دراسة في ضوء القانون المتعلق بمدونة الحقوق العينية
د. الطاهر كركري
أستاذ باحث
الكلية متعددة التخصصات بتازة
جامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس
تعتبر التبرعات من أهم الموضوعات التي عالجها الفقه الإسلامي بمختلف مذاهبه، فقد تناولتها المصنفات الفقهية وشروحها المعتمدة، وكتب النوازل المختلفة قديما وحديثا بالبحث والتدقيق، لاسيما فقهاء الغرب الإسلامي الذين أولوا الموضوع عناية خاصة ([1]).
وكانت أحكام هذا النوع من العقود على مر العصور خاضعة للمذهب المالكي، المذهب الرسمي للمغرب ([2]).
غير أنه مع مرور الوقت أخذ المشرع المغربي يعمل على تقنين مجموعة من العقود التبرعية، منها الوقف، الوصية، وأخيرا الهبة، الصدقة، والعمرى كما نص على ذلك القانون المنظم للحقوق العينية، الصادر في 24 نونبر 2011، الذي دخل حيز التنفيذ ابتداءا من 24ماي 2012.
وكما سنرى من خلال هذه الدراسة فإن الإشكالية التي كان يطرحها الموضوع هي مسألة الحوز ([3]).
حيث إن العمل القضائي كان مضطربا حول توفر الحوز في الهبة والصدقة في العقار، بصرف النظر عن عقد العمرى، الذي لا يشترط فيه معاينة الحوز، كما نصت على ذلك مدونة الحقوق العينية في المادة 610 كما سنرى ([4]).
وهكذا استمر الخلاف حول الحوز في العقار المحفظ هل يكتفى بالحيازة القانونية أم لابد من الحيازة المادية، أم يتعين الجمع بين الاثنين معا، إلى أن جاءت مدونة الحقوق العينية، فنصت على أنه بخصوص الهبة والصدقة” فإنه يغني التقييد بالسجلات العقارية عن الحيازة الفعلية للملك الموهوب، وعن إخلائه من طرف الواهب إذا كان محفظا أو في طور التحفيظ.
فإذا كان غير محفظ فإن إدراج مطلب لتحفيظه يغني عن حيازته الفعلية وعن إخلائه المادة 274.
وحيث إن الأمر يتعلق بالحوز في التبرعات تركيزا على ما جاء في المدونة، يجد ربنا دراسة الإشكالية في إطارها العام حيث إننا سنتناول كيفية التعامل معها في ضوء الفقه المالكي، والقضاء المغربي قبل دخول المدونة إلى حيز التنفيذ المطلب الأول، ثم كيف تعاملت المدونة مع هذه الإشكالية، وهل وفقت في الحسم فيها، أم أنه لازال الإشكال قائما المطلب الثاني.
المطلب الأول: أحكام الحوز في التبرعات قبل المدونة
لمعالجة هذه الإشكالية، يتعين تحديد المقصود بالحوز في التبرعات الفقرة الأولى ثم التعرض للأقوال الفقهية المتعلقة بالحوز، ومنظور الاجتهاد القضائي الفقرة الثانية.
الفقرة الأولى: المقصود بالحوز في التبرعات
أولا: الحوز في اللغة
الحوز والحيازة، بمعنى القبض، يقال حاز الشيء يحوزه حوزا إذا قبضه إليه ووضع يده عليه، وأدخله في حوزه وملكه، وفي لسان العرب، حاز الإبل يحوزها ويحيزها حوزا وحيزا، وحوزها أي ساقها رويدا، ويقال حوزها أي سقها سوقا شديدا، وخذها إليها بحزم وعجل. وليلة الحوز أول ليلة توجه فيها الإبل إلى الماء إذا كانت بعيدة منه، سميت بذلك لأنه يرفق بها تلك الليلة، فيساربها رويدا ([5]).
ثانيا: الحوز في الاصطلاح
يقول بن عرفة: “الحوز رفع تصرف المعطي في العطية بصرف التمكن منه للمعطي أو نائبه”، وفي شرحه يقول الرصاع التونوسي” هو رفع يد المعطي عن التصرف في الملك ورد ذلك إلى يد المعطى أو نائبه”، ويضيف القول: “فلو زاد مع الحد للأعم خاصية الحسي وهو الصرف بالفعل لصح ذلك”.
إذن الحوز عند ابن عرفة، هو انتقال التصرف الفعلي من يد المعطي إلى يد المعطى له، وهو الذي عبر عنه الرصاع التونسي برفع اليد من جهة المعطي ووضع اليد من جهة المعطى، والتمكين الذي أشار له ابن عرفة معناه بسط اليد على العطية بلا معاوضة، بالبيع أو غيره أو بالانتفاع. فالتصرف يجمع اليد على العطية في الرقبة والمنفعة، يقول الرصاع التونسي: “التمكن من الهبة والصدقة والبيع والاستغلال ووضع اليد بكراء وغير ذلك.
ولعل هذا التعريف، رغم شرح الرصاع، لا ينسجم مع معنى الحوز في العطايا. فالحوز في العطايا معناه تسليم الشيء المعطى من يد المعطي إلى يد المعطى له، وإن شئت قلت، هو وضع المعطى يده على العطية. ولا شأن لنا أن يتصرف فيها بالبيع أو غيره، أو ينتفع بها، وإنما أن تنقل إليه وأن تخرج فعليا من يد المعطي ومن حرزه إلى يد وحرز المعطى ([6]).
من ثم، وفي ضوء تعريف ابن عرفة وشرح الرصاع والملاحظات الواردة، يمكن تعريف الحوز بأنه: الوضع الشرعي لليد على الشيء أو الحق بالأصالة أو بالنيابة ([7]).
الفقرة الثانية: موقف الفقه والقضاء من الحوز في التبرعات
أولا: الفقه
اختلف الفقهاء حول مسألة الحوز في التبرعات عامة والهبة خاصة، فذهب مالك وأصحابه إلى أنها تلزم بالقول ولكنها تفتقر إلى الحيازة، فيحكم على الواهب بدفعها مالم يفلس أو يمرض ويجبر على ذلك خلافا للشافعي وأبي حنيفة، فالهبة عندهما لا تلزم بالقول ولا تجب إلا بالقبض، ولذلك فإن للواهب أو المتصدق الرجوع فيها مالم تقبض منه وتحز عنه، ومن ثمة فإن الهبة والصدقة وما شاكلهما من التبرعات تفتقر إلى الحيازة ولا تتم إلا بها، فإن لم تحز عن الواهب حتى مات أو أفلس بطلت، والعلة في اعتبارا لحيازة من تمام الهبة والصدقة أنهما لو أجيزتا دون حيازة لكان ذلك ذريعة إلى أن ينتفع الإنسان بماله طول حياته ثم يعمد إلى إخراجه عن ورثته بعد وفاته، وهذا محظورا ما دام أن الله قد فرض الفرائض لأهلها وتوعد من تعداها، جاء في القرءان الكريم: (تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) ([8])، البقرة الآية 229، وورد في الحديث أن أبى بكر نحل عائشة جذاذ عشرين وسقا من مال الغابة، فلما حضرته الوفاة، قال: والله يا بنية ما من الناس أحد أحب إلى غنى بعدي منك، ولا أعز على فقرا بعدي منك، وإني كنت نحلتك جذاذ عشرين وسقا فلو كنت جذذتيه واحتزتيه كان لك، وإنما هو اليوم مال وارث ([9])، وهو نص في اشتراط القبض في صحة الهبة، اعتمد من لدن من اشترط القبض ([10])، وورد في الخبر كذلك، أن عمر بن الخطاب قال: ما بال رجال ينحلون أبناءهم نحلا ثم يمسكونها، فإن مات ابن أحدهم قال: مالي بيدي لم أعطه أحدا، وإن مات قال: هو لابني قد كنت أعطيته إياه فمن نحل نحلة فلم يحزها الذي نحلها للمنحول له وأبقاها حتى تكون إن مات لورثته فهي باطلة وهو قول علي، وهو إجماع الصحابة ([11]).
ويجدر القول أن الحوز يثبت بالتطوف ومعاينة العدلين للمتبرع به، والإشهاد بذلك، هو المأثور عند الإمام مالك وأصحابه، وفي ذلك يقول ابن رحال نقلا عن المدونة: ولا يقضى بالحيازة إلا بمعاينة البينة لحوزه من حبس أو رهن أو صدقة أو هبة، والمراد بالمعاينة هنا- كما يقول التسولي: بالنسبة للعقار التطوف عليه بالبينة من سائر جهاته.
ويمكن القول أنه يثبت الحوز بتصرف المتبرع عليه بأي نوع من أنواع التصرف كالكراء ونحوه، ويثبت هذا بشهادة عدلية استرعائية أو بلفيفية سالمة من القوادح. غير أنه من تبرع بشيء على ابنه الصغير أو على محجوره فإنه يصح ولا يحتاج إلى الإشهاد بأنه يحوز له، بل يكفيه الإشهاد بذلك، وفي هذ يقول صاحب التحفة:
والأب حوزه لما تصدقا به على محجوره لن يتقى
….
وللأب القبض لما قد وهبا ولده الصغير شرعا وجبا ([12]).
وبناءا على ما ذكر يمكن القول أن الخلفاء ومن بعدهم الفقه اتفقوا على وجوب الحيازة، بل اشترطوها منعا للتحايل ([13]).
ثانيا: موقف القضاء
من خلال الاطلاع على العديد من القرارات الصادرة عن المجلس الأعلى محكمة النقض حاليا، يتبين أنه يقول بإثبات حيازة المتبرع به بمعاينة عدلين للحموز والإشهاد به أو بتصرف المتبرع عليه في المتبرع به بأي نوع من أنواع التصرف الذي يثبت بشهادة استرعائية عدلية أو بلفيفية سالمة من القوادح، لقد جاء في قراراه رقم 94 الصادر في 1/01/1968 أنه يشترط في صحة الهبة كما في سائر التبرعات الإشهاد المتضمن لبيان الموهوب، كما يشترط حيازته من طرف الموهوب له وأن الإشهاد لم يقع الإدلاء به كما لم تثبت حيازة الموهوب بعد انعقاد الهبة بصفة صحيحة، وان قضاة الاستئناف لما نصوا في حكمهم على وجوب الإشهاد بصحة الهبة طبقوا كما يجب النصوص الفقهية الواردة في شروط صحة الهبة ولم يخرقوها وقضى برفض الطلب النقض) ([14]).
إذن “الاعتراف بالحوز لا يكفي ولا يغني عن الإشهاد بمعاينة البينة للحيازة في التبرعات، قرار المجلس الأعلى رقم 459 الصادر بتاريخ 22/3/1983 في الملف العقاري عدد 94005 ([15]).
لكن القرار 174 الصادر بتاريخ 13/02/1996 في الملف العقاري 92/625 “اعتبر أن تسجيل المتصدق به يعتبر في حد ذاته حيازة قانونية للعقار تغني عن إشهاد العدول بمعاينة الحيازة وإثباتها بأية وسيلة أخرى” ([16]).
والجدير بالذكر أن القرار المذكور قد أحدث فيما يخص حجية تسجيل عقود التبرعات بالرسوم العقارية اتجاهين على صعيد المجلس الأعلى وكذا على صعيد محاكم الموضوع بين متبن لاتجاه القرار المذكور ومعارض له متمسكا بأن الحيازة لا تعتبر حيازة قانونية أو شرعية في التبرعات إلا إذا اقترن تسجيل عقد التبرع بالرسم العقاري بالحيازة المادية للعقار المتبرع به قبل حدوث مانع للمتبرع من موت أو تفليس وإلا بطل عقد التبرع وفق ما يراه الفقه والقضاء ([17]).
وهكذا بقي النقاش محتدما إلى أن صدر القرار 555 في 8/12/2003 بجميع غرف المجلس الأعلى، ومنذ هذا التاريخ استقر المجلس الأعلى والمحاكم على أن التسجيل بالمحافظة يغني عن معاينة الحيازة بعدلين، وهذا طبعا في الحالات العادية، أما في حالة المرض أو وجود عيوب الرضي أو إذا تعلق الأمر بالتبرع بالسكنى الشخصية للمتبرع، فإنه يتعين تطبيق الشروط المتعلقة بذلك ([18]).
وهو ما أخذت به مدونة الحقوق العينية، كما سنتناول ذلك في المطلب الموالي.
المطلب الثاني: أحكام الحوز في التبرعات من خلال نصوص المدونة
بعد أن تناولنا في المبحث الأول أحكام الحوز في التبرعات في الفقه والقضاء، وبينا أن هذه الأحكام كانت تختلف بحسب نوع العقار، إن كان مدرجا بالمحافظة، أو كان محفظا، نتناول في هذ المبحث كيف تعاملت المدونة مع هذه الأحكام.
يجدر الذكر إلى أن مدونة الحقوق العينية، تم نشرها في الجريدة الرسمية عدد بتاريخ 24/11/2011 ودخلت حيز التنفيذ ابتداء من 24 ماي 2012 أي بعد ستة أشهر من النشر.
ومن بين المواضيع التي تناولتها الحوز في التبرعات، خاصة الهبة والصدقة والعمرى، وذلك في المواد 291، 288، 283، 106، 274، 273.
لقد عرفت هذه المواد، الهبة، والصدقة، والعمرى، وفرقت فيما بين هذه العقود، كما تحدثت عن أحكام الحوز في كل الهبة والصدقة، وكذا العمرى، مع التمييز بخصوص الحوز بين الأوليين من جهة الفقرة الأولى والعمرى من جهة أخرى الفقرة الثانية.
الفقرة الأولى: الهبة والصدقة
أولا: التعريف
- الهبة: تمليك عقار أو حق عيني عقاري لوجه الموهوب له في حياة الواهب بدون عوض المادة 273،
- الصدقة: تمليك بغير عوض لملك، ويقصد بها وجه الله المادة 290.
وبالرجوع إلى الفقه المالكي نجد ابن عرفة جمعهما في تعريف واحد، لاتحاد أحكامهما في الغالب، فقال: “الهبة تمليك ذي منفعة لوجه المعطى بغير عوض، والصدقة كذلك لوجه الله،،
“ومعنى هذا أن تمليك الإنسان ماله مباشرة لغيره في الحياة بلا عوض إن كان قصد به وجه المعطى له فهو هبة، وإن كان قصد به وجه الله العظيم وثوابه، فهو صدقة” ([19]).
ثانيا: التمييز بين العقدين
- الهبة، يجوز فيها الاعتصار بشروط،
- الصدقة، لا يجوز الاعتصار فيها مطلقا،
- لا يجوز ارتجاع الملك المتصدق به إلا بالإرث.
وباستثناء الاختلافات المذكورة بين الهبة والصدقة، فإن بقية الأحكام الأخرى تسري على كل منهما دون تمييز، كما هو الشأن بالنسبة لأحكام الحوز.
ثالثا: الحوز في كل من الهبة والصدقة
بقراءة للمادة 274 من المدونة فإنها تقول: (يغني التقييد بالسجلات العقارية عن الحيازة الفعلية للملك الموهوب وعن إخلائه من طرف الواهب إذا كان محفظا أو غير محفظ. “.
فإذا كان غير محفظ فإن إدراج مطلب لتحفيظه يغني عن حيازته الفعلية وعن إخلائه “فإنه يتبين أن المشرع ذهب وفق ما استقر عليه المجلس الأعلى في عدة قرارات، من أن اعتبار التسجيل بالرسم العقاري يغني عن الحيازة الفعلية، لقد نصت حيثيات القرار عدد 555 الصادر عن المجلس الأعلى بجميع غرفه بتاريخ 8/12/2003 في الملف العقاري عدد 596/2/2/95” لما كانت غاية الفقه في اشتراط الحيازة في عقود التبرعات هو خروج العين المتصدق بها من يد المتصدق إلى يد المتصدق عليه، فإن تسجيل عقد الصدقة في الرسم العقاري يحقق الغاية المذكورة ويوثق بشكل أضمن لحقوق المتصدق عليه، لأنه بمجرد تسجيل الصدقة في الرسم العقاري وإشهارها للعموم يصبح المتصدق عليه مالكا وحائزا للعقار المتصدق به عليه دون منازع، ويضمن لنفسه الاحتفاظ به والتصرف فيه بجميع أنواع التصرف، والقرار المطعون فيه لما اعتبر تسجيل الصدقة في الصك العقاري قبل حدوث المانع حيازة قانونية تغني عن الحيازة الفعلية، فإنه يكون قد طبق القانون ولم يشطط في استعمال السلطة ولم يحرف وثائق الملف وعلل قضاءه تعليلا كافيا.. “.
“والواقع أنه لو وجد نظام التحفيظ العقاري في زمن الفقهاء الذين كتبوا في الحيازة في التبرعات وبينوا شروطها والغرض منها لما ترددوا في الأخذ به، ولنصوا في كتبهم على أن التسجيل بالمحافظة يحقق الغاية من الحيازة التي ترمي إلى دفع التهمة وعدم المحايل على حقوق الورثة..” ([20]).
وهذا التوجه هو الذي كرسته محكمة الموضوع أي محكمة الاستئناف بالرباط في قرارها رقم 211 الصادر في 21 يوليوز 2008- ملف عدد 245/10/2007، حيث نصت حيثيات هذا القرار على أنه “حيث إن المستأنف عليهن بتسجيلهن لعقد الهبة بالمحافظة العقارية قيد حياة الواهب لهن وقبل تاريخ وفاته… يكن قد تحوزن بالعقار الموهوب منذ تاريخ التسجيل حيازة قانونية تغني عن إشهاد العدلين بمعاينة الحوز وإخلاء العقار، واحترمت المادتان 66 و 67 من ظهير التحفيظ العقاري وساير فيها اجتهاد المجلس الأعلى المتوافر في هذا الصدد وأحدثها القرار الصادر في 8/3/2003…” ([21]).
وبمفهوم المخالفة، فإنه إذا ما تحقق الحوز الفعلي أي المادي للعقار، ولم يتم حصول الحوز القانوني أي أن يتم التسجيل على الرسم العقاري، فيبقى من حق المتبرع عليه إجبارا لمتبرع – بكسر الراء- أو ورثته، على تسجيل السند على الرسم العقاري، وفي هذا الإطار جاء في حيثيات القرار عدد 579 الصادر عن المجلس الأعلى بغرفتيه، في 13/02/2002 ملف مدني عدد 95/9/1/4054 “أن عقد التحبيس متى استوفى شروطه المعتبرة فقها وتوثيقا كان صحيحا ووجوده ثابتا وأثر إنشائه يبقى ساريا وفقا لقصد المحبس، وتنفيذ تسجيل مضمونه بالرسم العقاري يجب أن يتم ولو عارض ورثة المحبس في ذلك بعد وفاته، لكون موروثهم طبع تصرفه بطابع ديني محض، لذلك يعتبر حبسا عاما، وحمايته من النظام العام.
إن عدم تسجيل عقد التحبيس بالرسم العقاري لا يمكن أن يؤثر على صحة موضوعه أو يحد من أثره في نقل الحق للأحباس، خاصة وأن الحيازة المادية للملك المحبس تمت فعلا، وكانت بصفة علنية كافية، وثابتة باعتراف الورثة أنفسهم، وأن استغلالها كان قبل وفاة الطرف المحبس وبعده” ([22]).
“ويتضح أن هذا القرار، أقر قواعد منصوص عليها في كتب الفقه واجتهادات قضائية سبقته، وفسر وطبق نصوصا قانونية تطبيقا منسجما مع قواعد الفقه، والاجتهاد القضائي..” ([23]) التي “توجب احترام إرادة المحبس وألفاظه ورغبته في الثواب الجسيم ورضى الله العظيم” ([24]).
الفقرة الثانية: العمرى
أولا: التعريف
العمرى حق عيني قوامه تمليك منفعة عقار بغير عوض يقرر طول حياة المعطى أو المعطى له أو لمدة معلومة المادة 105 وهذا التعريف قريبا من تعريف ابن عرفة الذي يقول: “العمرى هي تمليك منفعة مدة حياة المعطي بغير عوض إنشاء” ([25]) مما يظهر معه أن الاختلاف في اللفظ ليس إلا، و”تنعقد العمرى بالإيجاب والقبول”، “وهي أن يقول: أعمرتك داري أو ضيعتي أو أسكنتك أو وهبت لك سكناها، أو استغلالها، فهو قد وهب له منفعتها فينتفع بها حياته، فإذا مات رجعت إلى ربها..” ([26])
و” يجب تحت طائلة البطلان أن يبرم عقد العمرى في محرر رسمي”.
فالعقود الرسمية – تلك – التي يتلقاها أو يحررها الموظفون الرسميون المعينون لهذه الغاية، الذين لهم صلاحية التوثيق، وفق الشكل الذي يحدده القانون في الفصل 418 من قانون الالتزامات والعقود، ويدخل في ذلك العدول والموثقين، ولا يطعن في العقود الرسمية إلا بالزور ([27]).
إلا أنه إذا وقع الطعن في الورقة بسبب إكراه أو احتيال أو تدليس أو صورية أو خطأ مادي فإنه يمكن إثبات ذلك بواسطة الشهود، وحتى بواسطة القرائن المنضبطة المتلائمة دون احتياج إلى القيام بدعوى الزور.
ويمكن أن يقوم بالإثبات بهذه الكيفية كل من الطرفين أو الغير الذي له مصلحة مشروعة، كما ينص على ذلك الفصل 419 من قانون الالتزامات والعقود ([28]).
ثانيا: الحوز
إن المدونة لم تشترط في العمرى معاينة الحوز، سواء المادي أو القانوني كما هو الشأن بالنسبة للهبة والصدقة – كما سبق تفصيل ذلك-، لقد جاء في المادة 106 أنه “لا تشترط معاينة الحوز لصحة عقد العمرى”. وإنما أوجبت على المعطى له أن يحافظ على العقار موضوع العمرى بأن يعتني به ويحرص عليه كما يحرص على ملكه، وذلك على نفقته، ويدخل في ذلك كل التكاليف العادية المفروضة على العقار، حيث يقيم فيه بنفسه ويستفيد من غلته.
وبناء على ما ذكر يتضح بأن مدونة الحقوق العينية حسمت في إشكال كان قائما اختلف حوله المجلس الأعلى بإصدار قرارات متناقضة، وإن كان القرار رقم 555- السالف الذكر- يعتبر بمثابة قفزة نوعية، حيث اعتبر أن الحيازة القانونية تغني عن الحيازة المادية، فإن مشرعي مدونة الحقوق العينية أثناء الصياغة استحضروا موضوعية هذا القرار ودوره في حماية حقوق المتبرع عليهم خاصة أولئك الذين اكتفوا بالحوز القانوني دون الحوز المادي، فكرسوا ذلك في المادة 274.
وهذا ما سيسهل المأمورية على القضاة وهم ينضرون في قضايا من هذا النوع، مع العلم أنه في حالة ما إذا لم تتم الحيازة القانونية بخصوص الهبة أو الصدقة وتم الاكتفاء بالحيازة المادية، فإنه يطبق بشأن ذلك قواعد الحوز المادي الجاري به العمل فقها وقضاءا.
[1]ينظر علال العبودي: الحيازة في التبرعات في الفقه المالكي وموقف المجلس الأعلى من التبرع بالعقارات غير المحفظة خاصة، مجلة القضاء والقانون، العدد 149، ص.107.
[2]المرجع السابق.
[3]ينظر محمد برادة غزيول ومن معه: الدليل العملي للعقار غير المحفظ، طبعة فبراير 2007، ص. 87/86، بتصرف.
[4]ينظر إبراهيم بحماني: عقود التبرع في الفقه والقانون والقضاء، طبعة 2012، ص .7 بتصرف.
[5]ينظر عبدالرحمان بلعكيد: الهبة في المذهب والقانون، طبعة 1997، ص. 256 بتصرف.
[6]يراجع عبدالرحمان بلعكيد: المرجع السابق، ص.256 بتصرف.
[7]يراجع عبدالرحمان بالعكيد، مرجع سابق، ص.258.
[8]ينظر عادل حميدي: التصرفات الوردة على العقار غير المحفظ بين الفقه الإسلامي والفراغ القانوني، المطبعة والوراقة الوطنية بمراكش، ص. 149 وما بعدها بتصرف.
[9]ينظر محمد بن رشد: بداية المجتهد ونهاية المقتصد، دار المعرفة بلبنان، الطبعة التاسعة 1983، ج 2/328.
[10]نفس المرجع والجزء، ص.229.
[11]نفس المرجع والجزء، ص 330.
[12]يراجع علال العبودي: مرجع سابق، ص.135.
[13]يراجع عادل حميدي، مرجع سابق، ص. 151 بتصرف.
[14]يراجع علال العبودي: مرجع سابق، ص.138.
[15]المرجع السابق.
[16]المرجع السابق.
[17]المرجع السابق.
[18]ينظر إبراهيم بجماني: عقود التبرع في الفقه والقانون، الطبعة الأولى 2012، ص. 4.
[19]ينظر محمد الصقلي: تعليق على قرار عدد 6560 بتاريخ 12 دجنبر 1995 في الملف مدني عدد 3608، منشور بمجلة قضاء المجلس الأعلى، العدد 50/49، ص.295.
[20]يراجع إبراهيم بحماني، مرجع سابق، ص. 32.
[21]تنظر قرارات الغرفة الشرعية بمجلة قضاء محكمة الاستئناف بالرباط، العدد الثاني: 2012، ص. 116.
[22]يراجع إبراهيم بحماني، مرجع سابق، ص.108.
[23]المرجع السابق، ص. 116.
[24]المرجع السابق، ص. 120.
[25]ينظر التسولي: البهجة في شرح التحفة، ج 2، ص.406.
[26]ينظر ابن الجوزي: القوانين الفقهية، ص.245.
[27]ينظر محمد بن الصغير: منهجية تحرير العقود في المغرب، مجلة المحاكم المغربية، العدد 2006/105، ص.34.
[28]تنظر أمينة ناعمي: توثيق التصرفات العقارية على ضوء مدونة الحقوق العينية، سلسلة “الأنظمة والمنازعات العقارية”، الإصدار السادس حول موضوع “النظام القانوني الجديد للحقوق العينية “2012”، ص.65.





