محمدبوكطب                     

 طالب باحث في العلوم القانونية والإدارية والسياسية

تخصص التدبير الاستراتيجي للموارد البشرية في الإدارة والمقاولات

نورالدين لحجاجي

باحث واطار بوزارة الداخلية

مـــقــدمـــة:

تعد السياسة العمومية للامركزية واللاتمركزإحدى التوجهات الأساسية للمغرب المستقل. فالشؤون المحلية كانت تدار دائما على مستوى الجماعة كخلية أساسية في التنظيم الإداري المحلي[1]، وإذا كانت اللامركزية بشكلها الحالي قد عرفت تطورا في مبادئها وتقنيات تنظيمها بفعل تأثير الحماية الفرنسية، فإن المغرب وبعد الاستقلال قد أكد وأرسى دعائمها في جميع السياسات العمومية التي تم إقرارها وتنفيذها منذ الاستقلالإلى الآن، باعتماد مقاربة ديمقراطية مع حضور هاجس الحفاظ على الأمن، ووحدة الدولة، واستقرارها الداخلي، وذلك بسيادة مركزية السلطة، والإدارة، ودون أن يتنافى في ذلك مع وجود وحدات ترابية مستقلة وهي الجماعات الترابية، والتي كان دائما يوجد بجانبها ممثل السلطة المركزية يقوم بدور الحفاظ على الأمن وتنفيذ قرارات الدولة المركزية.

وإذا كان الهدف من إقرار اللامركزية هو تمكين السكان المحليين من تدبير شؤونهم بشكل ديمقراطي ومستقل عن السلطة المركزية، فإن اللاتمركز يهدف إلى تمكين السلطة المركزية من المراقبة عن قرب لكيفية تسيير الشؤون المحلية،إضافةإلى الحفاظ على الأمن، ووحدة الدولة. إلاأنالأهداف المشتركة بين الأسلوبين كثيرة ومتعددة، تتمثل في التآزر والتشارك من أجل تلبية حاجيات السكان المحليين وتحقيق التنمية.

ومن خلال التطور الذي عرفه المغرب، نجد دستور المملكة لسنة 2011[2]الذي تضمن مجموعة من المقتضيات المهمة، والتي ارتقت بالجهات وجعلتها تحتل مرتبة أساسية ومحورية يقوم على أساسها التنظيم الترابي للمملكة، وهكذا نجد الدستور في الفصل الأول منه وفي فقرته الأخيرة ينص على:” أن التنظيم الترابي للمملكة تنظيم لامركزي”، يقوم على الجهوية المتقدمة. ولم يكن هذا النص موجودا في الدساتير السابقة، وهذا ما يجعل من دسترة هذا المقتضى هو جعل الجهوية المتقدمة أساس التنظيم الترابي.

كما أن دستور 2011 خصص بابا للجهات والجماعات الترابية عكس الدساتير السابقة التي كانت تخصص فقط ثلاثة فصول، تقدم فيها تعريفا للجماعات المحلية، لكن الفصول التي تضمنها الدستور الجديد تشير إلى مجموعة من المقتضيات التي ستتميز بها الجهات، في أفق تطبيق مشروع الجهوية المتقدمةالمرتبط بالقانون التنظيمي المتعلق به.

كما أن دستور المملكة أكد في فصله 137 على أن الجهات و الجماعات الترابية الأخرى ستساهم في تفعيل السياسات العامة للدولة، وفي إعداد السياسات الترابية، من خلال ممثليها في مجلس المستشارين ، وذلك لضمان نجاعة تدخلات الدولة في كل مستوى من مستويات التنظيم الترابي، وضمان سدادها فيأعين المواطنين وفعالية وقعها. ويمكن للجهات أن تساهم في بلورة السياسات العمومية الترابية، إمابواسطة ممثليها بمجلس المستشارين، أو في إطارإشراكها من طرف الدولة في بلورة هذه السياسات[3].

