د. عبد اللطيف الفرحي

باحث في علوم التربية

مركز البحث والتكوين في التقويم وما نجمنت التربية

كلية علوم التربية الرباط

الجهوية، كمشروع مغربي طموح، تسعى في عمقها إلي ترسيخ قيم ومبادئ الحكامة؛ وعندما تطرح الجهوية للنقاش والتصور والأجرأة، فإن عصا رحاها، تتمثل بالأساس في منظومة التربية والتكوين، باعتبارها القلب النابض للمجتمع والقاعدة الأساس للتنمية المنشودة في هذا العصر، الموسوم بعولمة متأسسة في مرجعيتها على المعرفة والاستثمار في الرأسمال البشري.

ضمن هذا التوجه، يطرح الباحث، الأستاذ عبد اللطيف الفرحي، التجربة الإسبانية بخصوص الجهوية ودورها المحوري في مجال التربية والتكوين؛ وهي تجربة انتقاها الباحث، لغايتين أساسيتين، أولاهما، تتمثل في القرب الجغرافي والتاريخي وحتى الحضاري بين إسبانيا والمغرب: أما ثاني هاتين الغايتين، فتتمثل، في أهميتهما كمرجعية تقتدي بالنسبة للمجتمع المغربي، الذي وطد العزم على السير القوي في اتجاه إرساء جهوية موسعة بغرض ضمان حكامة جيدة ورشيدة ببلادنا.

وعلى الرغم من هذه العزيمة والإرادة القويتين، في هذا الاتجاه التحديثي للمجتمع المغربي، فإن الأمر، كما يرى الباحث، لازال متوقفا على العنصر أو المورد البشري المؤهل لقيادة وتدبير هذه الاختيارات الطموحة، حتى تتحول من مجرد نوايا ومقاصد ومشاريع…، إلي معيش حقيقي وواقعي، لأنه في غياب العنصر البشري المؤهل، لا يمكن تحويل الأحلام إلي وقائع على مستوى الممارسات المأمولة.

مدخل:

شكلت الدعوة لتبني خيار الجهوية الموسعة في المغرب، منذ الخطاب الملكي الذي ألقي بمناسبة الذكرى 33 للمسيرة الخضراء([1]) والذي أعلن فيه عن إطلاق مسار جهوية متقدمة ومتدرجة تشمل كل مناطق المملكة؛ وأعلن فيما بعد عن تشكيل لجنة استشارية للجهوية([2])، منعطفا حقيقيا وتساؤلات عميقة، همت بالخصوص حدود الاختصاصات التي يمكن للدولة تفويضها للجهات، وشكل توزيع هذه الاختصاصات وأيضا الإمكانيات المادية والبشرية التي يجب توفيرها لهذه الجهات من أجل إنجاح هذا المشروع الواعد؛ بل وأيضا التساؤل الجدي عن الدوافع الخفية والحقيقية التي دفعت إلي بناء إرادة سياسية للدولة لتبني هذه الجهوية الموسعة في المغرب.

وضع إطلاق هذا المشروع في هذه المرحلة بالذات رهانات حقيقية أمام الجميع؛ أفرادا ومؤسسات، من دولة وجماعات محلية ومجتمع مدني وفاعلين خواص…؛ رهانات كبيرة تتوخى إنجاح مشروع قد يشكل مدخلا حقيقيا للتنمية الشاملة في كل القطاعات، ومن أهمها قطاع التربية والتكوين الذي يعتبر بحق قطاع الأزمات وتوالي الإصلاحات بامتياز؛ دون أن تجد له الدولة الوصفة العلاجية المناسبة أو بالأحرى الاستراتيجية الإصلاحية المناسبة، ليظل أسلوب المخططات والبرامج الإصلاحية ذات البعد الزمني المحدود، هو السائد بالنسبة لمجال من سماته الأساسية أنه يتعالى عن أي إصلاح تجزيئي أو ارتجالي أو استعجالي، باعتباره يدخل ضمن المشاريع المجتمعية التي يجب التعامل معها برؤية استراتيجية بعيدة المدى، لأنها ترهن وتراهن على بناء أجيال، ويجب بالتالي التحلي بالهدوء والتروي أكثر، من أجل إصلاح يمكن من تحقيق النتائج والأهداف المسطرة. فالمدرسة في نهاية المطاف، مقاولة لإنتاج نوعي للأجيال التي يريدها المجتمع في تكامل وتداخل مع الأدوار الموازية لتلك التي تنهض بها الأطراف الأخرى المتدخلة في هذا المجال، من أسرة وإعلام….

إذا كنا نقر منذ البداية، بأن المدخلات الحقيقية لإصلاح قطاع التربية والتعليم، تتباين وتتعدد، بل وتتعمق كلما تأخرت المبادرات الإصلاحية الحقيقية والجادة؛ فإننا نعتقد أن أهم محركات هذا الإصلاح في الفترة الراهنة والمستقبلية وأكثرها فاعلية وحيوية، تلك التي يمكن أن تتمخض عن تطبيق الجهوية الموسعة في المغرب، والتي لا يمكن أن يكون قطاع التربية والتكوين إلا في صلب هذه الفلسفة الجديدة التي ستضع دون شك تحديات كبيرة على عاتق كل المشتغلين بهذا القطاع بصفة مباشرة وكل أفراد المجتمع بصفة غير مباشرة، مادامت المدرسة رهان مجتمعي، تظل في حاجة دائمة لإعادة النظر في فلسفة تدبيرها من جهة، ومن جهة ثانية على القطاع الذي يشرف عليها، المتمثل في وزارة التربية الوطنية، خاصة على مستوى توزيع الاختصاصات بينها وبين المؤسسات الجهوية التي سيناط لها الإشراف على تدبير هذا القطاع جهويا ومحليا؛ سواء تم الإبقاء على تجربة الأكاديميات الجهوية في صيغتها الحالية، والتي ستثير دون شك نقاشا حول جدواها في ظل تطبيق الجهوية الموسعة المرتقبة، خصوصا في شكلها الحالي؛ أو تم وضع صيغة جديدة، يتم فيها إشراك الجماعات المحلية بفعالية حقيقية وباختصاصات واضحة في مجال قدر له أن يظل مرتعا خصبا للاستغلال وللمزايدات السياسية منذ الاستقلال، دون أن يستفيد من نقاش هادئ قد يفتح آفاقا جديدة يتيح إمكانية الإشراك الحقيقي للجماعات المحلية في التدبير الإداري والمالي للمؤسسات التعليمية كإحدى المدخلات الحقيقية لتدعيم الديمقراطية المحلية وتحريك النخب للمساهمة في التنمية المحلية المنشودة.

ولأن الحقيقة لا تدرك إلا بالممارسة، كما يقال؛ فإن تجربة اللاتمركز واللامركزية في قطاع التربية والتكوين في المغرب، سواء منذ إحداث النيابات الإقليمية في منتصف السبعينات أو مع إحداث الأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين في صيغتها الجديدة سنة 2002، وفي ظل قلة التقييمات الحقيقية والمحايدة لهذه التجربة؛ فإن القراءة العامة للمعطيات المتوفرة والتشخيص العام لوضعية تدبير القطاع على المستوى الإداري والمالي؛ وبالرغم من النتائج المهمة المحققة على بعض المستويات، يتبين للمتتبع أنها تظل تجر من وراءها عبئا وفشلا ذريعين، خصوصا إذا ما قمنا بمساءلة الحصيلة العامة المحققة وفي الوقت الذي مازال ينظر إليه في المغرب نظرة اجتماعية ضيقة، بدل اعتباره المحرك الأساس للتنمية الشاملة، كما هو الشأن بالنسبة للدول الأخرى التي استطاعت أن تحقق إقلاعا حقيقيا، مستفيدة مما وفره قطاع التعليم فيها من مؤهلات بشرية وكفاءات أضحت الرأسمال الحقيقي للتنمية اليوم.

ومما عمق أزمة هذا القطاع في المغرب، أسلوب التحكم الشديد الذي انتهجته الوزارة والتي استفردت ولمدة طويلة بفرض تصوراتها الأحادية على القطاع لاعتبارات سياسية وإيديولوجية ضيقة، جعلت خيارات انفتاحه على القطاعات والأطراف الأخرى، تعرف تعثرات كبيرة سواء على المستوى المنهجي أو على المستوى الثقافي والاقتصادي… الخ؛ فسؤال إعادة النظر في تدبير القطاع وخاصة على مستوى المقاربة التشاركية والإنفتاحية له على الأطراف الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، خصوصا على مستوى الجماعات المحلية من حيث إعادة ترسيم الأدوار الجديدة التي يمكن أن تلعبها في التدبير الإداري والمالي للقطاع وطنيا ومحليا برؤية جديدة، تجعل من المدرسة مؤسسة في عمق الانشغال العام، والذي لن يتأتى إلا من خلال انخراطها في تدعيم الديمقراطية المحلية ومساهمتها في إعادة إنتاج نخب محلية جديدة تستطيع أن تعيش وتساهم محليا وتفكر وتشتغل بأنماط وعقليات ومناهج علمية وعالمية، أو بمعنى آخر يفرض هذا الإصلاح الذي يدخل ضمن يافطة الجهوية الموسعة، إعادة استنفار الطاقات المحلية واستغلالها للانخراط الإيجابي في التنمية والقطع مع السياسة التي لم ترى في الجماعات المحلية، سوى مؤسسات للإلهاء الاجتماعي والسياسي وتذويب الصراعات المحلية من خلال منح اختصاصات واسعة بإمكانيات مالية وقانونية وبشرية محدودة مقابل وصاية شديدة؛ مما جعلها لا تستقطب إلا كفاءات من الأحجام الدنيا التي ظلت تتحكم في تسييرها وتراهن من خلال أساليب مختلفة على مراكمة الثروة في غياب مراقبة فعالة وحقيقية لمدة طويلة، مما أفرز نخب اقتصادية محلية انتعشت وراكمت ثروات جعلتها تشكل لوبيات محلية، أصبح أي إصلاح حقيقي اليوم يصطدم بها لأنها أضحت تشكل رقما يصعب تجاوزه محليا على الأقل؛ مما جعل من الجماعات المحلية مجرد مؤسسات لا تتيح الإمكانية الحقيقية للتنمية المحلية المنشودة، وهذا ما يجعلنا نقر منذ البداية أن ورش انفتاح المدرسة على الجماعات المحلية أو العكس، مشروط بالضرورة بإعادة النظر الجذري في الوضع الحالي وخاصة على مستوى القوانين التي تؤطر العمل الجماعي، بالإضافة إلى إعادة النظر في قوانين انتخابها من أجل تهييئ الشروط وإنضاجها لاستقطاب الأطر والكفاءات المحلية العليا وإعادة توزيعها وإنهاء تمركزها في العاصمة بما يضمن نجاح التجربة الديمقراطية المحلية بشروط أخرى كمدخل حقيقي لهندسة جديدة يجعل من التدبير التشاركي للحقل التعليمي على المستوى المحلي ممكنا وناجحا. ولمقاربة هذا الموضوع ارتأينا إثارة إشكالات تعتبر كمدخل فعلي لطرح الممكنات المنتظرة من سؤال الجهوية في التربية والتعليم في أفق تطبيق هذا الورش الهيكلي الذي يراهن عليه المغرب ليشكل تحولا نوعيا في أنماط الحكامة الترابية اليوم، وذلك من خلال استعراض التساؤلات التالية: ما مسار تجربة اللاتمركز واللامركزية في قطاع التربية والتكوين في المغرب؟ وهل يمكن إشراك الجماعات المحلية في تدبير قطاع يفترض فيه أن يعزز الديمقراطية المحلية بالمساهمة الفعالة في التدبير المالي والإداري للمدرسة المغربية؟ وكيف يمكن الاستفادة من التجارب المقارنة (التجربة الإسبانية) في ظل الرهانات الجديدة للتطبيق القطاعي لمشروع الجهوية الموسعة وخاصة في مجال التربية التكوين؟ هذه جملة من التساؤلات سنحاول مقاربتها في هذا الموضوع.

 

المبحث الأول

مسار اللاتمركز واللامركزية في قطاع التربية الوطنية بالمغرب

يعتبر تطبيق اللامركزية الإدارية في قطاع التربية الوطنية في المغرب من الرهانات التي ظلت وستظل تراوح مكانها في ظل خطاب الفشل الذي أصبح لصيقا بهذا القطاع على كل المستويات، سواء من خلال التقارير الوطنية أو الدولية أو التقييمات المحلية هنا وهناك؛ بل وحتى في أوساط المشتغلين بهذا القطاع والشركاء الذين يتعاملون معه محليا، جهويا ووطنيا. إلا أن السؤال الذي يفرض نفسه عند ظهور كل تقرير يعري وضعية التعليم ببلادنا، هو المدخلات الرئيسية لهذا الإصلاح وطبيعته؛ بل وفي كثير من الأحيان يفرض سؤال “من أين يبدأ هذا الإصلاح ؟” نفسه علينا، وكأننا في السنوات الأولى للاستقلال؛ لكن إذا كنا نعترف منذ البداية أن طبيعة مثل هكذا، قطاعات لا يمكن أن تعيش إلا داخل الأزمة ولا تدبر إلا من خلال الإحساس العام بوجود أزمة في القطاع، وأن الإصلاح ما هو إلا تطييب خواطر هذه الأزمة نفسها، بل أكثر من هذا هو قطاع أزمة بامتياز، لأن الأزمة هنا تتخذ طابعا صحيا وإيجابيا وهذا ما نجده حتى في الدول الأكثر تقدما في مجال التربية والتعليم، إلا أن طبيعة الأزمة ومستواها في قطاع التربية والتكوين في المغرب، مازال في مستواها المخجل ما دامنا بصدد الحديث عن نسب عدم الملتحقين بأقسام الدرس والمغادرين له دون اكتساب الكفايات الأساسية (القراءة، الكتابة والحساب…)، ونسب الارتداد إلي الأمية…. الخ؛ مما يجعل سؤال من أين يبدأ إصلاح التعليم المغربي مشروعا، بل ومؤسسا تتناسل عنه أسئلة هوية هذا التعليم واتجاهاته وآفاقه وطبيعته بل وغاياته؛ أمازال التعليم المغربي يحمل هاجس الغايات التي راهن عليها منذ الاستقلال، أم طبيعة المرحلة وطنيا وعالميا والاختيارات العامة الجديدة، تقتضي إعادة النظر في جملة مما كان يعتبر من ثوابت القطاع، وعلى رأسها نوعية التعاقدات حول المدرسة المغربية؟ ليمتد السؤال إلي الجدوى الوجودي لهذه المدرسة أصلا إذا لم تحقق النتائج المتوخاة منها! إنها جملة من الأسئلة التي ظلت معلقة مع توالي ما يسمى بالإصلاحات الكثيرة التي شهدها القطاع والتي لم تستطع- بالرغم من بعض النتائج الإيجابية المحققة- أن تجعل من القطاع المحرك الأساسي للإقلاع التنموي.

يبدو أن المراحل التي مر منها القطاع على مستوى تدبيره الإداري، شكل إحدى تلك الخيارات الإصلاحية التي حاولت أن تغير معالم التغيير الإداري العميق لنظام التعليم بالمغرب؛ حيث اتخذ طابعا متدرجا مستفيدا من معطيات شتى؛ لكن هذا لم يمنعه من العوائق الكثيرة التي اعترضت تطوره، مما جعل من المدرسة المغربية المشجب الذي يعلق عليه الفشل والأزمة دائما.

المطلب الأول: مرحلة ما قبل تجربة اللاتمركز التربوي في المغرب:

الفرع الأول: نظام التعليم المغربي في فترة الحماية الفرنسية:

انطلاقا من كون “المدرسة جهاز إيديولوجي فعال في يد الدولة الرأسمالية (….)، لأن تأثيره لا يقتصر على ميدان العلاقات الاجتماعية، بل يتعدى ذلك إلى حياة الفرد الخاصة وإلى توجيه الوعي وقولبة السلوك”([3])؛ فإن الاستعمار الفرنسي حاول منذ بدايته البحث عن إعادة هندسة الخريطة الثقافية والتعليمية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية بما يتلاءم مع تثبيت مشروعه الاستعماري بالمغرب؛ لذلك قام بوضع إطار تعليمي محكم بهدف تخريج أفواج تابعة لا شعوريا لفرنسا وخادمة لمصالحها. ولتحقيق هذه المصالح لجأت إلى إيجاد أنماط وأصناف مدرسية تقوم على عزل نخبوي وعرقي وطبقي. إذ كان هناك تعليم أوربي فرنسي أساسا وآخر يهودي وثالث أهلي إسلامي يتضمن بدوره مدارس النخبة ومدارس الطبقات الشعبية والمدارس الفرنسية البربرية المخصصة لأبناء المناطق البربرية بالأطلس خاصة؛ كل هذا إلى جانب الثانويات الإسلامية ومؤسسات التعليم الأصيل التقليدي الذي يعد امتدادا مبسترا لنموذج القرويين([4]).

وهكذا تم توزيع النظام التعليمي المغربي في عهد الحماية إلى ثلاثة أنواع([5]):

مدارس أوربية خاصة بأبناء الأوربيين، أغلبهم فرنسيون ومهمتها خدمة الوجود الاستيطاني الاستعماري لفرنسا في المغرب، وذلك بإنتاج وإعادة إنتاج القوة البشرية والتقنية المكلفة برعاية الظاهرة الاستعمارية وتعميقها.

مدارس أبناء الأعيان والثانويات الإسلامية، وهي مدارس مخصصة للنخبة المغربية، مهمتها إنتاج وإعادة إنتاج نفس النخبة من الموظفين الصغار والمتوسطين ليقوموا بدور الوسيط بين الحماية الفرنسية كإدارة واقتصاد وبين الأهالي المواطنين المغاربة.

مدارس ابتدائية مهنية، ومهمتها تكوين يد عاملة تخدم الاقتصاد الاستعماري في مختلف الميادين.

المدارس الفرنسية البربرية، التي حاولت فرنسا إنشاءها بغرض عزل مكان الأطلس وفصلهم ثقافيا وحضاريا عن بقية المغرب.

عموما، لا يمكن الحديث في هذه الفترة عن تنظيم إداري تربوي مستقل تشرف عليه الدولة المغربية؛ فالتعليم كان من القطاعات التي تتحكم فيه السلطة الاستعمارية إداريا وتربويا وملحق بشكل مباشر بالإدارة الفرنسية عن طريق “مديرية التعليم” التي تخطط وتنفذ في ظل تطبيق محكم للمخططات التي من شأنها تحقيق الأهداف العامة المسطرة من قبل الإدارة الفرنسية في المغرب.

الفرع الثاني: النظام التعليمي من الاستقلال إلي سنة 1976:

ورث المغرب عن الفتر الاستعمارية نظاما تعليميا متشظيا، فقد “وجد المغرب نفسه غداة الاستقلال أمام عقليتين، أو بالأحرى أمام نمطين فكريين متنافرين إلي حد كبير: النمط الغربي الذي أنتجته المدارس الفرنسية الأوربية منها والإسلامية، والنمط العربي الإسلامي الذي أنتجته المدارس العربية الحرة وكليات التعليم الأصيل وجامعات الشرق…؛مما جعل الصراعات الفكرية والاختلافات الثقافية تعكس إلي حد بعيد الصراعات الاجتماعية والطبقية”([6])؛ أمام هذه الوضعية المعقدة، أصبح الهاجس الأول هو البحث عن تحقيق الوحدة الثقافية واللغوية وتوحيد الإحساس بالشعور الوطني؛ مما أفضى إلي تكوين اللجنة الملكية لإصلاح التعليم “لتعقد أول اجتماع لها بعد الاستقلال سنة 1957 ولتعلن المبادئ الأربعة المشهورة: التعميم، التعريب، المغربة والتوحيد. هاته المبادئ التي ستبقى تؤطر جميع الإصلاحات التي عرفها النظام التعليمي المغربي في النصف الثاني من القرن العشرين، وذلك إلي حين صدور الميثاق الوطني للتربية والتكوين”([7]). هذه المبادئ الأربعة ما هي إلا “حلولا توفيقية وسطى بين الاتجاهات السائدة التي تعكس أمرا واقعا فرض نفسه”([8]).

بمقابل ذلك، تنامى الوعي منذ السنوات الأولى، بأهمية التدبير اللاممركز لقطاع التربية والتكوين من أجل تقريبه للمواطن من جهة، ومن جهة ثانية، من أجل إرساء دعائم نظام تعليمي حديث يستطيع أن يستجيب للحاجات المتزايدة للاقتصاد الوطني وللسياسات العمومية بصفة عامة؛ لذلك؛ تم إحداث ابتداء من 1959 مفتشيات جهوية متمركزة بالمدن الكبرى للمملكة بمقتضى مرسوم وزاري في 4 يونيو 1959، وقد جاء ذلك بعد إصدار مرسوم 9 ‏فبراير 1959 الذي بمقتضاه تمت إعادة هيكلة وزارة التربية الوطنية التي كانت قد وضعت هياكلها منذ 1920‏ والتي لم تكن تتعدى مجرد “مديرية للتعليم” ضمن الهياكل الإدارية للحماية الفرنسية “لتصبح الإدارة المركزية للوزارة من خلال ظهير 1959، مكونة من ثلاث مديريات، هي المديرية العامة للتعليم، ومديرية الشؤون الإدارية، ومديرية الشؤون الثقافية؛ ثم شرعت الوزارة في ممارسة مهامها حاملة شعار “مركزية التخطيط لرسم السياسات التعليمية ولامركزية التنفيذ”([9])؛ وبموجب المرسوم الوزاري الذي صدر بتاريخ 13 نوفمبر 1961، قامت وزارة التربية الوطنية بإحداث النيابات الإقليمية التي لم يكن يتعدى عددها عشر نيابات موزعة على التراب الوطني و”خولت للسادة النواب صلاحيات التطبيق والتسيير والمراقبة، وذلك بهدف القرب من سكان المملكة الذين كان عددهم يومئذ ما بين 11 إلى 12 ‏مليون نسمة”([10])؛ وفي سنة 1970، تم إحداث نيابات لوزارة التربية التعليم الثانوي والتقني والعالي وتكوين الإطارات وتحديد حالة النواب؛ وفي سنة 1972 تم إحداث نيابات لوزارة التعليم الابتدائي، كما تم دمج النيابتين منذ 1975 ليتم إحداث نيابات لوزارة التعليم الابتدائي والثانوي وتحديد حالة النواب”([11]).

عموما، عرفت هذه الفترة جملة من الإصلاحات التي عززت حضور النظام التعليمي في اهتمامات السياسة العامة للدولة من جهة، ومن جهة ثانية، ساهمت في إنضاج الشروط العامة التي مكنت من ترسيخ خيار اللاتمركز التربوي، مستفيدة من التوجه العام للدولة، القاضي بإقرار لا تمركز إداري على مستوى إحداث وإعادة توزيع الاختصاصات بين الدولة والجماعات المحلية بموجب الميثاق الجماعي 00,76‏الصادر في 30 شتنبر 1976، المتعلق بالجماعات القروية والحضرية، والقانون 00,79المتعلق بالمجالس الإقليمية؛ بل وأيضا تكريس نفس الخيار وتدعيمه وتطويره إلى وضع نظام جهوي من خلال إحداث المجالس الجهوية بمقتضى القانون المنظم للجهات رقم 47/ 96،، الصادر في 2 أبريل 1997 كتتويج لمسار طويل ومتدرج من التراكمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، التي تساهم جميعها اليوم في فتح آفاق جديدة نحو تبني جهوية متقدمة، ستعيد لاشك النظر في معطيات شتى، من بينها إعادة النظر في مفهوم وفلسفة التوزيع الترابي، سواء على مستوى التقطيع الإداري أو على مستوى توزيع الاختصاصات والمسؤوليات وتدبير التنمية المحلية، مما يحتم بالضرورة أن يوازيها جهوية قطاعية في إطار توجهات حديثة تدخل ضمن تصور جديد للذكاء الترابي، يجعل من قطاع التربية والتعليم أحد مرتكزاتها الأساسية بالنظر إلى الأدوار الحاسمة والمعقدة التي يضطلع بها هذا القطاع في البناء الفكري العام للمواطن، ومدى قدرته على استيعاب وفهم الحاضر ومؤشرات المستقبل كمدخل لولوج عوالم التنمية المحلية الشاملة.

المطلب الثاني: مرحلة اللاتمركز واللامركزية في قطاع التربية والتكوين في المغرب:

الفرع الأول: مرحلة عدم التمركز التربوي:

عرفت سنة 1976 منعطفا حقيقيا في مسار اللاتمركز الإداري بالمغرب، حيث تم إصدار الميثاق الجماعي بموجب القانون 00,76، الذي بمقتضاه تم إحداث جماعات حضرية وقروية بمجموع التراب الوطني، وتم تخويلها اختصاصات هامة بالنظر للمرحلة التي كان يمر منها المغرب على مختلف المستويات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.

هذا الميثاق الذي ضم اختصاصات محددة للجماعات الحضرية والقروية، وإن يبدو اليوم غير قادر على ثبيت سياسة تنموية محلية حقيقية، إلا أنها على الأقل شكلت في تلك المرحلة منطلقا لمسار طويل سيدعم فيما بعد بإحداث مستويات جديدة للجماعات المحلية التي ستستفيد بطبيعة الحال من توسيع اختصاصاتها من جهة، ومن جهة ثانية، ستتلقى دعما ماليا متزايدا من الدولة، خول لها القدرة على تثبيت نفسها كطرف لا غنى عنه في السياسة التنموية في المغرب. وبغض النظر عن التقييمات التي يمكن وضعها الآن عن تلك المرحلة والتي تتوزع بين الإيجابية والسلبية، بحسب مواقع وزاوية النظر للتجربة؛ فإنها على الأقل استطاعت أن تكون المنطلق الذي سيرسم ملامح سياسة ترابية مستقبلية، شكلت تراكمات تدريجية أفضت اليوم إلي بروز ضرورات جديدة، على رأسها إعادة النظر في التوزيع الترابي وفق جهوية متقدمة. كما ساهمت هذه التجربة أيضا على مستوى الجماعات المحلية في تأثيرها الإيجابي على خلق مصالح خارجية للقطاعات الوزارية الأخرى، التي ستشهد أنماطا مختلفة ستستفيد هي الأخرى من امتيازات واختصاصات جديدة في إطار رؤية جديدة، تأخذ بعين الاعتبار البعد المحلي كمقاربة تنموية جديدة، وعلى رأسها قطاع التربية الوطنية، الذي سيعرف إحداث نيابات للوزارة في كل الأقاليم والعمالات والتي ستسهر على التدبير اللامتمركز للقطاع في إطار سياسة القرب التي كان الهدف الأساس لهذا الخيار؛ حيث تم تمكين هذه النيابات الإقليمية من وسائل بشرية ومادية مهمة ساهمت في وضع اللبنات الأساسية للتدبير المحلي اللامتمركز للقطاع، بالرغم من العوائق والاختلالات العميقة التي رافقت هذه التجربة، والتي اتخذت طابعا موضوعيا في أغلب الأحيان، بالنظر إلي خلفيات السياسة الترابية المتبعة والتي اتخذت آنذاك من الإقليم أساس. “وأهم وحدة ترابية في السياسة الترابية للدولة نتاجا لمجموعة من العوامل، أبرزها المحيط السياسي الذي تجلى في كون المجال الترابي، أصبح منذ اللحظات الأولى لنيل المغرب استقلاله رهان قوة وصراع خفي وعلني بين الملكية وتيارات الحركة الوطنية وكذا الوضعية المتأزمة التي تسببت فيه سياسة اقتصادية ارتجالية لم تحسن حل إشكالية القطاع العام الاقتصادي”([12])؛ ويرى البعض أن اعتبار الإقليم كوحدة أساسية في الجماعات المحلية آنذاك، اقتضته ظروف خاصة، “فاستبدال الجهة بوحدة الإقليم أو تأجيل التفكير فيها في تلك المرحلة بالذات، إنما أتى بسبب شساعة المساحة الترابية، وضآلة عدد السكان من ناحية أخرى”([13]). واعتبارا لهذا الخيار ولهذه الخلفية، يمكن أن نفهم سبب اعتماد وزارة التربية الوطنية آنذاك لمصالحها الخارجية على مستوى الأقاليم وليس على مستوى الوحدات الأخرى للجماعات المحلية؛ مما جعل من النيابات الإقليمية الوحدات الإدارية الوحيدة التي تدبر الشأن التعليمي خارج العاصمة بكل ما ما يحمله هذا الخيار من سلبيات استطاعت أن ترهن قطاع التعليم في المغرب برؤية سياسية وترابية، انعكست سلبا على التدبير الإداري للقطاع، فطنت الدولة إلي سلبياته فيما بعد من خلال إحداث الأكاديميات الجهوية كمصالح خارجية على مستوى الجهات سنة 1987، وان لم تتمتع إلا باختصاصات محدودة وضعيفة، لم تستطع معها أن تضيف قيمة جديدة للتدبير الفعال لقطاع، باستثناء تخفيف الأعباء عن النيابات الإقليمية من خلال تخويلها مسؤولية “تنظيم امتحانات الباكالوريا والإشراف على المراقبة التربوية وتطبيق المناهج والبرامج، بالإضافة إلى البحث والدراسات في ميدان التقييم التربوي”([14])، سيليه تفويت تدبير شؤون الطلبة المعلمين سنة 1996.

بمناسبة إطلاق تجربة الجهوية الإدارية بموجب قانون 96/ 47، الذي وضع اللبنة الأساسية ومنطلقا لتدبير ترابي جديد، تتخذ فيه الجهة مكانة حيوية في إطار تقيم ثلاثي للوحدات الترابية، سيكتمل صرح اللامركزية الإدارية في المغرب، وان ظل يعاني من ضعف شديد على مستوى الاختصاصات المخولة لها من جهة، ومن جهة أخرى، من مشكلة التمويل الذي ظل العائق الأهم الذي يقف في وجه حيوية التدخلات التنموية لهذه الوحدات ويحول دون فعاليتها؛ لذلك وبالموازاة مع الإصلاحات الجارية ذات البعد الجهوي، تم سنة 1997 إحداث “اللجان الإدارية المتساوية الأعضاء على المستوى الجهوي للاستشارة في مجموعة من العمليات التدبيرية، مثل ترسيم الموظفين المتمرنين والأعوان المؤقتين والترقية في الرتبة والاستيداع لأغراض شخصية ومتابعة الدراسة والإعفاء بعد الاستيداع في حالة عدم الكفاءة المهنية وإصدار وسحب العقوبات التأديبية والاستقالة في حالة عدم قبول الإدارة”([15]). هذا التوجه الجديد لإرساء دعائم الجهة على مستوى الجماعات المحلية وما يوازيه من تأثيرات على تدبير قطاع التربية والتكوين في المغرب، من حيث إعادة النظر في سياسة التدبير الإداري للقطاع ومن خلال تفويض الاختصاصات إلى الأكاديميات وتوسيع صلاحياتها، فرض ضرورة إعادة النظر في الوحدات الإدارية القديمة، المتمثلة في النيابات الإقليمية؛ حيث أصدرت وزارة التربية الوطنية قرارا([16])، عمل على تحديد اختصاصات وتنظيم نيابات وزارة التربية الوطنية بشكل واضح، استطاع أن يقطع مع مرحلة اتسمت بالغموض وبالعمومية على مستوى الاختصاصات، بل وأيضا على مستوى توزيع المصالح الإدارية للنيابات ولاختصاصاتها، والتي كان للنائب الإقليمي اليد الطولي في تفصيلها وتوزيعها بطريقه غالبا ما تتسم بالارتجالية واللاعقلانية، والتي كانت تنعكس سلبا على حكامة التدبير العام للنيابات من جهة، ومن جهة ثانية، على الأطر والكفاءات العاملة بها، والتي غالبا ما كانت- في ظل تلك الأجواء- تبحث لها عن متنفسات جديدة خارج هذه الوحدات الإدارية، ليتم تعويضها بموارد بشرية أقل خبرة وتجربة وكفاءة على مستوى التكوين الإداري، والتي كان يتم الاستعانة بها من الأطر التربوية؛ مما يعمق أزمة التدبير الإداري داخل هذه النيابات من جهة، ومن جهة ثانية، كان يخلق خصاصا وارتباكا واضحين على مستوى المؤسسات التعليمية التي تعيش خصاصا مهولا على الدوام؛ الأمر الذي يعطي صورة واضحة عن المستوى الهزيل للحكامة الإدارية في المجال التربوي على مستوى المؤسسات التربوية، سواء تعلق الأمر بالتدبير الإداري بالأكاديميات الجهوية أو بالنيابات الإقليمية أو حتى بالمؤسسات التعليمية، ليس فقط في تلك المرحلة؛ بل الأمر يستمر حتى في المرحلة الحالية وربما بشكل أكبر.

عموما، تشير المعطيات والأرقام المتوفرة([17])، عن هزالة النتائج المحققة بالنسبة لقطاع التعليم إلي ما ينعكس سلبا على المؤشرات التي يتم الاعتماد عليها في التصنيفات الصادرة عن بعض المؤسسات والمنظمات الدولية، والتي غالبا ما تضع المغرب في مراتب غير لائقة عالميا؛ فتحليل تلك المعطيات “توحي لنا بمجموعة من مواطن الضعف والخلل التي تعيشها منظومة التربية والتكوين، سواء على مستوى البنية الداخلية لهذه المنظومة، خاصة على مستوى المعيقات الميدانية التي رافقت تطبيق التربية والتكوين”([18])؛ كما يمكن رصد هذه الاختلالات “على المستوى العلائقي لهذه المنظومة مع محيطها من خلال رصد الاختلالات التالية:

  • اختلال العلاقة بين التربية والاقتصاد.
  • الإخفاق في محاربة الأمية.
  • ضعف القدرة الإدماجية للمنظومة التربوية.
  • تعثر الوظيفة الاقتصادية والاجتماعية للمنظومة التربوية.
  • التقهقر التدريجي للمردودية الداخلية واللاتمدرس واستفحال ظاهرة التسرب بدون تأهيل.
  • التذبذب في تدبير السياسة اللغوية([19]).

شكل التدبير الإداري والمالي للمؤسسات التربوية، بما فيها الأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين والنيابات الإقليمية، بل والمؤسسات التعليمية؛ عائقا حقيقيا أمام تطور قطاع التعليم بالمغرب؛ بل وكثيرا ما يشكل عائقا حقيقيا في وجه التطور الطبيعي للقطاع، مما يعيد تساؤلات عميقة حول طبيعة التكوينات التي يتلقاها هؤلاء المسؤولين على تدبير القطاع جهويا، إقليميا ومحليا، بل ويعيد السؤال أيضا عن نوعية المساطر والإجراءات التي تفرز نوعية معينة من الأطر، قد لا تتوفر فيها شروط القيادة التربوية الحقيقية؛ وهذا ما رصده التقرير السنوي للمجلس الأعلى للتعليم الصادر سنة 2008، والذي نص على أن “الحكامة في حاجة إلى تطوير قدرات وأليات القيادة”، كما يعترف التقرير في الفصل الثاني المخصص للحديث عن آفاق فعلية إنجاح مدرسة للجميع، “بالحاجة إلى القيادة لإنجاح مختلف عمليات إصلاح المنظومة، ويؤكد على ضرورة ترسيخ القيادة على كافة مستويات منظومة التربية والتكوين، وعلى تطوير قيادة متشبعة بروح وبإرادة التغيير، وعلى تطوير القيادة التربوية للنهوض بمهمة قيادة مشاريع الإصلاح، وإنجاز التغيرات اللازمة في أسلوب الحكامة”([20])؛ فالحكامة الجيدة، “تحتاج إلى قادة قادرين على إحداث التغيير المطلوب في سلوك الناس وفي المؤسسات”([21])، وهذه الشروط الضامنة للنجاعة في التدبير التربوي، هي التي تفتقدها الإدارة التربوية المغربية اليوم، وان تحسنت شروط تقلد هذه المناصب وتوسعت شفافية ولوجها بشكل كبير([22]).

الفرع الثاني: مرحلة اللامركزية التربوية بعد إحداث الأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين 2002:

عرفت نهاية التسعينات وبداية الألفية الجديدة، نقاشا عميقا حول إصلاح التعليم في المغرب، شكل لأول مرة- عمليا- قضية وطنية وهاجس وطني وإحساس عام بضرورة إصلاح المدرسة المغربية، خصوصا وأن النظام التعليمي عموما، ارتقى في مناسبات كثيرة ليهيمن على كل النقاشات السياسية في هذه المرحلة، ليشعر الجميع من خلال هذا النقاش بخطورة الأزمة التي يعرفها القطاع، وفرض بالتالي شعورا عاما بأهمية وضرورة إصلاح قطاع اعتقد الجميع أنه اتخذ المكانة الحقيقية والطبيعية له آنذاك؛ هذا النقاش الذي رافقه عمل لجنة خاصة، تمخض عنها إصدار “الميثاق الوطني للتربية والتكوين في يناير 2000([23])، تلاه إصدار مجموعة من النصوص التشريعية والتنظيمية، أهمها القانون رقم 00,07، القاضي بإحداث الأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين([24])، تلاه أيضا مجموعة من المراسيم التطبيقية([25])؛ حيث شكل هذا القانون المحدث للأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين منعطفا حقيقيا في التنظيم الإداري لقطاع التربية الوطنية في المغرب باعتباره يؤسس لمرحلة مهمة تفتح آفاقا جديدة للتدبير الجهوي للقطاع، وان على المستوى المرفقي، دون أن يتم إشراك المؤسسات اللامركزية ذات الصبغة الترابية في هذا الورش، المتمثل في إحداث أكاديميات جهوية، لكن وفي المرحلة الأولى من هذه الإصلاحات المتدرجة، نعتقد أنه “لكي تكون التربية وطنية وأقل ارتباطا بالمجال الترابي العام؛ فإن الأمر يتطلب أن تهتم كل أكاديمية بمجالها الترابي؛ ذلك أن الاختلافات الكبيرة بين المجالات الترابية التربوية تتمثل في اللامساواة في حظوظ نجاح التلاميذ وأهمية الأفعال والأنشطة التي ينبغي القيام بها في بعض المجالات الترابية أو الجهات”([26])؛ وهذا من شأنه أن يقطع مع مرحلة اتسمت بالمركزية الشديدة في تدبيره، خصوصا وأن هذه الأكاديميات الجهوية والتي أحدثت في كل جهة من جهات المملكة الستة عشر، منح لها نظام “المؤسسة العمومية”؛ حيث عرفها القانون المحدث لها بكونها “مؤسسة عمومية تتمتع بالشخصية المعنوية والاستقلال المالي وتخضع لوصاية الدولة، وتمارس من لدن السلطة الحكومية المختصة طبقا للظهير الشريف المتعلق بتعيين أعضاء الحكومة والنصوص المتخذة لتطبيقه؛ كما تخضع الأكاديميات للمراقبة المالية للدولة المطبقة على المؤسسات العمومية”([27])، و”تناط بها حسب أحكام المادة 2 من القانون المحدث لها مهمة تطبيق السياسة التربوية والتكوينية مع مراعاة الأولويات والأهداف الوطنية المحددة من لدن السلطة الحكومية الوصية”([28]). وهكذا شكل الميثاق الوطني للتربية والتكوين، خارطة طريق عشرية التربية والتكوين من الألفية الجديدة، والذي شمل كل المجالات، منها مجال اللامركزية واللاتمركز في قطاع التربية والتكوين على وجه الخصوص في إطار الدعامة 15 من الميثاق؛ حيث عالجت كل ما يتعلق بالتسيير الجهوي والإقليمي والمحلي، الذي يشمل كل من التعليم المدرسي والتعليم الجامعي، وركزت المادة 144 منه على الأهداف المتوخاة من نهج اللامركزية واللاتمركز الإداريين في مجال التربية والتكوين، المتمثلة في([29]):

  • ملاءمة التربية والتكوين للحاجات والظروف الجهوية والمحلية.
  • تسهيل وترشيد وتسريع مساطر التدبير.
  • تيسير الشراكة والتعاون الميداني مع كل الأطراف الفاعلة من حيث التخطيط والتدبير والتقويم.
  • إطلاق المبادرات البناءة، وضبط المسؤوليات لحل المشكلات العميقة للقطاع في عين المكان.
  • تسريع بلورة نهج اللامركزية واللاتمركز، باعتباره اختيارا حاسما واستراتيجيا، ومسؤولية عاجلة.

بالرغم من أهمية خيار اللامركزية المرفقية التي انتهجها المغرب في قطاع التربية والتكوين من خلال إحداث الأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين، التي أسندت لها إمكانيات مالية وبشرية هامة، وأحيطت هذه التجربة بعناية خاصة من الدولة؛ فإن هذا الخيار اليوم أصبح يتعرض لحملة من الانتقادات الشديدة محليا وطنيا، سواء من طرف جهات رسمية أو من طرف منظمات غير رسمية، بالنظر للنتائج الهزيلة المحققة اليوم في مجال التعليم بالمغرب([30]).

بالرغم من محاولة إخفاء معالم الفشل الذي يرافق النظام التعليمي المغربي ومحدودية النتائج المحققة خلال العشرية الأولى من هذا القرن والخاصة بالتعليم، والتي تم الرهان عليها للإقلاع الحقيقي لهذا القطاع؛ فإنه لم يقم إلا بمراكمة الاختلالات البنيوية العميقة، التي تتم محاولة تجاوزها باعتماد المخطط الاستعجالي، وان كانت المؤشرات والنتائج الأولية، تكشف يوما بعد يوم عن إمكانياته المحدودة في معالجة أسباب النقص والضعف في نظام يظل من أكثر القطاعات استعصاء على الإصلاح في المغرب، بالرغم من محاولة تجاوز مشكل الإمكانيات المالية التي كثيرا ما تم تعليق الفشل عليها، والتي تم تسخيرها في إطار هذا المخطط؛ لكن التجربة تؤكد اليوم، أن الإصلاح الحقيقي لا يحتاج فقط إلي الموارد والإمكانات المالية؛ بل إلي عقلنة تدبيرها بشكل نوعي، بالإضافة إلي توفير شروط أخرى، تتداخل مجتمعة بشكل شمولي يتقاطع فيها السياسي بالاقتصادي بالثقافي بالاجتماعي. فسؤال إصلاح التعليم اليوم في المغرب وفي خضم الإشادة بالبرنامج الاستعجالي، فهو يحتاج ليس إلي التصفيق المجاني، بقدر ما يحتاج إلى إعادة طرح سؤال الإصلاح مرة أخرى على المدرسة المغربية…؛ إصلاح ينطلق من رؤية استراتيجية تقطع مع التصورات التقليدية للقطاع وتوفر بالتالي الإرادة السياسية الحقيقية التي يمكن أن تساهم في تحطيم أصنام فكرية وتمثلات ثقافية حول المدرسة المغربية، ظلت ترهن الإصلاحات المتوالية في قراءات سطحية وتجزيئية، يغلب عليها توزيع الأحكام الجاهزة، بدل امتلاك الجرأة والإرادة لإعادة زحزحة منطلقات وأسس النظام التعليمي المغربي باعتبارها مدخلات حقيقية للإصلاح الفعلي مع إدخال شركاء جدد في تدبير ودعم وتمويل القطاع وعلى رأسها الجماعات المحلية: فلم يعد من المقبول ولا المنطقي، أن تظل مثل هذه الأطراف التي تعبر عن إرادة المواطنين على المستوى المحلي، تستمر في رفع يدها عن مثل هذا القطاع وتقتصر على استغلاله السياسي في المناسبات الانتخابية: إنه سيناريو رديئ قل نظيره في العالم..!؟

فالمدرسة وفي كل التجارب المقارنة هي محط اهتمام الجميع، والجماعات المحلية هي إحدى أهم الجهات التي تساهم بقدر مهم في تدبير قطاع التربية والتعليم في التجارب المقارنة الناجحة، لأن المدرسة هي الفضاء الذي يجب أن يوحد المجتمع ويقرب التصورات والاستراتيجيات على مستوى التدبير الإداري والمالي دون الجانب التربوي، فالجانب التربوي- في نظرنا- يجب أن يحافظ على استقلاليته ويبقى مجالا لتداول المختصين في المجال، وهكذا سيظل متعاليا عن الصراع السياسي وحقلا محفوظا لأهل الاختصاص في مجال التربية؛ وهذا ما نجده متبنى حتى في أغلب التجارب المقارنة.

سنقتصر في هذا المقال على استعراض التجربة الإسبانية، باعتبارها تجربة رائدة استطاعت أن تضع أقدامها ضمن إحدى التجارب المهمة والمتقدمة في عالم اليوم، والتي استطاع فيها النظام التعليمي الإسباني تحقيق نتائج جيدة في ظرف قصير زمنيا؛ وقد تعمدنا اختيار هذه التجربة، ليس فقط لنجاحها، بل لأنها تشكل بالإضافة إلي القرب الجغرافي والتداخل الثقافي وهوامش لمشتركات أخرى، إحدى أهم التجارب التي استطاعت أن تحافظ على وحدتها السياسية، أمام النزعات الانفصالية التي كادت تودي بوحدتها الوطنية، عن طريق مدخل الحل الجهوي، الذي حققت به ليس فقط الوحدة الوطنية، بل التنمية المحلية أيضا، شكل فيها التوزيع المتكافئ والعقلاني والمتدرج للاختصاصات بين الدولة والجهات أو ما تسمى “بالمجموعات المستقلة”، إحدى أهم الركائز الحقيقية للنهضة التي عرفتها إسبانيا، والتي ننشدها جميعا في المغرب؛ إذ نعتقد أنه في حاجة إلي توسيع النقاش أكثر للاستفادة من مثل هذه التجارب المقارنة الناجحة في إطار الخصوصيات الوطنية بطبيعة الحال؛ لذلك ارتأينا أن نتخذ في هذا المقال النموذج الجهوي التربوي في إسبانيا كمجال للسؤال ومحاولة الفهم، لتأسيس إمكانات جديدة للنقاش المنفتح والمتعالي، من أجل تثبيت وبناء حكامة جيدة “بما هي تدبير عقلاني للمؤسسات”([31])، وعلى رأسها المؤسسة التربوية بكل مستوياتها

المبحث الثاني

النظام التربوي الجهوي في إسبانيا

  • تقديم:

شهدت إسبانيا خلال القرن 20 جملة من المشاكل المعقدة والمتشعبة، التي تمظهرت في أشكال مختلفة، منها الثورات العسكرية والتغيرات الحاصلة على النظام الملكي والعديد من التعديلات الدستورية؛ بالإضافة إلى تغيرات عميقة مست الجوانب الاجتماعية والثقافية والاقتصادية للمجتمع الإسباني، كانعكاس مباشر لما شهدته من تطورات سياسية. هذه الوضعية، جعلت من إسبانيا دولة متميزة على المستوى الدولي، لأنها تضم نسيجا معقدا من الثقافات واللغات والعقائد والطبقات، شكلت مجتمعة خصوصيات ساهمت في مرور الدولة إلى نظام جهوي، يستحق بالفعل الدراسة والتمعن؛ على اعتبار أنها تجربة غنية تشكل نموذجا يمكن الاستفادة منه، خصوصا من طرف الدول المجاورة لها والتي تبحث لنفسها عن نموذج يجمع بين الحفاظ على وحدة وسيادة الدولة من جهة، وبين تحقيق الرهانات التنموية التي تشكل التحدي الأكبر اليوم لدى الدول النامية من جهة ثانية.

ونظرا لقوة وغنى التجربة الجهوية في إسبانيا من جهة، وتمازج جملة من المعطيات بينها وبين المغرب من جهة ثانية، ونظرا للقرب الجغرافي بين البلدين والتواصل الثقافي والتاريخي بل والموقع الاستراتيجي للبلدين في حوض البحر الأبيض المتوسط؛ فإن هذه المعطيات وغيرها، تجعل من البلدين يشتركان في وحدة المصير الناتج عن وحدة التاريخ لقرون من الزمن؛ من أجل ذلك، ارتأينا إعادة قراءة هذه التجربة في شقها التربوي، أو بمعنى آخر ارتأينا فتح الباب للاستفادة من التجربة الجهوية للنظام التربوي الإسباني كمدخل فعلي للبحث عن ممكنات الاستفادة منها خلال أجرأة مشروع الجهوية الموسعة المزمع تطبيقه في المغرب على المستوى الترابي أولا وما سيفرضه من ضرورات جديدة؛ أهمها الانعكاسات الممكنة لهذا الإصلاح على القطاعات الأخرى، خاصة على المستوى التربوي. فالمرحلة الموالية ستحتم بدون شك، ضرورة إعادة النظر في الأنماط الحالية وخلق هندسة جديدة قائمة على توزيع جديد للاختصاصات، يتم خلالها إشراك حقيقي مقنن وعقلاني للأطراف والمؤسسات الأخرى، خاصة الجماعات المحلية وفي مقدمتها مؤسسة الجهة لتدبير هذا الملف؛ لأن أفق التدبير اليوم، يؤشر لضرورات جديدة، سيكون قطاع التعليم أحد أهم المستفيدين منها، كتطبيق فعلي للخطاب الديمقراطي المحلي، الذي يؤسس ذاته وغايته ويبرر وجوده في مطلب التنمية المحلية المنشودة.

  • لمحة عن النظام الجهوي الإسباني

عرفت إسبانيا عدة محاولات لإرساء النظام اللامركزي منذ ثلاثينات القرن العشرين، خاصة مع دستور 1931؛ إلا أن كل هذه المحاولات باءت بالفشل، نظرا لتداخل جملة من المشاكل السياسية، خاصة من طرف القرى المعارضة للامركزية في إسبانيا، والتي تحكمت في البلاد لمدة طويلة كنتيجة حتمية لنتائج الحرب الأهلية التي عرفتها إسبانيا سنة 1936، والتي أخضعت البلاد لنظام مركزي مطلق برئاسة الجنرال فرانكو، الذي قزم من كل السلط التي كانت تتمتع بها الأطراف السياسية الأخرى، سواء على المستوى المحلي أو المركزي بمن فيهم الملك نفسه؛ واستمر هذا الوضع إلى حين وفاته سنة 1976؛ حيث ستعيش إسبانيا تحولات سياسية ثم اجتماعية وثقافية واقتصادية من خلال الإصلاحات الديمقراطية التي ستعرفها منذ سنة 1976، والتي تم إقرارها ودسترتها في إطار دستور 1978، ليعطي إسبانيا فرصة حقيقية للتغيير والتنمية من خلال سن العديد من الإصلاحات والمدخلات الإصلاحية، و في مقدمتها الورش الجهوي الذي أهل إسبانيا لتدخل ضمن التجارب الرائدة في مجال تدبير الجهوية محتفظة لنفسها بخصوصية قل نظيرها في العالم، ولتصبح درسا مغريا يمكن الاستفادة منه بحسب الخصوصيات والإمكانات…؛ وقد انصبت الإصلاحات في المرحلة الأولى على إعادة مأسسة السلطات الثلاث، بما يضمن الفصل الديمقراطي بينها في إطار التكامل والتعايش وفي إطار توزيع جديد، يضمن مصالح جميع الأطراف من خلال توزيع عادل مضبوط ومتحكم فيه بين السلطة المركزية وبين الجهات السبع التي شكلت فيما يعرف “بالمجموعات المستقلة” في إسبانيا. وقد جاءت هذه التوليفة كانتقال سلس ومرن استفاد من دوافع وأسباب تاريخية وجغرافية وثقافية([32]) واجتماعية، استطاعت أن تكشف عن نفسها في إطار تكريسها في دستور 1987، كإطار قانوني تتجلى فيه وحدة الدولة ويضمن لكل الأطراف حقوقها وواجباتها في جو من التعاون والتعايش، دون أن يحقق لحد الأن القطيعة مع التطلعات الانفصالية لبعض الجهات في إسبانيا، والتي لم تستطع رغم كل الإصلاحات استيعابها واحتواءها بالرغم من التحولات الكثيرة التي شهدتها التجربة الإسبانية.

المطلب الأول: مسار تطور الجهوية في النظام التربوي في إسبانيا:

عرفت إسبانيا منذ انتهاء نظام فرانكو سنة 1975، تحولات عميقة مست كل مناحي الشأن العام، ساهمت في ترسيخ النظام الجهوي في زيه الديمقراطي، مستفيدة من دسترته في إطار التعديل الدستوري لسنة 1978؛ حيث سعى إلى احتواء الفروقات والنزعات الانفصالية، بل وبعض الخصوصيات المحلية في إطار نظام جهوي يأخذ بعين الاعتبار وحدة وتماسك الدولة الإسبانية؛ حيث تم منح 17 منطقة أو جهة استقلالا ذاتيا منذ 1985يسمح لها بتدبير سلطاتها الثلاث في إطار وحدة إسبانيا؛ وبذلك نظم دستور 1978 وكذا القوانين والمراسيم الصادرة بعد ذلك، كل ما يتعلق بتوزيع وتفويض الاختصاصات بين كل جهة على حدى والسلطة المركزية في العاصمة التي شملت كل القطاعات وعلى رأسها قطاع التربية والعلوم، الذي لم يعد قطاعا محفوظا للدولة المركزية؛ بل أصبحت الجهات تلعب فيه أدوار عميقة وحاسمة، ‏وقد تأتى تحقيق ذلك عبر مراحل متدرجة ومدروسة.

الفرع الأول: إصلاح التعليم في إسبانيا من 1975- 1981:

لقد كان التحدي الأهم أمام الدولة الإسبانية في هذه المرحلة، هو وضع نظام تعليمي واحد مكون من سبعة عشر جزءا، ذو استقلالية كاملة؛ بدلا من أن يكون سبعة عشر نظاما تعليميا منفصلا؛ وكذلك، فقد تضمن دستور 1938 التعليمات الأساسية التي بموجبها تم منح وتفويض أحقية التشريع التعليمي في كل منطقة، مؤكدا، في نفس الوقت، على ثلاثة مبادئ أساسية في مجال التعليم أولها: الاعتراف بأن التعليم حق أساسي يجب على الدولة ضمانه، وثانيها: يتعلق بشروط التعليم المعترف به؛ أما ثالثها، فيتعلق بالمسؤوليات التعليمية الموزعة بين الحكومة المركزية والمناطق الإدارية، أي المجموعات المستقلة، مع الأخذ بعين الاعتبار خصوصية بعض الأقاليم”([33]).

وهكذا، تم منح حق تدبير قطاع التعليم بصفة كاملة لسبع مجموعات مستقلة، على اعتبار أنها المجموعات الأكثر تأهيلا والأكثر امتلاكا لمعطيات وشروط نجاح تجربة تفويض الاختصاص إليها من جهة، ومن جهة ثانية، لاعتبارات سياسية متمثلة بالخصوص في كونها الجهات التي تعرف نزعات انفصالية أكبر، ويتعلق الأمر بالجهات التالية: الأندلس، بلاد الباسك، بالنسيا، جليقية، نافارا، جزر الكاناري وكاتالونيا؛ وبذلك شكلت هذه الجهات منطلق التجربة الجهوية في مجال التدبير الجهوي لقطاع التربية والعلوم في إسبانيا؛ في حين ظلت باقي الجهات والأقاليم تشرف على هذا القطاع الخاضع للسلطة المركزية في العاصمة وفق تعاقدات خاصة على شكل اتفاقيات التعاون بين الجهات وبين الوزارة الوصية على القطاع مركزيا؛ على أساس أن يتم تفويض هذا الاختصاص لها لاحقا، شريطة توفر الشروط الضرويرة وتأهيل المناخ العام لإنجاح هذا التفويض، نظرا لحساسية القطاع ومحوريته في الخطاب السياسي في إسبانيا.

الفرع الثاني: إصلاح التعليم في إسبانيا من 1982- 1996:

شكل وصول الحزب الاشتراكي الإسباني إلي الحكومة، في هذه الفترة، منطلقا أساسيا لتطبيق سياسته في مجال التعليم؛ حيث أصدر جملة من القوانين والمراسيم التي كان لها كبير الأثر على ترسيخ البعد اللامركزي في قطاع التعليم والذي صبغ بطابع وتوجهات انبنت في جوانب هامة لها على التصورات القائمة على البناء الإيديولوجي للحزب؛ وهكذا أصدر ثلاثة قوانين لإصلاح التعليم، كان الهدف منها بالدرجة الأولى، القضاء على ما تبقى من تأثير الكنيسة على القطاع لمدة قرون طويلة من جهة، ومن جهة ثانية، استهدفت ترسيخ مبدأ التعميم والتحديث ودمقرطة القطاع عن طريق ترسيخ التوجهات اللامركزية فيه. ومن أجل ذلك، عمد الحزب إلى فرض تشكيل مجالس تدبيرية في كل مدرسة يتمثل فيها كل الأطراف التي لها علاقة بالمدرسة، وأصبح هذا المجلس المسؤول الأول على تدبير المؤسسة من جهة، ومن جهة ثانية، على وضع الاقتراحات التي يمكن أن تبلور في إطار قوانين؛ مما خلق نقاشا واسعا في المجتمع الإسباني، أصبحت فيه المدرسة السؤال العريض والهاجس اليومي، ليس فقط للنخبة، بل لكل المواطنين ولكل الشرائح الاجتماعية؛ مما ساهم بشكل مباشر في الرفع من الوعي حول مشاكل المدرسة تربويا وإداريا وسياسيا… الخ. هذا الوضع، سمي بالمدرسة الإسبانية لتحتل المحور العام في السياسيات المنتهجة؛ إلا أن التقييم الذي أجرته وزارة التربية والعلوم حول تجربة تفويض وتوزيع الاختصاص التي استفادت منها الجهات السبع الأخرى، والتي رصد التقييم فيها جملة من الاختلالات العميقة، اضطر الحكومة الاشتراكية سنة 1987، إلى تجميد كل التدابير اللامركزية التي كانت بصدد العمل على تفعيلها، لتضع بالتالي كل الإصلاحات الجارية في الثلاجة إلى أجل لاحق، حتى يتم إعادة تقييم المرحلة ووضع تصورات جديدة للإصلاحات اللاحقة؛ وهو ما تأتى من خلال إقرار القانون الإطار لسنة 1990 والمعروف بــ “قانون التنظيم العام للنظام التربوي”؛ الذي اعتبر في حينه حصيلة الإصلاحات الواسعة التي عرفها النظام التعليمي في إسبانيا والذي استطاع أن يثير حوله نقاشا عميقا حول المدرسة الإسبانية، خصوصا وأن كل الإصلاحات التي كان يضعها الحزب الاشتراكي لم تكن تلاقي الإجماع من لدن باقي الأحزاب الأخرى، خاصة الحزب الشعبي والكنيسة الكاثوليكية ونقابات الأساتذة.

بالرغم من الخلاف والنقاش الذي أثاره هذا الإصلاح الذي شمل كل الجوانب الهامة في النظام التعليمي الإسباني، سواء على مستوى المناهج أو على مستوى الأطراف التي يحق لها المشاركة في تدبير القطاع، وعلى رأسها الجماعات المحلية ومجال تكوين الأساتذة والجوانب المالية، والتي وضعت إطارا لتنفيذ كل هذه الإصلاحات في ظل عشرية خاصة تنتهي سنة 2001؛ فإنه استطاع أن يرقى بالنظام التعليمي إلى مستوى كبير من الجودة والعقلنة، مكنته من تجاوز المعيقات التاريخية التي ظلت تقف أمام تحديث قطاع شكل إجماعا وطنيا حول قدرته على النهوض بالوعي العام وتحديث إسبانيا والرفع بها تنمويا إلى مصاف الدول المتقدمة، مقابل اختلاف وطني حول، منهجية وطريقة تدبير هذا القطاع الذي كثيرا ما تراهن عليه كل القوى والأحزاب لتحسين موقعها في الشأن السياسي الإسباني.

الفرع الثالث: إصلاح التعليم الإسباني في مرحلة ما بعد 1996:

شكل وصول الحزب الشعبي إلى الحكومة في إسبانيا، تحولات هامة في مقاربة مجال التربية والتعليم؛ حيث أعاد النظر في التصور العام لتدبير القطاع القاضي بخلق نوع من العدالة لولوج المدرسة؛ إذ تبنى الحزب في تدبيره لملف التعليم ثلاثة مبادئ أساسية، تتمثل في: الكفاءة، تأهيل الأساتذة والرفع من المستوى الإداري للمسيرين كمدخلات أساسية لتثبيت هذا الإصلاح الذي اتسم في جوهره بإضفاء نوع من الليبرالية، تماشيا مع توجهات الحزب اليمينية؛ حيث تجسد ذلك من خلال خلق علاقات جديدة بين المدرسة والآباء، الأمر الذي مكن من توسيع هامش الحرية لدى الآباء في اختيار نوعية التعليم لأبنائهم، مما جعل القطاع الخاص يتقوى وينتشر بشكل كبير، استطاع أن يحتل موقعا هاما ساهم من جانبه في الرفع من جودة التعليم، مستفيدا من التنافسية التي خلقتها هذه المبادرة.

إضافة إلى ذلك، تبنت الحكومة اليمينية في إسبانيا، مبادرة تفويض الاختصاص والمسؤولية في تدبير قطاع التعليم إلى الجهات، من خلال “اجتماع أعلن فيه وزير التربية والعلوم سنة 1997، أن الحكومة قد قررت نقل المسؤوليات التعليمية إلى المناطق دون أن يتم دفع مبالغ مالية من المركز لتغطية التكاليف التعليمية الإضافية ولتغطية تلك النفقات سيتم فرض ضرائب إضافية عبر البرلمانات الإقليمية”([34]).

وبعد ذلك، استمر مسلسل إصلاح النظام التعليمي من خلال المرحلة الموالية؛ حيث تم تبني أهم إصلاح بعد العشرية الأولى، ويتعلق الأمر بإصلاح جديد عرف بــ “قانون حول جودة التعليم” LOCE، الذي تمت المصادقة عليه في دجنبر سنة 2002، والذي دخل حيز التنفيذ، ليستكمل بشكل تدريجي حتى موسم 2007/ 2008.

يمكن القول إن تطور النظام التعليمي الإسباني، كان رهين تداخل رؤيتين مختلفتين في الشكل والخطاب، متكاملتين في العمق، تلخصان موقف الحزبين القويين في إسبانيا؛ يتعلق الأمر بالحزب الاشتراكي والشعبي. استطاع الأول أن يضع اللبنات الأولى لشخصية التعليم الإسباني الحديث من خلال تبنيه لجملة من الإصلاحات التي ركزت بالخصوص- انسجاما مع توجهاته اليسارية- على تكريس الحق في التعليم للجميع، وضمان بالتالي تعميمه الحقيقي بغض النظر عن التفاوتات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية… الخ؛ وحق تدخل الآباء في تدبير المؤسسات التعليمية الرسمية؛ في حين ركز الحزب الشعبي اليميني على الجانب النوعي في التعليم، بعدما حقق الحزب الاشتراكي الجانب الكمي فيه؛ حيث عمل على اختيار وتأهيل الموارد البشرية الكفاءة وإعادة تدريب وتكوين الأساتذة والإداريين العاملين في القطاع، للرفع من مستواهم المعرفي والتدبيري؛ كما أطلقت الحرية للمؤسسات الخاصة في المشاركة في المسيرة الإصلاحية لهذا القطاع. وبعبارة أكثر اختصارا، يبدو الأمر وكأنه توزيع منطقي للأدوار التاريخية للحزبين لإصلاح وتطوير التعليم: الحزب الاشتراكي ركز على الأسس والمنطلقات وعلى الجانب الكمي والقاعدي، في حين تكلف الحزب الشعبي بالجانب النوعي وبالرفع من جودة القطاع وتأهيله لدخول العولمة من بابها الواسع، حتى أضحى اليوم يصنف من ضمن الأكثر تقدما على الصعيد الدولي.

وتعدد التنظيم التربوي في إسبانيا ليتشكل من أربعة أسلاك: التعليم ما قبل الابتدائي، التعليم الابتدائي، التعليم الثانوي الإجباري، ثم التعليم الثانوي غير الإجباري، بالإضافة إلى التعليم العالي الذي يشكل سلكا قائما بذاته ويحظى باستقلالية خاصة. أما على مستوى أنواع التعليم في إسبانيا، فهي تتميز بالتعدد؛ حيث يتداخل فيه القطاع العام والقطاع الخاص والديني، ليشكل فسيفساء ينضم في ثلاثة أنوع من المؤسسات التعليمية، وهي: المؤسسات التعليمية الرسمية، ثم المدارس الخصوصية المدعمة بأموال عامة أو بناء على عقد مبرم مع القطاع العام (CENTROS CONCERTADOS)، ثم المدارس الخصوصية غير المدعمة.

المطلب الثاني: توزيع الاختصاصات في مجال التربية والتعليم بين الدولة والمجموعات المستقلة في إسبانيا:

الفرع الأول: اختصاصات الدولة في مجال التربية:

تشرف وزارة التربية والعلوم MINISTERIO DE EDUCACION Y CIENCIA (MEC) على السلطات الخاصة بالدولة في مجال التربية والتعليم، وتحتفظ الدولة بالسلطة الحصرية لضمان التجانس والوحدة في النظام التربوي الإسباني؛ ونظرا لحساسية وأهمية قطاع التعليم، فإن مسؤولية الدولة في هذا المجال يحددها الدستور الإسباني، من خلال منح الحكومة المركزية الحق في التنظيم العام للشأن التعليمي، من حيث “تحديد الشروط للمؤهلات الأكاديمية والمهنية المعترف بها في كافة أنحاء اسبانيا، ووضع التعليمات الأساسية للأحقية في التعليم ونشرها وتطبيقها، ووضع اللائحة العامة لنظام التعليم، وممارسة الرقابة العليا على النظام التعليمي والإشراف على سياسة المنح الطلابية، والتعاون الدولي في مجال التعليم”([35])؛ كما تعمل على تحديد الظروف والشروط الدنيا، التي ينبغي أن تتوفر عليها المؤسسات التعليمية ووضع المخطط العام للتعليم وتحديد البرنامج العام الوطني في مجال التعليم؛ كما تطبق وزارة التربية والعلوم على القطاع السياسة الحكومية في مجال التعليم الأولي، الابتدائي والثانوي، بل وحتى العالي، كما تشرف وتطور وتنسق البحث العلمي.

الفرع الثاني: النظام التعليمي في المجموعات المستقلة:

الفقرة الأولي: اختصاصات المجموعات المستقلة في مجال التربية والعلوم في إسبانيا:

تضطلع المجموعات المستقلة، أي الجهات بإسبانيا، منذ سنوات، بمسؤوليات متزايدة في مجال التربية والتعليم، وتمتلك كل الوسائل الضرورية لإنجاح ذلك، وهي اختصاصات عمل الدستور الإسباني لسنة 1978‏ على توزيعها بينها وبين الدولة المركزية؛ وبناء على ذلك، تمارس المجموعات المستقلة الحق في تنظيم وتسيير النظام التربوي داخل النطاق الترابي لها في إطار الاختصاصات الذاتية التي تتمتع بها. وهكذا، يعود لكل جماعة مستقلة الحق في تنظيم وتحديد شكل وطبيعة النظام التربوي الخاص بها، كما تمارس كل الاختصاصات التنفيذية والإدارية التي تسمح لها بتدبير وتسيير النظام التربوي في مجال حدودها الترابي، باستثناء السلطات المحفوظة للدولة؛ وبالتالي، فهي تضطلع بكافة الاختصاصات وتحتفظ لنفسها بالاستقلال المطلق في مجال تدبير قطاع التربية داخل نطاقها الترابي. وعلى هذا الأساس، تتمثل مسؤولية هذه المجموعات المستقلة بمجال التعليم، في المسؤولية عن مؤسسات التعليم في مجال البناء والترميم والتجهيز وتدريب الموظفين، والإشراف على التفتيش التقني للخدمات وتطبيق البنود الرسمية للتخطيط، وتطبق لائحة مستويات التعليم ووضع قيود الأقسام والتخصصات”([36])؛ بالإضافة إلى ذلك، تمارس البلديات داخل كل مجموعة مستقلة، جملة من الاختصاصات والمهام، يمكن إجمالها بالخصوص في دور ومسؤولية هذه البلديات، في “صيانة بنايات المدارس وتوفير التجهيزات والمعدات وإدارة برامج التعليم البلدي، وإنشاء المعاهد البلدية من برامج التعليم المحلي والمجالس المدرسية البلدية، والتي تقدم التوصيات الدراسية البلدية وتمثل المشاركة الاجتماعية في البلديات”([37]).

الفقرة الثانية: تمويل النظام التعليمي بالمجموعات المستقلة بإسبانيا:

لكي تستطيع المجموعات المستقلة أن تدبر كل الاختصاصات الموكولة لها في مجال التربية والتعليم، تتلقى هذه المجموعات من الدولة المركزية أموالا من أجل تمويل نظامها التعليمي المحلي؛ ويمكن التمييز هنا بين نوعين من التمويل:

  • غلاف مالي ينقل مباشرة من الدولة إلي أعلى سلطة تدبر مجال التربية في الجماعات المستقلة، مثل وزارة التربية في المجموعات المستقلة.
  • الغلاف المالي الذي يمنح إلي وزارة الشؤون الاقتصادية والمالية في كل مجموعة مستقلة، تساهم ببعضه المجموعة في تمويل النفقات في مجال التربية في نطاقها الترابي؛ وذلك عن طريق اقتطاع أموال إضافية من ميزانيتها الخاصة.

أما بالنسبة لتمويل المدارس الخصوصية المدعمة بأموال عمومية في إسبانيا، فإن الأمر يشبه تمويل المدارس العمومية العادية، خاصة فيما يتعلق بتمويل تكاليف الأشخاص والموظفين وفي جزء آخر نفقات التسيير. فالوزارة المحلية المكلفة بتدبير قطاع التربية والتعليم داخل المجموعات المستقلة، تمنح أموالا إلي المؤسسات التعليمية الثانوية وخاصة نفقات التسيير؛ كما تتكلف بأجور الموظفين سواء منهم الأساتذة أو غير الأساتذة؛ كما تقوم بتمويل جزئي لنفقات التسيير ومعظم نفقات الاستثمار بالنسبة للتعليم الابتدائي. هذا العبء التمويلي لقطاع التربية والمعلوم، لا تتحمله فقط المجموعات المستقلة، بل أيضا تساهم فيه “المديرية الإقليمية للتربية” direccion provincial de education.

إضافة إلي ذلك، تتمتع المؤسسات التعليمية باختصاصات واسعة في إسبانيا؛ حيث تتكلف مباشرة باقتناء وتسيير ممتلكاتها والقيام بكل التوريدات والخدمات الضرورية لتسييرها، باستثناء التكاليف الثابتة، مثل الماء والكهرباء، التي تتكلف بها الجماعة la commune التي توجد في نطاقها الترابي؛ كما تعمل هذه الجماعات على تزويد هذه المؤسسات التعليمية بالأشخاص الذين تتطلبهم تسييرها للقيام بالإصلاحات البسيطة الملازمة، مثل الأعوان والعمال …الخ. أما بالنسبة لنفقات الاستثمار في مجال التربية، فإنها تتوزع على الأطراف الرئيسية حسب حجم هذا الاستثمار والإمكانات المالية والبشرية التي يتوفر عليها كل طرف، حيث تعمل المجموعات المستقلة على تمويل هذه المشاريع؛ وهذه هي القاعدة والأمل، حيث توجد المؤسسة التعليمية المستهدفة. لكن وفي حالة ما إذا كان المشروع يستدعي تمويلا باهظا يفوق القدرات المالية للمجموعة المستقلة أو سيخلق لها اختلالا ماليا، فإن الدولة في هذه الحالة، تتدخل لتقديم التمويل اللازم، وتشرف مباشرة على إنجاز المشروع أو تفويض هذا الإشراف للمجموعة، حيث توجد المؤسسة التعليمية في نطاقها الترابي؛ كما تقوم المؤسسة التعليمية وبواسطة ميزانيتها الخاصة بتمويل بعض النفقات البسيطة التي تدخل ضمن أبواب الميزانية الخاصة بالاستثمار، كما يسمح القانون الإسباني للمؤسسات التعليمية بالبحث عن مداخيل مالية إضافية لتعزيز تدخلاتها الإصلاحية والتدبيرية، وذلك عن طريق كراء الأدوات والوسائل المدرسية والقيام بأعمال مدرة للدخل، وبيع منتجاتها وتنظيم تظاهرات مدرة للدخل وقبول الهدايا والمساعدات المادية والعينية الأتية من الهبات والوصايا والمساعدات…الخ؛ إلا أنه يمنع عليها قانونيا وضع رسوم القبول بالمؤسسات العمومية أو رسوم على التمدرس بها؛ كما يتكلف آباء التلاميذ الذين يفوق دخلهم العتبة المحدد بقانون le seuil fixe par la loi، بمصاريف الكتب والنقل المدرسي والإطعام المدرسي، في حين يستفيد ذوي الدخل الأقل من العتبة المذكورة، من هذه الامتيازات مجانا أو على شكل منح الدراسة أو أشكال أخرى من المساعدة.

الفرع الثالث: نظام المراقبة المالية في النظام التربوي الإسباني:

يوجد في إسبانيا نوعان من المراقبة المالية على التسيير المالي للمؤسسات التعليمية؛ مراقبة داخلية وأخرى خارجية تحتل الأهمية الكبرى في مراقبة شفافية العمليات المالية لهذه المؤسسات:

  • المراقبة الداخلية: تقوم بها هيئة التفتيش المالي التابعة للمجموعات المستقلة الموجودة في نطاقها الترابي، وغالبا ما تطبعها الروتينية واليومية ولا تكون لها أهمية كبيرة إلا في حالات خاصة.
  • المراقبة الخارجية: تعد أهم أنواع هذه المراقبات؛ حيث تختلف وظائف وأجهزة المراقبة الخارجية للمرافق العامة من جماعة إلي أخرى، تبعا لاختلاف الاختصاصات الخاصة بكل جماعة؛ فهي لا تشبه دائما تلك التي تتمتع بها الجهات أو الجماعات الأخرى؛ وقد تم إحداث أجهزة للمراقبة من طرف كل جماعة مستقلة منذ 1984، وهي منبثقة عن برلماناتها المحلية، وتناط بها مهمة المراقبة الخارجية للحسابات بالنسبة للمرافق العمومية الجهوية داخل النطاق الترابي لهذه الجماعات المستقلة؛ لكن إحداث هذه الأجهزة، لم يتم تعميمه على كل الجهات، بل تم لحد الآن إحداث أجهزة للمراقبة في 11 جماعة مستقلة من أصل 17 جهة في إسبانيا؛ في حين تخضع المرافق العمومية الجهوية للجماعات والجهات الأخرى للمراقبة من طرف مجلس الحسابات المركزي. ذلك أن الجماعات المستقلة التي تتمتع باختصاصات غير محدودة في مجال التربية، فإن مراقبة حسابات المؤسسات التعليمية العمومية وتلك المدعمة بأموال عامة les écoles subventionnees تقوم المراقبة بها مراكز centros concertado تابعة لأجهزة المراقبة الخارجية على الجماعات المستقلة Organos de control externo de las comunidados. أما بالنسبة للمجموعات المستقلة، التي تتمتع باختصاصات مقيدة في مجال التربية، أي تلك التي لا تتمتع باختصاصات كاملة في هذا المجال، فإن المراقبة تتم من طرف مجلس الحسابات المركزي.

تقوم أجهزة المراقبة الخارجية على الجماعات المستقلة بمراقبة حسابات المؤسسات التعليمية العمومية وتلك المدعمة؛ وذلك عن طريق البحث في قانونية ومشروعية حساباتها العامة، مثل نظام الميزانية والوضعيات المالية؛ لكن كقاعدة عامة، لا تتم المراقبة مباشرة في المؤسسات التعليمية، باستثناء إذا كان الأمر يتعلق بالاستماع والاستشارة أو التفحص l’audit، أو إذا وضعت المؤسسة ضمن برنامج عمل تلك الأجهزة، الذي يتم برمجته في بداية كل سنة، والذي نادرا ما يقع ذلك، كما هو الأمر في سنة 2000؛ حيث قامت غرفة الحسابات بالأندلس بمراقبة حسابات السنوات المالية 1999/ 1998 للمؤسسات الخصوصية بعقد les établissements privé sous contrat من طرف الوزارة الجهوية للتربية والعلوم بجهة الأندلس.

خلاصة:

إذا كان موضوع الجهوية في قطاع التربية والتعليم في المغرب، من المواضيع المسكوت عنها على الأقل، في هذه المرحلة، مقابل تزايد النقاش حول الموضوع بصفة عامة، والذي يرتبط عادة بالجهوية ذات الطابع الترابي والخاص بالجماعات المحلية، خاصة على مستوى إعادة توزيع الاختصاصات بينها وبين الدولة وكيفية اشتغال الجهة كجماعة محلية تتمتع بالاستقلال الإداري والمالي والتمتع بالشخصية المعنوية؛ فإننا نهدف من تسليط الضوء على هذا الموضوع، إثارة الانتباه إلى مسألة التدبير الإداري التربوي ودوره في المستوى العام للمنظومة التربوية الحالية في المغرب وكيفية اشتغالها والأدوار الجديدة التي نراهن أن تلعبها في المرحلة الحالية والمستقبلية؛ حيث نرى أن توسيع هامش انفتاحها على أطراف ومؤسسات أخرى، بات من شروط استمراريتها على ضوء التجارب المقارنة، خاصة على مستوى إشراك الجماعات المحلية في دعم المدرسة المغربية وإعادة التفكير في توزيع الاختصاصات بين الدولة والجماعات المحلية في تدبير الشأن التربوي في المغرب؛ فلم يعد من المقبول أن تتلقى الجماعات المحلية حصتها من الضريبة التي تدفع من جيوب المواطنين الذين هم في نهاية المطاف آباء للتلاميذ الذين يلجون المؤسسات التعليمية، دون أن ينعكس، على الأقل، جزء من الخدمات المقدمة من طرفها على تحسين جودة المنتوج التربوي، لتبقى المدرسة مجرد ذلك الكائن الذي نعاتبه ونوظفه عند كل محطة انتخابية أو المشجب الذي نعلق عليه كل أزماتنا وفشلنا. فالمحدد اليوم، هو الضريبة التي يجب أن تدخل إلى معترك النقاش السياسي بكل مستوياته، لأن المواطن لم يعد ينتظر الحصيلة من المجالس الجماعية من تبليط الطرق والإنارة العمومية فقط؛ بل المساهمة الفعلية في النهوض بالقطاعات الحساسة والأساسية كمداخل حقيقية لتدعيم ومراقبة النمو الطبيعي للديمقراطية المحلية كمدخل حقيقي للديمقراطية التي ننشدها جميعا، والتي يلعب فيها الحقل التربوي أحد أهم هذه المدخلات؛ وهذا من شأنه أن يسمو بالتعليم المغربي ليصبح سؤالا للتفكير المجتمعي، كما هو الحال بالنسبة للمشاكل الأخرى التي تشكل هاجسا يوميا للمواطن المغربي؛ ولن يتأتى ذلك بطبيعة الحال، بمجرد إشراك الجماعات المحلية في تدبير قطاع التعليم بالمغرب، بل يقتضي الأمر، إصلاحا عميقا وشموليا نابعا من إرادة سياسية حقيقية تنهض بالوعي العام للمواطن المغربي.

فالنقاش حول الجهوية في قطاع التربية والتعليم، من المواضيع التي ستأخذ حيزا هاما في القادم من السنوات في المغرب؛ لأن أجرأة مشروع الجهوية المتقدمة في المغرب، سيكون له تداعيات جديدة على كل القطاعات، وفي مقدمتها قطاع التعليم؛ لأن الصيغة الحالية المعتمدة في التدبير، القائمة على الاعتماد على اللامركزية وعدم التمركز، ماتزال تشكل سؤالا يحتاج إلى إعادة التقييم، بل وإعادة النظر في ظل النتائج المحققة، والتي تستدعي في كل مرة برامج إصلاحية من النوح الاستدراكي، ذو الطابع الاستعجالي الوقتي.

فاكتمال صرح هذا المشروع الجهوي الواعد، لن يتأتى إلا من إخلال الإشراك الفعلي للجماعات المحلية في التدبير المالي والإداري للمؤسسات التعليمية، دون الجانب التربوي كما هو الحال في الدول المتقدمة تعليميا، وفق استراتيجية واضحة يتم فيها إعادة النظر أولا في القوانين المنظمة للجماعات المحلية بمستوياتها الثلاث. إصلاحات عميقة، تمكن من استقطاب نخب محلية جديدة وأطر عازفة عن المشاركة السياسية على المستوى المحلي وفق الصيغة الحالية؛ فليس من المنطقي، أن نتصور تطبيقا لجهوية تربوية ناجحة، أو بمعنى آخر تفويض اختصاصات تدبيرية للمؤسسات التعليمية للجماعات المحلية، أي الربط العضوي للمؤسسة التعليمية بالجماعات المحلية، كما هو الأمر في التجارب المقارنة في ظل القانون الجماعي الحالي؛ لأنه ببساطة، لا يوفر الشروط الحقيقية لهذه المساهمة، فرئيس المجلس الجماعي- مثلا- الذي يشترط فيه التوفر على الشهادة الابتدائية في ظل القوانين الحالية، لا يمكن المراهنة عليه للنهوض بالقطاع التعليمي على المستوى المحلي، وسيكون الحديث عن تفويض مثل هذه الاختصاصات التعليمية للجماعات المحلية مغامرة غير محسوبة العواقب؛ لذلك، فالحديث عن مطلب وآفاق جهوية تربوية تربط المدرسة بالجماعات المحلية اليوم، لن يكون له أي جدوى، دون اعتماد إصلاح جذري وعميق، يستوعب كل الأبعاد الشمولية للامركزية الإدارية الحالية على مستوى الجماعات المحلية؛ وهذا من شأنه أن يقدم ضمانات موضوعية لنجاح تجربة الجهوية على مستوى الجماعات المحلية وما يستتبعها من امتدادات إجرائية للقطاعات الأخرى، وفي مقدمتها قطاع التربية والتكوين كأحد أهم المرتكزات الحقيقية لإنجاح هذه التجربة، سواء على شاكلة التجربة الإسبانية أو غيرها، مع مراعاة الخصوصيات الوطنية بطبيعة الحال.


[1] الخطاب الملكي الذي ألقي بمناسبة الذكرى 33 للمسيرة الخظراء يوم الخميس نونبر 2008.

[2] الخطاب الملكي الذي ألقي يوم الأحد 3 يناير 2010 تم بموجبه تنصيب اللجنة الاستشارية للجهوية والتي ضمت 22 عضوا في مختلف التخصصات.

[3] محمد عابد الجابري: رؤية تقدمية لبعض مشكلاتنا الفكرية والتربوية، مطبعة دار النشر المغربية الدار البيضاء ص. 146.

[4] مصطفى محسن: أسئلة التحديث في الخطاب التربوي بالمغرب، الأصول والامتدادات، المركز الثقافي العربي ط1، بيروت الدار البيضاء 2001 ص. 325.

[5] محمد عابد الجابري: رؤية تقدمية….. (بتصرف).

[6] محمد عابد الجابري: أضواء على مشكلة التعليم بالمغرب ص. 48.

[7] سعيد الراشدي: النظام التربوي المغربي، دراسة تحليلية للقيم الموجهة للسياسة التربوية بالمغرب ما بين 1956- 1999 ط1 ص. 72.

[8] محمد عابد الجابري: أضواء على مشكلة التعليم. مرجع سابق ص. 69.

[9] المملكة المغربية: وزارة التربية الوطنية: اللاتمركز بين التجربة والنجاح، مجلة الرسالة التربوية العدد 15 دجنبر 1983 ص.35.

[10] المملكة المغربية… اللاتمركز بين التجربة والنجاح، مرجع سابق ص.36.

[11] عزيز التجيتي: التدبير اللاممركز  واللامتمركز في مجال التربية والتكوين نموذجا، منشورات صدى التضامن 2008 ص. 29.

[12] عبد الكبير يحيا: تقسيم التراب والسياسة الجهوية بالمغرب: نحو اعتماد جهوية سياسية. سلسلة مؤلفات وأعمال جامعية، منشورات المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية العدد84 ط2010 ص. 98.

[13] صالح المستف: “الجهة بالمغرب رهان جديد لمغرب جديد” منشورات الجمعية المغربية ط1 مراكش 1993 ص. 45.

[14] عزيز التجيتي: التدبير اللاممركز واللامتمركز: مجال التربية والتكوين نموذجا. منشورات صدى التضامن، مطبعة النجاح الجديدة الدار البيضاء 2008 ص. 28.

[15] عزيز التجيتي: مرجع سابق ص. 29.

[16] قرار لوزير التربية الوطنية رقم 1192.99 صادر في 22 من ربيع الآخر 1420 ل 5 غشت 1999 بشأن تحديد اختصاصات وتنظيم نيابات وزارة التربية الوطنية.

[17] للعودة إلى الأرقام المحققة على مستوى معدلات التمدرس في التعليم الابتدائي والإعدادي والثانوي والعالي إضافة إلى تطور نسب الأمية في المغرب يمكن العودة إلى: رشيد السعيد وكريم لحرش “الحكامة الجيدة بالمغرب ومتطلبات التنمية البشرية المستدامة” ط1 سنة 2009 من ص178 إلى 183.

[18] عبد العزيز أشرقي “الحكامة الجيدة ومتطلبات الإدارة المواطنة” مطبعة النجاح الجديدة الدار البيضاء 2009 ص. 168 و 169.

[19] رشيد السعيد وكريم لحرش “الحكامة الجيدة بالمغرب ومتطلبات التنمية البشرية المستدامة” مرجع سابق ص. 183 و 184.

[20] حليمة الغراري، الحكامة دعامة لقيادة ناجعة، مسارات جديدة العدد2، الأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين لجهة دكالة عبدة ص. 141.

[21] حليمة الغراري مرجع سابق ص. 142.

[22] للاطلاع أكثر على موضوع القيادة التربوية يمكن العودة إلى:

* حليمة الغراري: القيادة نظرياتها وتطبيقاتها، نموذج التدريس الموقفي، مكتبة النجاح الجديدة الدار البيضاء.

* حليمة الغراري: ملاحظات حول القيادة التربوية في تقرير المجلس الأعلى للتعليم، في مجلة علوم التربية العدد 41 شتنبر.

[23] صدرت أول طبعة للميثاق الوطني للتربية والتكوين في يناير 2000، بعد أن عرض على البرلمان في الدورة الخريفية للسنة التشريعية الثالثة مع افتتاح الدورة في 8أكتوبر 1999، حيث ضمنت قسمين، خصص القسم الأول للمبادئ الأساسية، في حين خصص القسم الثاني لمجالات التجديد ودعامات التغيير، وقد توزع هذا القسم إلى 6 مجالات و19 دعامة من ضمنها دعامة خاصة بإقرار اللامركزية واللاتمركز في قطاع التربية والتكوين في الدعامة رقم 15.

[24] القانون رقم 00.07 الصادر بشأن تنفيذه ظهير شريف رقم 1.00.203 مؤرخ في ماي 2000 الصادر في الجريدة الرسمية عدد 4798 بتاريخ 25 ماي 2000.

[25] مرسوم رقم 2.00.1016 صادر في 7 ر بيع الآخر 1422 (29 يونيو 2001) بتطبيق القانون رقم 00.07 القاضي بإحداث الأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين والصادرة بالجريدة الرسمية عدد 4918 بتاريخ 19 يوليوز 2001.

– مرسوم رقم 2.01.1653 صادر في فاتح شعبان 1422 (18 أكتوبر 2001) بتحديد تاريخ الشروع الفعلي لمزاولة الأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين لمهامها واختصاصاتها الصادر في الجريدة الرسمية عدد 4945 بتاريخ 22 أكتوبر 2001.

– قرار لوزير التربية الوطنية رقم 2178.01 صادر في 3 شوار 1422 (19 دجنبر 2001) بشأن تحديد طريقة انتخاب ممثلي الأطر التعليمية والأطر الإدارية والتقنية وممثلي جمعيات آباء وأولياء التلاميذ وممثلي جمعيات التعليم المدرسي الخصوصي وممثلي مؤسسات التعليم الأولي في مجلس الأكاديمية الصادر في الجريدة الرسمية عدد 5011 بتاريخ 10 يونيو 2002.

[26] عبد الكريم غريب. الحكامة في مجال التربية والتكوين. مسارات جديدة العدد2، الأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين لجهة دكالة عبدة ص. 12.

[27] المادة 1 من الظهير المنظم للأكاديميات رقم 00.07.

[28] عزيز التجيتي. مرجع سابق ص. 30.

[29] عزيز التجيتي: مرجع سابق ص. 31.

[30] تقرير التنمية البشرية وتقرير المجلس الأعلى للتعليم وتقرير ترانسبارنسي الدولية وتقارير البنك الدولي وصندوق النقد الدولي… حول التعليم بالمغرب.

[31] عبد الهادي مفتاح الحكامة بما هي تدبير عقلاني للمؤسسات، مسارات جديدة العدد2، الأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين لجهة دكالة عبدة ص. 163.

[32] للتفصيل فيما يمكن العودة إلى:

* المصطفى بالقزبور. الجهوية الموسعة بالمغرب. سلسلة اللامركزية والإدارة المحلية ط1 سنة 2010 ص. 101.

* عبد الكريم يحيا. تقسيم التراب والسياسة الجهوية بالمغرب. نحو اعتماد جهوية سياسية. سلسلة مؤلفات وأعمال جامعية منشورات المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية العدد 84 من ص. 369 إلى ص. 386.

[33] ناجي حسين ناجي عبود الشريف. اللامركزية في النظام التربوي اليمني في ضوء تجارب بعض البلدان أطروحة لنيل درجة الدكتوراه في علوم التربية. كلية علوم التربية جامعة محمد الخامس السويسي الرباط السنة الجامعية 2008- 2009 ص. 161- 162.

[34] ناجي حسين ناجي عبود الشريف. اللامركزية في النظام التربوي اليمني في ضوء تجارب بعض البلدان أطروحة لنيل درجة الدكتوراه في علوم التربية. كلية علوم التربية جامعة محمد الخامس السويسي الرباط السنة الجامعية 2008- 2009 ص. 161.

[35] ناجي حسين ناجي عبود الشريف. اللامركزية في النظام التربوي اليمني في ضوء تجارب بعض البلدان مرجع سابق ص 116.

[36] ناجي حسين ناجي عبود الشريف. اللامركزية في النظام التربوي اليمني في ضوء تجارب بعض البلدان مرجع سابق ص. 167.

[37] ناجي حسين ناجي عبود الشريف. اللامركزية في النظام التربوي اليمني في ضوء تجارب بعض البلدان مرجع سابق ص. 167.

https://powderencouraged.com/w3m6c9b5?key=af8b4909c0965493e9682d74bb50a646
https://powderencouraged.com/ksq5rgwdmh?key=b5b47a0d83f8742dcf71d4de8ef00494
https://powderencouraged.com/bkcduddx?key=0252cc21d0f4e0ae5f53245940611301
https://omg10.com/4/10825527
×
error: Content is protected !!

اكتشاف المزيد من

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading