفع دعوى الإلغاء، بخلاف الأمر في الدعوى الشخصية، فالدائن له مطلق الحرية في التنازل عن دينه لفائدة المدين ولا يمكنه المطالبة بالدين بعد ذلك التنازل، في حين أن لمن تنازل مسبقاً عن رفع دعوى الإلغاء أن يقيمها لاحقاً، ولا يمكن للإدارة المعنية أن تحتج أمام قاضي الإلغاء بذلك التنازل([33])، والأكثر من ذلك أن للمتنازل أن يرجع عن تنازله في أي وقت شاء، مع مراعاة آجال دعوى الإلغاء التي هي من النظام العام بطبيعة الحال.
ب- كذلك لا يجوز التنازل عن حكم قضي بإلغاء قرار إداري غير مشروع، فهو قد ألغي ولا يمكن إحياؤه من جديد عن طريق التنازل([34])، وتبقى الإدارة المحكوم عليها دائماً مطالبة بتنفيذه([35]).
ج- الأصل هو أن دعوى الإلغاء ترفع ضد أي قرار إداري دون حاجة إلى النص على ذلك صراحة، وإذا ما أرد المشرع أن يستبعدها، فما عليه إلا أن ينص على ذلك الاستبعاد صراحة([36])، وإن كان هذا النص في حد ذاته يمس بحق دستوري، وهو حق التقاضي.
– فعلى سبيل المثال لا الحصر، نص المشرع المغربي في الفصل 12 من ظهير 27 أبريل 1919 بشأن تنظيم مجلس الوصاية على الجماعات وضبط تدبير شؤون الأملاك الجماعية وتفويتها، على أن قرارات المجلس المذكور “تكون غير مدعمة بطبيعتها، فهل مع ذلك لا تقبل الطعن بالإلغاء؟
لقد أثار هذا الموضوع نقاشاً حاداً بين الفقه المغربي واختلفت حوله الاجتهادات القضائية، سواء داخل الغرفة الإدارية بالمجلس الأعلى أو من طرف المحاكم الإدارية بعد إحداثها.
ففي قضية “وليام وول”([37]) (Wiliam wall) قضت الغرفة الإدارية بالمجلس الأعلى بتاريخ 18/02/1963 بقبول الطعن بالإلغاء في قرار الأمين العام للحكومة، بالرغم من نص المشرع على عدم قبوله لأي طعن كذلك، وكذلك فعل المجلس الأعلى في قراره الصادر بتاريخ 08/04/1966 في ضد وزير الداخلية وضد ، عندما قضى بقبول الطعن في قرار مجلس الوصاية المذكور استناداً إلى التعليل التالي: “… حيث إن من المبادئ المقررة في مادة القانون العام أن قضاء الإلغاء أداة فعالة لتحقيق المشروعية.
وحيث ينص الفصل الأول من الظهير المؤسس للمجلس الأعلى على إمكانية تقديم طلب الإلغاء من أجل الشطط في استعمال السلطة، ما لم يصدر نص صريح بخلاف ذلك.
وحيث لا وجود لنص صريح يشير في هذه الحالة إلى منع الاستفادة من الالتجاء إلى الطعن بسبب الشطط في استعمال السلطة لفحص مشروعية القرار المطعون فيه، فإن هذا الدفع بدوره غير مرتكز على أساس…” ([38]).
إلا أن المجلس الأعلى تراجع عن هذا التوجه بخصوص الطعن في قرارات مجلس الوصاية، لما ألغى حكم المحكمة الإدارية بأكادير ([39]) القاضي بإلغاء قرار مجلس الوصاية اعتماداً على قرار “وليام وول” أعلاه، واعتبر بتاريخ 19/06/1997([40]) بأن قرارات مجلس الوصاية غير قابلة للطعن بالإلغاء استناداً إلى التعليل التالي: “… حيث إن جوهر النزاع هو معرفة طبيعة القرار الصادر عن مجلس الوصاية الذي ألغته المحكمة الإدارية.
وحيث إنه للجواب عن هذا التساؤل، يجب الرجوع إلى ظهير 27 إبريل 1919 المتعلق بتنظيم الوصاية الإدارية على الجماعات وضبط شؤون الأملاك الجماعية وتفويتها، كما وقع تعديله بظهير 6 فبراير 1963.
وحيث إن الجماعات كما أشير إلى ذلك الفصل الرابع من الظهير الشريف المذكور، هي التي لها الحق في توزيع الأراضي الجماعية بصفة مؤقتة بين أعضائها لينتفعوا بها ويستغلوها، وأن المنازعات التي تنشأ عن هذا التوزيع تعرض على جمعية النواب لتبت فيها إما طبق الأعراف وإما طبق تعليمات الوصاية، ومثل هذا القرار لا يقبل الطعن أمام أي جهة أخرى غير مجلس الوصاية، والتي تعتبر مقرراته، حسب الفصل 12 من الظهير المومأ إليه أعلاه، مقررات غير قابلة للطعن فيها أمام المحاكم، ما دامت تدخل في إطار استغلال الأراضي الجماعية والانتفاع بها.
وحيث إن مؤدى ذلك أن المحكمة الإدارية قد خرقت مقتضيات ظهير 22 أبريل 1919 (الفصل 12) عندما بتت في النزاع المذكور وألغت مقرر مجلس الوصاية، الشيء الذي يتعين معه إلغاء الحكم المستأنف والحكم بعدم قبول الطلب”.
إلا أن نفس المجلس تراجع عن هذا الاتجاه المنتقد([41]) بموجب قراره الصادر بتاريخ 07/06/2005([42]) الذي أصبح العمل به متواتراً بعد صدوره([43])، ولعله توجه في محله للأسباب الواردة أعلاه، وأيضاً لكون ظهير 1919 المذكور صدر حتى قبل إحداث المجلس الأعلى، وفي وقت لم يكن للمغرب فيه عهد بدعوى الإلغاء.
هذا وقد ذهبت محكمة الاستئناف الإدارية بالرباط([44]) في 12/03/2008 أبعد من ذلك، عندما ألغت قراراً لمجلس الوصاية، بعلة أن المقتضى القانوني الوارد في الفصل 12 أعلاه أصبح يتعارض مع القانون رقم 01.03 الصادر بتاريخ 23/07/2002 المتعلق بإلزام الإدارات العمومية بتعليل قراراتها، بحيث إن الإدارة عامة أصبحت ملزمة بتعليل قراراتها، حتى ولو كانت معفاة من ذلك التعليل من قبل بموجب قوانين خاصة، اللهم ما تعلق بالقرارات التي تهم الأمن الداخلي أو الخارجي للدولة([45]).
كما نص المشرع المغربي أيضاً في المادة 48 من القانون رقم 00.78 المتعلق بالميثاق الجماعي صراحة على أنه: “لا يمكن، تحت طائلة عدم القبول من لدن المحكمة المختصة، رفع دعوى التعويض أو الشطط في استعمال السلطة… إلا إذا كان المدعي قد أخبر من قبل الجماعة، ووجه إلى الوالي أو عامل العمالة أو الإقليم التابعة له الجماعة مذكرة تتضمن موضوع وأسباب شكايته…”، وفيما سبق كان قد نص نفس المشرع في الفصل 43 من ظهير 30 شتنبر 1976 بمثابة قانون يتعلق بالتنظيم الجماعي([46]) على أن “كل دعوى، غير دعاوي الحيازة والدعاوى المرفوعة لدى محكمة الاستعجال، لا يمكن إقامتها على جماعة، إلا إذا كان المدعي قد وجه من قبل إلى وزير الداخلية أو إلى السلطة التي فوض إليها في ذلك مذكرة تتضمن موضوع وأسباب شكايته، وإلا فإن هذه الدعوى تعتبر باطلة، ويسلم للمدعي وصول بذلك…”.
وقد سبق للمجلس الأعلى، وبعده المحاكم الإدارية بالإجماع، أن فسر هذا المقتضى القانوني تفسيراً ضيقاً، عندما استثنى تطبيقه على دعوى الإلغاء، لأنها دعوى المشروعية، وعوض أن يستفيد المشرع المغربي من الاجتهاد الإداري القضائي، وينص صراحة في المادة 48 من الميثاق الجماعي الجديد على عدم خضوع دعوى الإلغاء لأي قيد، أو على الأقل لا يشير إليها صراحة، أصدر هو الحكم بعدم قبولها إذا لم يمتثل الطاعن لنص المادة 48 المذكور أعلاه، مما حدا بالقضاء الإداري المغربي إلى التخفيف من حدة أحكام هذه المادة عندما اعتبرت محكمة الاستئناف الإدارية بالرباط بتاريخ 24/10/2007 بأنه ما دام مقال الطعن بالإلغاء مرفقاً “بوصول صادر عن عامل عمالة مكناس… سلم للمدعين بناء على طلبهم، وأنه ما دام لم يتم التوصل إلى اتفاق بالتراضي بين الطرفين، فإن المدعين لم يكونوا ملزمين بانتظار أجل شهر كامل لرفع دعواهم في مواجهة الجماعة المستأنفة، هذا فضلاً عن أنه لا جدوى من إخبارهم إياها بإقامتهم هذه الدعوى ضدها، والحال أنها على علم تام باستيلائها على عقارهم حسب ما يستفاد من الشهادة الإدارية الصادرة عنها… المرفقة بالمقال الافتتاحي، بالإضافة إلى تبليغها بنسخة منه، وبالرغم من ذلك لم تعقد مع المستأنف عليهم أي اتفاق، مما يبقى معه السبب المتعلق بخرق المادة 48 أعلاه غير مرتكز على أساس”([47])، وعلى هدي هذا القرار سارت المحاكم الإدارية فيما بعد([48]).
المبحث الثاني: مدى إمكانية الجمع بين دعوى الإلغاء ودعوى التعويض
لعل موضوع الجمع بين دعوى الإلغاء ودعوى التعويض في طلب واحد، يندرج من بين أهم المواضيع التي كان للقضاء الإداري المغربي دور في إعطائها الحل المناسب، الذي يسير في نفس النهج الذي خلقت المحاكم الإدارية لأجل السير فيه.
فإذا كان المشرع المصري قد سهل مهمة القضاء الإداري، عندما أقر إمكانية الجمع بين دعوى الإلغاء ودعوى التعويض في مقال واحد، شريطة أن يكون طلب التعويض ناتجاً عن طلب الإلغاء([49])، وإذا كان مجلس الدولة الفرنسي قد أجاز الجمع بين دعويي الإلغاء والتعويض، شريطة استقلال كل واحدة منهما بإجراءاتها، أي أنه لا يجوز الجمع بين الطلبين في عريضة واحدة، وإنما يمكن البت فيهما معاً في وقت واحد، تفادياً لطول الانتظار([50])، فما هو موقف القضاء الإداري المغربي من الموضوع؟
ذلك ما نجيب عنه باختصار في فقرتين:
الفقرة الأولى، تخصص للتعليق على الأحكام التي لم تقض بالإلغاء والتعويض في آن واحد.
أما الفقرة الثانية، فتتعلق بالحالة التي استجيب فيها لطلبي الإلغاء والتعويض معاً.
الفقرة الأولى: عدم إمكانية الجمع
لم يكن موضوع الجمع بين طلبي الإلغاء والتعويض في مقال واحد محل نقاش في المغرب قبل إحداث المحاكم الإدارية، فالغرفة الإدارية بالمجلس الأعلى هي الجهة القضائية الوحيدة التي كانت مختصة بالبت في طلبات الإلغاء بسبب تجاوز السلطة، أما دعاوي التعويض المرفوعة ضد الإدارة، التي تندرج ضمن القضاء الشامل، فقد كانت من اختصاص المحاكم الابتدائية، التي تستأنف أحكامها أمام محاكم الاستئناف، التي يطعن بالنقض في قراراتها أمام المجلس الأعلى، وبالتالي لم يكن يتصور أن يثار الإشكال موضوع هذا البحث.
أما بعد إحداث المحاكم الإدارية، فقد عرضت عليها عدة طلبات تتضمن المطالبة بالإلغاء والتعويض في آن واحد.
ولقد كان الاجتهاد الذي سلكته هذه المحاكم أول الأمر هو عدم إمكانية الجمع بين الطلبين على الوجه المذكور، بعلة استقلال الطلبين، وبالتالي الدعويين عن بعضهما البعض، سواء من حيث أداء الرسوم القضائية أو الإعفاء من أدائها، أو من حيث أجل رفع كل دعوى على حدة، أو من حيث سلطات القاضي الإداري بشأن كل طلب من الطلبين…
وهذه الأسانيد تجد مصدرها في القضاء الإداري الفرنسي، الذي اقتصر على القول بإمكانية تقديم الدعويين في آن واحد والبت فيهما كذلك، من دون إمكانية الجمع بين الطلبين في عريضة واحدة، تحت طائلة عدم قبول طلب التعويض لنفس العلة.
وهكذا تبنت المحاكم الإدارية، ومعها الغرفة الإدارية بالمجلس الأعلى([51]) هذا النهج، مرتكزة على نفس التعليل الذي يطال أحكامها([52]) بمقتضى الحيثية([53]) التالية:
“وحيث إنه لا يمكن الجمع بين دعوى الإلغاء ودعوى القضاء الشامل في نفس العريضة…”، وهو الاتجاه الذي ما زال يدافع عنه قليل من الباحثين المغاربة، بالرغم من أنهم يقرون بفوائد الجمع بين العمليتين، إلا أنهم يتساءلون عن “السند الذي اعتمدت عليه المحاكم الإدارية للقول بجواز الجمع بين الدعويين، إذ إن هذه المحاكم”، يضيف هذا التوجه،”تكتفي بالقول إنه لا يوجد ما يمنع الجمع، دون أن تبرر الأسانيد التي تبرر هذا التوجه”، كما أن هذا الرأي يرى أن “الجمع المذكور لا يساير المنطق القانوني، بالنظر إلى الاختلاف الموجود بين كل من دعوى الإلغاء ودعوى القضاء الشامل”([54]).
ومن بين الأحكام التي لم تقبل الجمع بين الدعويين في عريضة واحدة، وهي أحكام كثيرة، حكم المحكمة الإدارية بالرباط في قضية (م. ب) ضد المدير العام للأمن الوطني، بعلة أنه “لا يجوز الجمع بين دعوى الإلغاء ودعوى القضاء الشامل في طلب واحد، لأسباب متصلة بأن لكل دعوى خصوصياتها التي تتميز بها عن الأخرى”، واستناداً إلى ذلك، اكتفت بإلغاء القرار المطعون فيه من دون الاستجابة إلى طلب تمتيع الطاعن بالمرتب والتعويض المستحق، فقضت بعدم قبول هذا الشق من الطلب([55])، وهذا نفس المسلك الذي اتبعته الغرفة الإدارية بالمجلس الأعلى في عديد من قراراتها([56])، تكريساً للمبدأ الذي تبناه القضاء الإداري الفرنسي([57]) القائل بأن: “قاضي الإلغاء يقضي ولا يدير”، وهو رأي لا يجد له سنداً في القانون المغربي.
فإذا كانت للقضاء الإداري الفرنسي مبرراته التاريخية([58])، فهي لا تنطبق على نظيره المغربي، ومن ثم وجبت مراعاة الخصوصيات المغربية دونما تقليد أعمى في كل شيء، حتى عند وجود الفارق حيث لا قياس.
ومن جهة أخرى، فالأصل هو الإباحة كمبدأ عام كما هو معلوم، أما المنع فهو الذي يقتضي إثباته، لأن من يدعي عدم إمكانية الجمع بين الدعويين (الإلغاء والتعويض)، فهو يدعي خلاف الأصل.
الفقرة الثانية: إمكانية الجمع
لعل أول حكم صدر عن القضاء الإداري المغربي، واستجاب لطلبي الإلغاء والتعويض المقدمين في نفس العريضة، هو الحكم الصادر عن المحكمة الإدارية بالرباط بتاريخ 12/10/2004 في قضية (إ. ب) ضد وزير التربية الوطنية([59]).
هذا الحكم الذي تتلخص وقائعه في أن التلميذة المذكورة تقدمت لأجل اجتياز امتحان الباكلوريا شعبة العلوم التجريبية المزدوجة في دورة يونيو 2002 بإحدى ثانويات مدينة سطات([60])، وعند الإعلان عن نتائج الامتحان، فوجئت بعدم إدراج اسمها من بين الناجحين، فتوصل والدها بعد ذلك برسالة مجهولة تفيد أن ورقة امتحان ابنته تعرضت لعملية تزوير، فانتهى الأمر إلى ثبوت ذلك فعلاً، حيث تم تغيير ورقة امتحان الطاعنة المتعلقة بمادة الفيزياء، من طرف موظف تابع لوزارة التربية الوطنية، بورقة أخرى بيضاء تتعلق بتلميذة أخرى، وأدين ذلك الموظف من أجل التزوير، وتم الحكم عليه من طرف المحكمة الابتدائية بسطات بتاريخ 08/04/2003 بسنة ونصف حبساً نافذة وبتعويض لفائدة الطاعنة في حدود 10.000.00 درهم، وهو الحكم الذي تم تأييده من طرف محكمة الاستئناف بسطات بتاريخ 12/05/2003، وعلى إثره تقدمت الطاعنة بتاريخ 28/05/2003 أمام المحكمة الإدارية بالرباط بطلب إلغاء نتيجة الامتحان المذكور بالنسبة لها، وإعلان نجاحها في شعبة العلوم التجريبية، وبتعويض قدره 500.000.00 درهم، فدفع الوكيل القضائي للمملكة([61]) بعدم قبول الطلب، لعدم إمكانية الجمع بين دعوى الإلغاء ودعوى التعويض في نفس العريضة، ولتقديم الإلغاء خارج الأجل القانوني، وبعدم الاختصاص النوعي، لأن الضرر اللاحق بالطاعنة ناتج عن خطأ شخصي للموظف، فضلاً عن أنه سبق لها أن استفادت من تعويض كمطالبة بالحق المدني أمام القضاء الزجري اتجاه مرتكب التزوير، فأصدرت المحكمة الإدارية الحكم المشار إليه أعلاه، الذي قضت بموجبة بإلغاء قرار رسوب الطاعنة في امتحانات الباكالوريا لسنة 2002 المجراة بأكاديمية الشاوية ورديغة، مع ما يترتب عن ذلك قانوناً، وبأداة الدولة المغربية([62]) لفائدتها تعويضاً قدره 200.000.00 درهم…، وهو حكم تم تأييده من طرف الغرفة الإدارية بالمجلس الأعلى بتاريخ 12/07/2006.
ونظراً لأهمية هذا القرار، نورد تعليله كاملاً فيما يلي:
“… فيما يتعلق بالسبب الأول للاستئناف: حيث يعيب المستأنف([63]) الحكم المستأنف بخرق مقتضيات المادة 13 من القانون رقم 90.41 المحدث للمحاكم الإدارية، ذلك أنه دفع بعدم الاختصاص النوعي للمحكمة، لكون الدعوى مؤسسة على الخطأ الشخصي، فأجابت المحكمة الإدارية عن الدفع دون أن تصدر بشأنه حكماً مستقلاً طبقاً للمادة المذكورة.
لكن، حيث إن ثبوت الاختصاص للمحكمة الإدارية يجعل ما أثير بالسبب بدون جدوى.
فيما يتعلق بالفرع الأول من السبب الثاني للاستئناف: حيث يعيب المستأنف كذلك الحكم المستأنف بفساد التعليل، ذلك بقبول الجمع بين دعوى الإلغاء ودعوى التعويض، رغم أن الأولى من اختصاص قضاء الإلغاء، والثانية يعود النظر فيها إلى القضاء الشامل، ولكل دعوى هدفها وشروط قبولها.
لكن، حيث إن الحكم المستأنف، لما رد الدفع المذكور بعلة أنه لا يوجد نص صريح يمنع الجمع المذكور (إلى آخر التعليل) يكون قد علل ما قضى به تعليلاً كافياً ولا وجود للخرق المحتج به.
حول الفرع الثاني من السبب الثاني للاستئناف: حيث ينعي المستأنف على الحكم المطعون فيه عدم اعتبار المحكمة للدفع بعدم قبول الدعوى لتقديمها خارج الأجل القانوني، استناداً إلى أن علم المدعية برسوبها تم منذ إعلان النتائج في يونيو 2002، ولم تقدم دعواها إلا بتاريخ 28/05/2003، والمحكمة ردت الدفع بمقولة أن العلم اليقيني لم يتم إلا بتاريخ 12/05/2003 تاريخ صدور قرار محكمة الاستئناف بإدانة الموظف المتورط في التزوير.
لكن، حيث إنه لا نزاع في أن القرار المطعون فيه قد بني على جريمة التزوير التي طالت ورقة امتحان المعنية بالأمر، فيكون بذلك مشوباً بعيب بالغ الجسامة والخطورة ينحدر به إلى درجة الانعدام، التي لا يتقيد –معها- سحبه ولا الطعن فيه بالإلغاء بميعاد، وبالتالي فإن السبب غير مرتكز على أساس.
في شأن السبب الثالث والسبب الرابع للاستئناف: حيث يلاحظ المستأنف على الحكم خرق المحكمة لقاعدة أن الحق لا يملك إلا دعوى واحدة، وذلك بمطالبة المستأنف عليها بالتعويض في الدعوى المدنية التابعة لدعوى متابعة الموظف بالتزوير ومطالبتها في إطار القضاء الشامل، وبعدم تحديد وتعليل المحكمة للأسس المعتمدة لتحديد التعويض المحكوم به.
لكن، حيث إن المحكمة لما ردت الدفع بعلة أن لكل دعوى أساسها القانوني، مبرزة حجم الأضرار النفسية والمادية التي لحقت بالمدعية، المتمثلة أساساً في حرمانها من متابعة دراستها الجامعية في السنة التي تلت الإعلان عن رسوبها، تكون قد عللت حكمها تعليلاً كافياً، والسببين المستدل بهما غير مرتكزين على أساس…” ([64]).
ذلك الحكم([65]) الذي بمجرد صدوره لقي اهتماماً بالغاً من لدن الفقه الإداري المغربي، تراوح بين مؤيد من دون تحفظ([66])، ومؤيد بتحفظ([67]).
هذا فضلاً عن أن محاكم إدارية أخرى كان لها السبق من حيث المبدأ في القول بإمكانية الجمع بين طلبي الإلغاء والتعويض المقدمين في نفس العريضة، إلا أن أحكامها لم تنشر ولم تستجب لطلب التعويض، ليس بسبب عدم إمكانية الجمع بينه وبين طلب الإلغاء، وإنما لأسباب أخرى، وبعضها قضى بالجمع، لكن في قضية “بسيطة” لم تثر بشأنها دفوع شكلية جدية…
وهكذا، قضت المحكمة الإدارية بمكناس، قبل انتهاء السنة الأولى على إحداث المحاكم الإدارية([68])، بعدم قبول طلب التعويض شكلاً، بعدما ألغت قرار رئيس بلدية بوفكران أن القاضي بإزالة لوحة إشهارية من سطح دكان الطاعن، وكان سبب عدم قبول طلب التعويض يرجع فقط إلى عدم إخطار المدعي وزير الداخلية بموضوع الدعوى المرفوعة على الجماعة المحلية، خلافاً لمقتضيات الفصل 43 من الميثاق الجماعي (القديم)([69]).
كما قضت نفس المحكمة في حكم آخر، صدر بتاريخ 14/11/2002 صراحة في نفس الحكم بإلغاء قرار رئيس جماعة شرقاوة، الرافض لإحالة طلب الترخيص، الذي تقدم به الطاعن إدريس العلوي لاجتياز مباراة ولوج سلك رجال السلطة، على وزارة الداخلية لعيب مخالفة القانون، وقضت في نفس الوقت بتعويض لفائدة المدعي بسبب تفويت فرصة عليه…([70])
هذا، وقد صدر عن الغرفة الإدارية بالمجلس الأعلى بتاريخ 28/02/2002 قرار([71]) قضى من حيث المبدأ بإمكانية الجمع بين طلبي الإلغاء والتعويض في نفس العريضة، عندما يكون الطلب الأصلي هو طلب إلغاء قرار إداري بسبب تجاوز السلطة وطلب التعويض مجرد طلب تابع له، “ما دام المعنى بالأمر يهدف من كل دعوى إلى الدفاع عن حقوقه ومصالحه في مواجهة الإدارة، كما هو الأمر في النزاعات المتعلقة بالوضعية الفردية للموظفين والعاملين في مرافق الدولة والجماعات المحلية والمؤسسات العامة، وذلك عندما يطلب الموظف مثلاً إلغاء قرار إداري بسبب الشطط في استعمال السلطة، كقرار تأديبه أو نقله مثلاً، وفي نفس الوقت يطلب في إطار دعوي القضاء الشامل، الحصول على مستحقاته من أجور وتعويضات موازاة مع السلم والدرجة التي يوجد فيها”([72]).
وأخيراً، نختم هذا البحث بملاحظات حول تشبت بعض الفقه الإداري المغربي بضرورة الحفاظ على استقلال دعوى الإلغاء عن دعوى العويض، بسبب عدم إمكانية الجمع بين الإجراءات المتعلقة بكل دعوى على حدة لخصوصيات كل دعوى.
– فعندما يقدم طلب الإلغاء وطلب التعويض في عريضة واحدة، وأمام نفس المحكمة الإدارية، التي هص مختصة بالبت في كل من طلبات الإلغاء وطلبات التعويض([73]) ويقوم بإجراءات التحقيق نفس المقرر، الذي هو متخصص في قضاء الإلغاء وقضاء التعويض، أو يفترض أنه كذلك، ويقدم الطلبان معاً داخل الأجل القانوني لقبول طلب الإلغاء، وتؤدي الرسوم القضائية على طلب التعويض، فلماذا لا يتجاب للطلبين معاً؟ أفقط لأجل ترديد “الموال” الذي انتهجه مجلس الدولة الفرنسي؟ بينما خصوصية القانون المحدث للمحاكم الإدارية المغربية، وخطاب جلالة المغفور له الحسن الثاني طيب الله ثراه، الذي يعد البذرة الأولى لإحداث تلك المحاكم([74])، وكذا مختلف الخطب السامية لجلالة الملك محمد السادس نصره الله في عدة مناسبات… تهدف كلها إلى استكمال بناء دولة القانون، والحد من شطط الإدارة وتعسفها في حق المواطن الضعيف أمامها، بما تملكه من قوة وجبروت…
فإذا كان في الإمكان طلب فحص مدى مشروعية قرار إداري محصن بمرور أجل الطعن فيه، والحكم بالتعويض نتيجة عدم مشروعية ذلك القرار من دون إلغائه، أفليس من الأولى الحكم بذلك التعويض بعد إلغاء القرار المطعون فيه –عندما يكون ذلك ممكناً، بالنظر إلى خصوصيات كل قضية على حدة- من دون انتظار صيرورة حكم الإلغاء نهائياً؟
ففي قضية (إ. ب) موضوع هذا العرض، أليس من العبث أن يرفع الإلغاء بتاريخ 28/05/2003([75])، ويصدر حكم المحكمة الإدارية بتاريخ 12/10/2004، ثم يستأنف هذا الحكم من طرف الإدارة أمام المجلس الأعلى، فيصدر قراره المؤيد للحكم أعلاه بتاريخ 12/07/2006 وبعد هذا التاريخ فقط يقبل طلب التعويض، أي بعد مرور ثلاث سنوات على تقديم طلب الإلغاء، وطوال كل هذه المدة والتلميذة المذكورة لم تستأنف تعليمها لكون الاستئناف يوقف التنفيذ، وهي لم تحصل على حكم يوقف تنفيذ قرار رسوبها؟! لعل الجواب يكمن في مجرد طرح هذه الأسئلة الاستنكارية.
أما من يقول بأن المحكمة الإدارية اكتفت بالقول بإمكانية الجمع بين طلبي الإلغاء والتعويض في حكم واحد، مكتفية بالقول بأنه “لا يوجد ما يمنع الجمع، دون أن تبرر الأساس الذي يبرر هذا الجمع”، فنرد عليه بأن يقدم الأساس الذي يمنع ذلك الجمع، خاصة وأن المحكمة الإدارية بالرباط عللت حكمها بموجب قاعدة أصولية تجد سندها في عمق تاريخ الفقه الإسلامي وأصوله، وخاصة في المذهب المالكي، مذهب المغاربة منذ كان الإمام مالك رضي الله عنه ما زال يلقي دروسه بالمدينة المنورة، ألا وهي “المصلحة المرسلة” أو “الاستصلاح”([76])، التي يشترط للأخذ بها ثلاثة شروط هي:
1- الملاءمة بين المصلحة التي تعتبر أصلاً قائماً بذاته، وبين مقاصد المشرع…
2- أن تكون معقولة في ذاتها، جرت على الأوصاف المناسبة المعقولة، التي إذا عرضت على أهل العقول تلقتها بالقبول.
3- أن يكون في الأخذ بها رفع حرج لازم، بحيث لو لم يؤخذ بالمصلحة المعقولة في موضعها، لكان الناس في حرج، والله تعالى يقول: “ما جعل عليكم في الدين من حرج”.
وقد أخذ الصحابة رضي الله عنهم بالمصلحة المرسلة، عندما جمعوا القرآن في المصاحف بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، وأخذ الخلفاء الراشدون بالمصلحة المرسلة، عندما قرروا تضمين الصناع، وكذلك عندما قرر الصحابة قتل الجماعة بالواحد إذا اشتركوا في قتله، لأن المصلحة تقتضي ذلك…
أليس هذا مما يقبله العقلاء من ذون النص عليه صراحة؟ وإلا، وما دام الأصل هو الإباحة، فلماذا نتقيد باجتهادات مجلس الدولة الفرنسي في كل شيء؟ بل ولماذا قيل عن القانون الإداري بأنه قانون قضائي؟ والحال أن قضاءنا أولى بتطبيق هذه القاعدة من غيره، استجابة للكلمة التوجيهية للقضاء المغربي، الواردة في الرسالة السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله الموجهة للمشاركين في الندوة الدولية حول مستقبل العدالة في القرن الحادي والعشرين، التي نظمها المجلس الأعلى تخليداً لذكراه الخمسين([77])، عندما دعاه إلى “اعتماد فقه الواقع، والاجتهاد في التفاعل مع النوازل…”.
[1] عرض ألقي أثناء اليوم الدراسي الذي انعقد بالمعهد العالي للقضاء بالرباط يوم الجمعة 24/10/2008، حول موضوع “القضاء الإداري المغربي، حصيلة وآفاق”، المنظم من طرف محكمة الاستئناف الإدارية بالرباط، وهيئة المحامين بالرباط، والمركز المغربي للدراسات والأبحاث حول المهن القضائية والقانونية بجامعة محمد الخامس السويسي بالرباط.
[2] عبد الفتاح أبو الليل: “قضاء المشروعية”، دار النهضة العربية بالقاهرة 1998، ص41.
ذلك أن مصالح الأفواد ليست بالضرورة هي المصلحة العامة، فقد يكون من مصلحة الفرد الاتجار في الممنوعات بقصد الحصول على ربح سريع، والعكس صحيح أيضاً، فمن المصلحة العامة شق الطرق مثلاً، إلا أن ذلك من شأنه إزالة مبان قائمة خاصة بأصحابها وحرمانهم من أرض فلاحية تذر عليهم دخلاً… الخ.
[3] ذلك أن دولة القانون مقيدة بقوعده من حيث الوسائل والغايات، بعكس الدولة البوليسية، التي تكون في حل من تلك القواعد، ولو وجدت حيث يمكن المساس بحقوق وحريات الأفراد في سبيل تحقيق المصلحة العامة لمجموع السكان، وهناك الدولة الاستبدادية التي لا وجود لمبدأ المشروعية فيها، حيث لا تبغي إلا تحقيق مصالحها فقط.
لمزيد من التفاصيل، راجع: عبد الناصر علي عثمان حسين في مؤلفه: “استقلال القضاء الإداري”، دار النهضة العربية بالقاهرة، 2007، ص2 وما يليها.
[4] الفصل الرابع من الدستور المغربي.
[5] نص الفصل الخامس من الدستور المغربي على أن: “جميع المغاربة سواء أمام القانون”.
[6] مثل حرية التجول، وحرية الاستقرار بالوطن، وحرية الرأي، وحرية التعبير وحرية الاجتماع، وحرية المراسلات، واحترام حرمة المسكن، والحق في الشغل وفي التعليم، وفي الإضراب، وضمان حق الملكية وحمايته.. الخ، راجع الفصول من 9 إلى 15 من دستور المملكة.
[7] سعد عصفور: “مشكلة الضمانات والحريات العامة في مصر”، مقال منشور في مجلة المحاماة، العددان 5 و6، مايو ويونيو 1959 ص105 و110 وما بعدها.
[8] سعد عصفور: في مقاله “رقابة القضا وضرورة حماية الفرد في الدولة الحديثة”، منشور في مجلة المحاماة، العدد الأول سنة 1971، ص127 و148.
[9] لا يحتكر القضاء الإداري وحده حماية حقوق وحريات الأفراد داخل المجتمع، وإنما للقضاء العادي والقضاء الدستوري كذلك أهمية قصوى في تلك الحماية، إلا أن الدور الأكبر يقع على عاتق القضاء الإداري.
[10]راجع لمزيد من التفاصيل: عبدا لناصر علي عثمان حسين في مؤلفه: “استقلال القضاء الإداري”، مرجع سابق، ص8.
أحدث المجلس الأعلى (كمحكمة للنقض) بموجب الظهير الشريف رقم 1.57.223 الصادر بتاريخ 27 شتنبر 1957، المنشور في الجريدة الرسمية عدد 2347 بتاريخ 18/10/1957، ونص الفصل 57 منه على أنه “سيعين تاريخ إجراء العمل بظهيرنا الشريف هذا بمقتضى المرسوم… وهو 23 أكتوبر 1957، عملاً بالمرسوم رقم 2.57.1573 الصادر بتاريخ 3 أكتوبر 1957 المنشور في الجريدة الرسمية بتاريخ 18/10/1957.
[11] وذلك عملاً بالفقرة الثالثة من الفصل الأول من الظهير الشريف المذكور أعلاه، الذي حدد اختصاصات المجلس الأعلى في: “… 2- طلبات إلغاء المقررات الصادرة من السلطات الإدارية بدعوى الشطط في استعمال السلطة…”.
[12] راجع مؤلفنا “الوجيز في القضاء الإداري بعد إحداث المحاكم الإدارية”، الطبعة الأولى 2002، دار القلم بالرباط، ص6.
[13] أحدثت سبع مناطق جهوية اقتصادية بموجب الظهير الشريف رقم 1.71.77 وتاريخ 16 يونيو 1971، تشمل كل واحدة منها مجموعة من الأقاليم والعمالات، دون تمتيعها بالشخصية المعنوية وهي:
الجهة الجنوبية وعاصمتها أكادير، والجهة الوسطى وعاصمتها الدار البيضاء، وجهة تانسيفت، وعاصمتها مراكش، والجهة الوسطى الجنوبية، وعاصمتها مكناس، والجهة الوسطى الشمالية، وعاصمتها فاس، والجهة الشمالية الغربية، وعاصمتها الرباط، والجهة الشرقية وعاصمتها وجدة.
أما اليوم فقد أصبحت الجهة جماعة محلبة تتمتع بالشخصية المعنوية والاستقلال المالي، وأصبح عددها 16 جهة بموجب القانون رقم 96.47 الصادر بتنفيذ الظهير الشريف رقم 1.97.84 وتاريخ 2 أبريل 1997…
راجع لمزيد من التفاصيل مؤلفنا المشار إليه أعلاه، ص42، الهامش رقم 31.
[14] فقد قال رحمه الله: “… إذا أردنا حقيقة أن نبني دولة القانون، فعلينا كذلك أن نأخذ بعين الاعتبار حقوق المواطنين بالنسبة للسلطة وللإدارة، وللدولة…” إلى أن قال: “… وستعرفون لماذا قررنا في المرحلة الأولى… لتخلق محاكم إدارية في جميع الجهات، ولدينا سبع جهات، وسنبدأ بها…”.
[15] صدر بتنفيذه الظهير رقم 1.91.225 وتاريخ 14 شتنبر 1993 المنشور في الجريدة الرسمية عدد 4227 وتاريخ 3 نونبر 1993.
[16] وذلك عملاً بالمادة 51 منه التي نصت على دخوله حيز التنفيذ “في اليوم الأول من الشهر الرابع الذي يلي شهر نشره في الجريدة الرسمية”.
[17] راجع المواد 8 و9 و11 من نفس القانون.
[18] كما هو الشأن بالنسبة للفصل 41 من ظهير 07/08/1996 المتعلق بهيئة الأطباء مثلاً.
[19] وذلك بموجب الظهير الشريف رقم 1.06.07 وتاريخ 14 فبراير 2006، المنشور في الجريدة الرسمية عدد 5389 وتاريخ 23 فبراير 2006.
[20] ذلك ما أعلن عنه صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله في خطابه السامي بمناسبة افتتاحه دوره المجلس الأعلى للقضاء بتاريخ 15/12/1999.
[21] لاختلاف الظروف التاريخية التي نشزت فيها دعوى الإلغاء في فرنسا عن نظيرتها في المغرب، الذي لم يعرف هذه الدعوى ولا بعد إحداث المجلس الأعلى والنص عليها صراحة في تشريعات متعاقبة.
[22] Recours administrative hiérarchique.
[23] La justice retenue.
[24] L’administration-juge.
[25] La justice déléguée.
[26] la théorie du minister juge.
[27] بالرغم من أن هذه الخاصية لا تعنينا في شيء، إلا أننا أدرجناها عنوة لأهميتها، إذا ما علمنا أن فرنسا هي التي ابتدعت القضاء الإداري، فعندها نشأ وتطور وترعرع، ومنها أخذناه في آخر صورة وصل إليها، لذلك لا يسعنا إلا نسبة الفضل إلى أهله. راجع لمزيد من التفاصيل العميد سليمان محمد الطماوي في مؤلفه القيم: “القضاء الإداري، الكتاب الأول: قضاء الإلغاء”، دار الفكر العربي بالقاهرة، 1996، ص34 إلى 36.
[28] محمد محمد عبد اللطيف: “قانون القضاء الإداري، الكتاب الثاني: دعوى الإلغاء”، دار النهضة العربية بالقاهرة 2002 ص44.
[29] “Procès fait à un acte et non d’un litige entre parties”.
[30] M. HAURIOU note sous. C. E, 8 décembre 1899, ville d’Avignons, S. 1900. III. 73.
[31] ذكره محمد محمد عبد اللطيف في: “قانون القضاء الإداري، الكتاب الثاني: دعوى الإلغاء”، مرجع سابق، ص43.
[32] المحكمة الإدارية العليا في قرارها الصادر بتاريخ 15 نوفمبر 1988، الطعن رقم 835، السنة 44 قضائية.
[33] C.E, 13 février 1984 “Lonaru”, Rec.p 79.
[34] C.E. Sect. 13 juillet 1967, “Ecole privée de fille de pradelles”, A.J.D.A 1968, page 344.
[35] C.E. 25 mai 1979, “Mme TOLEDANO-ABITBOL”, D. 1979. IR, page 387.
[36] C.E, 17 février 1950, Ministre de l’agriculture C./Dame LAMOTTE, R.D.P, 1951, page 478, concl. DELVOLVE, note WALINE.
[37] في هذه القضية قررت الغرفة الإدارية المذكورة قبول الطعن ضد قرارات الكاتب العام للحكومة من خلال تفسيرها الضيق للفصل الأول من ظهير 19 فبراير 1960 المنظم لمزاولة مهن الأطباء والصيادلة وجراحي الأسنان والعقاقريين والقوابل، الذي نص على عدم قابلية قرار الكاتب العام المذكور للطعن بشأن الترخيص بمزاولة تلك المهن، بعلة أن الطعن بالإلغاء يبقى متاحاً ضد أي قرار إداري، لأنه يهدف إلى إقرار احترام المشروعية، قرار عدد 261 بتاريخ 18 فبراير 1963، ملف عدد 9990، منشور في “مجموعة قرارات المجلس الأعلى –الغرفة الإدارية- السنوات القضائية 1961- 1965″، منشورات وزارة العدل (بالفرنسية).
Librairie de médicis, Paris, edition la porte, Rabat 1970.
[38] القرار عدد 548، منشور في المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، عدد 27، ص232.
[39] صدر بتاريخ 20/07/1995 تحت عدد 63 في الملف عدد 10/ 95غ، وهو منشور كذلك في المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، عدد 27، ص225.
[40]– وتعميماً للفائدة، نورد تعليل حكم المحكمة الإدارية بأكادير المذكور، الذي ألغى قرار مجلس الوصاية الصادر بتاريخ 26/10/1994:
“… حيث إن القرار المطعون فيه صدر في رطار مقتضيات ظهير 27/04/1919 المتعلق بتنظيم الوصاية الإدارية على الجماعات الأصلية وضبط تدبير الإدارة للأملاك الجماعية المعدل بظهير 06/02/1963.
وحيث جاء في الفصل 12 من الظهير المذكور: “إن مقررات مجلس الوصاية تكون غير مدعمة بأسباب وغير قابلة لأي طعن”.
لكن، حيث إنه بمقتضى المادة 8 من قانون 90.41: “تختص المحاكم الإدارية… بالبت في طلبات إلغاء قرارات السلطات الإدارية بسبب تجاوز السلطة…”، وجاء في المادة 20 من ذات القانون أن “كل قرار إداري… يشكل تجاوزاً في استعمال السلطة يحق للمتضرر الطعن فيه أمام الجهة القضائية المختصة”.
وحيث إن مجلس الوصاية، بحكم تكوينه واختصاصاته، يعتبر قانوناً سلطة إدارية، وأن القرار الصادر عنه في هذه النازلة قرار إداري.
وحيث تتسم دعوى الإلغاء في المغرب بأنها دعوى القانون العام لإلغاء القرار الإداري عموماً، أي يمكن أن توجه ضد أي قرار إداري، دونما حاجة إلى نص قانوني صريح، بل إن القضاء الإداري المغربي، على غرار القضاء الإداري الفرنسي، قد وصل في هذا الصدد إلى حد اعتبار النصوص التي ترد في بعض القوانين –كما في نازلتنا هذه- لتحصين بعض القرارات الإدارية، وتنص على أن تلك القرارات غير قابلة لأي طعن، موجهة إلى الطعون الأخرى، ولا تعني، ولا يمكن أن تعني إطلاقاً دعوى الإلغاء…
وحيث إنه لا يستساغ وفقاً لروح قانون 90.41 حرمان المواطن في دولة الحق والقانون ضماناً لحقوقه وحرياته، من مراقبة أعمال الإدارة عن طريق دعوى الإلغاء التي تمارسها هيئة مستقلة عن الإدارة، تتكون من قضاة تابعين للسلطة القضائية ولا يخضعون للتسلسل الرئاسي أو أي نوع من الوصاية، ويستعملون اختصاصهم من أجل حماية مصالح المواطن والإدارة معاً.
وحيث لا وجود لنص قانوني، سواء في ظهير 27/04/1919 أو غيره، يشير صراحة إلى منع الاستفادة من الالتجاء إلى الطعن بسبب التجاوز في استعمال السلطة لمراقبة مشروعية قرار مجلس الوصاية المطعون فيه…”.
في قراره عدد 1096 في قضية (أ. ب) ضد وزير الداخلية، قرار منشور في المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية عدد 27، ص230، وهو معلق عليه من طرف د. أمحمد عنتري بالفرنسية في نفس المجلة ص99، تحت عنوان: “الطعن بسبب تجاوز السلطة إحدى الضمانات في دولة القانون”.
[41] انظر مقالاً شيقاً للمستشار الأستاذ مصطفي التراب الرئيس الأول لمحكمة الاستئناف الإدارية بالرباط تحت عنوان: “أي تطور مستقبلي للقضاء الإداري بالمغرب؟”، منشور بالمجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، عدد 81- 82، ص13.
[42] قرار عدد 474 في الملف الإداري رقم 818/4/2/2002، منشور في مجلة قضاء المجلس الأعلى عدد 67 ص281.
[43] من بين القرارات التي سارت في نفس الاتجاه قرار محكمة الاستئناف الإدارية بالرباط الصادر بتاريخ 26/03/2008، ذكره المستشار الأستاذ مصطفى التراب في مقاله أعلاه.
[44] قرار محكمة الاستئناف الإدارية بالرباط عدد 330 وتاريخ 12=/03/2008 في الملف رقم 129/07/5 في قضية (م. ز) ضد وزير الداخلية (غير منشور)، أشار إليه المستشار الأستاذ مصطفى التراب في مقاله المذكور أعلاه.
[45] وذلك عملاً بالمادة 3 من القانون رقم 01.03 التي نصت على ما يلي: “تستثنى من أحكام المادة الأولى (التي توجب التعليل كقاعدة عامة) من هذا القانون القرارات الإدارية التي يقتضي الأمن الداخلي والخارجي للدولة عدم تعليلها”.
[46] منشور في الجريدة الرسمية عدد 3335 مكرر وتاريخ فاتح أكتوبر 1976.
[47] قرار عدد 766 بتاريخ 24/10/2007 في الملف رقم 53/06/6 في قضية ورثة (ع. غ) ضد الجماعة الحضرية لويسلان (غير منشور).
[48] من ذلك على سبيل المثال لا الحصر حكم حديث للمحكمة الإدارية بالرباط عدد 1325 وتاريخ 18/09/2008 في الملف رقم 334/1/05 في قضية ورثة (إ.أ) ومن معهم ضد رئيس المجلس القروي لجماعة مرشوش ومن معه (حكم غير منشور).
[49] د. سامي جلال الدين: “الوسيط في دعوى إلغاء القرارات الإدارية”، منشأة المعارف بالإسكندرية، الطبعة الأولى 2004، ص55.
[50]وقد نص المشرع المصري على إمكانية الجمع بين طلبي الإلغاء والتعويض في عريضة واحدة في المادة 14 من قانون مجلس الدولة رقم 47 لسنة 1972 المنشور في الجريدة الرسمية في العدد رقم 40 في 05/10/1972، التي تنص على ما يلي: “تختص المحاكم الإدارية:
أولاً: بالفصل في طلبات إلغاء القرارات المنصوص عليها في البنود ثالثاً ورابعاً من المادة 10 متى كانت متعلقة بالموظفين العموميين بين المستوى الثاني والمستوى الثالث ومن يعادلهم، وفي طلبات التعويض المترتبة على هذه القرارات…”، وقبل ذلك، نصت المادة 10 من نفس القانون، في البند العاشر منها، وهي بصدد تحديد المسائل التي تخص محاكم مجلس الدولة المصري بالفصل فيها، على ما يلي: “… طلبات التعويض عن القرارات المنصوص عليها في البنود السابقة، سواء رفعت بصفة أصلية أو تبعية…”.
ولم يبح مجلس الدولة الفرنسي الجمع بين طلبي الإلغاء والتعويض في عريضة دعوى واحدة إلا في ثلاث قرارات صدرت عنه في 31 مارس 1911 (بلان وأركان وبيزي) “Blanc, Arogaing et Bézie”، وفيما بعد لم تصدر عنه قرارات مماثلة.
راجع: د. ماجد راغب الحلو: “القضاء الإداري”، منشأة المعارف بالإسكندرية، طبعة 2004، ص267.
[51] اللهم ما تعلق بقرار فريد ستتم الإشارة إليه لاحقاً، وهو القرار عدد 298 الصادر بتاريخ 28/02/2002.
[52] المقصود بذلك أحكام المحاكم الإدارية.
[53] الحيثية أو الحيثيات تعني في العمل القضائي المغربي: التعليل أو التسبيب الذي يعتمده القاضي في حكمه…
[54] هنا رأى الأستاذ أحمد الصايغ، رئيس المحكمة الإدارية بالرباط سابقاً، أشار إليه في محاضرة ألقاها على طلبة السنة الثانية من الماجستير في المهن القضائية والقانونية بتاريخ 28/05/2005، كما ذكره الطالبان، نورة بو طاهر وأنس الأعرج في العرض الذي أعداه تحت إشرافه بعنوان: “الجمع بين قضاء الإلغاء والقضاء الشامل في الدعوى الإدارية” ص7، منشور على الموقع الإلكتروني http://messaoui.jeeran.com، تم الإطلاع عليه بتاريخ 15 مايو 2008 على الساعة 00: 23.
هذا الاتجاه الذي عاب عليه بعض الباحثين المغاربة أمثال المستشار الأستاذ محمد صقلي حسيني، في مقاله: “النزاعات المتعلقة بالوضعية الفردية للموظفين والعاملين في المرافق العامة بين القضاء الشامل والقضاء الإداري”، المنشور في المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، ضمن سلسلة مواضيع الساعة في العدد 47 لسنة 2004 ص98.
[55] حكم عدد 68 بتاريخ 11/04/1996 غير منشور.
[56] قرار عدد 235 بتاريخ 16/07/198 الذي أيد حكم ابتدائية الرباط الصادر بتاريخ 08/07/1998 في الملف عدد 37/96غ، مشار إليه في مقال الأستاذ محمد صقلي حسيني في مرجع سابق في نفس الصفحة.
[57] كما في قرار مجلس الدولة الفرنسي الصادر بتاريخ 15/12/1989 الذي أشار إليه الأستاذ محمد صقلي حسيني في المرجع السابق ص99، وأيضاً الدكتور محمد عاطف البنا من مصر، في كتابه: “الوسيط في القضاء الإداري، دار الفكر العربي بالقاهرة 1991، ص35.
[58] انظر ما تعلق بالمبحث الأول من هذا العرض.
[59] حكم عدد 1003 في الملف رقم 560/ 03ش. ت، منشور في المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، في العدد 59 السنة 2004، ص217.
[60] التابعة لأكاديمية الشاوية ورديغة، التي تبعد عن مدينة الدار البيضاء الكبرى بحوالي 60 كلم.
[61] الذي يعتبر المدافع عن حقوق الدولة أمام القضاء، وهو بمثابة محام ينوب عن الدولة كلما كلفته بالقيام بذلك… باستثناء الجماعات المحلية والمؤسسات العمومية، التي تتمتع بالشخصية المعنوية والاستقلال المالي عن الدولة، التي هي ملزمة بتنصيب محام عنها، عندما يفرض القانون ذلك، كما في حالة التقاضي أمام القضاء الإداري أو التجاري مثلاً…
[62]– للمزيد من التفاصيل، يراجع مقال لنا تحت عنوان: “مميزات المسطرة أمام المحاكم الإدارية”، منشور في الكتاب الذي جمع أعمال الندوة الأولى للقضاء الإداري، التي انعقدت بالمعهد العالي للقضاء بالرباط تحت شعار: “المحاكم الإدارية دعامة من دعائم دولة القانون”، التي نظمتها وزارة العدل يومي 18- 29 مايو 1995، وتم نشرها سنة 1999، مطبعة المعارف الجديدة بالرباط، الصفحات من 339 إلى 358.
– راجع كذلك مقالاً للسيد الوكيل القضائي للمملكة الأستاذ محمد الزياتي تحت عنوان: “تمثيل أشخاص القانون العام أمام القضاء”، منشور في مجلة رسالة المحاماة، عدد خاص مزدوج 23 و24، أبريل 2005، ص47.
التي تم الحكم عليها بأداء التعويض بدلاً من الوزارة المعنية، لأن هذه الأخيرة لا تتمتع بالشخصية المعنوية والاستقلال المالي، وإنما هي تابعة للدولة المغربية، التي لها تلك الشخصية…
[63] المستأنف هو السيد الوكيل القضائي للمملكة بصفته هذه، ونائباً عن الدولة في شخص السيد الوزير الأول، وعن السيد وزير التربية الوطنية والتعليم العالي وتكوين الأطر والبحث العلمي (وهي نفس الأطراف التي كانت مطلوبة في الإلغاء والتعويض أمام المحكمة الإدارية).
[64] قرار المجلس الأعلى عدد 591 بتاريخ 12/07/2006 في الملف الإداري رقم 70/4/1/2005، غير منشور.
[65] المقصود به طبعاً حكم المحكمة الإدارية بالرباط المؤيد استئنافياً من طرف المجلس الأعلى.
[66] يمثل هذا الرأي الأستاذ الدكتور الحسن الوزاني الشاهدي، أستاذ التعليم العالي بكلية الحقوق بالدار البيضاء، في تعليق له على نفس حكم المحكمة الإدارية بالرباط بالفرنسية تحت عنوان: “اجتهاد حديث المحكمة الإدارية بالرباط –الجمع في حكم واحد بين طلب الإلغاء ودعوى التعويض-” منشور في مجلة ديوان المظالم، في العدد 2، ص55، مع خلاصة لنفس التعليق باللغة العربية، في نفس المجلة، ص56.
[67] ويمثله الأستاذان آمال المشرقي وامحمد عنتري، الأول أستاذ التعليم العالي بكلية الحقوق بسلاء والثاني أستاذ التعليم العالي سابقاً بكلية الحقوق السويسي بالرباط، وهما معاً كليتان تابعتان لجامعة محمد الخامس –السويسي- بالرباط، راجع تعليقهما على نفس الحكم في ص171 من العدد 59 من المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية.
[68] بتاريخ فاتح دجنبر 1994، حكم عدد 12 ملف رقم 14/94/3غ.
[69] وهو ظهير 30 شتنبر 1976 المتعلق بالتنظيم الجماعي، الذي حل محله القانون رقم 78 لسنة 2000 المتعلق بالتنظيم الجماعي، الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.02.297 بتاريخ 25 من رجب 1423 (3 أكتوبر 2002)، المنشور في الجريدة الرسمية عدد 5058 بتاريخ 21/11/2002.
[70] حكم عدد 90 في الملف رقم 125/ 2001/12ش، وهو حكم لم يستأنف بالرغم من تبليغ الإدارة المدعى عليها بنسخة منه ومرور أجل الاستئناف، واكتفت بتنفيذه حسب ما بلغ إلى علمنا من مصلحة كتابة الضبط بالمحكمة الإدارية بمكناس.
[71] لعله قرار فريد من نوعه حسب علمنا.
[72] قرار عدد 298 في الملف الإداري عدد 1872/4/1/2001 في قضية (ز. ح) ومن معه ضد (ب. ش) ومن معه، وهو قرار غير منشور، وتعليله الوارد أعلاه كان بمثابة استطراد فقط، ولا علاقة له بموضوع النزاع الذي تعلق بإقالة رئيس مجلس جماعي…
[73] بخلاف الأمر قبل إحداث المحاكم الإدارية، عندما كانت المحاكمة الابتدائية هي المختصة بنظر طلبات التعويض في القضايا الإدارية، أما طلبات الإلغاء فكانت من اختصاص المجلس الأعلى وحده، ممثلاً في غرفته الإدارة.
[74] المقصود هو خطاب 8 مايو 1990.
[75] مع العلم بأنه أعلن عن رسوبها في شهر يونيو 2002، ليؤخذ هذا التاريخ في الحسبان كذلك.
[76] لمزيد من الإيضاح، راجع مؤلفنا: “مدخل لدراسة الفقه الإسلامي”، شركة بابل للطباعة والنشر والتوزيع بالرباط، الطبعة الأولى 1999، ابتداء من ص161.
[77] وذلك يومي 21 و22 نوفمبر 2007.





