ذ. عبد الحفيظ اجعيدي
باحث بسلك الدكتوراه
جامعة ابن زهر- اكادير
مقدمة:
القانون الإداري عبارة عن قانون قضائي، والقضاء مصدر رسمي لقواعد القانون، وعلى هذا الأساس يرسم الفقه الحدود الفاصلة بين دور القاضي المدني والقاضي الإداري، فالقاضي الاداري لا تتوقف مهمته عند تطبيق القواعد المقننة، وانما تمتد إلى إنشاء القواعد القانونية على نقيض الدور الموكول للقاضي المدني، ذلك أن دور المشرع يبقى محدودا بالنظر إلى كونه لم يعالج الا حالات خاصة، دون التصدي لكل النزاعات التي تكون الادارة طرفا فيها.
إذ يكتفي بوضع قواعد عامة يبقى الاجتهاد القضائي الاداري دور في تأويلها وتحديد مضمونها، وقد عبر عنها الفقيه الفرنسي جورج فيديل بخصوص القانون الاداري الفرنسي حينما قال: “ان قيمة القانون الاداري تعود الى كونه قد تم وضعه من طرف مجلس الدولة”.
وبالرجوع الى القانون الاداري المغربي الذي يستمد أغلب القضايا انطلاقا من الاجتهاد القضائي الفرنسي، وبالتالي فالاجتهاد القضائي الاداري المغربي لعب دورا محوريا في بناء القضاء الاداري، ويتضح الامر جليا من خلال القرارات الصادرة عن المجلس الاعلى (محكمة النقض حاليا ) منذ تأسيسه في 27 شتنبر 1957، مثل قضية عبد الحميد الروندة الصادر بتاريخ 18 يونيو 1960، نجد أن المجلس الاعلى اعتبر أن القرار المتخذ من طرف الملك لا يمكن اعتباره قرار اداري، وبالتالي لا يمكن الطعن فيه عن طريق دعوى الالغاء بسبب تجاوز السلطة، إن اتخاذ هذا القرار من طرف الغرفة الادارية لم يعتمد فيه القاضي الاداري على أي نص قانوني، ذلك أن النص بالخصوص الفصل الاول من ظهير 27 شتنبر1957 المؤسس للمجلس الأعلى على امكانية الطعن في القرارات الادارية بسبب الشطط في استعمال السلطة، فهو لم يحدد نوعية القرارات التي تخضع لهذا الطعن، ومن تم كان للقاضي الاداري حرية التقييم معتمدا في ذلك على سلطته التقديرية، وما تمليه ظروف النازلة، وكذا على المبادئ العامة للقانون وخصوصيات المجتمع بما تتضمنه من اعتبارات تاريخية وسياسية ودينية، وهو نفس الذي يمكن ملاحظته من خلال قراءة قانون 41/90 المحدث للمحاكم الادارية، والصادر بتاريخ 11 يوليوز 1991.
هذا القانون حدد في مادته 8 الحالات التي يتدخل فيها القضاء الاداري، إلا أن هذا التحديد يبقى متسما بالعمومية، ويرجع السبب في ذلك إلى غياب التشريع الذي ينبغي تطبيقه بشكل مفصل على مختلف المنازعات المطروحة أمام القضاء الاداري مما يفتح المجال أمام القاضي الاداري ليجتهد ويبدع حلول لمختلف القضايا انطلاقا من المبادئ العامة للقانون ومبادئ العدالة والانصاف، ومبررات الدور الانشائي للقاضي الاداري، تتمثل في خصائص القانون الاداري في عدم تقنين هذا القانون يعني أن المشرع لم يصدر مجموعة من التشريعات التي تضم مبادئ والقواعد التفصيلية للقانون الاداري، وتجميعها في مجموعة واحدة يسهل الرجوع إليها حداثة القانون الاداري بالمقارنة مع القوانين الأخرى، كالقانون المدني والتجاري اللذين تمتد جدورهما التاريخية إلى حقبة زمنية قديمة جدا القانون الاداري سريع التطور، نظرا لارتباطه بالحياة الادارية التي تتسم بالتغيير السريع وفقا لمتطلبات التطور الاقتصادي والاجتماعي والسياسي القانون الاداري يستهدف تحقيق التوازن بين المصلحة العامة وضرورات حماية الحقوق والحريات، ولتحقيق هذه الغاية لابد أن تكون لدى القاضي الاداري القدرة القانونية على ابتكار المبادئ القانونية لتحقيق هذا التوازن، أما إذا ما تم تقنين هذا القانون فإن سلطة القاضي ستكون مقيدة إلى حد كبير يجعلها غير قادرة على تحقيق غاية القانون الاداري، أضف إلى ذلك أن القانون الإداري من صنع القضاء فكان لزاما على هذا الأخير أن ينهض بهذه المهمة من خلال وضع أسسه ونظرياته، وهذا ما يفتح الباب على مصراعيه أمام القاضي الإداري الذي يتدخل بشدة لإيجاد تكييف للقضايا التي تعرض عليه قبل أن يسعى إلى حلها.
إن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة، هو أن تدخل القاضي الإداري لاستنباط القواعد القانونية وابتداع حلول يقتضي منه إعطاء تكييف صحيح وسليم للوقائع قبل ترتيب أثارها، فما هي حدود عمل القاضي الإداري في تحقيق التوازن بين المصلحة العامة وحماية الحقوق والحريات؟
من أجل تحليل ومناقشة عناصر البحث وتفكيك رموز الإشكالية المحورية لابد من الحديث عن افاق العمل، ولكن قبله حدود عمل القاضي الإداري.
المبحث الأول: حدود عمل القاضي الإداري
مما لا شك فيه أن القاضي الإداري يلعب دورا مهما في حماية الحقوق والحريات، ويضمن التوازن الشكلي والموضوعي بين حماية حقوق الإدارة، وكذا حماية الحقوق الأساسية سواء تلك الموجودة في متن الدستور أو في الاتفاقيات الدولية، أو حتى في المبادئ العامة للقانون، فالقاضي الإداري أبان من خلال أحكامه وقرارته عن دور ريادي ومهم في سبيل تحقيق العدل والإنصاف، فهو قاض مبدع وخلاق، بل يمكننا القول بأن القاضي الإداري المغربي تجاوز حتى القاضي الفرنسي في اجتهاداته، لأنه يمكننا الحديث عن تجربتين متناقضتين مرحلة ما قبل إحداث المحاكم الإدارية إذ تميزت هذه المرحلة بكون القاضي الإداري فيها عبدا للاجتهاد القاضي الفرنسي فترة يمكن أن نطلق عليها مرحلة التقليد، وفترة عرفت نضج المستوى القضائي يمكن أن نطلق عليها مرحلة الإبداع.
إلا أنه بالرغم من ذلك هناك معيقات وعراقيل تقف أمام هذا الإجتهاد القضائي الإداري منها ما هو قانوني، ومنها ما هو مؤسساتي، لكن بالرغم من ذلك فالمنظومة القضائية المغربية لازالت في مرحلة التأسيس وتثبيت المكتسبات التي هي ضمن قالب قوانين صدرت، وأخرى لها علاقة بالميثاق إصلاح منظومة العدالة المبني على عدة أسس في سبيل إصلاح المنظومة القضائية ككل.
فالحديث عن حدود عمل القاضي الإداري منها ما هو ذاتي، أي منطلقات تكبح وتفرمل يد القاضي الإداري كالتكوين والتكوين المستمر، الذي يلعب دورا مهما في جودة الأحكام، أضف إليها عامل أخر مهم هو أن المتحكم في عنصر إنتاج الاحكام هو البعد الكمي لا الكيفي وبالتالي سيؤثر لا محالة في سير العدالة، دون أن نغفل الحدود الموضوعية المرتبطة أساسا بما هو قانوني مسطري صرف غياب مسطرة إدارية سيؤدي لا محالة إلى هيمنة جانب السلطة التقديرية للقاضي الإداري
المطلب الأول: الحدود القانونية
تتجلى أهم القيود القانونية المفروضة على القاضي الإداري في غياب مسطرة إدارية خاصة بالمنازعات الإدارية، على إعتبار أن المسطرة المدنية جاءت مقتضياتها بصفة عامة، ولا تراعي خصوصيات المنازعات الإدارية التي يكون فيها طرف قوي الذي يتجلى في الإدارة، وطرف ضعيف ألا وهو المواطن، وبالتالي ينبغي إصدار مدونة إدارية، لسد الفراغ التشريعي وأيضا إشكالية تنفيذ الأحكام ضد الإدارة على اعتبار أن القاضي يقضي ولا يدير
الفقرة الأولى: إشكالية غياب مسطرة إدارية
إن القوانين المتعاقبة في مصر وفرنسا وكذا في المغرب لم تضع قانونا متكاملا، في المغرب نجد قانون 41/90 المتعلق بإحداث المحاكم الإدارية، بل الأكثر من هذا نجد هذا القانون في الكثير من الأحيان يحيل إلى قواعد المسطرة المدنية.
و يمكن إرجاع ذلك إلى مقتضيات المرونة والتطور الذي يتميز به القانون الإداري، وتتجلى الحاجة إلى مسطرة إدارية خصوصا في الإثبات، وبالتالي فسح المجال أمام القاضي الإداري في الهيمنة على إجراءات الدعوى الإدارية بصفة عامة، وإجراءات التحقيق بصفة خاصة، والتي تظل خاضعة لرقابته وسلطته التقديرية فيما يتعلق بمدى جدية تلك الوسائل المقدمة من قبل الأطراف سعيا منهم لإثبات الحق المتنازع فيه، لذلك فإن الدعوى الإدارية تتميز عن تلك الوسائل المقننة والمنحصرة في القانون الخاص لتنتقل بذلك من نظام الإثبات المقنن إلى نظام الإثبات المعنوي[1].
أضف إلى ذلك هناك إشكال جوهري يتجلى في تشتت النصوص المرتبطة بالمنازعات الإدارية بين قانون إحداث المحاكم الإدارية، وقانون المسطرة المدنية، ومدونة تحصيل الديون العمومية، ومدونة الانتخابات وقانون الالتزامات والعقود، مما يفتح المجال للتأويل من جهة، وكذا التعارض الممكن الحاصل بين شتات هذه النصوص.
كما أن قواعد القانون الإداري قواعد متغيرة وغير ثابتة ومرنة تتطور حسب المستجدات، وطبق ما تقتضيه المصلحة العامة، مما يجعله قانون مختلف نوعيا عن فروع القانون الخاص، إذ تتمركز الإدارة في مركز أعلى في النزاع مما يكسب هذا القانون خصوصيته القائم أساسا على فكرة عدم التوازن بين أطراف النزاع[2].
إن مرد تدخل القاضي الإداري في إثبات الدعوى الإدارية الطبيعة الخاصة لهذه الدعوى والتي يختل فيها التوازن بين أطراف الدعوى‘ هما جهة الإدارة بوصفها سلطة عامة تتمتع بامتيازات مهمة أهمها قرينة سلامة القرارات الإدارية وامتياز التنفيذ المباشر بالإضافة إلى حيازة الأوراق والوثائق الإدارية، والفرد المتضرر من عمل الإدارة والخالي من أي امتياز، وبالتالي تنشأ مشكلة عدم التوازن بين أطراف الدعوى الإدارية، وبالتالي أصبحت الضرورة ملحة لتدخل تشريعي من أجل مسطرة إدارية لتحقيق التوازن بين الإدارة والمواطن.
إن القاعدة التي كانت سارية في التشريع الإداري المغربي هو كون الإدارة غير ملزمة بتعليل قراراتها، إلا في حالات استثنائية تظهر من خلال القانون أحيانا تظهر من خلال القانون أحيانا، ولم تكن مجبرة على التعليل إلا أمام القضاء، وهو الأمر الدي يفقد الثقة في الإدارة، ولا سيما المستثمرين.
إن تخصص المحاكم الإدارية دون غيرها بالنظر في المنازعات التي تكون الإدارة طرفا فيها سيؤثر في طبيعة الرقابة ذاتها من خلال توسيع وتعميق هذه الرقابة ذاتها من خلال توسيع وتعميق هذه الرقابة على علاقة الإدارة بكل المتعاملين معها خاصة الأفراد، كما أن المسطرة كتابية تستلزم حضور محامي مما يصعب إمكانية الولوج للقضاء، أضف إلى ذلك أن المنازعات الإدارية ما عدا في الحالتين المنصوص عليهما في المادة 9 ومن قانون 41.90، أصبح ينظر إليها أمام درجتين، خاصة بعد إحداث المحاكم الإدارية.
أضف إلى ذلك طول أمد النزاع خصوصا في المنازعات الضريبية، ففي نطاق دعوى تجاوز السلطة، يعتبر غياب التنفيذ الجبري أو الإكراه على تنفيذ مقرر، أحد الامتيازات الكبرى التي تتوفر عليها السلطة العمومية، وذلك أن أطراف النزاع ليسوا في وضعية متساوية، فعندما يرفض القاضي الدعوى سيكون من السهل دخولها حيز النفاذ، لأن العمل الإداري المطعون فيه قد يكون شرعيا، أما في حالة الإلغاء، فالطاعن لا يمكنه أن يعتمد سوى على الإدارة أو النية الحسنة للإدارة لأنه ليس في استطاعته استدعاء القوة العمومية من أجل إبعاد الآثار القانونية المترتبة عن العمل الإداري الغير المشروع.
فالقاضي الإداري لا يملك ولا يتوفر على الوسائل الإكراهية من أجل إجبار الدولة على تنفيذ مقرراتها القضائية كالجيش والشرطة.
وعليه، فإن عنصر الإلزام في تنفيذ أحكام القضاء في المغرب، كما قال الأستاذ عبد الله حداد «… لا يمكن بالنسبة للأشخاص العمومية في الاستعانة بالقوة العمومية بل يجد أولا في الأمر الذي يوجهه جلالته الذي يعتبر سلطة عليا موجودة فوق الجميع، فالوزير الذي يرفض الامتثال لحكم القضاء يكون قد عصى أمرا مولويا ويجب مؤاخذته عليه ولا يمكن أن يعفى من الجزاءات مهما كانت الحصانة التي يتمتع بها.
الفقرة الثالثة: إشكالية تنفيذ الأحكام ضد الإدارة
إن الدولة الحديثة يحكمها مبدأ من أسمى المبادئ وهو مبدأ المشروعية، وهو يساوي في مغزاه مبدأ سيادة القانون الذي يلزم حتى الدولة نفسها باحترامه، لأنه مهما كان اتساع سلطات الإدارة، فإنه يجب أن تمارس وظائفها واختصاصاتها ضمن الحدود والضوابط المسطرة من طرف القانون. إلا أننا نجدها تعمد إلى استعمال مجموعة من الصور والأساليب للامتناع عن تنفيذ الأحكام الصادرة ضدها.
إن أسباب امتناع الإدارة ليس دائما ظاهرة خاصة عندما تتذرع بالنظام العام،[3] مما يصعب معه إثبات انحرافها في السلطة في ظل السلطة التي تتمتع بها.
ويفسر اصطلاح “النظام العام” في هذا الإطار تفسيرا دقيقا حيث يقصد به النظام في الطريق[4]وذلك باستبعاد كل فكرة عن النظام الاجتماعي وكل اعتبار ذي طبيعة إنسانية.
إن أهم سبب لوجود الإدارة هو المحافظة على النظام العام بصوره الثلاث (الصحة العامة، السكينة العامة والأمن العام)، وبالتالي إذا كان تنفيذ الحكم القضائي من شأنه المساس بالأمن العام ووقوع اضطرابات فلا يتم تنفيذه[5]. وهنا يتم تقديم الصالح العام على الصالح الخاص.
ومن أشهر التطبيقات لهذا المبدأ امتناع الإدارة الفرنسية عن تنفيذ حكم قضائي بدعوى المساس الخطير بالأمن العام، وتتلخص وقائع هذه القضية في أن أحد الأفراد المقيمين في تونس، خلال فترة الاستعمار الفرنسي حصل على حكم بملكيته لقطعة أرضية وعندما ذهب لوضع يديه عليها فوجئ بأن قبيلة عربية استقرت عليها منذ زمن بعيد ورفضت التخلي عن الأرض فلجأ الشخص إلى الإدارة الفرنسية طالبا مساعدة القوة العمومية لتنفيذ الحكم القضائي، غير أن المقيم رفض مده بالقوة اللازمة على أساس أن اللجوء إلى القوة يلحق ضررا جسيما ويهدد بإشعال الفتنة وهياج خطير على الأمن العام ولم يكن أمام صاحب الشأن سوى اللجوء إلى مجلس الدولة طالبا التعويض عن الضرر الذي لحقه من جراء عدم التنفيذ[6].
ونفس المنحى سلكه القضاء الإداري المصري، حيث حرصت أحكامه على تأكيد مشروعية امتناع الإدارة عن تنفيذ حكم ما، إذا كان من شأن هذا التنفيذ أن يؤدي إلى الإخلال بالنظام العام كحدوث فتنة أو تعطيل سير مرفق عام، ومن الأحكام الإدارية المصرية الشهيرة، حكم المحكمة الإدارية العليا بتاريخ 23 دجنبر 1961[7].
ويتجه القضاء الإداري المغربي بدوره، على غرار القضاء الإداري الفرنسي والمصري نحو التأكيد على جواز تعطيل تنفيذ الأحكام القضائية في حالات استثنائية، وهو ما يستفاد من خلال حكم الغرفة الإدارية بالمجلس الأعلى، وجاء في إحدى حيثيات هذا الحكم ما يلي: “وحيث يؤخذ من أوراق الملف أن المنفذ عليها دون الاحتجاج بوجود أي ظرف استثنائي رفضت منع استعمال القوة العمومية لتنفيذ الحكم، رغم أنه حائز لقوة الشيء المقضي به ومذيل بصيغة التنفيذ، مما يتعين معه إبطال مقرر الرفض الضمني”[8].
والغرفة الإدارية بالمجلس الأعلى باستعمالها عبارة “دون الاحتجاج بأي ظرف استثنائي” تكون قد أقرت بجواز رفض تسخير القوة العمومية لتنفيذ حكم قضائي في حالات استثنائية، إلا أنها تحفظت في تحديدها وهذا يحسب لها، حتى لا تتذرع الإدارة بوجود حالة استثنائية في كل مرة ارتأت فيها تعطيل تنفيذ حكم قضائي ما[9].
في حين عملت المحاكم الإدارية على تحديد الحالات الاستثنائية في احتمال وقوع اضطرابات جماعية تهدد المجتمع وتشكل خطرا على الأمن والنظام العام[10].
وما دام لفظ النظام العام يتميز بالعمومية والتجريد، فإنه يجب أن يحدد بدقة حتى لا تتخذه الإدارة كحجة في كل مرة ارتأت التملص من تنفيذ الحكم القضائي الصادر ضدها.
وبالتالي فإن امتناع الإدارة عن تنفيذ الأحكام الإدارية الصادرة في حقها، وإن كان يمليه واجب الحفاظ على النظام العام، فإنه لا يعدو أن يكون مجرد إجراء استثنائي لا يتوسع في تفسيره على حساب مبدأ القوة الملزمة للشيء المقضي به، لأن الإدارة التي تتنصل من التزاماتها بتنفيذ الأحكام الصادرة ضدها بدعوى أن هذا التنفيذ يتعارض مع المصلحة العامة، هو في نظرنا زعم خاطئ، لأن المصلحة الأعلى التي تعلو أي مصلحة أخرى هو وجوب احترام القانون، والذي يدخل في سياقه الخضوع لأحكام القضاء.
والإدارة إذا رغبت الاستمرار في تعطيل تنفيذ الأحكام المدانة بها، فإنها قد تتمسك بوجود صعوبات مادية وقانونية تعيق عملية التنفيذ.
أولا: أسباب تتعلق بصعوبة التنفيذ من طرف الإدارة
إن أغلب حالات امتناع الإدارة عن تنفيذ الأحكام الإدارية الصادرة في مواجهتها، لا ترجع إلى تجاهل الإدارة لمبدأ حجية الشيء المقضي به وإنما إلى الصعوبات التي تعترضها أثناء تنفيذ تلك الأحكام[11]. وتشمل هذه الصعوبات نوعين فإما أن تكون صعوبات مادية أو أن تبرر الإدارة امتناعها عن التنفيذ بوجود صعوبات قانونية.
أ: الصعوبات المادية
رغم كون الإدارة ملزمة بتنفيذ أحكام القضاء بما يضمن احترامها للقانون، إلا أنها قد تستعمل من المبررات والأسباب ما يكفي للتحايل أو التهرب من تنفيذ الأحكام الصادرة ضدها، لهذا نجدها تتمسك ببعض الصعوبات المادية، وإن كانت في حقيقة الأمر أن هذه الصعوبات من صنع الإدارة نفسها[12].
ومن هذه الصعوبات، عدم توفر الاعتمادات المالية اللازمة للتنفيذ خاصة عندما يتعلق الأمر بأحكام تتضمن تعويضا أو فرضا لغرامة مالية، مما يجعل الإدارة تواجه هذا النوع من الأحكام برفض أو تأخير التنفيذ لعدم وجود اعتمادات كافية ومن المقترحات الممكنة للتغلب على هذه الصعوبة، تخصيص اعتمادات كافية بالميزانية الفرعية لكل وزارة معنية بالتنفيذ مع جعل البند الخاص بالتنفيذ غير قابل للتحويل ضمانا لتنفيذ الأحكام الإدارية، حتى لا يبقى التنفيذ رهينا لمدى رغبة الإدارة ومرتبط بحسن نيتها[13].
إلى جانب هذه الصعوبة هناك صعوبة أخرى، هي في حقيقتها مفتعلة من طرف الإدارة، وتحتمي وراءها للتهرب من تنفيذ الأحكام القضائية الإدارية التي لا تروق لها، وتظهر هذه الصعوبة من خلال دعوى الإلغاء، حيث تتذرع الإدارة في غالب الأحيان بصعوبة التنفيذ لوجود استحالة في تصحيح المراكز القانونية المتضررة، كإلغاء الوظيفة أو تعيين موظف آخر في نفس الوظيفة التي فصل منها الموظف السابق وقد ترتبط الصعوبات المادية بكيفية إعادة موظف، وترقيته بعد إلغاء قرار فصله[14]، فهنا لا بد من ضرورة احتراز الإدارة واتخاذها الإجراءات المناسبة للحفاظ على المنصب المالي في حالة الطعن في قرار العزل عن طريق دعوى الإلغاء.
ب: الصعوبات القانونية
القضاء الإداري يصدر أحكاما ضد الإدارة إما بإلغاء قراراتها غير المشـروعة أو الحكم عليها بالتعويض، إلا أنه لا يتوفر على سلطة حقيقية لإجبارها على التنفيذ، لعدم توفره على الوسائل القانونية والمادية للقيام بذلك[15]، فالإدارة كلما رغبت في التقاعس عن تنفيذ الحكم الإداري الواجب تنفيذه، قد تتعلل بوجود صعوبات قانونية، تتمثل أساسا في صعوبة تفسير الحكم القضائي أو فهم مقصوده[16]، وإن كان هذا لا ينهض مبررا لسلبيتها، لكونها تملك اللجوء إلى الجهة القضائية المصدرة للحكم لتستفسرها عن كيفية تنفيذ أحكامها، حين يكون هناك ما يدعو للشك في تفسيرها[17]،ووجود هذه الصعوبة لا يعطي للإدارة الحق في التملص من التزامها بتنفيذ الحكم تنفيذا كاملا وصحيحا[18].
وللحد من هذه الصعوبات القانونية التي تعترض الإدارة أثناء تنفيذها للأحكام المدانة بها، فإنه ينبغي أن يكون منطوق الحكم واضحا كل الوضوح حتى لا يحتمل عدة تفسيرات من طرف الإدارة، وأن يعمل القاضي الإداري على تحديد كيفية تنفيذه وتعليله تعليلا سليما، وكذا تفسيره للقواعد والمبادئ المطبقة، حتى يسهل على الإدارة متابعة إجراءات تنفيذه، وذلك مسايرة للقضاء الإداري الفرنسي والمصري، حتى لا يقتصر منطوق الحكم على إلغاء القرار فقط، أو إضافة عبارة “مع آثاره القانونية” دون تحديدها[19] وهذا ما يفسح المجال للإدارة للامتناع عن التنفيذ لعلة وضوح منطوق الحكم أو صعوبة تفسيره.
إذا كانت هذه الصعوبات المادية والقانونية تحول دون تنفيذ الأحكام الإدارية أو تكون سببا في تأخير تنفيذها فإن هناك حالات أخرى من امتناع الإدارة عن تنفيذها للأحكام الصادرة ضدها، لكن هذه المرة سببها راجع إلى تقاعس الإدارة وتعنتها، اعتقادا منها أن إقدامها على تنفيذ الأحكام هو بمثابة ضعف، وضرب في العمق لامتيازاتها واستقلاليتها تجاه القضاء.
وما يميز هذه الحالات من الامتناع هو أن الإدارة تتعلل بامتناعها عن التنفيذ بأسباب خفية، لا يمكن لها أن تتمسك بها صراحة.
تلكم إذن هي أهم الأسباب التي تتذرع بها الإدارة في عدم تنفيذ الأحكام القضائية الموجهة ضدها من طرف القاضي الإداري
تتمظهر أهم الحدود الموسساتية في كون التنظيم القضائي المغربي يعرف نوعا من اللاتوازن على مستوى البنيات القضائية فبين نظام القضاء المزدوج، والقضاء الموحد المغرب يعرف ازدواجية على مستوى القاعدة أي وجود محاكم متخصصة قضاء إداري وقضاء تجاري بالرغم من قلتها، ونجد تكريس القضاء الموحد على مستوى الهرم لغياب مجلس الدولة
الفقرة الأولى: إشكالية ندرة المحاكم الإدارية
كما نعلم جيدا بأن المغرب قد خطى خطوات مهمة في سبيل النهوض بحقوق الإنسان والمواطن من خلال إحداث المحاكم الإدارية بموجب قانون 41/90، وكما هي مفصلة في المرسوم التطبيقي في 7 محاكم إدارية في كل من فاس ومكناس، الرباط، الدار البيضاء، مراكش، أكادير، وجدة،
هناك تفاوت عددي بين عدد جهات المملكة، وعدد المحاكم الإدارية، التي تطرح إشكالية حول القدرة التدبيرية لعدد المحاكم الذي ينحصر في سبع محاكم إدارية، فالمتمعن في الخريطة القضائية يجد تفاوت على مستوى المجال الترابي بكل ما تحتويه من إدارات، ومؤسسات، وبالتالي غياب التقسيم الترابي المتوازن للمحاكم يجعلها تحت ضغط المهام الموكولة لها بالإضافة إلى شساعة المناطق التي يصعب على المحاكم تغطيتها، على سبيل المثال لا الحصر جهة طنجة أصيلة لا تتوفر على محكمة إدارية، وبالتالي تكريس المركزية الترابية، ومنه كباحثين نطرح التساؤل التالي، كيف يمكن لإدارية الرباط أن تغطي كل هذه المناطق بالنظر إلى موارد بشرية محدودة، وبالتالي التأثير على قيمة العدالة كمفهوم داخل نسق المحاكم الإدارية.
كما تطرح إشكالية أخرى تتجلى بالأساس في فلسفة توزيع المحاكم الإدارية، فمثلا جهة درعة تافيلالت التي تمتد على مساحة 88.836 كم 2، ويبلغ عدد سكانها 1.635008، ولا تتوفر على محكمة إدارية
و إذا كان المغرب قد أحدث محاكم الاستئناف الإدارية بموجب قانون 80.03 الصادر بموجبه الظهير الشريف 1-06-07 الصادر في 15 محرم 1427 الموافق ل 14 فبراير 2006، وحدد عددها في اثنين الأولى بالرباط، والثانية بمراكش، وهو حدث مهم ودعامة أساسية لحماية الحقوق، إذ أصبح بإمكان المتقاضين استئناف أحكام المحاكم الإدارية ليس أمام الغرفة الإدارية بمحكمة النقض، وإنما أمام محكمة الاستئناف الإدارية بالرباط، أو أمام محكمة الاستئناف بمراكش بالنظر إلى احترام قواعد الإختصاص، الشيء الذي يدعوا إلى تدخل عاجل من طرف المشرع لإنشاء محاكم إدارية جديدة سواء إدارية إبتدائية أو استئنافية، حتى لا يحرم المواطن من الحق في التقاضي بداعي المسافة.
الفقرة الثانية: غياب مجلس الدولة
يعد مجلس الدولة الفرنسي بمثابة القاضي الإداري الأعلى، وهو المجسد للفصل الحقيقي بين السلط، إذ يفصل بين نشاطات السلطة التنفيذية، والهيات الإقليمية، والسلطات المستقلة والمؤسسات العامة الإدارية، أو الهيأت التي تملك صلاحية القوة العامة. وبحكم وظيفته المزدوجة القانونية والإستشارية يؤمن خضوع الإدارة الفرنسية للقانون، وهو بمثابة المدير العام للمحاكم الإدارية ولمحاكم الإستئناف الإدارية.[20]
إذن من خلال هذا التقديم عن دور مجلس الدولة الفرنسي في المنازعات الإدارية أصبحت الضرورة تتطلب تدخل المشرع لإنشاء مجلس الدولة بالنظر إلى كون الغرفة الإدارية بمحكمة النقض حاليا بالرغم من الوسائل المادية والبشرية المتاحة أمامها تبقى غير كافية على إعتبار كونها لازالت تحت إمرة الجهاز التنفيذي خصوصا وزارة العدل والحريات، فمن أجل قضاء عادل ونزيه لابد من إحداث هذه المؤسسة.
أضف إلى ذلك لابد من جهاز أعلى على الهرم القضائي المغربي، لتكريس إزدواجية القضاء الحقيقية وليس الإكتفاء بها على مستوى القاعدة
الفقرة الثالثة: إشكالية الوعي بأهمية المحاكم الإدارية
إن الاكتفاء بوضع جهاز قضائي، وإن كان فعالا وكفء غير كافي لأداء دوره كاملا إذا لم يتم ربطه بالمحيط والبيئة لتنزيله وللمستوى الثقافي للمتقاضي علاقة وطيدة بإقدامه على رفع دعوة إدارية إذا ما تعرض لاعتداء من طرف الإدارة إذ أنه كلما كان المستوى الثقافي والوعي أكبر، كلما ازدادت نسبة الإقدام على التقاضي ويبين الجدول أسفله معطيات إحصائية لأهمية المعطى الثقافي. [21]
| المهنة | موظف عمومي | مهنة حرة | طالب | شخص معنوي خاص | إدارة | مستخدم | المجموع |
| العدد | 78 | 97 | 11 | 08 | 07 | 07 | 208 |
| النسبة | 37.5 | 46.63 | 5.28 | 3.84 | 3.36 | 3.36 | 100 |
تضمن هذا الجدول عدد الطاعنين أمام المحكمة الإدارية بمراكش
الملاحظ أن الفئة التي قدمت أكبر عدد من الطعون هي فئة الموظفين العموميين، حيث شكلت 37.5 بالمائة، وهي نسبة كبيرة بالمقارنة مع فئة المستخدمين التي شكلت 3.36 بالمائة.
و يمكن إرجاع ذلك إلى عدة عوامل منها كون الموظف العمومي مؤطر من الناحية القانونية، ويتمتع بضمانات منصوص عليها في قانون الوظيفة العمومية، ومن تم لديه الشجاعة والجرأة في مقاضاة الإدارة.
إن الموظف العمومي غالبا ما يشترط لتوظيفه مستوى دراسي معين، ومن تم فإن مستواه الثقافي يؤهله إلى الإقدام على مقاضاة الإدارة، أضف إلى ذلك مجال الوظيفة العمومية هو المحطة الأكبر لتنفيذ القرارات الإدارية من نقل وتعيين وعزل وترسيم وترقية.
وفي نفس السياق يلعب الوعي الثقافي دورا مهما خصوصا في مسألة جهل المتضرر من قرارات الإدارة، أو أنه لا يعلم حقيقة القرارات المتخذة في حقه، وتأثيرها عليه بعد فوات الأجل، بعض المتضررين لا يتعاملون كتابيا مع الإدارة، بل هناك من يقدم طعنه لدى الإدارة دون تسجيله في مكتب الضبط، ودون حصوله على أي توصيل، دون تسجيله لدى مكتب الضبط، بالإضافة إلى ذلك لا يتم التعامل بتقنية البريد المضمون مع الإشعار بالتوصل أو التبليغ عن طريق أمر قضائي.
من البديهي أن مدخلات إصلاح القضاء الإداري تتجلى فيما هو ذاتي ينطلق من ضرورة تجاوز الصعوبات القانونية، والواقعية التي تعترض عمل القاضي الإداري بين ما هو ذاتي من خلال تأهيل العنصر البشري، ودعم التكوين والتكوين التكوين المستمر، أضف إلى ذلك منطلقات موضوعية منها تنفيذ الأحكام القضائية بواسطة وسائل مهمة كالغرامة التهديدية والحجز على الشخص الممتنع عن التنفيذ، لكن تبقى السمة الأبرز هي إصلاح إداري شامل، وذلك عبر تفعيل القانون المتعلق بتبسيط المساطر الإدارية، هذا من جهة ومن جهة ثانية تفعيل اللاتمركز الإداري كأساس لإصلاح الإدارة المغربية.
المطلب الأول: الوسائل القانونية والمؤسساتية لتحقيق التوازن المنشود
من أجل تعزيز حماية القضاء للحقوق والحريات لابد من توفير الوسائل البشرية والمادية، أضف إلى ذلك إصلاحات مؤسساتية من خلال تفعيل اللاتمركز الإداري وكذا تنفيذ الأحكام القضائية.
الفقرة الأولى: تنفيذ الأحكام القضائية
من ا لبديهي أن إصدار أي حكم قضائي يمر بمراحل بحيث يعد الإجتهاد القضائي هو الذي يخرج النصوص القانونية من حالة السكون إلى الحركة، ولكن يبقى هذا الحكم دون أية قيمة، إذ ظلت فكرة القضاء يقضي ولا يدير تراود فكر القاضي الإداري المغربي لردح من الزمن، لكن هذه الفكرة بدأت تتلاشى خصوصا بعد إنشاء المحاكم الإدارية، وأصبح القاضي الإداري المغربي بفضل كونه قاض مجتهد ومبدع يستلهم من روح القانون وسائل قانونية لإجبار الإدارة على تنفيذ الأحكام القضائية.
ومن أهم الوسائل المبتدعة نجد الغرامة التهديدية والحجز على الأموال القابلة للحجز.
إن ما يميز القضاء الإداري هو أنه قضاء إنشائي، أي أنه ينشئ القاعدة القانونية، عن طريق التفسير الواسع للنصوص القانونية، ولمواجهة ظاهرة امتناع الإدارة عن التنفيذ، عملت المحاكم الإدارية على اعتماد بعض الوسائل القانونية المنصوص عليها في ق.م.م. والتي أحالت عليها المادة 7 من قانون (41-90) المحدث للمحاكم الإدارية وذلك من أجل الإسراع بتنفيذ الأحكام الصادرة في حق الإدارة ولإجبارها على الوفاء بالتزاماتها.
أولا: إمكانية اعتماد الغرامة التهديدية كوسيلة لجبر الإدارة على التنفيذ
بالرجوع إلى القانون المحدث للمحاكم الإدارية (41-90) لا نجده ينص على مقتضيات خاصة لمواجهة امتناع الإدارة عن تنفيذ الأحكام الصادرة ضدها، لكن تبقى الإحالة المنصوص عليها في المادة السابعة من قانون (41-90) على قواعد المسطرة المدنية هي الحل القانوني لهذا الإشكال، فالقاضي الإداري يعتمد في فرض الغرامة التهديدية على نظام وحدة القضاء، الذي يقتضي بالضرورة وحدة مسطرة التقاضي.
فما هو مفهوم الغرامة التهديدية والقواعد التي تحكم تطبيقها؟
ثم كيف تعامـل القضـاء الإداري مـع هذه الـوسيلة؟
أ: الغرامة التهديدية والقواعد التي تحكم تطبيقها
تعتبر الغرامة التهديدية وسيلة غير مباشرة لتنفيذ الأحكام الإدارية الحائزة على قوة الشيء المقضي به، وهي صورة من صور التنفيذ الجبري[22]. فهي وسيلة إجبار وتهديد منحها المشرع للدائن عن طريق القضاء للتغلب على عناد المحكوم عليه وحمله على التنفيذ[23]. إلا أن القاضي الإداري وهو يقوم بتوقيع الغرامة التهديدية ضد الإدارة فإن ذلك لا يعتبر تدخلا منه ضد الإدارة ولا يمس مبدأ الفصل بين السلط، لكن دوره هو تذكير الإدارة بالتزاماتها المتمثلة في احترام قوة الشيء المقضي به مع إلباس هذا التذكير ثوب التحذير الرسمي، وهو التهديد بجزاء مالي.[24]
الغرامة التهديدية هي عبارة عن مبلغ مالي يلزم القضاء المدين بتنفيذ التزامه عينا خلال مدة معينة، فإذا تأخر في التنفيذ كان ملزما بدفع غرامة تهديدية عن هذا التأخير عن كل يوم أو كل أسبوع أو عن كل مرة يأتي عملا يخل بالتزامه وذلك إلى أن يقوم بالتنفيذ العيني أو أن يمتنع نهائيا عن الوفاء بالالتزام، ويجوز للقاضي أن يخفض هذه الغرامات أو أن يمحوها بتاتا[25]، فهي وسيلة إكراه عندما يتعنت المدين في موقفه ولا يريد أن يقوم بما التزم به من العمل أو خالف ما التزم به من الامتناع عن عمل[26]، وبالتالي فهي وسيلة قانونية تهديدية، تحذيرية وتحكمية ولا يقضي بها إلا بناء على طلب[27].
ولتطبيق الغرامة التهديدية لا بد من توفر مجموعة من الشروط وهي:
– أن يقتضي تنفيذ الالتزام التدخل الشخصي للمدين.
– تنفيذ الالتزام يقتضي القيام بعمل أو الامتناع عن عمل قابل للتنفيذ العيني.
– أن يطلب الدائن الحكم له بالغرامة التهديدية.
– عدم وجود وسيلة تنفيذ بديلة للغرامة التهديدية.
وبتوفر هذه الشروط يصبح الحكم بالغرامة التهديدية أمرا قانونيا، وبالتالي فما هي القواعد التي تحكم تطبيق هذه الغرامة؟
بالرجوع إلى قانون المسطرة المدنية المحال عليه بموجب المادة السابعة من قانون (41-90) نجده ينص في الباب الثالث المتعلق بالقواعد العامة للتنفيذ من خلال الفصل 448[28] على الغرامة التهديدية في غياب أي نص قانوني يستثني الإدارة من هذه الوسيلة، لأن كلمة “المنفذ عليه” الواردة بالفصل المذكور جاءت عامة، وهذا لا يمنع القاضي الإداري من اعتمادها لفرض تنفيذ أحكامه في مواجهة أشخاص القانون العام[29]، وهذا ما تم فعلا في قضية ورثة “العشيري”[30]، حيث أبان القاضي الإداري على واقعية كبيرة، تجلت في تفسيره الواسع للمادة 7 من قانون (41-90) المحدث للمحاكم الإدارية، وتطبيقها تطبيقا دقيقا يتماشى وروح القانون[31] وبخصوص تحديد الغرامة التهديدية، فإن العمل القضائي بمختلف المحاكم الإدارية بالمغرب سار على تحديدها في منطوق الحكم لأنه لا وجود لنص يمنع ذلك، وكذلك، لأن الغاية من الغرامة التهديدية هي تحذير الإدارة بالالتزامات المالية التي سوف تتحملها إن هي امتنعت عن التنفيذ.
وبالرجوع إلى الفصل 448 ق. م. م المحال عليه نجد أن الجهة المتخصصة بتحديد الغرامة التهديدية هو رئيس المحكمة الإدارية لكن ليس بصفة تلقائية، ولكن بناء على طلب المعني بالأمر في إطار مسطرة تواجهية استعجالية[32] وللإشارة فإنه يجوز كذلك المطالبة بتحديد الغرامة التهديدية أمام محكمة الموضوع وذلك باحترام الضوابط القانونية[33].
أما بخصوص تصفية الغرامة التهديدية فإن الإشكال مطروح أمام القضاء الإداري بخصوص هذه التصفية بين اعتبارها ذات نظام خاص مستقل عن التعويض وبين اعتبار تصفيتها في إطار الضرر وأهميته ومداه في المقابل نجد المجلس الأعلى (الغرفة المدنية) يعتبر أن تصفية الغرامة التهديدية يكون في شكل تعويض بناء على الضرر وحجمه[34]، وبالتالي فعلى الغرفة الإدارية أن تسلك نفس النهج بخصوص تصفية الغرامة التهديدية.
فإذا كانت الغرامة التهديدية وسيلة مهمة لتنفيذ الأحكام القضائية الإدارية المحكوم بها على الإدارة، فإلى أي حد قام القضاء الإداري بتفعيل هذه الوسيلة؟
لقد أيد كل من القضاء الإداري الفرنسي والمغربي تطبيق الغرامة التهديدية على الإدارة الممتنعة عن التنفيذ، لكن الاختلاف الموجود هو أن الأول اعتمد على نص قانوني، بينما الثاني اجتهد في غياب النص.
موقف القضاء الإداري الفرنسي
لقد نص المشرع الفرنسي صراحة على جواز الحكم بغرامة تهديدية ضد الإدارة عند عدم التزامها بتنفيذ الأحكام، فقبل صدور قانون رقم (539-80) بتاريخ 16 يوليوز 1980، كان مجلس الدولة الفرنسي يقرر في العديد من أحكامه أنه: “بالنسبة للطلبات التي تهدف إلى تحديد الغرامة التهديدية، فإنه لا يختص بتحديديها، وإذا حدث أن صدرت أحكام عن المحاكم الإدارية بهذا المعنى كان يلغيها بلا رحمة، قضية (CASA DE PESNA)[35].
لأن القضاء الإداري الفرنسي لم يجرؤ على تحديد الغرامة التهديدية في مواجهة الإدارة الممتنعة عن التنفيذ، ولم يستطيع أن يصدر أوامر للإدارة بحجة احترام مبدأ الفصل بين السلطات[36]، وكان يلجأ إلى أسلوب الالتزام التخييري الذي يقوم على تخيير الإدارة إما بتنفيذ الحكم خلال فترة محددة وإما بدفع تعويض عن الضرر الناتج عن عدم التنفيذ[37].
لكن بعد صدور قانون 16 يوليوز 1980، الذي سمح للقاضي الإداري بفرض الغرامة التهديدية، وذلك إما بمقتضى حكم صادر عن مجلس الدولة، أو بمقتضى أمر صادر عن رئيس قسم المنازعات، أو تفرض بناء على طلب من المحكوم له داخل أجل ستة أشهر[38].
وإذا كانت الغرامة التهديدية وسيلة ضغط على الإدارة للامتثال لأحكام القضاء[39]، فقد طبقها القضاء الفرنسي على جميع حالات عدم تنفيذ الحكم الإداري، ومهما كان نوع الالتزام، حيث جاء بحكم عام اعتبر فيه أن عدم قيام الإدارة بالتزاماتها والمدعمة بحكم إداري مهما كان نوعه (إلغاء أو تعويض) يعطي للقاضي الإداري سلطة الحكم بغرامة تهديدية، لحملها على التنفيذ[40] كما منح الاختصاص لمختلف المحاكم الإدارية للحكم بهذه الغرامة.
وإذا كان القاضي الإداري الفرنسي لا يستطيع أن يحل محل الإدارة، غير أنه لم يتردد في الحكم بالغرامة التهديدية، وأول مرة حكم فيها مجلس الدولة الفرنسي بهذه الغرامة كان في قضية « Meunert »[41].
وفي جميع الحالات إذا لم تؤد الإجراءات التنفيذية للغرامة التهديدية إلى النتيجة المتوخاة منها، فإنه يتم تحديدها في مواجهة الإدارة، إذا لم تبين الأسباب والمبررات لعدم التنفيذ داخل أجل شهرين من تاريخ الأمر بالتنفيذ، فضلا عن إمكانية فرض غرامة على المسؤول عن الإدارة المعنية من قبل المحكمة المختصة بالشؤون المالية والإدارية[42].
وهكذا استطاع القضاء الفرنسي أن يزيل إحدى العقبات الرئيسية التي كانت تواجه تنفيذ الأحكام الإدارية الصادرة ضد الإدارة.
توجه القضاء الإداري المغربي
يمكن القول منذ البداية أن الغرامة التهديدية تعتبر في الأساس وليدة الاجتهاد القضائي وليست وليدة النص القانوني[43]، وبالرجوع إلى قانون إحداث المحاكم الإدارية (41-90) فلا وجود لأي نص صريح يبيح فرض الغرامة التهديدية ضد الإدارة، كما لا يوجد نص بالمقابل يمنع الحكم بها ضدها[44].
وإذا كانت الغرامة التهديدية تمثل أسلوبا من أساليب التنفيذ غير المباشر الذي يسلكه القضاء لحمل المحكوم ضدهم على تنفيذ الالتزام بأداء عمل أو الامتناع عن عمل وهو الإجراء المنصوص عليه في المادة 448 من ق. م. م[45].
وإذا كانت المادة السابقة من قانون (41-90) تحيل على قواعد المسطرة المدنية، فإنه يجوز للقاضي الإداري أن يحكم على الإدارة بأداء غرامة تهديدية، يحملها على تنفيذ حكم صدر ضدها، ما لم يمنعه القانون من ذلك، فكل ما لم يحرمه المشرع صراحة على القاضي فهو جائز، وسكوت المشرع بمثابة قبول ضمني للعمل بالمقتضيات المسطرية المسكوت عنها[46].
وهذا ما كرسه القضاء الإداري المغربي حيث قضى لأول مرة بفرض الغرامة التهديدية على الإدارة في قضية “ورثة العشيري” وذلك بتكريسه للقاعدة التالية: “لا يوجد أي نص قانوني يستثني الإدارة من فرض غرامة تهديدية عليها في حالة امتناعها عن تنفيذ حكم قضائي صدر في مواجهتها يتعلق بالالتزام بالقيام بعمل أو بالامتناع عن القيام بعمل”[47]، وهذا ما سار عليه المجلس الأعلى بتأييده للحكم واعتماده نفس التعليل، وهذا ما اعتبره الفقه موقفا جد مشجع حينما قبلت المحكمة الإدارية الحكم بالغرامة التهديدية في مواجهة الإدارة[48].
وحرصت المحكمة الإدارية بالرباط في العديد من أحكامها على تطبيق الغرامة التهديدية على الإدارة لحملها على التنفيذ، بحيث أصدر رئيسها في هذا الشأن مجموعة من الأوامر غرامة تهديدية في هذا الاتجاه طبقا للفصل 149 وما يليه من ق. م. م[49].
ولم يقف القضاء الإداري عند هذا الحد، بل استطاع فرض غرامة تهديدية في مواجهة المسؤول عن عدم تنفيذ الحكم القضائي، وأول مبادرة جريئة وشجاعة في هذا الشأن هي الحكم الصادر عن إدارية مكناس بتاريخ 03 أبريل 1998 في قضية العطاوي ضد رئيس “جماعة تونفيت” وقد تعلق الأمر برفض رئيس المجلس تنفيذ حكم إلغاء قرار عزل السيد “محمد عطاوي” من وظيفة جماعية، ومن التخلي عن القرار الملغى، وإرجاع الطاعن إلى وظيفته وتسوية وضعيته الإدارية[50].
وإذا كانت فكرة المسؤولية للموظف قد لقيت حماسا كبيرا، إلا أن هذا الحماس قد اصطدم بموقف المجلس الأعلى الذي رفض فكرة الغرامة التهديدية في مواجهة المسؤول عن تنفيذ حكم الإلغاء، وقد قرر وهو يلغي بلا رحمة حكم إدارية مكناس[51]، بدعوى انه لا يمكن إجبار المنفذ عليها على التنفيذ عن طريق الغرامة التهديدية ما دام القضاء الإداري قد اقتصر على إلغاء قرارها الذي اعتبره متسما بالشطط في استعمال السلطة، ويبقى للمعني بالأمر الحق في طلب التعويض فقط، كمقابل لعدم تنفيذ حكم قضائي قاضي بالإلغاء وهذا فيه اعتراف وإقرار باستمرار وضعية غير مشروعة ومخالفة للقانون[52].
وهكذا يكون المجلس الأعلى قد تراجع بخطوات إلى الوراء وذلك بسحبه الاعتراف للمحاكم الإدارية في فرض الغرامة التهديدية، وعلى الرغم من جرأة الاجتهاد القضائي الإداري بخصوص فرض الغرامة التهديدية على الإدارة الممتنعة عن التنفيذ أو على المسؤول الإداري بصفة شخصية، فإن ذلك لن يضع حدا لتعنت الإدارة التي ترفض أداء الغرامة التهديدية، وبالتالي فالقاضي الإداري لا يتوفر على أية وسيلة أخرى لإجبارها على التنفيذ، وهذا ما يجعل الغرامة التهديدية وسيلة غير كافية لتنفيذ الأحكام القضائية الصادرة ضد الإدارة، وإن بدت وسيلة مشجعة للغاية إلا أن فعاليتها تبقى محدودة حينما تتخذ ضد الإدارة، لأن تهديد هذه الأخيرة في أموالها لا يشكل وسيلة ضغط فعالة عليها، طالما أن أموالها غير قابلة للحجز عليها نظرا لانتفاء مسطرة التنفيذ الجبري على أموال الإدارة[53]، ثم كون الغرامة التهديدية عند تصفيتها تنقلب إلى تعويض[54] مما يجعلها تصطدم بامتناع جديد للإدارة عن التنفيذ، وأكثر من ذلك فإن المشكل يبقى مطروحا بخصوص كيفية تنفيذ هذه الغرامة وذلك بقصور المادة 49 من قانون (41-90)، مما يجعل اللجوء إلى الغرامة التهديدية يصطدم عمليا بعدم تحديد الشخص الذي ستنفذ عليه، ذلك بكون الأحكام لا تكون واضحة بما فيه الكفاية فيما يتعلق بتحديد الجهة الإدارية المعنية بالتنفيذ، وتحديد الذمة المالية التي ستتحمل عبء أداء المبالغ المحكوم بها[55].
وبالتالي تبقى إشكالية عدم جدوى تنفيذ الغرامة التهديدية في مواجهة الإدارة مطروحة، ويبقى حل الإشكال رهين بتعديل قانون المسطرة المدنية، وبالتبعية الفصل 80 من ق. ل. ع. وذلك بالتنصيص على اختصاص المحاكم الإدارية بالبث في كل من الخطأ الشخصي والمرفقي للموظف مع اعتبار امتناع الموظف المسؤول عن التنفيذ بدون مبرر خطأ شخصيا يبرر تحديد الغرامة التهديدية في مواجهته شخصيا مع تحديد المسؤول القانوني لكل إدارة عن التنفيذ، أو سن هاته المقتضيات بقانون مستقل جديد يتعلق بتنفيذ الأحكام في مواجهة الإدارة.
إن الغرامة التهديدية كوسيلة للضغط على الإدارة لتنفيذ الأحكام الصادرة ضدها، ورغم جرأة القضاء الإداري المغربي، فإنها تبقى وسيلة غير فعالة، إذ تعقد الوضع أكثر مما هو عليه[56] لأن الذي لم يرضخ للحكم الأصلي يمكن أن يتمادى في رفض أداء الغرامة التهديدية، ولا سيما أن القاضي الإداري لا يتوفر على أية وسيلة أخرى يجبرها على التنفيذ، إذ لا يجوز له سلوك طرق التنفيذ الجبري ضدها ومباشرة مسطرة الحجزعلى الأموال العمومية، باعتبارها غير قابلة للحجز وبالتالي غير قابلة للبيع القضائي.
ثانيا: وسيلة الحجز على أموال الإدارة الممتنعة عن التنفيذ
يعتبر الحجز على الأموال صورة من صور التنفيذ الجبري المعمول بها في إطار القانون الخاص، وإذا كان المبدأ العام يقضي بعدم جواز الحجز على الأموال العمومية حفاظا على مبدأ سير المرفق العمومي بانتظام واضطراد، وبالتالي منع تحريك مسطرة التنفيذ بالحجز على أموال الدولة فإن ذلك لم يمنع القضاء الإداري من إيجاد إمكانية لإعمال مسطرة الحجز على الأموال الخاصة للدولة.
أ: منع تحريك مسطرة التنفيذ بالحجز على أموال الإدارة
إن مسألة عدم قابلية الأموال المملوكة للدولة للحجز يقتضي معرفة المقصود بهذه الأموال ثم معيار التمييز بينها وبين الأموال الخاصة للدولة
مفهوم الأموال العامة للدولة في ضوء الفقه والقانون المقارن:
يقصد بالأموال العامة كل ما تملكه الدولة، وسائر الأشخاص المعنوية العامة من عقارات ومنقولات تخصص لتحقيق المنفعة العامة، سواء بطبيعتها أو بتهيئة الإنسان لها، أو بنص تشريعي صريح ويشترط في المال العام شرطان أساسيان: أولهما أن يكون مملوكا للدولة أو أي شخص اعتباري عام، وثانيهما أن يكون هذا المال مخصصا للمنفعة العامة بالفعل أي استعماله من طرف الجمهور مباشرة، أو بمقتضى قانون، بمعنى أن ينص قانون على اعتبار مال معين من الأموال العامة. [57]
ويقتضي إضفاء صفة العمومية على الأموال العامة، ضرورة خضوع هذه الأخيرة لنظام قانوني متميز، حيث يضفي المشرع حماية خاصة على أموال الإدارة لكونها مخصصة للمنفعة العامة، وتتمثل هذه الحماية في عدم جواز التصرف فيها، وعدم قابليتها للحجز، وعدم جواز تملكها بالتقادم، وترتيب عقوبات في حالة المساس بها. [58]
وإذا كان هناك إجماع فقهي على عدم جواز الحجز على الأموال العامة لإدارات الدولة، فإن الخلاف قد ثار بخصوص الأموال الخاصة للدولة،[59] وما يجعل الأموال العامة غير قابلة للحجز هو افتراض حسن النية في الإدارة في تسديد ما بذمتها من دين، بكونها توصف بالرجل الشريف وذلك بتطبيق نظرية قرينة الشرف واليسر، لكن الواقع العملي يفند هذه النظرية، لأن يسر المدين لا يحول دون التنفيذ عليه، وذلك احتراما لقوة الشيء المقضي به وحماية لمبدأ المشروعية.[60]
وهناك من يقول بعدم جواز الحجز على الأموال العمومية وذلك لكون هذه الأموال تعتبر أموالا عمومية، ومن غير المعقول أن يلجأ شخص عادي إلى إجراء حجز على هذه الأموال لمصلحته الشخصية متجاهلا المصلحة العامة.[61]
وبالتالي إذا كانت الأموال العمومية باعتبارها لازمة لتسيير المرفق العمومي، غير قابلة لإيقاع الحجز عليها، في المقابل جواز الحجز على الأموال الخاصة للدولة. فما هو معيار التمييز بين الأموال العامة والأموال الخاصة المملوكة للدولة؟.
معيار التمييز بين الأموال العامة والأموال الخاصة للدولة
إذا كان المتفق عليه فقها وقضاء هو عدم قابلية الأموال العامة للدولة والأشخاص الاعتبارية للحجز، لأنها لازمة لسير المرفق العام فهي إذن خارجة عن ضمان المرفق الدائنين، ومن شأن الحجز عليها المساس بمبدأ أو استمرارية المرفق العام[62]، وأما باقي الأموال فتعتبر الضمان العام للدائنين وبالتالي تكون قابلة للحجز عليها.[63]
وللإشارة فإن فكرة التمييز بين المال العام والمال الخاص فكرة قديمة ظهرت جذورها في الشرائع القديمة.[64]
وللتمييز بين المال العام والمال الخاص، اعتمد الفقه والقضاء مجموعة من المعايير أهمها: معيار تخصيص المال العام للنفع العام واستعمال الجمهور سواء بالفعل أو بمقتضى قانون، ثم معيار التخصيص لخدمة مرفق عام ووفقا لهذا المعيار يعتبر مالا عاما كل عقار أو منقول تملكه الدولة ويكون مخصصا لخدمة المرفق العام واستغلاله.[65]
بالاعتماد على هذه المعايير للتفرقة بين المال العام والمال الخاص للدولة تترتب نتائج قانونية تتمثل أساس في عدم جواز التصرف في المال العام وكذا عدم جواز كسب ملكية بالتقادم وبالتالي عدم جواز الحجز عليه.
إذا كان المبدأ العام هو عدم جواز الحجز على أموال الدولة فكيف تعامل القضاء الإداري مع وسيلة الحجز لمعالجة ظاهرة امتناع الإدارة عن التنفيذ؟
ب: موقف القضاء الإداري من وسيلة الحجز لمعالجة ظاهرة امتناع الإدارة عن التنفيذ
إذا كان القضاء الإداري المغربي قد تأثر في البداية بنظرية اليسر والشرف، ومن ثم جاءت أحكامه واجتهاداته منصبة في اتجاه منع جواز سلوك مسطرة الحجز على أموال الإدارة، لأنها ليست هي الضمان العام لدائنيها، إلا أن ذلك لم يمنع القاضي الإداري من ابتكار حلـول قانونية وبالتالي إيقاع الحجز سـواء التنفيذي، أو الحجز لدى الغير على الأموال الخاصة للإدارة وذلك لمعالجة ظاهرة امتناع الإدارة عن التنفيذ، حماية لمبدأ المشروعية وسيادة القانون.
وسيلة الحجز التنفيذي لمعالجة ظاهرة امتناع الإدارة عن التنفيذ
إن الحجز يعد من الوسائل التنفيذية الجبرية التي يمكن اللجوء إليها من أجل تنفيذ أحكام القضاء في حق الملزمين بها، وبما أنه إجراء تنفيذي، فلا يمكن اللجوء إليه إلا بناء على سند تنفيذي أو بأمر يصدره رئيس المحكمة طبقا للفصل 491 من ق.م.م، ويمكن اللجوء إليه في مواجهة الإدارة ما دام لا يوجد أي نص قانوني صريح يمنع ذلك[66]، لأن سكوت المشرع يعد بمثابة قبول ضمني لجواز تطبيق وسيلة الحجز على الإدارة[67].
وإذا كان عدم جواز الحجز قاصر على ما يلزم لسير المرفق العام، فإن الأموال الأخرى التي لا يتعارض الحجز عليها مع سير هذا المرفق مادامت أموالا خاصة، فإن إمكانية الحجز عليها تبقى جائزة، وهذا ما سار عليه القضاء الإداري تقريبا في جميع المحاكم الإدارية[68].
فمناط إيقاع الحجز التنفيذي على منقولات المرفق العمومي هو تقدير ما إذا كانت تلك المنقولات لازمة لسير المرفق أم لا، وتطبيقا لهذا الاتجاه تم الحجز التنفيذي على أموال بلدية بني أدرار بالملف التنفيذي عدد 14/98 بالمحكمة الإدارية بوجدة[69]، في حين لا يمكن مباشرة الحجز التنفيذي على ناقلة النفايات للمجلس البلدي أو سيارة الإسعاف، لما في ذلك من تعطيل لخدمة هذا المرفق، لأن تلك المنقولات تعد ضرورية لسير المرفق العمومي.
وبالتالي فالمحكمة لا يمكن لها أن تأذن بهذا الحجز إذا تبين لها بأن تلك المنقولات ضرورية لسير المرفق العمومي، وذلك بالقياس مع الفقرة الثالثة من الفصل 458 من ق.م.م.[70]
موقف القضاء الإداري من وسيلة الحجز لدى الغير في مواجهة الإدارة
إن الحجز لدى الغير هو إجراء يدخل ضمن الباب الخامس من القسم الرابع من قانون المسطرة المدنية المتعلق بطرق التنفيذ، وتنظمه الفصول من 488 إلى 496 من القانون المذكور، ويترتب عليه غل يد المدين في التصرف في أمواله بعد استيفاء مسطرة التصديق على الحجز، والحجز لدى الغير يجري إما بناء على سند تنفيذي أو بأمر يصدره رئيس المحكمة طبقا للفصل 491 من ق.م.م.[71]
وإذا كان القضاء المغربي يقر مبدأ عدم قابلية الأموال العمومية للحجز حفاظا على السير العادي للمرفق العام، فإن ذلك لم يمنع القضاء الإداري من إعمال مسطرة الحجز على أموال المؤسسات العمومية الموجودة بين يدي الغير[72]، وهذا ما ذهبت إليه المحكمة الإدارية بالرباط[73]، بالمصادقة على الحجز المضروب بين يدي الخازن العام للمحكمة، وما يميز هذا الأمر الدفع المقدم حول عدم قابلية الأموال المحجوزة باعتبارها أموالا عمومية للحجز، إلا أن المحكمة عللت موقفها بكون الحجز على الأموال الخاصة التي لا يتعارض حجزها مع سير الموقف العام، وأن هذه الأموال مودعة لدى المؤسسات المالية التي يفترض رصدها لتغطية التعويضات التي يحكم بها، وأن امتناع الدولة والمؤسسات العمومية عن تنفيذ حكم قضائي بدون مبرر، تصبح معه ملاءة الذمة غير مجدية بالنسبة للتنفيذ وبالتالي يجوز القيام بالتنفيذ الجبري على الأموال العمومية، نظرا لطبيعة الالتزام التي تفرضها بحكم القانون الأحكام القضائية القابلة للتنفيذ، وأن أي امتناع غير مبرر عن تنفيذ الأحكام القضائية يمس بمصداقية المرفق ويسيء إلى سمعته بين المتعاملين معه على نحو يفقدهم الثقة فيه، وهو ضرر يفوق بكثير الضرر الذي يمكن أن يشكله إيقاع الحجز على أموال المرفق العام[74].
ولقد رسخت الغرفة الإدارية بالمجلس الأعلى قاعدة تتلخص في جواز مباشرة الحجز لدى الغير على الأموال الخاصة للمؤسسات العمومية، واستعمال قواعد التنفيذ الجبري لحملها على الوفاء بالتزاماتها المالية[75].
ويمكن القول بأن قاعدة الإمتناع عن التنفيذ بدون مبرر تبقى هي مناط الحجز في مواجهة الإدارة الممتنعة عن التنفيذ، لأن الواقع العملي للمحاكم الإدارية يؤكد هذا، لأنه بمجرد إيقاع الحجز التنفيذي على أموال ومنقولات مرفق ما إلا ويبادر إلى الوفاء بالتزاماته تفاديا للحجز على حساباته.
وبهذا تكون المحاكم الإدارية استطاعت بفضل وسيلة الحجز والتي تلقى تأييدا من قبل المجلس الأعلى، حماية الحقوق ودفع الإدارة إلى احترام أحكام القضاء.
وإذا كانت وسيلة الحجز لدى الغير على أموال المؤسسات العمومية التي تتوفر على استقلال مالي سهل من الناحية العملية، فإن المشكل يبقى مطروحا بالنسبة للحجز على أموال الوزارات لكون أموالها لا تعد خاصة، وأنها تخضع لنظام المراقبة المالية والمحاسبة العمومية.[76]
وهكذا نخلص إلى أن وسيلة الحجز على أموال الدولة تبقى فعالة لمواجهة امتناع الإدارة عن التنفيذ بدون مبرر وذلك حماية لمبدأ المشروعية وسيادة القانون، واحترام قوة الشيء المقضي به، لكن هذا لا يمنع من تدخل المشرع لإيجاد معيار قانوني للتمييز بين الأموال العامة الغير القابلة للحجز والأموال الخاصة القابلة للحجز، وذلك قصد تطوير القضاء الإداري وبالتالي التخفيف من ظاهرة امتناع الإدارة عن تنفيذ الأحكام القضائية الصادرة ضدها.
الفقرة الثانية: تكريس ازدواجية القضاء
إن تكريس القضاء المتخصص في نظام القضاء المزدوج يؤدي بالقضاة إلى الفهم العميق لمشاكل الإدارة والمهام المنوطة بها[77].
إن تطبيق القضاء المزدوج بالمفهوم الحقيقي يؤدي إلى تجسيد وتطبيق مبدأ التخصص وتقسيم العمل في مجال الوظيفة القضائية بصورة منظمة وفعالة، فوجود قضاء إداري مستقل ومتخصص في إثراء نظرية القانون الإداري، وتفسير وتطبيق أحكام وقواعد هذه النظرية على المنازعات الإدارية تجعل عملية أحكام وتطبيق الرقابة القضائية على أعمال الإدارة والدولة أكثر تجسيدا وتخصصا وواقعية، الأمر الذي يؤدي إلى ضمان وحماية فكرة الدولة القانونية ومبدأ الشرعية والنظام القانوني لحقوق وحريات الإنسان والمواطن بصورة واقعية وفعالة.[78]
ونظام ازدواجية القضاء أدى ويؤدي بواسطة القضاء الإداري المستقل والمتخصص في المنازعات الإدارية إلى إثراء النظام القانوني في الدولة بصفة عامة، وإثراء العلوم الإدارية بصفة خاصة، وذلك بفضل مساهمة النظام الإداري الفرنسي الأصل تاريخيا عن طريق خلق نظرية القانون الإداري في مفهومها الضيق الفني بواسطة اجتهادات وحلول القضاء الإداري.[79]
فغياب هيأة عليا للقضاء الإداري مستقلة عن محكمة النقض حاليا، وعدم التنصيص على الجهة التي ستتولى الحسم في نزاعات الاختصاص، أي محكمة التنازع، كلها عوامل تؤدي بنا إلى القول أن المشرع المغربي لم يتجه نحو إنهاء فعلي لوحدة القضاء، بل أكثر من ذلك حافظ على كثير من خصوصيات هذا النظام، فالمراد هو وجود محاكم إدارية جديدة تشكل خطوة نحو نهاية وحدة القضاء ومحاولة لبناء قضاء مزدوج.
وصدور القانون المحدث لمجاكم الاستئناف الإدارية رقم 80.03 يظهر بجلاء أن المشرع يسير في اتجاه مبدأ ازدواجية القضاء في أفق إنشاء مجلس الدولة.
إذن من خلا ما سبق يتضح أنه متطلبات الديموقراطية وبناء دولة الحق والقانون تتطلب وجود مؤسسات قائمة الذات للفصل بين السلطات من جهة، وتكريس نظام القضاء المزدوج على مستوى الهرم لا على مستوى القاعدة.
الفقرة الثالثة: الإصلاح الإداري وتفعيل مقتضيات القانون المتعلق بتبسيط المساطر
من المهم الإشارة إلى كون أهداف تبسيط المساطر الإدارية تسهيل الحياة اليومية للمواطنين بتوطيد العلاقات والتواصل بين المرتفق والإدارة وتسهيل الخدمات ذات العلاقة بالدولة، وتمكينها من المشاركة النشيطة والفعالة في مجهودات التنمية الاقتصادية، فكل عملية في التبسيط تهدف إلى رفع التعقيد على المساطر والمسارات والمسالك الإدارية[80]
جاء القانون 55.19 المتعلق بتبسيط المساطر والإجراءات الإدارية الذي دخل حيز التنفيذ بتاريخ 28 مارس 2021، بمجموعة من المقتضيات والقواعد القانونية، التي من شأن تنزيلها السليم أن يحدث تغييرا جذريا في بنية الإدارة المغربية ونمط فعلها العمومي من خلال التقليص من مساحات التعقيد والاستثمار الأمثل للزمن الإداري، وذلك باقتراحه لمداخل اصلاحية نجملها فيما يلي:
1- مدخل التبسيط والتدوين:
ألزم القانون 55.19 مختلف الإدارات العمومية بجرد جميع القرارات الإدارية التي تدخل ضمن مجال اختصاصها وتصنيفها وتوثيقها وتدوينها في مصنفات للقرارات الإدارية (وفق النموذج المحدد بالملحق 1 من القرار المشترك لوزير الداخلية ووزير الاقتصاد والمالية وإصلاح الإدارة رقم 2332.20 بتاريخ 22 شتنبر 2020)، وذلك باعتماد مبدأ التبسيط عبر توحيد وتحسين مقروئية المصنفات وحذف المساطر القانونية غير المبررة وعرضها على اللجنة الوطنية لتبسيط المساطر والإجراءات الإدارية قصد المصادقة (حددت تشكيلتها بمقتضى المرسوم عدد 660-20-2 بتاريخ 18 شتنبر 2020) وتم نشر نماذج من هذه المصنفات في البوابة الوطنية للمساطر والإجراءات الإدارية ” إدارتي” http://www.idarati.ma التي تم إطلاقها بتاريخ 21 أبريل 2021 كمنصة رقمية موحدة لجميع القرارات الإدارية التي تصدرها الإدارة العمومية المغربية.
وعلاوة على مبدأ التناسب بين موضوع القرار الإداري والوثائق المطلوبة لصدوره، ولضمان شفافية أكبر للمساطر الإدارية، ألزم المشرع الإدارات العمومية بالتقيد في مرحلة التوثيق والتدوين بعدم مطالبة المرتفق بـــ:
• أكثر من نسخة واحدة من ملف الطلب المتعلق بالقرار الإداري؛
• تصحيح إمضاء الوثائق المكونة للملف؛
• نسخ مطابقة لأصل الوثائق، إلا في حالة الشك في صحتها، وقد أحسن المشرع عندما ألزم الإدارة بتعليل طلبها الذي لا يمكن أن تتقدم به إلا مرة واحدة ودون تجاوز النصف الأول من المدة الزمنية المحددة لدراسة الطلب.
• عدم مطالبة المرتفق بالإدلاء بوثائق أو مستندات إدارية متاحة للعموم ولا تعنيه بصفة شخصية أو وثيقة في حوزة إدارة عمومية أخرى؛
وبالمقابل ذلك أتاح القانون للإدارة إمكانية استبدال بعض الوثائق والمستندات والمعلومات المطلوبة بتصريح بالشرف باعتباره آلية من آليات الحفاظ على مصداقية العمل الإداري.
2- مداخل تعزيز ضمانات حماية المرتفق
وعيّا من المشرع المغربي بأنّ سن مجموعة من القواعد والمبادئ الناظمة لعلاقة المواطن بالإدارة أمر غير كاف لتحقيق غاية تبسيط الإجراءات الإدارية، فقد حبل القانون 55.19 بمجموعة من المواد التي نعتبرها ضمانة لإلزام الإدارة باحترام القانون ومعياريته، كما تعتبر في نفس الوقت حصانة قانونية لحماية المرتفق- سواء كان شخصا ذاتيا أو معنويا -من كلّ تعسف أو شطط محتمل، من خلال تمتيعه بالأمن القانوني الذي يعدّ من أهم خصائص دولة الحق والقانون، ويمكن اجمال هذه المستجدات في الآتي:
• ضبط آجال الحصول على القرار الإداري: ألزم القانون 55.19 الإدارات العمومية بدراسة طلبات المرتفقين ومعالجتها والرد عليها داخل أجل لا يتعدى 30 يوما بالنسبة للقرارات الإدارية الخاصة بإنجاز مشاريع استثمارية (والتي ستحدد بمقتضى نص تنظيمي خاص)، و60 يوما بخصوص باقي القرارات الإدارية، ولا يمكن تمديد هذا الأجل إلا مرة واحدة وفق ضوابط محددة قانونا.
ولضبط هاته الآجال الزمنية ألزم القانون الإدارات العمومية بتَسْليم وصل للمرتفق فور إيداعه طلب الحصول على القرار الإداري الذي لا يمكن تسليمة فورا (حدد القرار المشترك السابق الذكر نموذج وصل الإيداع بالملحق 2)، ونرى أن لهذا الإلزام أهمية قصوى للحدّ من السلوكيات التعسفية في التعامل مع طلبات المرتفقين من طرف بعض الإدارات العمومية والتي تصل أحيانا إلى حد تضييع ملفات المواطنين أو إنكار التوصل بها، وبالتالي ستشكل “وثيقة الوصل” دليلا ماديا على تَسلم الإدارة لطلب المرتفق وإجراءً عمليا لتطبيق مبدأ اعتبار السكوت بمثابة موافقة ضمنية بالنسبة للقرارات التي ستحدد بشكل حصري في نص تنظيمي، كما سيسهم هذا الإجراء في ضبط زمن تطبيق مسطرة اللجوء للطعن في حالة السكوت الذي يشمل القرار الإداري غير المحدد في النص التنظيمي وكذا الرد السلبي وفق المسطرة المحددة في الباب السابع من القانون
تعليل القرارات الإدارية: ألزم المشرع الإدارة بتعليل قراراتها السلبية بخصوص الطلبات المتعلقة بالقرارات الإدارية، مع اشعار المرتفق المعني بذلك بكل الوسائل الملائمة حتى يتمكن من احتساب آجال الطعن الذي لا يمكن أن يتعدى 30 يوما
حماية المعطيات الشخصية: إذا كان المشرع قد سعى لإنجاح مبدأ التبسيط عبر إلزام الإدارات العمومية بتحديد الوثائق التي يمكنها الحصول عليها من إدارة أخرى ضمن مصنفات القرارات الإدارية، إلا أنه ومراعاة للنصوص التشريعية والتنظيمية المتعلقة بحماية المعطيات الشخصية اشترط من خلال المادة 24 من القانون على الإدارات العمومية ضرورة الحصول على موافقة المرتفق بذلك قبل تمكينه من الوثائق المتحصل عليها.
3- مدخل الرقمنة وضمان استدامة الإدارة
ألزم القانون 55.19 الإدارات العمومية بالعمل على رقمنة المساطر والإجراءات الإدارية التي تدخل ضمن مجال اختصاصها، وذلك في أجل أقصاه خمس سنوات من تاريخ دخوله حيز التنفيذ، وهذا المعطى جد مهم بالنظر للتطورات المتلاحقة التي يشهدها عالم اليوم بفعل انتشار فيروس كورونا وما واكبه من طفرة في مجال العمل عن بعد والإدارة الرقمية بمختلف تجلياتها وتطبيقاتها، إذ لا يمكن البتة في ظل استمرار حالة الطوارئ الصحية دوليا ووطنيا ضمان استدامة المرفق العام بانتظام واضطراد دون الانخراط الجدي في التحول الرقمي، الذي أضحى اليوم ضرورة حتمية في استمرار الخدمات العمومية وضمان جودتها ونجاعتها على المستوى الوطني، ولتحصين مواكبتها للتحديات الدولية في مجال العلاقات الإدارية والتجارية والأمن السيبراني في ظل عالم صار أكثرا ارتباطا تهيكله عولمة كاسحة جعلته قرية كونية صغيرة بتعبير الكاتب الكندي مارشال ماكلوهان.
نلحظ أن مجموعة من المقتضيات القانونية التي نصّ عليها القانون 55.19 كمداخل لصياغة استراتيجية وطنية لتخليق الإدارة وتحسين علاقتها بالمواطن لا تعتبر مستجدات في حد ذاتها، ولكنها محاولة جديدة للتجميع ضمن رؤية عامة اتسمت بنوع من الدقة في ملامسة الإشكالات القانونية والواقعية التي لطالما عمقت من أزمة العلاقة بين الإدارة بالمواطن، وحالت في الكثير من المحطات الإصلاحية دون نجاح خطط الإصلاح الإداري، سيما فيما يتعلق بحلّ معضلات: تعقد وتضخم ترسانة المساطر الإدارية وتشتتها، واهمال التفاعل العقلاني مع المواطنين وطلباتهم داخل آجال معقولة ثم التهرب من تعليل القرارات الإدارية السلبية.
وإذ نؤكد على أهمية مضامين هذا القانون كوثيقة مرجعية ترنوإلى إرساء تعاقد إداري جديد مع المواطن المغربي ومع مناخ الأعمال بشكل عام وفق أسس الثقة والشفافية والحكامة الجيدة، إلا أننا نراهن على إنجاح ذلك من خلال التأكيد على ضرورة تحفيز العنصر البشري وتكوينه ليتيسر حسن تفعيل كل مقاصد القانون على أرض الواقع الإداري، إذ أن الموظف يبقى هو الركيزة المحورية لنجاح أي إصلاح مهما كانت طموحاته ورهاناته، كما يتعين على جميع القطاعات الحكومية التسريع بإنجاز عملية تبسيط ورقمنة الخدمات الإدارية مع الانتباه إلى ضرورة تجاوز “تحدي الولوج الرقمي” للمواطن الذي يبقى عائقا مطروحا بقوة أمام تحقيق المساواة في الاستفادة من الخدمات الإدارية التجارب الإدارية للدول المتقدمة مثل فرنسا وفق ما أوضحه بتفصيل الكاتب الفرنسي Remy Riefelفي مؤلفه الشيق RévolutionNumérique ,RévolutionCulturelle ,Gallimard, 2014) (، فلإنجاح ورش الرقمنة الإدارية ينبغي إعمال التجاوز الذكي لمعطى الأمية الرقمية السائدة في المجتمع المغربي وخاصة في أوساط الكهول وكبار السن وذلك عبر برامج توعوية وعملية تسهّل عملية الولوج الرقمي للخدمات الإدارية.
وبخصوص ورش التبسيط، نسجل أهمية المجهودات المبذولة على المستوى المركزي في مواكبة تنزيل مضامين القانون 55.19 من خلال ما تم إصداره من نصوص تنظيمية وتنظيم دورات تكوينية لفائدة الموظفين وتوجيه دوريات توجيهية وإصدار دلائل عملية، وانطلقت “عملية التبسيط” بإلغاء 22 وثيقة غير قانونية من طرف وزارة الداخلية(شهادة العزوبة- شهادة الزواج-شهادة الحياة الفردية- شهادة الحياة الجماعية-شهادة التحمل العائلي- شهادة تأكيد الزواج-شهادة القرابة العائلية- شهادة الزواج الوحيد- شهادة تعدد الزوجات-وغيرها…)، ويبقى التحدي المطروح أمام هذا الطموح العمومي مرتبط بالفعالية والنجاعة في تنزيل مضامينه (دخلت حيز التنفيذ منذ يوم 28 مارس 2021) سواء على مستوى اللاممركز أو اللامركزي، وبهذا الخصوص نقترح ضرورة إحداث آلية للقيادة والمواكبة عبر تشكيل لجن إقليمية على مستوى العمالات والأقاليم تتكون من أطر إدارية مؤهلة تتولى تتبع تنفيذ هذا الورش وتنسيق تدخلات مختلف الفاعلين وفق أجندة زمنية محددة، وبهذا الخصوص أقترح أن تتولى اللجن المحدثة ما يلي:
• صياغة برنامج تواصلي تحسيسي بأهمية هذا الورش الوطني مع الجماعات الترابية والإدارات اللاممركزة وفعاليات المجتمع المدني.
• الاشراف على عملية إحداث لجن مماثلة على مستوى الجماعات؛
• تنظيم دورات تكوينية للجن المحدثة حول مضامين القانون 55.19 وطريقة إعداد مصنفات القرارات الإدارية مع إعطاء الأولوية للمساطر الأكثر طلبا لدى المواطن؛
• مواكبة هذه اللجن بشكل دوري في عملية التبسيط والتدوين قصد ضمان التنفيذ السليم للقانون في مختلف المراحل مع مراعاة الجوانب التالية:
• الزمن: التقليص من آجال منح القرارات الإدارية؛
• التكلفة: تخفيض تكلفة الحصول على القرارات الإدارية؛
• الفاعلون: الحد من تعدد المتدخلين في المسطرة القانونية؛
• الوثائق: تقليص عدد الوثائق المطلوبة وفق مبدأ التناسب.
• انجاز تقارير دورية حول المؤشرات المتعلقة بمعالجة وتسليم القرارات الإدارية.
ختاما، نأمل أن يتحول قانون تبسيط المساطر والإجراءات الإدارية إلى فرصة حقيقية لتحقيق المصالحة التاريخية بين الإدارة والمواطن وبين الحقل الإداري برمته والاستحقاقات التنموية والديمقراطية، التي لا يمكن النجاح في امتحاناتها بدون إدارة فاعلة تشتغل بنفس منسجم مع منطق الحقوق والحريات ومنفتح على عوالم الاقتصاد والأعمال والتنمية
الفقرة الرابعة: تأهيل الموارد البشرية
يعتبر تأهيل وتدبير الكفاءات البشرية من أهم وظائف الإدارة لتركيزها على العنصر البشري، والذي يعتبر أثمن مورد لدى الإدارة، والأكثر تأثيرا في الإنتاجية على الإطلاق، إن إدارة وتنمية وتتبع وتحفيز الموارد البشرية ركنا أساسيا في تحقيق التنمية، إن إدارة الموارد البشرية تعني باختصار الاستخدام الأمثل للعنصر البشري المتوفر والمتوقع.
وقد صدرت عدة توصيات من طرف المشاركين في المناظرة الوطنية حول الإصلاح الإداري نذكر منها: ضرورة اعتماد نظام التدبير التوقعي للموارد البشرية يأخذ بعين الاعتبار التدبير الإداري للموظفين، العلاقات الاجتماعية داخل الإدارة، وتنمية الموارد البشرية وتطوير قدراتها المهنية، وتنظيم العمل بالمرفق
ضرورة اعتماد أساليب عصرية للتدبير التوقعي للموارد، وإعداد الإطار المرجعي للكفاءات والمهن وتوصيف وتحليل الوظائف واعتماد منهجية لتحديد الحاجيات المستقبلية من الموارد البشرية من حيث الكم هذه الموارد ملائمة للحاجيات الحقيقية للإدارة
لقد أوضحت التجارب أن التنظيمات التي تحقق تقدما ملموسا، هي تلك التي تدمج أنظمة مراقبة التدبير وتتبع الأداء، فبالنسبة لإدارة الغد لن يقتنع المرتفقون فقط بالحديث عن السياسات وخطط العمل، ولكن يريدون أن يكونوا بانتظام على بينة من النتائج، كما أن الموظفين وأعوان الدولة بدورهم المشاركين بكفاءاتهم وطاقتهم في العمل يرون أن التزامهم بتحقيق الأهداف لا معنى لها ما لم يتم تثمين أدائهم وتقدير نتائج مجهوداتهم [81]
فمساءلة المسيرين ورؤساء الإدارات من نتائج تدبيرهم فهي أسلوب يضمن قدرتها على البقاء والتكيف، أما فيما يخص تحفيز الموظف، فموضوع تحفيز العاملين داخل الإدارة العمومية يحظى باهتمام لدى رجال الإدارة، ويعد موضوعا معقدا لأنه يرتبط بالإنسان ومحيط عمله، فالإنسان يتطور ويصعب فهم سلوكاته وتحركاته، وكذا الظروف التي تتحكم في تصرفاته، ويمكن تعريف التحفيز بأنه مجموعة من العوامل والمؤثرات التي تدفع بالعاملين أيا كان موقعهم نحو بذل جهد أكبر للإقبال على تنفيذ[82] مهامهم بجد وكفاءة لرفع مستوى العمل كما ونوعا، وتنقسم الحوافز إلى حوافز مادية وأخرى معنوية، ويقصد بالأولى تلك التي تشبع حاجات الموظف الفيزيولوجية أو العضوية (الطعام، الماء، الملبس) كما تشمل أيضا الأجر، وضمان استقرار العمل وظروف وامكانيات العمل المادية.
أما الحوافز المعنوية فتعني إشباع حاجات الموظف الاجتماعية والنفسية والذاتية، وتشمل فرص الترقية والتقدم في الحياة الوظيفية، الاعتراف بأهمية الموظف وتقدير جهوده في العمل علاقات الصداقة مع مجموعة الموظفين، طبيعة العمل وسياسة الإدارة ونظرتها إلى الموظفين[83]، وبوجه عام تكمن أهم الحوافز المعنوية في المساهمة في إشباع حاجات العاملين ورفع روحهم المعنوية، المساهمة في التحكم في سلوك العاملين بما يضمن تحريك هذا السلوك، أضف إلى ذلك المساهمة في إعادة تنظيم منظومة احتياجات العاملين وتنسيق أولويتها، وكذا تنمية عادات قيم سلوكية جديدة تسعى المنظمة إلى وجودها بين العاملين، وأخيرا تنمية الطاقات الإبداعية لدى العاملين بما يضمن ازدهار المنظمة وتفوقها. المساهمة في تحقيق أي أعمال أو أنشطة تسعى المنظمة إلى أنجازها.
الفقرة الخامسة: تفعيل اللاتمركز الإداري
من منطلق أن اللاتركيز الإداري يعد الدعامة الضرورية لبرنامج إصلاح الإدارة في إطار سياسة إدارية لإعداد التراب قائمة على اللامركزية، ويعد الركيزة الأساسية في عملية ترشيد العمل الإداري وتحسين جودة الخدمات[84].
يعتبر النهوض والرقي بتدبير الشأن الترابي الهدف الاستراتيجي الذي من أجله اعتمد المغرب نظام اللاتمركز الإداري، فالإدارة المركزية مهما كانت إمكانيتها المادية والبشرية فهي لا تستطيع تلبية مختف الحاجيات المتزايدة للسكان على المستوى الترابي. وفي هذا السياق، رغم اعتماد أسلوب اللامركزية الترابية والذي استطاع أن يحرر الدولة من بعض الالتزامات والواجبات في التجربة المغربية، فإنه يبقى دون جدوى إن لم يتم دعمه وتطويره ومساندته باعتماد نظام اللاتمركز الإداري.
ويمكن تعريف نظام اللاتمركز الإداري على أنه “نظام يعترف في ظله لبعض الموظفين التابعين للوزارة بسلطة اتخاذ بعض القرارات تكون على درجة قليلة أو كثيرة من الأهمية والفصل فيها وبنوع من حرية التقدير دون الرجوع إلى الوزير في شأنها”.
ومن هذا المنطلق، يشكل نظام اللاتمركز الإداري أحد الرهانات الكبرى وأحد الخيارات الإستراتيجية لتأهيل بلادنا لمواجهة التحديات التي تعرفها إكراهات الظرفية الاقتصادية والإجتماعية، كما يعتبر دعامة للاستجابة لمتطلبات وتطلعات المواطنين في مجال التنمية. وبالتالي فإن هذه المقاربة التدبيرية للشأن الترابي ظلت حاضرة دائما في الخطب والتصريحات الملكية وفي مختلف الفترات والمراحل المتعاقبة، لكن ما يثير الانتباه في هذا الصدد، هو أن هذا الانشغال والحضور لنظام اللاتمركز الإداري بالنسبة للمؤسسة الملكية كبعد استراتيجي في تدبير الشأن الترابي ظل على مستوى الخطاب فقط، حيث لا يتم تنزيله على مستوى الواقع من طرف الحكومات المتعاقبة، فالإدارة المركزية كانت ولا تزال تصر على الاحتفاظ بسلطاتها، وما زالت تحتكر جل الموارد والوسائل اللازمة للإدارة، الأمر الذي يفسر أن هناك تناقض وفجوة عميقة بين الخطاب والممارسة.
من خلال ما سبق، يتبين أن هناك علاقة جدلية التي تشتغل فيها الادارة المحلية في علاقتها بنظام اللاتمركز الإداري والتي نحاول من خلال هذه المساهمة تبيانها، حيث يلاحظ أن حسن أو سوء سير الادارة المحلية مرتبط أساسا بجودة ونجاعة نظام اللاتمركز الإداري، فجوهر إصلاح الإدارة المحلية كما يتضح ذلك من خلال الخطاب الملكي ل 29 يوليوز 2017، يستدعي أولا إصلاح نظام اللاتمركز الإداري، وبالتالي فالسؤال الرئيسي الذي يمكن طرحه في هذا الصدد خصوصا بعد الخطاب الملكي لـ 29 يوليوز 2017 هو “إلى أي حد استطاع نظام اللاتمركز الحالي تحقيق الفعالية والنجاعة والرفع من أداء الإدارة المحلية؟ وهل تدبير هذا النظام يرقى إلى طموحات وتوجهات الخطاب الملكي المذكور؟
أولا: نظام اللاتمركز الإداري في الخطب الملكية وإشكالية إصلاح الإدارة المحلية
شكل نظام اللاتمركز الإداري مرجعية ثابتة في الخطب والتصاريح الملكية، حيث حظي هذا الأسلوب بمفهومه السياسي والاقتصادي باهتمام كبير من قبل المؤسسة الملكية من استقلال المغرب إلى يومنا هذا. وتبعا لذلك ومن خلال تتبع مختلف الخطب الملكية التي تناولت هذا النظام وأهميته، يتبين أن الراحل الملك محمد الخامس كان أول من أكد على أهمية هذا النظام بعد عودته من المنفى وتشكيله لأول حكومة مغربية، لكن هذا النظام سيأخذ أهمية أكبر بعد تولي الراحل الحسن الثاني مقاليد الحكم باعتباره تصور وتوجه جديد للإصلاح الإدارة المحلية، حيث أكد على هذه الأهمية في العديد من المناسبات، فقد كان يدعو دائما إلى الربط بين اللامركزية وعدم التركيز خاصة خلال المناظرات الوطنية للجماعات الترابية، معتبرا اللامركزية ثقافة وعدم التركيز عقلية، لا بد من علاقة وتكامل بينهما لتحقيق غاية وفعالية الإدارة المحلية. وفي هذا السياق شكل نظام اللاتمركز الإداري محطة أساسية وفكرة متكررة في معظم خطابات الملك محمد السادس، حيث يؤكد في جميع المناسبات على ضرورة نهج سياسة حقيقية في ميدان اللاتمركز الإداري موازاة مع اللامركزية.
ومن هذا المنطلق، تم التأكيد دائما بأهمية نظام اللاتمركز الإداري في التدبير العمومي لبلوغ الحكامة الترابية، خاصة الخطاب الملكي في 6 نونبر 2008 الذي أكد على إعداد ميثاق وطني لعدم التركيز، يتوخى حكامة نظام فعال لإدارة لا ممركزة، نظام يعتمد مقاربة ترابية، ويقوم على نقل صلاحيات مركزية للمصالح الخارجية.
وإذا ما قمنا بربط تطور نظام اللاتمركز الإداري والمكانة التي يحظى بها على مستوى الخطب الملكية بإصلاح الإدارة المحلية، يلاحظ أنه هناك فجوة عميقة بين الخطاب والممارسة، حيث أن واقع الإدارة المحلية لا تزال تعاني العديد من الظواهر السلبية التي تحول دون تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية محليا، وهذا ما حثَ عليه الخطاب الملكي لـ 29 يوليوز 2017، حيث شخص الاختلالات التي تعاني منها الإدارة العمومية بصفة عامة والإدارة المحلية بصفة خاصة، والتي يمكن إجمالها فيما يلي:
– غياب التناسق والالتقائية في التدخلات العمومية المحلية
– ضعف الإدارة المحلية من حيث آليات الحكامة، أو على مستوى النجاعة وجودة الخدمات التي تقدمها للمرتفقين
– ضعف أداء المراكز الجهوية للإسثتمار، والتي تشكل عائقا أمام عملية الاستثمار عوض التحفيز له
علماً أنه بالإضافة لهذه الاختلالات الأساسية التي شخصها الخطاب الملكي لـ 29 يوليوز 2017ـ، تعاني الإدارة المحلية من مجموعة من الممارسات والسلوكات التي تؤثر سلبا على السير العادي للإدارة المحلية في علاقتها بالمرتفقين.
ثانياً: متطلبات تحديث نظام اللاتمركز الإداري على ضوء الخطاب الملكي 29 يوليوز 2017
انطلاقا من الاختلالات التي تم تشخيصها في المحور السابق والتي تحدث عنها الخطاب الملكي لـ 29 يوليوز 2017، وبالنظر إلى المكانة التي يحظى بها نظام اللاتمركز الإداري على المستوى الترابي، أضحى من الضروري القيام بمجموعة من الإجراءات لتحديث نظام اللاتمركز الإداري وبالتالي تحسين جودة أداء الإدارة المحلية.
تفعيل دور الوالي والعامل كمحرك أساسي لنظام اللاتمركز الإداري.
منح المشرع الدستوري طبقا للفصل 145 من الدستور للولاة والعمال وظيفتي التنسيق وتدبير المصالح اللاممركزة والسهر على حسن سيرها، وبالتالي فإن هذه الوظيفة تتطلب منهم المواكبة الدائمة والمستمرة لمختلف الهيئات اللاممركزة وتتبع أنشطتها والإضطلاع بدورهم التدخلي لممارسة مهامهم القانونية، ولعل أهم مظاهر هذه الصلاحية هو تفعيل دور الولاة والعمال في مجال اللاتمركز الإداري من خلال مراقبة انجاز المهام ونشاط الموظفين واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة للرفع من مردودية أداء المصالح اللاممركزة.
إن إنجاح اللاتمركز الإداري باعتباره وسيلة لتحديث دور الدولة وعقلنة وظيفتها وآلية مهمة للإنجاح وتحسين مردودية الإدارة المحلية، يتطلب من الولاة والعمال باعتبارهم ممثلين للسلطة المركزية، الاضطلاع بأدوارهم ومهامهم بروح من المسؤولية وبطريقة تشرف الإدارة وتعطي نتائج ملموسة كما أكد على ذلك الملك في خطابه ل29 يوليوز 2017، وكذا التنسيق بين مختلف مصالح الإدارات اللاممركزة قصد التنزيل السليم لمختلف المخططات والبرامج التنموية الترابية.
نظام اللاتمركز الإداري: نحو تحسين وتجويد علاقة الإدارة المحلية بمحيطها
إن مساهمة نظام اللاتمركز الإداري في تحسين وتجويد علاقة الإدارة المحلية بمحيطها، يمكن أن يتم من خلال مقاربتين:
الأولى: تحسين علاقة الإدارة بالمواطنين: وذلك عبر إصلاح هذه العلاقة والعمل على تحسينها بضرورة توفر جميع الإدارات المحلية على قاعات للاستقبال لجعل المواطن يشعر بالارتياح من جهة ويحس باهتمام الإدارة المحلية به من جهة أخرى، ويتعين على المسؤول عن الخدمات الأساسية أن يعامل الجميع على قدم المساواة، فتحسين جهاز الاستقبال من شأنه أن يساهم في تحسين تواصل المواطنين بالإدارة المحلية وبالتالي يمكن تجاوز مواقف وسلوكات المواطنين السلبية اتجاه الإدارة المحلية.
الثانية: إقامة علاقة تواصلية بين الإدارة المحلية والمستثمرين:
يمثل الجهاز الإداري المحلي عائقا أمام تحقيق التنمية الترابية، خاصة المراكز الجهوية للاستثمار باعتبارها آلية لتحفيز الاستثمار، وهذا ما أكده الخطاب الملكي لـ 29 يوليوز 2017 حيث قال: “… وعلى سبيل المثال، فإن المراكز الجهوية للاستثمار، تعد، باستثناء مركز أوثننين، مشكلة وعائقا أمام عملية الاستثمار، عوض آلية للتحفيز ولحل مشاكل المستثمرين على المستوى الجهوي دون الحاجة للتنقل إلى الإدارة المركزية….
ختاما إن تحديث نظام اللاتمركز الإداري بالمغرب أصبح ضرورة ملحة في المرحلة الراهنة خصوصا بعد الخطاب الملكي ل 29 يوليوز 2017، وذلك من خلال تبني مقاربة شمولية ومنهجية علمية دقيقة لعملية الإصلاح تتميز بالتتبع والاستمرارية وروح المسؤولية، كما أن مراجعة طبيعة العلاقة بين المصالح المركزية للدولة ومصالحها اللاممركزة، وكذا إطار.
بالرغم من الحدود الذاتية والموضوعية التي تحدو عمل القاضي الإداري إلا أنه أبان عن دور ريادي ومهم في تحقيق التوازن بين مصلحة الإدارة وحماية حقوق الأفراد حيث تجاوز في بعض الأحيان القاضي الإداري الفرنسي مما يدل على تجاوز مرحلة الإحتشام المجلس الأعلى وبذلك اعتمد على مناهج التأويل التي تخدم الاجتهاد القضائي
وبالتالي فإن افاق اصلاح القضاء الإداري بصفة خاصة وإصلاح الإدارة المغربية لابد أن يمر عبر مجموعة من المحطات منها ما هو بشري ومنها ما هو تقني ومنها ما هو سياسي وما هو مالي واقتصادي وبالتالي ينبغي اصلاح هذه المعيقات عبر توفير المناخ والأرضية للقضاء الإداري من موارد مادية وبشرية لتقوم بالمهام المنوطة بها على أكمل وجه، دون أن نغفل جانب سيادة الأخلاقيات بالمرفق العمومي لتأسيس روح المسؤولية وبالتالي تأسيس إدارة حديثة بمقومات دولة المؤسسات.
[1] نادية أحديدو، خصوصيات الإثبات في المنازعات الإدارية-دراسة مقارنة – مجلة المحاكم الإدارية، القاضي الإداري بين حماية الحقوق والحريات وتحقيق المصلحة العامة، أشغال ندوة علمية منظمة بشراكة بين وزارة العدل والحريات وجمعيات هيات المحامين بالمغرب يومي 6 و7 يناير 2017 بالرباط، عدد خاص يناير 2017، ص. 111- 112.
[2] عبد المنعم خيرة، أثار حكم الإلغاء، دراسة مقارنة- دار الفكر العربي، ط 1971، ص 296.
[3]– إن مفهوم النظام العام لفظ واسع وفضفاض مما يسمح للإدارة استعماله كلما رغبت في التملص من تنفيذ الأحكام القضائية.
[4]– « les termes d’ordre public sont pris ici strictement au sens d’ « ordre dans la rue » à l’exclusion de toute notion d’ordre social et de toute considération de nature humanitaire… »
– voir: M. Long, Guy Braibant: « Grands arrêts de la jurisprudence administrative, 10 édition, 1993, p: 241.
[5]– عائشة سلمان “إشكالية تنفيذ الأحكام القضائية الصادرة في مواجهة الإدارة، منشورات م. م. إ. م. ت، عدد مزدوج 72-73، يناير-أبريل 2007،ص 49
[6]– Yves Gaudemet et Jean Claude Venezia, « droit administratif », 3ème édition, librairie générale de droit et jurisprudence, paris, 1991, p: 152.
– حسني سعد عبد الواحد، “تنفيذ الأحكام الإدارية”، مطابع مجلس الدفاع الوطني، القاهرة، سنة 1984،ص 430.431
– عبد الله حداد، “القضاء الإداري المغربي على ضوء القانون المحدث للمحاكم الإدارية”، مطابع ومنشورات عكاظ، الرباط، الطبعة الثانية، سنة 1995, ص 230
[7]– حكم أورده عبد الفتاح حسن، “تعطيل تنفيذ الحكم القضائي”، مجلة العلوم الإدارية السنة السادسة، العدد 1، يونيو 1964، ص: 313 وما بعدها.
[8]– حكم عدد 8 الصادر بتاريخ 29 يناير 1969، منشور بمجلة قضاء المجلس الأعلى، السنة الثانية، 1970، العدد 13، ص: 80.
[9]– أحمد البخاري وأمينة جبران، “اجتهادات المجلس الأعلى، الغرفة الإدارية مع التعليق على أحكام المبادئ”، المنشورات الجامعية المغاربية، مطبعة وليلي للطباعة والنشر، الطبعة الأولى 1996، ص: 368-369.
[10]– حكم المحكمة الإدارية بالدار البيضاء، عدد 294، بتاريخ 24 يونيو 1998، منشور بالمجلة م. إ. ت. عدد 26، يناير –مارس 1999، ص: 203-204.
[11]– حسني سعد عبد الواحد، “تنفيذ الأحكام الإدارية”، مرجع سابق، ص: 432-436.
[12]– عائشة سلمان، “إشكالية تنفيذ الأحكام القضائية الصادرة في مواجهة الإدارة”، مرجع سابق، ص: 67.
[13]– أنظر: منشور صادر عن الوزير الأول، رقم 99-4 بتاريخ 17 فبراير 1999 حول إشكالية تنفيذ الأحكام الصادرة ضد الدولة والداعي إلى إحداث شعبة قانونية بالوزارات والمؤسسات العمومية.
– منشور صادر عن الوزير الأول، رقم 2008-1، بتاريخ 04 فبراير 2008 حول تنفيذ الأحكام والقرارات النهائية.
– المذكرة المصلحية الصادرة عن الخازن العام للمملكة بتاريخ 04 مارس 2008.
[14]-, Mohamed El Yaagoubi, « l’inexécution des décisions de justice administratif, une atteinte intolérable aux droit de l’homme », REMALD, N° 28,1999, p: 68.
– حسني سعد عبد الواحد، “تنفيذ الأحكام الإدارية”، مرجع سابق، ص: 433.
[15]– حسن صحيب، “القضاء الإداري المغربي: دراسة تحليلية للقانون المحدث للمحاكم الإدارية”، أطروحة لنيل الدكتوراه في القانون العام، جامعة محمد الخامس، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية –أكدال- الرباط، السنة الجامعية 2002-2003 ص: 433.
[16]– آمال المشرفي، “الغرامة التهديدية وتنفيذ الأحكام القضائية الصادرة ضد الإدارة”، تعليق على حكم المحكمة الإدارية بالرباط، عدد 134، مارس 1997، ورثة العشيري م. م. إ. م. ت، العدد 23، أبريل يونيو 1998، ص: 80-81.
[17]– Yves Gaudemet et Jean Claude venezia, « droit administrative », op. cit, p: 153.
[18]– حسني سعد عبد الواحد،”تنفيذ الأحكام الإدارية”، مرجع سابق، ص: 434.
[19]– عبد الصمد زكاغ، “إشكالية تنفيذ الأحكام الإدارية الصادرة ضد الإدارة”، أطروحة لنيل الدكتوراه في القانون العام، وحدة التكوين والبحث: “الإدارة العامة” جامعة محمد الأول، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، وجدة، السنة الجامعية 2003-2004، ص: 24.
[20] www.conseil-etat.fr /ar
[21] عبد الواحد القريشي، دور القضاء الإداري المغربي في بناء دولة الحق والقانون، اطروحة لنيل الدكتوراه في القانون العام، جامعة الحسن الثاني، عين الشق 2007، ص. 255.
[22]– محمد القدوري، “الغرامة التهديدية في التشريع المغربي”، مجلة المحاماة المغربية، عدد 15، أبريل- ماي- يونيو 1979، ص: 57.
[23]– محمد محجوبي، “الغرامة التهديدية وتصفيتها في ضوء اجتهادات المحاكم القضائية والإدارية”، الطبعة الثالثة، سنة 2002، مطبعة دار القلم للطباعة والنشر، الرباط، ص: 15.
[24]– محمد قصري، “الغرامة التهديدية والحجز في مواجهة الإدارة الممتنعة عن تنفيذ الأحكام القضائية الإدارية الصادرة ضدها”، م. م. إ. م. ت، عدد 34، شتنبر –أكتوبر 2000، ص: 12.
[25]– عبد الرزاق أحمد السنهوري، “الوسيط في شرح القانون المدني”، الجزء الثاني دار النهضة العربية، القاهرة- سنة 1964، ص: 807.
[26]– الطيب عبد السلام برادة، “التنفيذ الجبري في التشريع المغربي”، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا في القانون الخاص، جامعة الحسن الثاني، الدار البيضاء، سنة 1987، ص: 363.
[27]– محمد قصري، “الغرامة التهديدية والحجز في مواجهة الإدارة الممتنعة عن تنفيذ الأحكام القضائية الإدارية الصادرة ضدها”، مرجع سابق، ص: 13.
[28]– ينص الفصل 448 ق. م. م.: “إذا رفض المنفذ عليه أداء التزام بعمل او خالف التزاما بالامتناع عن عمل، أثبت عون التنفيذ ذلك في محضره، وأخبر الرئيس الذي يحكم بغرامة تهديدية ما لم يكن سبق الحكم بها…”.
[29]– ص أحمد الصايغ، “الغرامة التهديدية كوسيلة لتنفيذ الأحكام القضائية الصادرة ضد الإدارة”، منشورات م. م. إ. م. ت، سلسلة مؤلفات وأعمال جامعية 55، الطبعة الأولى 2004: 38-39.
[30]– حكم المحكمة الإدارية بالرباط، عدد 134، بتاريخ 6 مارس 1997.
[31]– أمال المشرفي، “الغرامة التهديدية وتنفيذ الأحكام القضائية الصادرة ضد الإدارة”، تعليق على حكم المحكمة الإدارية عدد 134، بتاريخ 6 مارس 1997، م. م. إ. ت، عدد 23، أبريل – أبريل – يونيو 1998، ص: 78.
[32]– المحكمة الإدارية بالرباط، الأمر الاستعجالي رقم 319، بتاريخ 2/8/2006
[33]– حكم المحكمة الإدارية بالرباط، عدد 134، بتاريخ 6 مارس 1997.
[34]– قرار عدد 109، بتاريخ 14/03/79، منشور بمجلة قضاء المجلس الأعلى، عدد 27، ص: 69.
– قرار عدد 144، بتاريخ 23/05/80، منشور بمجلة قضاء المجلس الأعلى، عدد 40، ص: 199.
[35]– محمد قصري، “الغرامة التهديدية والحجز في مواجهة الإدارة الممتنعة عن تنفيذ الأحكام الإدارية الصادرة ضدها”، مرجع سابق، ص: 14.
[36]– محمد قصري، المرجع السابق، ص: 15.
[37]– حسني سعد عبد الواحد، “تنفيذ الأحكام الإدارية”، مرجع سابق، ص: 580.
[38]– مصطفى التراب، “إشكالية تنفيذ الأحكام الإدارية”، مجلة المحاكم الإدارية، العدد الأول، سلسلة الدلائل والدراسات القضائية، منشورات وزارة العدل، 2001، ص: 21- 22.
[39]– منصور محمد أحمد، “الغرامة التهديدية كجزاء لعدم تنفيذ أحكام القضاء الإداري الصادرة ضد الإدارة”، دار الجامعة الجديدة للنشر، سنة 2002، ص: 142.
[40]– عصام بنجلون، “أصول وإجراءات التنفيذ القضائي ضد الإدارة، دراسة مقارنة”، مرجع سابق، ص: 73.
[41]– عبد الصمد زكاغ، “إشكالية تنفيذ الأحكام الإدارية الصادرة ضد الإدارة”، مرجع سابق، ص: 89.
[42]– مصطفى التراب، “إشكالية تنفيذ الأحكام الإدارية”، مرجع سابق، ص: 28.
[43]– محمد محروك، “تطبيق الغرامة التهديدية بين تقاطع نصوص المسطرة المدنية وقانون إحداث المحاكم الإدارية”، مجلة الأملاك، تعنى بالدراسات القانونية والفقهية، العدد 2، سنة 2007، ص: 195.
[44]– عصام بنجلون، “الغرامة التهديدية وتنفيذ الأحكام القضائية في مواجهة الإدارة”، مرجع سابق، ص: 62.
[45]– محمد الوزاني، “تنفيذ الأحكام في المجال الإداري”، المجلة المغربية للاقتصاد والقانون، العدد الأول، يونيو 2000، ص: 108.
[46]– أمال المشرفي، “الغرامة التهديدية وتنفيذ الأحكام القضائية الصادرة ضد الإدارة”، مرجع سابق، ص: 78.
[47]– مصطفى التراب، “إشكالية تنفيذ الأحكام الإدارية ودور والي المظالم في معالجتها”، مجلة ديوان المظالم، العدد الثاني، يونيو 2005، ص: 34.
[48]– أمال المشرفي، “الغرامة التهديدية وتنفيذ الأحكام القضائية الصادرة ضد الإدارة”، مرجع سابق، ص: 78.
– Mohamed EL Yaâgoubi, « inexécution des décisions de justice … », article précité, p: 78.
[49]– الأمر رقم: 280 الصادر بالملف رقم: 240/06 بتاريخ 5/7/2006 ضد وزارة التجهيز والنقل، (غير منشور).
– الأمر رقم: 319 الصادر بالملف 316/06 بتاريخ 2/08/2006 ضد وزارة التجهيز والنقل (غير منشور).
– المر رقم: 149 الصادر بالملف 153/06 تاريخ 29/03/06 ضد وزارة التجهيز والنقل (غير منشور).
– الأمر رقم: 172 الصادر بالملف 118/07 بتاريخ 2/5/2007 ضد وزارة التجهيز والنقل (غير منشور).
[50]– محمد قصري، “الغرامة التهديدية والحجز في مواجهة الإدارة الممتنعة عن تنفيذ الأحكام الإدارية الصادرة ضدها”، مرجع سابق، ص: 16.
– الأمر الاستعجالي الصادر عن المحكمة الإدارية بمكناس، حكم عدد 110/98/1 س، بتاريخ 03/04/1998، م. م. إ. م. ت، العدد 26، يناير- مارس 1999، ص: 192-193.
– أمال المشرفي، تعليق على الأمر الاستعجالي الصادر عن رئيس المحكمة الإدارية بمكناس، عدد 110/98/1 س، بتاريخ 3 أبريل 1998، م. م. إ. م. ت، عدد 26، يناير-مارس 1999، ص: 137-139.
[51]– محمد قصري، “الغرامة التهديدية والحجز في مواجهة الإدارة الممتنعة عن تنفيذ الأحكام الإدارية الصادرة ضدها”، مرجع سابق، ص: 18.
[52]– عصام بنجلون، “الغرامة التهديدية وتنفيذ الأحكام القضائية في مواجهة الإدارة”، مرجع سابق، ص: 64.
[53] – Mohamed Amine Ben Abdallah, « Justice administrative et inexécution des décisions de justice », R. E. M. L. D, N° 25 octobre –décembre 1998, p: 14.
[54]– فريد الباشا، “تصفية الغرامة التهديدية”، المجلة المغربية للقانون، عدد 5، سنة 1985، ص: 289.
[55]– أمال المشرفي، “الغرامة التهديدية وتنفيذ الأحكام ضد الإدارة”، مرجع سابق، ص: 80.
[56]– عصام بنجلون، “الغرامة التهديدية وتنفيذ الأحكام القضائية في مواجهة الإدارة”، مرجع سابق، ص: 65.
[57]– محمد قصري، “الغرامة التهديدية والحجز في مواجهة الإدارة الممتنعة عن تنفيذ الأحكام الإدارية الصادرة ضدها”، مرجع سابق، ص: 24.
[58]– ثورية لعيوني، “القضاء الإداري قضاء الإلغاء – قضاء التعويض – منازعات العقود الإدارية”، دار النشر الجسور، الطبعة الأولى، سنة 1997، ص: 219.
[59]– ثورية لعيوني، المرجع السابق، ص: 191.
– عبد الرحمان البكريوي، “الوجيز في القانون الإداري المغربي”، الكتاب الثاني، نشاط الإدارة وامتيازاتها، شركة بابل للطباعة والنشر، الطبعة الأولى، 1990، ص: 183.
– مليكة الصروخ، “القانون الإداري”- دراسة مقارنة، مرجع سابق، ص: 320
-André de Laubadere, Jean Claude, Venizia et Yves Gaudement, « traité de droit administratif », op.cit, p: 450.
– حماد حميدي، “المسؤولية الإدارية” أطروحة لنيل دكتوراه الدولة في القانون العام، الجزء الثاني، جامعة محمد الخامس، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، بالرباط، 1989، ص: 764-770.
– مصطفى التراب، “الإشكالات التي يطرحها القانون رقم 41-90 المحدث للمحاكم الإدارية في مجال الأحكام القضائية”، م. م. إ.م. ت، العدد الأول، 1995، ص: 91.
[60]– محمد قصري، “الغرامة للتهديد والحجز….، مرجع سابق، ص 25.
[61]-Goerge Vedel, « droit administratif », op. cit, p: 683.
[62]– محمد الأعرج، “إشكالية تنفيذ الأحكام القضائية على المؤسسات العامة”، مجلة الدراسات الإدارية، العدد الثاني، دجنبر 1999.
[63]– André de laubadére, Claude Venizia et Yves Gaudement, « traité de droit administratif », op. cit, p: 846.
[64]– محمد قصري، “الغرامة التمهيدية والحجز في مواجهة الإدارة الممتنعة عن تنفيذ الأحكام الإدارية الصادرة ضدها”، مرجع سابق، ص: 26.
– حسني سعد عبد الواحد، “تنفيذ الأحكام الإدارية”، مرجع سابق، ص: 311 وما يليها.
[65]– محمد قصري، المرجع السابق، ص: 29.
[66]– عائشة سلمان، “إشكالية تنفيذ الأحكام القضائية الصادرة في مواجهة الإدارة”،،مرجع سابق، ص: 75.
[67]– أمال المشرقي، “الحجز لدى الغير لتنفيذ الأحكام القضائية الصادرة ضد المؤسسات العمومية”، تعليق على الأمر الاستعجالي الصادر عن المحكمة الإدارية بالرباط، عدد 128، بتاريخ 24/9/1997، م. م. إ. م. ت، عدد 24، يونيو – شتنبر 1998، ص: 94.
[68]– محمد قصري، “الغرامة التمهيدية والحجز في مواجهة الإدارة الممتنعة عن تنفيذ الأحكام الصادرة ضدها”، مرجع سابق، ص: 29.
[69]– محمد قصري، المرجع السابق، ص: 29.
[70]– مصطفى التراب، “شكالية تنفيذ الأحكام الإدارية”، مرجع سابق، ص: 124.
[71] مصطفى التراب، المرجع السابق، ص: 122.
[72]– محمد قصري، “الغرامة التهديدية والحجز في مواجهة الإدارة الممتنعة عن تنفيذ الأحكام الإدارية الصادر ضدها”، مرجع سابق، ص: 31.
[73]– أمر استعجالي صادر عن رئيس المحكمة الإدارية بالرباط رقم: 210، بالملف رقم: 17/08 س، بتاريخ 23/04/2008، الصادر ضد وزارة التجهيز والنقل، (غير منشور).
[74]– أمر استعجالي صادر عن رئيس المحكمة الإدارية بالرباط رقم: 1021 بالملف رقم: 314 / 06 س، بتاريخ 22/11/2006، الصادر ضد وزارة التجهيز والنقل، (غير منشور).
– أمر استعجالي رقم 30 صادر عن رئيس المحكمة الإدارية بالرباط، بالملف رقم: 377/07 س، بتاريخ 23/01/2008، الصادر ضد وزارة التجهيز والنقل، (غير منشور).
[75]– قرار الغرقة الإدارية بالمجلس الأعلى، الصادر بتاريخ 22 ماي 1997 تحت عدد 556، أورده محمد قصري، مرجع سابق، ص: 31.
[76]– مصطفى التراب، “إشكالية تنفيذ الأحكام الإدارية “، مرجع سابق، ص: 123.
[77] مسعود شيهوب، المبادىء العامة، المنازعات الإدارية، ج 1، الأنظمة القضائية المقارنة والمنازعات الإدارية، ط 4، ديوان المطبوعات الجامعية، الساحة المركزية، بن عكنون، الجزائر، 2005، ص 173.
[78] بشرى مزوز، مداخلات إصلاح القضاء الإداري، مجلة المنارة للدراسات القانونية والإدارية، عدد خاص حول القضاء والتحكيم، أكنوبر 2020، ص 15
[79] عمار عوايدي، النظرية العامة للمنازعات الإدارية في القضاء الإداري الجزائري ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر 1998، ص 68.
[80]عبدالغني اعبيزة، سياسة التحديث الإداري بالمغرب، الطبعة الثانية، سنة 2011، ص 11.
[81]عبدالواحد وارزيق، التحديات الكبرى للإجارة المغربية، مجلة التدبير العمومي الجديد بالمغرب، دار القلم، الرباط 2003، ص 8.
[82] عادل جودة، الحوافز، المنظمة العربية للعلوم الإدارية عدد 247، ص 13.
[83] محمد باسي، تدبير الموارد البشرية بالإدارة المغربية، الإطار القانوني والمعيقات التنظيمية، 2002، ص 133.134
[84]التقرير العام للمناظرة الوطنية الأولى حول إصلاح الإدارة، منشور كملحق، بنكاوي سعيد، تعليل القرارات الإدارية دراسة مقارنة، ص 78.