وعليه، فإن دراسة السياسة العمومية للامركزية واللاتمركز تقتضي منا تقسيم هذا الموضوع إلى مبحثين على الشكل التالي:

ـ مبحث أول وسنخصصه لتشخيص السياسة العمومية للامركزية واللاتمركز منذ الاستقلال إلىالآن. مبحث ثان وسنتطرق من خلاله إلى تقييم هذه السياسة العمومية وحصيلتها وآفاقها.

المبحث الأول: تشخيص السياسة العمومية للامركزية واللاتمركز

يعتبر التدبير المحلي الجهوي،والإقليمي، والمحلي،وإشراك السكان المحليين في الحياة السياسية المحلية من الاختيارات الأساسية لتحقيق التنمية، وتعزيز الديمقراطية، كما تعتبر من الانشغالات الأساسية للسلطات العمومية منذ فجر الاستقلال، وهذا ما يظهر جليا من خلال الخطب الرسمية(المطلب الأول)، وكذا المناظرات الوطنية حول الجماعات المحلية(المطلب الثاني).

المطلب الأول: السياسة العمومية للامركزية واللاتمركز من خلال الخطب الرسمية

كما لا يخفى على أحد، فإن السياسة العمومية للامركزية واللاتمركز كانت ولازالت إحدىأهم مرتكزات النظام السياسي المغربي وخيارا لا محيد عنه منذ فجر الاستقلال والى الآن، وهذا ما يظهر جليا من خلال استقراء مختلف الخطب الملكية التي كانت تلقى في مناسبات عدة ومنها:

1- :الفترة الممتدة مابين1955-1960:

لقد جاء في الخطاب الملكي للملك محمد الخامس أنه :”… غير خاف أن رغبتنا كانت وما زالت ترمي إلى منح البلاد نظاما ديمقراطيا في نطاق ملكية دستورية. لذلك يتعين على الحكومة أن تضع أسس هذا النظام الذي يمكن الشعب من تسيير شؤون البلاد بواسطة مجالس محلية ومجلس وطني….”[4]. وفي خطاب آخر:”….إن تحرر السيادة الوطنية أجل نعمة تتقلب في أحضانها الشعوب حيث تصبح مقاليد الوطن بيد أبنائهوأمورهإلى نظرهم وتصرفهم…كان من بين ما أنجزناه في ميدان الإصلاحالإداريأن قسمنا المغرب إلى عمالات وجعلنا مسؤولا على رأس كل عمالة….”[5].

ودائما وفي نفس السياق، فقدأشار الملك في إحدى خطبه إلى:”…لذلكرأينا من الأنسبتأسيس خلية اجتماعية وسياسية تكون قواما للنظام الجديد، وسعيا وراء هذه الغاية، قد عزمنا إجراء الانتخابات البلدية والقروية وعلى تحديد الاختصاصات التي سنسندها للمجالس المحلية…”[6].

ولكن، ونظرا للصعوبات المرتبطة أساسا بعدم وجود تشريع انتخابي وتقطيع للدوائر الانتخابية وكون قانون الحريات العامة لم يصدر بعد، لم يتم إجراء الانتخابات الجماعية وتم تأجيلها عن الوقت المقرر لها، وذلك للتمكن من إحاطتها بكل الضمانات التي تجعلها صادقة التعبير عن رغبات الناخبين، والتريث من أجل إخراج النظم التأسيسية متقنة لخير الأجيال المقبلة[7].

وفعلا، قد تم الإعلان عن إجراء الانتخابات الجماعية وذلك في خطاب العرش بتاريخ 18 نونبر 1959، حيث حدد يوم 29 ماي 1960 كوعد لها، وهذا ما حصل حيث وجه الملك محمد الخامس بالمناسبة بتاريخ 27 ماي 1960 خطابا أشار فيه إلىكون هذه الانتخابات تعد أول تجربة ديمقراطية في تاريخنا الحديث تحت شعار الأخوة والتضامن[8].

وقد عبر في خطاب آخر عن رضاه الكامل على الاستجابة الشعبية لهذا الاستحقاق الانتخابي[9]، كما أعلن بعد ذلك عن صدور الظهير الشريف المتعلق بنظام الجماعات[10].

2- الفترة الممتدة ما بين 1961-1999:

سيرا على نهج أبيه، أكد الراحل الحسن الثاني في عدة مناسبات على أن:”….الأفكار القويمة والمبادئ السديدة التي بنى عليها سياسته ستظل فينا خالدة وسنبقى نحن وشعبنا أوفياء لها مخلصين….”[11].

وهكذا، تم التأكيد على خيار اللامركزية من خلال بعض خطبه كالتي ألقاهاأمام بعض المجالس البلدية كالدار البيضاء، الجديدة، أسفي، اكادير، الصويرة، والهيئات المنتخبة في العديد من الأقاليم والمدن[12].

إضافةإلى هذا، فقد أكد على تلازم اللامركزية واللاتمركز بمناسبة الاجتماع مع رجال السلطة والهيئات المنتخبة سواء خلال الزيارات الملكية للأقاليمأو بمناسبة استقبال العمال والمنتخبين،أو عند تخرج أفواج رجال السلطة أو تسليمهم لظهائر التعيين.

ويعد خطاب عيد الشباب بتاريخ 8 يوليوز 1976 نقلة نوعية في سياسة اللامركزية واللاتمركز، حيث تم الإعلان من خلاله على الخطوط العريضة للاختصاصات والسلطات التي تم نقلها من ممثلي الدولة إلى المجالس الجماعية ورؤسائها، فصدر بذلك قانون 30 شتنبر 1976 وتم استقبال أعضاء المجلس البلدي لفاس من طرف الملك الراحل في 21 دجنبر 1976 بعد انتهاء الانتخابات الجماعية،وتأكيد دور العامل كممثل للحكومة، ودور المجالس المحلية (بلدية أو جهوية) كبرلمان محلي[13].

كما أن الجهوية كانت حاضرة في الخطب الملكية بمناسبة استقبال بعض الوفود عن جهات، ومناطق نائية بالخصوص،أو في اجتماعات المجلس الأعلى للتخطيط حيث كانت تعتبر الجهات الاقتصادية السبع أقطابا للنمو. فقد جاء في الخطاب الملكي بتاريخ 5 فبراير 1979:” أريد سلوكا جهويا وتربية جهوية، فإذا ما تربى المغاربة جهويا ووطنيا كما أردت فانه لايمكن لمجموعة من المكونات الحسنة أن تكون إلا مجموعة حسنة[14].

كما يعد الخطاب الملكي الملقى أمام المجلس الجهوي للمنطقة الوسطى الشمالية في 24 أكتوبر 1984، بمثابة تطوير لفكرة الجهوية من اللاتمركزإلىاللامركزية حيث جاء فيه:”…فكرت أن أضع أمام أنظار البرلمان مشروع قانون خاص بمجالس الجهات المغربية التي تكون لها سلطتها التشريعية وسلطتها التنفيذية الخاصة بها وتكون  لها هيئة الموظفين ولكن ستكون هاته الجماعات الجهوية….مرتبطة مباشرة بملك المغرب فيما يخص مطالبها وبرامجها….”[15].

وفي رسالة ملكية إلى الوزير الأول بتاريخ 12 ماي 1987 أشارإلى:”….وهكذا ستصبح الجهة مجالا متميزا تتبلور فيه بتكافل وتناسق أولويات الاقتصاد الوطني في قطاعيه العام والخاص بغية تحقيق تهيئة رشيدة للتراب الوطني. وفي هذا الصدد، يعتبر دور الجماعات المحلية دروا أساسيا، ولتمكينها من القيام به على الوجه الأكمل سيعمل على إعداد برنامج جرئ لضبط مواردها البشرية والمالية بغية تحقيق توازن أفضل بين دور الدولة ودور الجماعات المحلية في الميدان الاقتصادي..”[16].

وفي نفس السياق، وتدعيما للامركزية واللاتمركز،تطرق الملك الراحل في خطاب عيد العرش بتاريخ  3 مارس 1989:”…إن سيرنا شعبي العزيز في طريق اللامركزية سيرثابت بفضل التدابير المتلاحقة المتخذة تقوية للبنيات وترقية للوسائل…، إن التدابير الجديدة القاضية بمنح الجماعات المحلية قسطا من محصل الضريبة على القيمة المضافة، والمتعلقة بإحداث بنك لتنمية الجماعات المحلية، والخاصة بالتقسيم الجماعي، كل هذه التدابير سيترتب عليها في السنيين المقبلة تحولات ستعرفها الجماعات المحلية….، لقدأصدرنا شعبي العزيز أوامرنا قصد مباشرة تقسيم جماعي جديد ليتسنى للديمقراطية المحلية المغربية أن تحقق وثبة إسهام ورقي جديد…”[17].

3-الفترة الممتدة مابين 1999 إلى ما بعد:

خلال هذه الفترة،سار الملك محمد السادس على نهج والده المرحوم الحسن الثاني فيما يخص تعزيز وتقوية التوجهات العامة لسياسة اللامركزية واللاتمركز، وذلكبإرساء مفهوم جديد للسلطة، وربطه بمفهوم الخدمة العامة، وصيانة الحقوق، وحفظ المصالح، واحترام الحريات والقوانين، ودعم الأخلاقيات بالمرفق العام[18].

إن مفاهيم اللامركزية،واللاتمركز، والجهوية، كانت حاضرة بقوة في عدة خطب ورسائل ملكية، نذكر منها بالخصوص التوجهات المتعلقة بالتدبير اللامتمركز للاستثمار، والتي تم من خلالها الربط الوظيفي بين حفز الاستثمار وتسهيله، والبنيات الإدارية المكلفة بذلك. وذلك بإحداث ما يسمى بشاك موحد على صعيد كل جهة، مع تحديد أجل معقول وسريع للبت في ملفات مشاريع الاستثمار، والتي تم على إثرهاإحداث المراكز الجهوية للاستثمار، كما تم تخويل ولاة الجهات وعمال العمالات والأقاليم اختصاصات في مجال الاستثمار، والوصاية على الجماعات المحلية في إطار عدم التركيز الإداري[19].

وقد كان هذا التوجه في سياسة اللامركزية واللاتمركز،هو نفسه الذي تمالتعبير عنه للمشاركين في الملتقى الوطني للجماعات المحلية باكادير بتاريخ 12 دجنبر 2006، حيث جاء في الخطاب الملكي:”…إن اعتزازنا بالخطوات الهامة التي قطعها نظامنا اللامركزي، لا يعادله إلا حرصنا على تثبيت دعائمه بنظام الجهوية الواسعة واللاتمركزالإداري…، ومهما يكن تقدمنا في مجال ترسيخ النظام اللامركزي فإنه سيظل ناقصا مالم يدعمه إصلاح الجهات وبناء أقطاب جهوية متجانسة واعتماد التدبير غير المتمركز للشأن المحلي…”[20]. وقد تم التأكيد من خلال هذا الخطاب، على ضرورة تسريع مسلسل اللاتمركزالإداري، وتوسيع صلاحياته على مستوى الولاة والعمال، لمواكبة الجهوية الواسعة المراد تحقيقها.

ولم يقف الملك محمد السادس عند هذا الحد، بل زاد من تأكيده على هذا الأمر بمناسبة افتتاح الدورة الأولى من الولاية التشريعية الثامنة للبرلمان بتاريخ 12-10-2007 والذي جاء فيه:”…بيد أنالتفعيل الأمثل لهذه الأوراش التنموية لن يستقيم إلا بالجهوية المتقدمة و اللاتمركزالإداري اللذين نعتبرهما عماد الدولة العصرية[21].

هذا، وقد اعتبرت الحكومة من خلال البرنامج الذي قدمه الوزير الأول في تصريحه أمام مجلس النواب، أن التوجيهات الملكية الواردة في خطاب أكادير بتاريخ 12 دجنبر 2006، هي إحدىأولوياتها التي ستعمل على تكريس قواعد الديمقراطية المحلية، وتثبيت دعائمها، وترسيخ سياسة اللاتمركزالإداري في تدبير الشأن المحلي، وبناء إدارة القرب التي أضحت خيارا استراتيجيا بدعم القدرات التدبيرية للإدارة الترابية، وتعزيز موقعها كفاعل أساسي في هذا الشأن، ومن الأوراش المفتوحة في سياق هذا التوجه والتي جاءت في البرنامج الحكومي نجد: تحين الميثاق الجماعي، ومراجعة نظام المالية المحلية، وتدبير الموارد البشرية ومراجعة التقسيم الجماعي، وكذا التنظيم الهيكلي للإدارة المحلية ومرافقها، واعتماد آليات البرمجة، والتخطيط، والشراكة، والعمل على إخراجالإستراتيجية الوطنية للتنمية الحضرية، تطبيقا لتوصيات ملتقى الجماعات المحلية بأكادير، مع توفير الدعم التقني، والمالي، والمساعدة للبرامج الوطنية التنموية بالجماعات المحلية.

المطلب الثاني: السياسة العمومية للامركزية واللاتمركز من خلال المناظرات الوطنية للجماعات المحلية

تشكل المناظرات الوطنية حول الجماعات المحلية إحدى المحطات الهامة في تقييم حركة تطبيق سياسة اللامركزية واللاتمركز،  وممارسة الديمقراطية المحلية. وفي هذا الإطار، تم عقد سبع مناظرات في ظرف أربع وعشرين سنة – من سنة 1977 إلى 1998 -، بمعدل مناظرة كل ثلاث سنوات.

وقد كان يتم التحضير لانعقادها بدقة وعناية ملكية[22]، يتم افتتاح أشغالها بخطاب للملك، ليفسح المجال بعد ذلك لكافة المشاركين، والفعاليات لتقديم تحليلاتهم، واقتراحاتهم حول تجربة تدبير الشؤون المحلية.

وكانت كل مناظرة تتميز بشعار خاص، يعكس التوجهات العامة لسياسة اللامركزية واللاتمركز من خلال تفاعل الجماعات المحلية مع محيطها، وممثلي السلطة المركزية على الصعيد المحلي. ويعد الخطاب الملكي الافتتاحي بمثابة تعبير عن اختيارات الدولة وقرار سياسي للدفع قدما باللامركزية واللاتمركزإلى ما يحقق الأهداف الكبرى المرسومة لها.

وهكذا، فقد اتخذت المناظرة الوطنية الأولى حول الجماعات المحلية التي انعقدت بمراكش مابين 1 و4 دجنبر 1977 شعار:” من الوصاية إلى التساكن” حيث أشار فيها الراحل الحسن الثاني إلى:”…فإذا ركزنا على الوصاية أو الحضانة نكون قد خنا روحنا ونفسنا، وما هو رد فعل الجماعة المنتخبة؟ سيكون العقم وعدم الإنجابأوالتأخر في إنجاز البرامج وبالتالي الفشل المادي والمعنوي للتجربة الديمقراطية…يجب علينا أن نتعايش في كل الظروف وفي كل الأحيان مع ما يسمى الدولة….”.

أما المناظرة الوطنية الثانية، والتي انعقدت بالرباط مابين 15 و 17 نونبر 1979 تحت شعار: “من التساكن إلى التمازج”، فقد تطرق فيها الراحل الحسن الثاني إلى:”…أن تدخلوا في طور التمازج،…هذا يعني أنه ليست هناك ميزانية الدولة وميزانية للجماعات المحلية…”.

وفي نفس السياق، فإن المناظرة الوطنية الثالثة المنعقدة بمكناس ما بين 19 و 22 يونيو 1986 تحت شعار”التشارك”، فقد أشار فيها الملك الراحل إلى:”…وكنت دائما أقول لو كان الدستور يسمح لي بان أتقدم للانتخابات ككل مواطن مغربي لما كان من أهدافيأنأكون عضوا في البرلمان، بل كان هدفي سيكون أنأكون عضوا في مجموعة من المجموعات البلدية والقروية..”.

أما المناظرة الوطنية الرابعة المنعقدة بالدار البيضاء ما بين 27 و 29 يونيو 1989 تحت شعار” الأمانة”، فقد أشار فيها إلى:”…هذه الأمانة باللامركزية أعطيناها فرحين مطمئنين، لأننا مسبقا كنا نعلمأنها ستقع وسنضعها في أيادأمنةوأمينة، واخترنا اللامركزية كذلك لأننيأعتقد أنه إذا عمت الديمقراطية جميع أنحاء المملكة الديمقراطية المحلية….وكلما فهمت وهضمت إلا وجعلنا من اللامركزية أحسن وقاية بيننا وبين الديكتاتورية…إنالديمقراطية اليوم…هي قبل كل شيءإعطاء الجماعات المحلية مقاليد أمرها ووسائل مستقبلها…”.

وفي نفس الإطار، فإن المناظرة الوطنية الخامسة المنعقدة بالرباط ما بين 21 و23 أبريل 1992 تحت شعار: “التطابق”، فقد تطرق فيها الملك الراحل إلى:”…إذالم تكن هناك ديمقراطية محلية فلن توجد أبدا ديمقراطية وطنية تهيمن عليها وتطبعها بطابع الجد والاحترام والالتزام…..فلا نجاح للامركزية ولامستقبل للامركزية إذا بقي المغاربة الكفأة بعيدين عن الساحة السياسية….”.

وسيرا على نفس النهج، فإن المناظرة الوطنية السادسة المنعقدة ما بين 28 و 30 يونيو 1994 بتطوان تحت شعار:” إعلام وتكوين المنتخبين”، فقد جاء في خطاب الراحل الحسن الثاني أن:”…هذه اللامركزية ماهي أسسهاوعلى ما ترتكز؟ إنها ترتكز على ثلاث ركائز أساسية، الأولى هي المنتخب…، صاحب السلطة وصاحب الوصاية…. الوسائل التي لدى المنتخبين وممثلي الدولة ليصلوا إلى تحقيق الأهداف التي خططوها…، إن ظهير 1976…..حول لرؤساء المجالس البلدية والقروية سلطات هامة…كماأنه من أجل تحقيق التوازن خلق سلطة إدارية لها الوصاية وجعل بين يدي هذا وذاك وسائل بشرية مادية…”.

وأخيرا، فإن المناظرة الوطنية السابعة المنعقدة بالدار البيضاء بتاريخ 19 و21 أكتوبر 1998 تحت شعار: ” اللامركزية وعدم التركيز”، فقد جاء في خطابه الافتتاحي أن :”…فاللامركزية كما أتصورها هي فضيلة وخلق موروث….، فاللاتمركز هو المفتاح الذي يمكن الإنسان من أنيفتح باب التمتع باللامركزية على مصرعيه…وبعبارة أوضح فاللامركزية هي الميدانواللاتمركز هو الوسيلة. فاللامركزية هي ثقافة واللاتمركز هو العقلية…فعليناأولاأن نطلب من جميع الوزارات والمصالح العمومية أن توفد أحسنأبنائهاإلىالأقاليم والجهات وعلينا نحن في الرباط في وزارتي الداخلية والمالية أن نرى كيف يمكن أن نوسع نطاق التصرف لهؤلاء الموظفين أبناء البررة المنتقين…المعروفين…بالنزاهة والاستقامة والكفاءة. وعلينا أن نقرر تفويض صلاحيات جديدة وإمكانات جديدة مالية وبشرية وعلينا أن نكون ذوي خبرة إن لم أقل خبرة دقيقة فعلى الأقل خبرة ظاهرة وواضحة لمخطط كل جهة على مدى الخمس سنوات المقبلة..”. ويضيف جلالته :”…فنحن بصدد النظر مع وزارة العدل في أن نخلق في أقرب وقت ممكن…مجلس حسابات جهوية……….”.

هذا، ونشير إلىأنه قد صدرت عن هذه المناظرةمجموعة من التوصيات همت إصلاح الميثاق والتنظيم الجماعي، وكذا التنظيم المالي المحلي،وإصلاح نظام المدن، ونظام مجالس العمالات والأقاليم، وتعزيز الجهوية واللاتركيز.

وفي هذا الإطار، فقد أشار الراحل إدريس البصري وزير الدولة، وزير الداخلية بمناسبة المناظرة السابعة :”…وهكذا، فإن المناظرات الوطنية للجماعات المحلية لم تعد مجرد تقليد من تقاليدنا الراسخة بل أصبحت مؤسسة حقيقية ومناسبات كبرى في المسيرة التي تنهجها بلادنا بخطى ثابتة في درب التقدم والديمقراطية…”. ويضيف قائلا:”..إذا كان المغرب قد استطاع بعون الله أن يجتاز بنجاح تجديد المؤسسات، فقد تم ذلك بفضل سياسة اللامركزية التي عبدت الطريقوأرستأسس الديمقراطية…” ويضيف قائلا.”…وفي هذا الاتجاه أبى صاحب الجلالة ….إلاأن يعطي نفسا آخر للجماعات المحلية……باعتمادها نهجا جديدا يرتكز على توازن جديد بين اللامركزية وعدم التركيز….”،”….وفي هذا الصدد حرص عاهلنا المفدى في العديد من المناسبات على إثارة انتباه الحكومة إلى خطورة التمسك بتدبير الشأن العام انطلاقا من العاصمة وتجميع كل السلطات والموارد المالية والخبرات على المستوى المركزي…”.

إنالتساؤل المطروح هو إلىأي حد استطاعت الخطب والمناظرات والنصوص كآلياتوأدوات للسياسة العمومية للامركزية واللاتركيزأن تستجيب للأهداف والطموحات المعبر عنها رسميا منذ الاستقلال والى حد الآن؟

المبحث الثاني: تقييم السياسة العمومية للامركزية واللاتمركز

يمكن تقييم السياسة العمومية للامركزية واللاتمركز من خلال دراسة عناصر التلازم بين اللامركزية واللاتمركز (المطلب الأول)، وترابط هذه السياسة العمومية مع بعض السياسات العمومية الأخرى ( المطلب الثاني)، لتصل إلى استجلاء واستشراف أفاقها المستقبلية.

المطلب الأول: من خلال التلازم بين اللامركزية واللاتمركز

إن التلازم بين اللامركزية واللاتمركز يتجلى من خلال المبادئ،والأهداف المشتركة لكل التنظيمين أو المفهومين. فإذا كان اللاتمركزأواللاتركيز يقوم على أساس تقريب الإدارة من المواطنين، وتوفير تمثيل الدولة على الصعيد الترابي،وإقامة حوار مباشر بين الدولة والجماعات المحلية، وتوفير التماسك والترابط لعمل الدولة على الصعيد الترابي، فإن اللامركزية لاتخرج في أسسهاوأهدافها عن هذا الإطار العام مع بعض الخصوصيات كونها تجسد تطبيق الأسلوب الديمقراطي، ونقل الاختصاصات من الدولة إلى الجماعات المحلية.

  1. حصيلة اللامركزية:

لقد مكن تطور سياسة اللامركزية من تطوير عدد الجماعات المحلية وذلك بوجود 16 جهة و 62 عمالة وإقليم و 1503 جماعة حضرية وقروية مما جعل عدد المستشارين الجماعيين هو 27767.

كما أن عدد الموظفين  العاملين بالجماعات المحلية ارتفع حسب آخرإحصاء لموظفي الجماعات المحلية حسب وزارة الداخلية، المديرية العامة للجماعات المحلية لسنة  2008 “الجماعات المحلية في أرقام  طبعة 2011”  فكان على الشكل التالي:

توزيع الموظفين حسب صنف الوظيفة ونوع الجماعات المحلية لسنة 2008.

صنف الوظيفةالجهاتالعمالات والأقاليمالجماعات الحضريةالجماعات القرويةالمجموع
الأطر العليا19747047844383316713
تقني36109227579374893
إداري16136125087289611820
الأطر المتوسطة73603817228707930502
تقني38418813204428221757
إداري351850402427978745
أعوان التنفيذ566012148171168432645
تقني13989803061690
إداري415043116651000926819
اليد العاملة527699491981426671463
فئات أخرى1622744287
المجموع378244698931436906151610

بنية موظفي الجماعات المحلية حسب صنف الوظيفة لسنة 2008

صنف الوظيفةالجهات%العمالات والأقاليم%الجماعات الحضرية%الجماعات القروية%المجموع%
الأطر العليا52،1219،22%8،78%10،39%11،02%
تقني9،52%4،46%3،09%2،54%3،23%
إداري42،59%14،76%5،707،85%7،80%
الأطر المتوسطة19،3124،6819،2919،1820،12
تقني10،0517،1214،7811،6014،35
إداري9،267،564،517،585،77
أعوان التنفيذ14،8124،5716،5931،6621،53
تقني0،261،631،100،831،11
إداري10،8520،6113،0627،1217،69
اليد العاملة13،7631،5355،3438،7747،33
فئات أخرى0،070،250،120،19
المجموع100%100%100%100%100%

توزيع الموظفين حسب الجهات ونوع الجماعات المحلية لسنة 2008

الجهاتالجماعات الحضريةالجماعات القرويةالعمالات والأقاليماللجهاتالمجموع
الرباط –سلا–زمور-زعيتر11170168619812014929
الدار البيضاءالكبرى-2436773237442629022
سوس- ماسة-درعة5105408320872411324
تازة- الحسيمة-تاونات241135021051177019
تادلة- ازيلال222720141089295359
فاس- بولمان447515321242227363
كلميم- سمارة142111781215113825
الغرب اشراردة- بني حسن387419631028216886
العيون بوجدور-الساقية الحمراء1014262465111752
مراكش-تانسيفت –الحوز5133410619312911257
مكناس-تافيلالت5692332918973210959
وادي الذهب-لكويرة39024433324991
الجهة الشرقية6184337925503012220
دكالة عبدة43742880830168100
الشاوية –ورديغة401232061246218498
طنجة تطوان7465281017804512106
المجموع893143690624469378151610

وأخيرا، يمكن القول بأن الجماعات المغربية لها إشعاع على الصعيد الدولي والأجنبي، من خلال التعاون اللامركزي الدولي عن طريق إبر

https://powderencouraged.com/w3m6c9b5?key=af8b4909c0965493e9682d74bb50a646
https://powderencouraged.com/ksq5rgwdmh?key=b5b47a0d83f8742dcf71d4de8ef00494
https://powderencouraged.com/bkcduddx?key=0252cc21d0f4e0ae5f53245940611301
https://hilltopads.com/?ref=356389
×
error: Content is protected !!

اكتشاف المزيد من

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading