عبد الواحد الدافي

دكتور في القانون الخاص

Le rôle de la jurisprudence judiciaire dans la définition des caractéristiques et de la portée du droit pénal des affaires au Maroc

Resumé

Le droit pénal des affaires se caractérise par un ensemble de particularités qui le distinguent des règles classiques reconnues dans l’article de droit pénal, de sorte que ses règles resserrent bon nombre des règles du droit pénal classique dans la forme et le contenu, dont la plus importante est la propriété de la flexibilité dans sa formulation, ainsi que de la saturation et de la diversité dans le domaine à partir des exigences d’un groupe Droit pénal, Code de la construction, Code des douanes, Code de commerce et droit des sociétés, Code du travail, Droit de la liberté des prix et de la concurrence, Droit de la propriété industrielle, Code de la législation fiscale, Loi sur la fraude en matière de fraude dans les marchandises, Loi sur la protection des consommateurs,

مـقـدمــة

تتسم مادة القانون الجنائي للأعمال، بمجموعة من الخصوصيات التي تميزها عن القواعد الكلاسيكية المتعارف عليها في مادة القانون الجنائي، بحيث تشد قواعدها عن كثير من قواعد القانون الجنائي الكلاسيكي شكلا ومضمونا، أهمها خاصية المرونة في صياغتها، كما تتميز بالتشبع والتنوع في المجال بدءًا من مقتضيات مجموعة القانون الجنائي، ومدونة التعمير، مدونة الجمارك، مدونة التجارة وقوانين الشركات، مدونة الشغل، قانون حرية الأسعار والمنافسة، قانون الملكية الصناعية، مدونة التشريع الضريبي، قانون زجر الغش في البضائع، قانون حماية المستهلك، ومن هنا يأتي دور  الاجتهاد القضائي الذي يلعب دورًا أساسيًا في تحديد مجال ومعالم هذه المادة، المعتبرة في حكم المواد التي هي قيد التشكل بالنسبة للحالة المغربية، ومن هنا تبرز أهمية الاجتهاد القضائي المغربي بصدد المساهمة في تحديد المعالم المميزة لها، والمرتبطة ببنية الاقتصاد الوطني.

وانطلاقًا من دور القضاء في تحقيق الأمن القضائي، وتكريس الأمن القانوني بشكل عملي في مختلف الميادين والفروع القانونية المختلفة، فإن هذا الدور يكتسي أهمية بالغة، لا يكاد يقل في أهميته عن دور التشريع في هذا الشأن[1]، من خلال إضفاء الطابع العملي الحي للقاعدة القانونية، خصوصا في حالات غموض النص القانوني وإبهامه، كمحاولة منه لاستخلاص الحلول التي تتماشى والسياسة الجنائية المتبعة من طرف المشرع بخصوص ميدان المال والأعمال، تبعًا للظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية للدولة، فيحرص على القضاء على التوفيق بين نصوص التشريع الثابتة، وأوضاع المجتمع المتغيرة خصوصًا ما يهم الجوانب المرتبطة بالدورة الاقتصادية في مجالها الواسع والمتشعب (الإنتاج ـ والتوزيع ـ الاستهلاك)، لبلورة قانون جنائي يؤطر مجال الأعمال يراعى جميع المصالح والمتضاربة أحيانا، وحماية الاستثمارات الوطنية والأجنبية.

ومن هذا المنطلق تظهر تشعبات هذه المادة، بحيث يتسع مجالها ليشمل عدة فروع قانونية، وبما أن منهجية المشرع المغربي، تصنف ضمن خانات الترسانة القانونية التي تجمع بين مجموعة القانون الجنائي والقوانين الخاصة، كأسلوب تشريعي يتماشى مع السياسة التشريعية الوطنية وخصوصيتها[2]، كما أن المشرع لا يحدد بدقة بعض المفاهيم، ذات المضمون الجنائي للأعمال، من قبيل النظام العام الاقتصادي، الغش في البضائع، الإشهار الكاذب[3]. وبالتالي يمكن تعريف هذه المادة، بمجموعة من النصوص القانونية المنظمة لشروط الإنتاج وتوزيع واستهلاك الأموال والخدمات، وكذلك طرق تبادل الأموال والخدمات، وتحديد الجزاءات المترتبة عن انتهاكها من طرف الفاعلين[4].

ودور القضاء بهذا الخصوص، نابع من الخصوصيات التي تنفرد بها جرائم الأعمال عن الجرائم التقليدية الواردة في القانون الجنائي العام، فيما يخص عناصر المكونة لجرائم الأعمال وما تتطلبه من فهم قضائي متخصص، وهي مميزات ينفرد بها سواء على مستوى الموضوع وعلى مستوى الشكل. فإذا كانت مادة القانون الجنائي بمفهومها الكلاسيكي محكومة بمبدأ الشرعية الجنائية، والتفسير الضيق، فإن خصوصيات المادة الجنائية المرتبطة بعالم المال والأعمال، والتي ينبغي أن تكون مسايرة للمستجدات وفق قضاء متخصص، فماهي مظاهر الإجتهاد القضائي الجنائي المغربي في مادة القانون الجنائي للأعمال؟ ولنفرض جدلًا وجدت هل استطاعت تحديد معالم ومجال هذه المادة المتفردة؟.

وذلك ما سنعمل على تناوله عبر محورين.

المحور الأول: رصد لبعض الإجتهادات القضائية في ميدان القانون الجنائي للأعمال

من خلال هذا المحور سنعمل على تناول بعض الإجتهادات القضائية، التي حاولت معالجة موضوع القانون الجنائي للأعمال، سواء من خلال اجتهادات محاكم الموضوع، أو على مستوى قرارات محكمة النقض كأعلى سلطة قضائية تعمل على توحيد الإجتهادات الصادرة عن محاكم الموضوع، في مختلف القضايا التي تهم المال والأعمال.

أولًا: في بلورة السياسة الجنائية للشيك كورقة تجارية

بإصدار مدونة التجارة لفاتح غشت 1996، والتي حفلت بمستجدات تهم عالم المال والأعمال ومن بينها مؤسسة الشيك، حيث تمت إعادة النظر في النظام القانوني المؤطر لها، وعمل القضاء بمختلف درجاته، على بلورتها وتكريس الأسس والمنطلقات التي اعتمدها المشرع، ومنها اعتبار الشيك كوسيلة وفاء في مجال الأعمال.

وبخصوص توافر القصد الجنائي بنوعيه، كركن في الجرائم المرتبطة بالشيك، جعل القضاء من هذا الركن أمر غير متطلب، وأن مسألة سوء النية مفترضة بمجرد عدم توافر مؤونة الشيك عند تقديمه للأداء، الأمر الذي أكده المجلس الأعلى سابقا في قراره الصادر بتاريخ 12 يناير 2005 في ملف عدد 1108/04 والذي تضمن ما يلي: “أن مسألة سوء النية في جريمة إصدار شيك تتحقق بمجرد عدم توفر مؤونته عند تقديمه للأداء”[5]، هو نفس الاجتهاد الذي أقره في قراره الصادر بتاريخ 12 أبريل 2004 في ملف عدد 1108/2002 حيث ذهب إلى أن “جنحة عدم توفير مؤونة شيك تتحقق بمجرد إصدار شيك وعدم توفير مؤونته عند تقديمه للأداء وسوء النية الذي يثبت بمجرد انعدام الرصيد أو عدم كفايته”[6].

كما تبنى القضاء المغربي في تطبيق مقتضيات مدونة التجارة، فيما يخص الشيك بنوع من الصرامة حيث نقض المجلس الأعلى سابقا، حكم محكمة الموضوع التي متعت المتهم بظروف التخفيف بناء على مقتضيات القانون الجنائي، حيث جاء في قراره الصادر بتاريخ 12 ابريل 2004، في ملف عدد 15396/03، تكون المحكمة قد خرقت المادة 316 من مدونة التجارة، عندما قضت على المطلوب بغرامة 1000 درهم، كحد أدنى لعقوبة الغرامة ما لم تكن نسبة خمسة وعشرين في المائة من مبلغ الشيك اكثر من ذلك”[7]. حيث لم يسمح المجلس الأعلى بالنزول عن الحد الأدنى للعقوبة، بإعمال ظروف التخفيف وهي مقاربة يعتبرها البعض لا تخدم السياسة العقابية في مجال الشيك، من خلال عدم إعطاء الجانب الشخصي للمتهم أدنى اعتبار، وعدم الاكتراث بسكوت المشرع نفسه عن الإشارة إلى حظر العمل بمقتضيات الفصلين 146 و 149 من القانون الجنائي[8]، ولعل ذلك يفسر برغبة العمل القضائي إعطاء مصداقية أكثر لهذه الورقة التجارية.

كما عمل الاجتهاد القضائي،على إيضاح القانون الواجب التطبيق، بشأن الشيك، وهكذا نجد محكمة الاستئناف بالدار البيضاء قضت بتطبيق مقتضيات مدونة التجارة، بخصوص جرائم الشيك الواردة في المادة 316 [9]كمًا أن المجلس الأعلى سابقًا تبنى صراحة الاتجاه الرامي إلى تطبيق القانون الجديد في قرار صادر عن غرفتيهما غرف المجلس الأعلى عدد 1263/6، بتاريخ 18 يوليوز 2002 [10].

بعد الفراغ من عرض بعض الاجتهادات القضائية المرتبطة بالشيك، نرى من المفيد ملامسة نظرة القضاء الجنائي لتحديد مفهوم المسؤولية الجنائية في مجال الأعمال.

ثانيا: في تحديد المسؤولية الجنائية

لا شك أن موضوع المسؤولية الجنائية من أهم الموضوعات التي تمس القانون الجنائي عامة، وفي مجال الأعمال بصفة خاصة[11]، وأهم ما يثار هنا هو مسؤولية الأشخاص المعنوية الخاصة بارتباطها مع المسؤولية الجنائية لمسيري ومتطرفي المقاولات أثناء تعرضها لنزاعات جنائية، حيث وتواثر الاجتهاد القضائي على إقرار المسؤولية الجنائية للشركات التجارية، بعد إقرار المشرع المغربي في الفصل 127 من مجموعة القانون الجنائي على العقوبات الممكن تطبيقها على الشخص المعنوي، إلا أن القوانين الخاصة كقانون 17-95 المتعلق بشركة المساهمة في المادة 7 منه، والمادة 2 من قانون 5-96 المتعلق بباقي الشركات، أقر بالمسؤولية الجنائية للشركات، بعدما كان القانون المغربي لما قبل 1962، لا يقر بمسؤولية الشخص المعنوي وكان القضاء المغربي آنذاك هو الآخر يسير في نفس الاتجاه، ففي قرار صادر عن المجلس الأعلى تحت عدد 659 بتاريخ 2 يونيو 1960، جاء فيه “لا يمكن تقرير المسؤولية للشخص المعنوي إلا بنص صريح”[12].

أما الاجتهاد القضائي، فقد تواترت هو الآخر اجتهاداته على الاعتراف بالشخصية المعنوية للشركات، ومن ثم المسؤولية الجنائية في حقها، وفي هذا الإطار نجد حكما صادرا عن المحكمة الابتدائية لعين السبع الحي المحمدي بالدار البيضاء، بتاريخ 25 مارس 1995 بمؤاخدة شركة (أـب) في شخص مسيرها القانوني بغرامة مالية قدرها 10,000 درهم بجنحة الغش في مادة القهوة[13]، وتوجد الكثير من الأحكام تسير في نفس الاتجاه، منها حكم محكمة الاستئناف بالدار البيضاء بتاريخ 28 يوليوز 1997 التي ادانت فيها شركة (أـح) بجنحة الغش في البضائع بغرامة 8000 درهم[14].

وهناك قرارات أخرى تذهب في اتجاه إقامة المسؤولية الجنائية للأشخاص المعنوية، والحكم عليها بعقوبات تتلائم وطبيعتها غير المادية ٬تكون قبيل الغرامة ونشر حكم الإدانة في الصحف وفي مختلف وسائل الاعلام، من خلال هذه الأحكام تتجلى مساهمة الاجتهاد القضائي في تحديد المسؤولية الجنائية للأشخاص المعنوية في ظل الثغرات التي تعتري القانون المغربي، خصوصا شروط إعمال هذه المسؤولية بكيفية أكثر تفصيلا في القانون الجنائي للأعمال أصبحت من متطلبات السياسة الجنائية المعاصرة في ضبط إجرام الأشخاص المعنوية لدورها المحوري في الدورة الاقتصادية وطنيا وعالميا.

فالمسؤولية الجنائية في مجال المال والأعمال لها خصوصيتها، من خلال المواد المنظمة لشركة المساهمة، فالمشرع أولها أهمية كبرى ومنها وجود الإحالة بين المواد، وهو ما يتطلب تقنية الربط بين المواد، وتطبيقها بشكل سليم، وكذا توحيد العمل القضائي في حالات الفراغ والإبهام في القانون، وما أكثره عندنا في المغرب[15].

وفيما يخص مسؤولية مسيري ومتصرفي الشخص المعنوي، نعلم أن هذا الأخير لا يستطيع القيام بمهامه، إلا من خلال ممثليه وهم أشخاص طبعيين ومن ثم ثار نقاش حول مدى مسؤولية مسيري الشخص المعنوي، حيث ذهب المجلس الأعلى سابقًا في قراره المؤرخ بتاريخ 01 أكتوبر 1998 “إلى أنه لا يوجد ما يعفى مدير الشركة ما باعتباره ممثلا للشخص المعنوي من المسؤولية الجنائية متى ثبت أن الأفعال التي ارتكبها ولو باسم الشركة التي يمثلها أو بتفويض منها تندرج ضمن الأفعال المجرمة قانونا” وأضاف المجلس الأعلى قائلا “أن صفة التمثيل أو رخصة التفويض التي تسمح بالتصرف نيابة عن الشخص المعنوي لا تعتبر إطلاقًا رخصة للتصرف خلافا لقانون ولا تعذره أن يكون جاهلا لمقتضياته”[16].

وهناك اجتهاد قضائي اخر صادر عن المجلس الأعلى سابقًا مؤرخ في 14 يوليوز 2004، حيث كرس عمل قضائي مهم سبق للقضاء الفرنسي أن تبنى هذا النهج، بالقول أن الظنين اعترف بتوقيعه التي ثبت من خلال شواهد البنك المسحوب عليه أن الحساب لا يتوفر على مؤونتها، وبالتالي يكون ما صدر منه ثابتا في حقه انطلاقًا مما سبق من كونه المسؤول عن الشركة التي يوقع الشيكات باسمها، وحيث أن ما آثاره الدفاع من استقلال ذمة الظنين المالية عن ذمة الشركة التي يمثلها وإن كان في محله، إلا أن مسؤولية عدم توفر حساب الشركة في مقابل الشيكات التي سحبها باسمها تقع عليه للسبب المذكور أعلاه، ولكون الفصل 316 من مدونة التجارة إنما يعاقب ساحب الشيك وليس صاحب الحساب”[17].

وسمة التشدد هذه تتماشى مع السياسة العقابية في مجال الأعمال خصوصًا وأن بعض المسيرين لا يفرقون بين ذمتهم المالية الشخصية وذمة الشركة التي يسيرونها، ويستعملونها كما أوكان الأمر يتعلق بمصالحهم الشخصية، ومن شأن ذلك أن يضمن السير الجيد للمقاولة عدم تعريض موجوداتها للخطر[18]، كتوجه جديد للقضاء في تحقيق صرامة في العقاب لمسؤولي الشخص المعنوي.

ومن جانبنا نرى أن القضاء يراعي مصلحة الشخص المعنوي، ويخصها باعتبار خاص تحصينا لها ضد دوي النيات السيئة.

ثالثًا: مساهمة الاجتهاد القضائي في مجال القوانين الجنائية الخاصة المتصلة بالأعمال

في هذه النقطة سنحاول ملامسة بعض الاجتهادات القضائية، في القوانين الجنائية الخاصة المتصلة بمجال المال والأعمال.

1ـ في قانون زجر الغش في البضائع

بخصوص جرائم الغش في البضائع، لعب القضاء دورًا جد فعال في إبراز خصوصية هذه الجرائم، فهاجس توفير حماية قصوى للمستهلك، اقتضت أن يكون القضاء الجنائي على مستوى تطلعات الطرف الضعيف، خصوصا في ظل غياب تراكم حماية قانونية للمستهلك.

فالجوانب القضائية في مادة جرائم الغش في البضائع، جعلت المبادئ التقليدية للفعل الجرمي متجاوزة، خصوصا في ركنها المعنوي، وتساءل بعض الفقه عن المعيار الذي يجب على القضاء الاهتداء به في التصدي للأفعال الإجرامية الماسة بالمستهلك[19].

ففي قرار صادر عن محكمة الاستئناف بمراكش بتاريخ 26 نونبر 1990، تمت إدانة الشركة الصناعية (أـم) حيث ان المحكمة بعد مراجعتها لوثائق الملف، تأكد لها أن الحكم الابتدائي الذي اعتمد له ما يبرره، وحيث ثبت أن ما تسرب من الهواء إلى قنينات المشروب ناتج عن عدم سدها بإحكام من طرف الشركة المنتجة التي تعتبر مسؤولة عن ذلك، وحيث أن عدم سد تلك القنينات بإحكام وكذا عدم مراقبة ما تسرب إليها من هواء من طرف الشركة حتى تبعده عن القنينات المعروضة للبيع قرينة على ثبوت سوء نية المتهم[20]، كما تمت إدانة بائع السكر الذي لم يتحقق من وزنها الحقيقي دونما اعتبار شخصية المتهم أو البحث عن نيته[21].

فالاجتهاد القضائي في هذا المجال، ومنذ تسعينات القرن الماضي وإلى الآن، خطى خطوات كبيرة، ووصل بالقصد الجنائي إلى أدنى درجات تقلصه، حيث اكتفى لقيام جريمة ما، بالتثبت من عدم تطابق البضاعة مع النتيجة المعلن عنها، أو عدم مطابقتها للنصوص القانونية التي تحدد مواصفاتها الرئيسية[22].

إذا كان الهاجس الأساسي للقضاء الجنائي، هو تحقيق ما يهدف إليه المشرع، وأن إثبات سوء النية لدى الجاني يواجه بصعوبات جمة في إثباتها، وهو ما قد يترتب عنه إفلات المجرمين من العقاب وإلحاق الأذى بمصالح حيوية للمستهلك والاقتصاد ككل، ليكن دور القضاء هو سد الثغرات عبر العمل على تقليص من الركن المعنوي المطلوب في جرائم الغش في البضائع، وتوفير حماية للمستهلك لا سيما في ظل الإعلانات التجارية الخادعة والمضللة للمستهلك[23].

كما أن الحماية القضائية للمستهلك، رغم ما سبق ذكره فإن مظاهرها تبقى محدودة في ظل نصوص لا تسعف الآلة القضائية في الخروج بأحكام وقرارات تعطي مجال الحماية ومعالمها الحقيقية، بحيث تصدر أحكام تحمل عبارات غامضة وفضفاضة لحماية المستهلك وأحيانا عبارات عامة[24]، إن تقييم الحماية القضائية في ظل النصوص الحالية تبقى جهود مستحسنة، في حاجة للتطور لتكون أكثر فعالية في المستقبل.

2ـ الاجتهاد القضائي في مدونة الجمارك

تكتسي مدونة الجمارك أهمية بالغة في الاقتصاد الوطني، وفي ارتباط هذا الفرع القانوني مع تطبيقاته القضائية، نجد أن الدعوى الجمركية تثير مجموعة من الإشكالات، من قبيل تنازع القواعد الاجرائية العامة ومقتضيات مدونة الجمارك، والتي تنفرد بمجموعة من الخصوصيات من أهمها صياغة نصوصها بشكل مرن.

وقد تعامل القضاء الجنائي مع المقتضيات الزجرية لمدونة الجمارك، بكيفية تحافظ على خصوصياتها، محاولا إعطائها بعدا عمليا ينبغي الحفاظ عليه، وهكذا نجد المجلس الأعلى سابقا في ملف عدد 04/21709 صادر في 2 مارس 2005، بنقض وإبطال قرار خرق القانون الجمركي حيث ذهب إلى أن “الحلول القانوني لإدارة الجمارك محل شركة التبغ بمقتضى ظهير 5 يونيو 2000 فيمل يتعلق باستخلاص ما يلزم من أداءات في قضايا المخبرات والتبغ المهرب، يسري على جميع القضايا التي لم يتم الفصل فيها لصرف النظر عن تاريخ الأفعال التي بنيت عليها ما دام لا يوجد أي نص يقيد هذا الحلول من حيث الزمان والمكان”[25].

من خلال نص هذا القرار، نستشف إقرار القضاء بخصوصية الجريمة الجمركية، من حيث الفورية في تطبيق القانون الجمركي، حتى على الأفعال التي حدثت قبل دخول القانون الجديد حيز النفاذ، وهو ما يحد من مفهوم مبدأ الشرعية الجنائية بمعناه الكلاسيكي، بغية ضمان معاقبة مرتكبي مثل هذه الجرائم وعدم إفلاتهم من العقاب، وذلك اعتبارًا للأضرار التي تلحق بالاقتصاد الوطني.

وفي قرار آخر تحت عدد 2/418 مؤرخ في 13 أبريل 2005، صادر عن المجلس الأعلى سابقًا ذهب فيه إلى أن “البراءة من التزوير واستعماله لا تقتضي بالضرورة التصريح بالبراءة من المخالفة الجمركية، طالما أن المسؤولية الجنائية تبقى مفترضة في حائز البضاعة المرتكب الغش بشأنها، طبقا للمادة 223 من مدونة الجمارك، ولا يمكن دحض هذا الافتراض إلا بإثبات المعني بالأمر وجود قوة قاهرة أو حسن نية أو جهله بالغش”[26].

هذا القرار هو الآخر تبنى الصرامة التي ينبغي انتهاجها لمواجهة المخالفات الجمركية، قصد الحفاظ على مناعة الاقتصاد الوطني، ومثل هذه التطبيقات القضائية لا نجدها في الحالات العادية ذات المرجعية القانونية العامة، لاختلاف المنطلقات والغايات المتوخاة منها.

ونفس التوجه كرسه القضاء على مستوى الإثبات، من خلال الإقرار بالقوة الثبوتية للمحضر المنجز من طرف الضابطة القضائية المختصة “يوثق بمضمون محاضر أعوان الجمارك في المخالفات والجنح التي يضبطونها ولا يمكن الطعن فيها إلا عن طريق الزور وهو نفس الشيء المنتفي في هذه النازلة …”[27] وفي قرار آخر تحت عدد 2/246 بتاريخ 11 فبراير 2004 بالقول “أنه لا يمكن للخبرة الفنية أن تستبعد الإثباتات المادية المتضمنة بالمحاضر الجمركية”[28]، وفي قرار آخر عدد 8/5493 بتاريخ 28 أكتوبر 1999، إن مبررات الحيازة يجب الإدلاء بها لأعوان الإدارة عند أول طلب وليس أمام المحكمة[29].

3ـ في مكافحة الغش الضريبي

بالنسبة للغش الضريبي، حاول القضاء إرساء التمييز بين الغش والتهريب الضريبي، حيث استقر القضاء المغربي على توافر أربعة شروط مجتمعة، لاعتبار التهرب مغالى فيه ومستوجبا تطبيق جزاءا الغش الضريبي على أساس التعسف في استعمال الحق.

وتتمثل هذه الشروط في:

أن يكون العقد المبرم مخالفا للممارسات العقدية المألوفة ـ أن يتم إبرامه بقصد التملص من الضريبة ـ أن تكون النتيجة الاقتصادية الناتجة عن هذا العقد مماثلة بشكل محسوس للنتيجة التي يمكن أن يؤدي إليها عقد منشئ للضريبة ـ أن يكون في اتجاه القانون ومقاصده ما يؤدي إلى فرض الضريبة على هذا العقد.

إلا انه رغم الجهود القضائية والفقهية، لا زال الغموض يعتري مفهوم الغش الضريبي وعدم وضوح مجاله عن التهرب الضريبي[30].

وفي موقف للمجلس الدستوري سابقًا، بخصوص التشريع الضريبي قرار عدد 1439 صادر في 11 نونبر 1999، في ملف رقم 99/345 حيث صرح بما يلي “أن مبدأ عدم رجعية القانون المنصوص عليه في الفصل الرابع دستور 1996 لا يشكل قاعدة مطلقة، إذ ترد عليه استثناءات تقوم بخصوص قانون المالية على معيار يستند إليه المشرع في إصلاح أوضاع غير عادية محددة من طرف الإدارة وتهدف إلى الصالح العام”[31].

من خلال ماسبق، يتضح مدى حرص الاجتهاد القضائي، على إعطاء القوانين ذات الصلة بمجال القانون الجنائي للأعمال، لاستخلاص معالمها ومجال تطبيقها.

المحور الثاني: محاولة لاستخلاص أهم معالم ومجال القانون الجنائي للأعمال

سنعمل على استخلاص مجال هذه المادة (ثانيًا) ومحاولة استخلاص معالمها على ضوء الاجتهاد القضائي (أولا).

أولًا: بعض معالم القانون الجنائي للأعمال

سنقتصر في هذا الجانب على تناول ثلاث نقط، خصوصية الجانب الإجرائي (3)، ثم العقوبة (2)، الركن المعنوي (1) .

1ـ تلاشي الركن المعنوي

بالرجوع للنصوص الجنائية في مجال المال والأعمال، نجد مبدأ افتراض قيام القصد الجنائي وتوافره لدى الفاعل، والاجتهاد القضائي هو الآخر كرس هذا الإفتراض، وعمل على التقليص من الركن المعنوي، من العمد إلى الإهمال إلى الإفتراض إلى الجريمة المادية[32]، وتجلى هذا التوجه من خلال مجموعة من الأحكام والقرارات الصادرة عن القضاء، ففي قرار صادر عن المجلس الأعلى سابقا عدد 2/427 بتاريخ 13 أبريل 2005 “يفترض في الأشخاص الموجودة البضائع المرتكب الغش بشأنها، أنهم مسؤولون جنائيا عن ذلك الغش، وهذا الإفتراض لا يمكن دحضه إلا بالإثبات الدقيق لحالة القوة القاهرة عملا بمقتضيات المادة 224 من مدونة الجمارك”[33]، وفي قرار آخر عدد 2/418 بتاريخ 13 أبريل 2005 “المسؤولية الجنائية تبقى مفترضة في حائز البشاعة المرتكب الغش بشأنها، طبقًا لمادة 223 من مدونة الجمارك، ولا يمكن دحض هذا الإفتراض إلا بإثبات المعني بالأمر وجود قوة قاهرة أو حسن نية أو جهله بالغش”[34]، وفي قرار آخر عدد 9/64 بتاريخ 8 يناير 2003 في موضوع التقليد وحماية الملكية الصناعية، جاء فيه “عنصر العمد، معنوي تستخلصه المحكمة من وقائع القضية، واستعمال العلامة من خلال بيع منتجات مقلدة وعدم تناسب الأثمان وجودة البضائع المعروضة للبيع عملًا تدليسيا، وأن عدم التوفر على رخصة من صاحب العلامة الأصلية وعدم التوفر على فاتورة تحدد مصدر السلع قرائن على سوء النية”[35]، نفس الشيء نجده في الاجتهادات القضائية الصادرة في الشيك قرار عدد 4855 بتاريخ 26 يوليوز 1983 “يكفي لتوفر سوء النية … عدم وجود رصيد قابل للتصرف أو وجود رصيد يقل عن قيمة الشيك، إذ المفروض في الشخص أن يتتبع حساباته لدى البنك وألا يسحب شيكًا إلا بعد التحقق من توافر القيمة”[36].

وهناك احكام وقرارات قضائية صادرة عن المحاكم الابتدائية والاستئناف، تبلور انكماش الركن المعنوي وإصباغ وصف ارتكاب جرائم الغش في البضائع من جريمة عمدية إلى جريمة غير عمدية، إلى مجرد الإهمال لقيام الجريمة وهو ما صار عليه الاجتهاد القضائي المقارن. حيث كرس مبدأ افتراض سوء النية في الجرائم المرتبطة بالقانون الجنائي للأعمال.

من خلال ما سبق، فإن مقاربة الركن المعنوي في جرائم الأعمال من طرف القضاء تتسم بالخصوصية، ويفسر هذا التوجه بطبيعة ارتكاب جرائم الأعمال، وصعوبات إثباتها بالوسائل المتعارف عليها في باقي الجرائم، إذ أن الأدلةتندثر بسرعة مما يصعب معه على جهة الاتهام إثبات القصد الجنائي، إضافة إلى أن عالم الأعمال يطبعه الاحتراف، وممارسيه من ذوي الخبرة الكبير،وبالتالي عدم تساهل القضاء في زجر الأفعال المؤذية من جانبهم، حماية للمستهلك كطرف ضعيف في مواجهته للمهنيين، وحماية للاقتصاد الوطني ككل.

2ـ العقوبة في مجال الأعمال  

ثبت أن العقوبات الجنائية السالبة للحرية، لا تقدم أجوبة مقنعة في ميدان الأعمال، ومن ثم تبقى العقوبات المالية تحتل مكانا بارزا في السياسة الجنائية للأعمال، والعمل على تبنى مبدأ العقاب من جنس الفعل الإجرامي، لأن الجرائم التي تقع في نطاق الأعمال تحركها دوافع مالية، وتغذيها ميول غريزية كالطمع والجشع والنهم للثروة[37].

وبالفعل فقد أخذت التشريعات الجنائية، في مختلف الأنظمة القانونية إلى الأخذ بالعقوبات المالية، كرد مناسب وعملي وحتى نبرهن على صحة هذا القول نورد بعض الأحكام القضائية لمحاكم الدار البيضاء.

جريمة الغش في الحبوب ملف رقم 5842/1/96 بتاريخ 31 دجنبر 1996، تضمن الحكم بالغرامة 10.000 درهم ـ جريمة الغش في المنتوجات الغدائية ملف رقم 7409/1/98 بتاريخ 7 يوليوز 1999، تضمن الحكم بالغرامة 15.000 درهم ـ جريمة الغش في البضاعة ملف رقم 04/2360 بتاريخ 8 يناير 2004، تضمن الحكم بالغرامة 15.000 درهم.

من خلال هذه الأحكام، نجد غلبة سمة العقوبات المالية، لكبح جماح إجرام الأعمال، وفي عدد من النصوص القانونية ذات الارتباط بمجال الأعمال والصادرة في العقود الأخيرة، عمل المشرع على إيجاد العقوبات المالية إلى جانب العقوبات السالبة للحرية، وفي قرار صادر عن المجلس الأعلى سابقًا نقض حكما نزل منطوقه عن الحد الأدنى للغرامة، وهذا التوجه نابع من الرغبة في ضرب من يهدد الثقة المفترضة في الأداة المالية، قرار عدد 10/1220 بتاريخ 21 أبريل 2004 “تكون المحكمة قد خرقت المادة 316 من مدونة التجارة، عندما قضت على المطلوب بغرامة قدرها 1000 درهم وهي غرامة تقل عن الحد الأدنى المقرر قانونا بمقتضى المادة المذكورة التي حددت مبلغ 2000 درهم كحد أدنى لعقوبة الغرامة ما لم تكن نسبة 25٪ من مبلغ الشيك أكثر من ذلك”[38].

وتأخذ العقوبة المالية في مادة القانون الجنائي للأعمال، بمبدأ الغرامة النسبية كما بالنسبة للشيك، التي يحدد مقدارها بالإستناد إلى قيمة المال محل الجريمة، أو عدد السلع وحجمها، ومن الضروري أن ينص المشرع في الغرامة النسبية على حدها الأدنى، وترك السلطة التقديرية للقضاء في إطار تفريد العقاب.

كما تحتل العقوبات الإدارية مكانة مهمة في إطار القانون الجنائي للأعمال، بل وتساهم في تقدير مثلا البضاعة المحجوزة، وقد أقر الاجتهاد القضائي ذلك في قرار عدد 174 بتاريخ 17 يناير 2007 “ذلك أن إدارة الجمارك حددت قيمة البضائع المتنازع بشأنها بناء على مقتضيات الفصل 219 من مدونة الجمارك، الذي ينص على قيمة الشيء في حالة جيدة بالسوق الداخلية وقت ارتكاب الجريمة …”[39].

كما أصبحت بعض المؤسسات تعمل على التصدي لإجرام الأعمال مثلا في الشيك، مكافحة تبيض الأموال، كنوع من خوصصة العقاب الجنائي، كما تحتل عقوبة المصادرة أهمية خاصة، لملائمتها لطبيعة الجرائم المالية، وتحقيق غايات العقوبة بشكل فعال.

3– خصوصية الجانب الإجرائي

يكتسي الجانب الإجرائي أهمية كبرى، إذ بمقتضاه تتضح معالم الشرعية الإجرائية ومدى نجاعتها في ضبط الجرائم المخلة بالنشاط الاقتصادي، وتتمظهر أولى الجوانب الإجرائية، بتدخل أجهزة الضبط الإداري وحجية المحاضر المنجزة من طرفها، فهناك قرارات صادرة عن المجلس الأعلى سابقًا منها قرار عدد 4/5302 بتاريخ 2 يوليوز 1997 “إن حجية المحاضر المحررة من طرف أعوان إدارة الجمارك موثوق بها فيما يخص الإثباتات المادية المضمنة فيها طبقا للفصل 224 …”[40]، وهو ما أكده المجلس الأعلى سابقًا في قرار آخر رقم 3/531 بتاريخ 16 فبراير 2000[41]، بل حتى على مستوى تحريك الدعوى العمومية تملك الإدارة صلاحية تحريك المتابعة من عدمها، منها قرار المجلس الأعلى سابقًا عدد 20454 “ضابط مصلحة المياه والغابات هو المحرك للدعوى العمومية في موضوع المخالفات الغابوية وأن النيابة العامة تملك فقط تبني تلك المتابعة”[42]. كما تتدخل أجهزة آخرى موازية، مثل مجلس المنافسة، الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري، لأن هذه الأجهزة لها دراية مهنية، يفيد تدخلها في ضبط النزاعات الناشئة في عالم الأعمال.

أما حضور الجوانب التقنية، مثل الخبرة هو أمر متطلب حتى يضع القضاء في الصورة الحقيقية التي ينبغي أن يكون فيها، لأن الجوانب الفنية والتقنية لا يستطيع القاضي أن يكون ملما بها، فهناك نصوص آمرة منصوص عليها في القوانين الجنائية الخاصة بالأعمال، وهو ما أكده الاجتهاد القضائي في قرار للمجلس الأعلى سابقًا عدد 8/144 بتاريخ 17 يناير 2002 “المقتضيات القانونية الآمرة المنصوص عليها في الفصلين 25 و 33 من ظهير 5 أكتوبر 1984 المتعلق بزجر الغش في البضائع توجب إحالة العينات على المختبر الرسمي للتحليل وإنجازه داخل آجال محدد، ويكون القرار المطعون فيه سليمًا حينما رتب على عدم احترام الأجل القانوني لإنجاز التحليل إبطال الخبرة المنجزة على مادة الدقيق وقضى بالبراءة”[43]. كما ان الخبرة في ميدان الأعمال، خصوصًا في جوانب يعتريها الغموض ولا تسعف في تحقيق محاكمة عادلة، وهو ما حرص القضاء على التصدي له متى تبين أن إغفال هذه الجوانب قد أثر سلبًا في تكوين اليقين القضائي السليم[44].

ومن الملاحظات الأساسية المبداة بشأن سريان الخصومة الجنائية في مجال الأعمال، أن مجال المصالحة يبقى عريضا نظرا لإيجابياتها، عن طريق سير إجراءات الدعوى، ولهذا نجد جل القوانين تنص على المصالحة، تعطي إمكانية إبرام الصلح كما جاء في قرار عدد 140 بتاريخ 20 يوليوز 2000 “إن عقد المصالحة المبرم بين الإدارة هو عقد رضائي خاضع للقانون”[45].

من خلال ما تقدم تتضح بعض الخصوصيات المميزة للقانون الجنائي للأعمال في جانبها الموضوعي والإجرائي، حيث أفسح المجال للصلح، بالإضافة إلى أجهزة بديلة للجهاز القضائي أو موازية له، حتى تستجيب لأغراض فلسفة القانون الجنائي في هذا المجال، وحتى تستكمل الرؤية سنحاول إبراز مجال قانون الأعمال في جانبه الزجري (ثانيًا).

ثانيا: محاولة استخلاص مجال القانون الجنائي للأعمال

إن تحديد مجال القانون الجنائي للأعمال، من طرف الاجتهاد القضائي تبقى ضرورة ملحة حتى ترتسم  أسس سياسة جنائية واضحة، لتعطي نظرة إيجابية للفاعلين الاقتصاديين الوطنيين والأجانب[46].

فالمادة جد متشعبة، قواعدها مبثوثة هنا وهناك، مفهومها معقد، عبارة عن خليط، نطاق مقتضياتها يمتد خارج مجموعة القانون الجنائي، ومن هنا يطرح الإشكال حول مدى وجود نظرية القانون الجنائي للأعمال، أكيد أن إقامة نظرية متكاملة لهذه المادة ليس من اختصاص المشرع، بل هو عمل فقهي متخصص، وبمساهمة من الاجتهاد القضائي انطلاق من دوره الخلاق وفهمه العالم[47].

فجال هذه المادة واسع جدا، مدنية، جنائية، تجارية، مالية، مصرفية، إدارية، قد يمكن تصنيفها ضمن موضوعات القانون الجنائي الخاص، إنما مجالها هو الأموال والمعاملات الواردة عليهما، وهو ما يؤشر على تشعب موضوعات المادة.

ومن خلال مفهوم المادة وخصوصياتها المميزة عن الشريعة العامة للقانون الجنائي، والاجتهادات القضائية ذات الصلة، نجد فعلا أن مجالات المادة تشمل أساسًا المجال المالي والبنكي، والنشاطات الإنتاجية والتسويقية والاستهلاكية، ومن ثم فقواعدها ليست محصورة، بل تتوزع موضوعاتها بتوسع التشريعات المنظمة للدورة الاقتصادية، مما قد يوحي بعدم توفر هذا الفرع القانوني على هوية مخصوصة، باعتباره قانون شتات لكن هذا لا يمنع من توفر المادة على هوية خاصة تبدو معالمها واضحة، خاصة على مستوى الإجراءات المتبناة من طرف المشرع للتصدي للجرائم الماسة بالنظام العام والخاص في المجال الاقتصادي.

فمجال القانون الجنائي للأعمال، يرتبط بالمقاولة ويسعى لحمايتها، وهو ما يستشف من الاجتهادات القضائية المتواترة في هذا الشأن[48]، حيث عمل القضاء على تطويع وملائمة النص القانوني لما هو اقتصادي، كما هو في نظام صعوبات المقاولة، استحضار الاعتبارات الاقتصادية وترجيحها على غيرها من الاعتبارات الأخرى، انطلاقًا من مبدأ خدمة القانون للاقتصاد والحفاظ على المصالح ذات الأولوية، كحالة استمرارية المقاولة، والتي تشكل أرضية تلتقي فيها العديد من المصالح الفردية والجماعية، يضمنها قضاء اقتصادي[49]، يرتكز على حماية المقاولة وما يرتبط بها.

وارتباطا بتحديد المجال من طرف الاجتهاد القضائي في هذه المادة، نعتقد أن الأمر رهين بانخراط الفاعلين المتدخلين، بدءًا بالمشرع في وضع نصوص قانونية تراعى ضوابط الجودة التشريعية، ومن طرف السلطة القضائية المعهد إليها بتطبيق القانون وضبط مفاهيمه، لبلورة نظام عام اقتصادي[50].

كما تجب الإشارة في هذا الخصوص، أن موضوع التجارة الإلكترونية وما يرتبط بها من إشكالات في ميدان المال والأعمال، فرغم المجهودات التشريعية الرامية إلى تأطير المجال، وما واكبها من تطبيق قضائي، فإن العديد من المستجدات المتوالية الناجمة عن إفرازات الواقع العملي، وبما أن التجارة الإلكترونية تقع ضمن مجال القانون الجنائي للأعمال باعتباره الحاضن الطبيعي لها في العديد من جوانبها، والتي تتطلب من القضاء تجاوز المفاهيم التقليدية المتجاوزة من قبيل المجال الإقليمي، والفاعل الجنائي، الضحية، وتبني مفاهيم حديثة مواكبة لتطور أسلوب الإجرام الإلكتروني في مجال الأعمال الوطنية والدولية.

خاتمة:

كخلاصة لما تم تناوله، عملت على رصد لأبرز الاجتهادات القضائية الصادرة في مجال الأعمال، حيث تبين أن موقف القضاء من تطبيق مقتضيات التشريعية الخاصة بالشيك، اتسمت بالشدة والصرامة، وفي ما يخص المسؤولية الجنائية، المعتبرة من بين ركائز القانون الجنائي بصفة عامة، والقانون الجنائي للأعمال بصفة خاصة، واعتبارا أيضًا للدور الذي يقوم به الشخص المعنوي في الحياة الاقتصادية، وما قد ينجم عن نشاطاتها من انحرافات، أقر القضاء مسؤوليتها جنائيا.

وفي تطبيقات القضاء المغربي لمقتضيات القوانين الخاصة، ذات الارتباط بمجال الأعمال في ابعاده الجنائية، فإن عمل القضاء استهدف ضمن أولويته حماية المستهلك، وهاجس توفير حماية قصوى للاقتصاد الوطني.

وبخصوص استنتاج معالم القانون الجنائي للأعمال، تبين تلاشي الركن المعنوي في جرائم الأعمال، واعتبار القصد الجنائي متوافرًا في بعض الجرائم، نظرا لصعوبة الإثبات وحماية المصالح الأساسية والجوهرية للاقتصاد الوطني، من خلال نهج عقوبات مالية، لدورها الردعي، وتجاوز بعض الشكليات الواجبة الاتباع في الحالات العادية، منها وسائل الإثبات، والاستعانة بالخبرة في العديد من الجوانب الفنية والتقنية، وإنزال عقوبات مالية في اغلب الحالات متى تبين فاعليتها في ردع الجناة.

غير أنه يصعب الحديث عن وجود اجتهادات قضائية وازنة ومؤسسة، من طرف القضاء المغربي في مجال القانون الجنائي للأعمال، حيث يعزى ذلك لغياب قضاء متخصص في هذه المادة، غير أنه يمكن القول ان هناك إرهاصات لإحداث محاكم المال والأعمال، وجعل القضاة في هذا المجال مؤهلين بالمعارف قانونية وفقهية، بالإضافة إلى اكتساب خبرات مهنية مواكبة للمستجدات الحاصلة في المجال على جميع الأصعدة، لركوب قطار التنمية بمفهومها الشامل.


[1] محمد شيلح: محاولة قراءة منهجية في كيفية استخلاص المبادئ القانونية من قرارات المجلس الأعلى، مجلة القانون والاقتصاد، ع. 3، 1987، ص 127

[2] أنوار محمد صدقي: المسؤولية الجزائية عن الجرائم الاقتصادية، دار الثقافة، عمان، الأردن، ط. 1، 2007، ص 125

[3] أحمد التهامي: محاضرات ألقيت على طلبة السنة الثانية لتحضير دبلوم الدراسات العليا المعمقة  “وحدة البحث والتكوين في العلوم الجنائية” في مادة القانون الجنائي للأعمال، بتاريخ 15 يناير 2007، برحاب كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بطنجة، جامعة عبد المالك السعدي.

[4] أنور محمد صدقي المساعدة: م.س، ص 99

[5] قرار أورده آمحمد لمروجي: دراسات قانونية معمقة، “جرائم الشيك وعقوباتها الجنائية والمدنية”، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، عدد 2، 2005، ص 132

[6] قرار عدد:10794/98 ، بتاريخ 21 يناير 2004، منشور بمجلة قضاء المجلس الأعلى، عدد 61، الإصدار الرقمي دجنبر 2004، ص 247

[7] قرار عدد: 15396/03، بتاريخ 21 أبريل 2004، منشور بمجلة قضاء المجلس الأعلى، عدد 62، الإصدار الرقمي 2004، ص 230

[8] مصطفى زروقي: المقتضيات الزجرية في مدونة التجارة وتعدد القراءات، مجلة المعيار، ع. 27، 2001، ص 192

[9] قرار رقم 9760، بتاريخ 15 يونيو 1998، أورده هشام بوحوص: خطر الأشخاص المعنوية على الحقوق الخاصة، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة القانون الخاص، جامعة عبد المالك السعدي، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بطنجة، 2007 – 2006، ص  113

[10] منشور بمجلة القضاء والقانون، ع. 146، ص 153

[11] Philippe Bonfils – Eudoxie Gallardo : Le droit pénal des affaires, Editeur : L.G.D.J, Paris, 2 éd, 2016, p 41 – 83

[12] محي الدين أمزازي: العقوبة؟، منشورات جمعية تنمية البحوث والدراسات القضائية، مطبعة الأمنية، الرباط، 1993، ص 13

[13] حكم صادر عن المحكمة الابتدائية بعين السبع الحي المحمدي بالدار البيضاء في ملف جنحي رقم 92/5297، عدد 2922 بتاريخ 28 مارس 1995، ص 53، أوردته رشيدة مزاح: المسؤولية الجنائية للشركة، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة، جامعة الحسن الثاني، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بالدار البيضاء، 1999-1998، ص 53

[14] م.س، ص 53

[15] عبد العالي العضراوي: المسؤولية المدنية والمهنية والجنائية لمسيري ومتصرفي المقاولات في حالات تعرضها للصعوبات، مطبعة فضالة المحمدية، 2005، ط. 1، ص 3

[16] قرار عدد 98/8774، بتاريخ 10 أكتوبر 1998، مجلة قضاء المجلس الأعلى ـ الإصدار الرقمي دجنبر 2004، ع. 55، ص 298

[17] قرار عدد 04/5841، بتاريخ 14 يوليوز 2004، منشور بالمجلة المغربية لقانون الأعمال والمقاولات، ع. 7، 2005، ص   79

[18] ربيعة غيث: الدور الزجري للقضاء تجاه شركة المساهمة “مسؤولية أعضاء أجهزة التدبير والتسيير”، المجلة المغربية لقانون الأعمال والمقاولات، ع. 10، 2006، ص 39

[19] بوعبيد عباسي: تأملات حول بعض الاجتهادات القضائية في مجالي الركن المعنوي والإسناد في جرائم الغش في البضائع، مجلة المنتدي، ع. 4، 2004، ص 177

[20] قرار محكمة الاستئناف بمراكش، رقم 7705، بتاريخ 26 نونبر 1990، أورده بوعبيد عباسي مرجع سابق، ص 186

[21] قرار محكمة الاستئناف ببني ملال، رقم 89/1186، بتاريخ 28 دجنبر 1990، أورده بوعبيد عباسي مرجع سابق، ص 187

[22] حكم المحكمة الاستئناف ببني ملال، ملف عدد 6873، بتاريخ 31 أكتوبر 1990، أورده بوعبيد عباسي مرجع سابق، ص 190

[23] محمد العروضي: الحماية الجنائية للمستهلك من الإعلانات التجارية الخادعة، المجلة المغربية لقانون الأعمال والمقاولات، ع. 7، 2005، ص 34

[24] محمد شعيبي: الحماية القضائية للمستهلك في مادة زجر الغش في البضائع محاكم الدار البيضاء نموذجا “أشغال ندوة حماية المستهلك بالمغرب”، مجلة القانون والاقتصاد عدد خاص 10، 1985، ص 80-69

[25] قرار 7/494 المؤرخ في 2 مارس 2005، ملف عدد 04/21709، مجلة قضاء المجلس الأعلى، ع. 67، 2007، ص 394-393-392

[26] قرار 2/418 المؤرخ في 13 أبريل 2005، ملف عدد 04/15421، م.س، ص 377

[27] قرار محكمة الاستئناف بالناظور عدد 278، بتاريخ 8 فبراير 1991، أورده عبد الله ولد: مدونة الجمارك مع اجتهاد القضاء المغربي والمقارن، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، 2005، ص 170

[28] قرار المجلس الأعلى سابقًا، عدد 3/531 بتاريخ 16 فبراير 2000، منشور بالمجلة الإلكترونية، ندوات محاكم فاس، عدد خاص “مدونة الجمارك” ع. 3، 2006، ص 90

[29] م.س، ص 90

[30] محمد أبو الحسن ـ احمد البوعزاوي ـ يحي الصافي ـ رجاء الرمال ـ عبد الله البكري: الغش الضريبي، الهلال العربية، 1996، ص 32

[31] منشور بمجلة القانون المغربي، ع. 7، 2005، ص 95

[32] بوعبيد عباسي: م.س، ص 181

[33] قرار المجلس الأعلى عدد 2/427، مؤرخ في 13 أبريل 2005، ملف جنحي 04/24065، منشور بمجلة قضاء المجلس الأعلى، ع. 67، 2007، ص 380

[34] قرار المجلس الأعلى عدد 2/418، مؤرخ في 13 أبريل 2005، ملف جنحي 04/24056، منشور بمجلة قضاء المجلس الأعلى، م.س، ص 380

[35]  قرار المجلس الأعلى، عدد 9/64، بتاريخ 8 يناير 2003، منشور بمجلة المجلس الأعلى ـ الإصدار الرقمي، ع. 61، 2004، ص 305

[36] قرار المجلس الأعلى، عدد 4855، بتاريخ 26 يوليوز 1983، ملف جنحي عدد 15372، منشور بمجلة المجلس الأعلى ـ الإصدار الرقمي، ع. 34-33، 2000، ص 191

[37] عبود السراج: شرح قانون العقوبات الاقتصادي في التشريع السوري والمقارن، مديرية الكتب والمطبوعات الجامعية، 1990، ص 187

[38] قرار المجلس الأعلى سابقًا عدد 10/1220، بتاريخ 12 أبريل 2004، منشور بمجلة المجلس الأعلى ـ الإصدار الرقمي، ع. 62، 2004، ص 230

[39] قرار المجلس الأعلى سابقًا، عدد 174، أورده عبد الله ولد: م.س، ص 159

[40] قرار المجلس الأعلى سابقًا، منشور بمجلة المجلس الأعلى ـ الإصدار الرقمي، ع. 61، 2004، ص 305

[41] قرار المجلس الأعلى سابقًا، عدد 3/531، بتاريخ 16 فبراير 2000، منشور بالمجلة الإلكترونية لمحاكم فاس، م.س، ص 91

[42] قرار المجلس الأعلى سابقًا عدد 20454، بتاريخ 28 دجنبر 1994، منشور بمجلة المجلس الأعلى ـ الإصدار الرقمي، ع. 48، 2000، ص 203

[43] قرار المجلس الأعلى سابقًا عدد 8/144، بتاريخ 17 يناير 2002، منشور بمجلة المجلس الأعلى ـ الإصدار الرقمي، ع. 62، 2004، ص 210

[44] قرار المجلس الأعلى سابقًا عدد 1069، بتاريخ 31 يناير 1985، منشور بمجلة المجلس الأعلى ـ الإصدار الرقمي، ع. 39، 2000، ص 171

[45] قرار المجلس الأعلى سابقًا، عدد 140، بتاريخ 20 يوليوز 2000، منشور بالمجلة الإلكترونية لمحاكم فاس، م.س، ص 91

[46] حميد الوالي: دور القضاء الجنائي في التنمية، مجلة المعيار، ع. 27، 2001، ص 23

[47]  ملحم مارون: الجريمة الاقتصادية في القانون اللبناني، منشورات الحلبي الحقوقية، بيروت، لبنان، 1999، ص 187

[48] الفهمي بوزيان: علاقة مدونة التجارة بالقانون الجنائي، مجلة القصر، ع. 14، 2006، ص 47-36

[49] عبد الحميد اخريف: الدور القضائي الجديد في القانون المغربي لمعالجة صعوبات المقاولة، أطروحة لنيل الدكتوراه في القانون الخاص، جامعة محمد الأول، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بوجدة، 2001-2000، ص 7

[50] عبد الفتاح بنوار: مجموعة قانون الأعمال مع اجتهاد القضاء، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، 2000، ط. 1، ص 4

https://powderencouraged.com/w3m6c9b5?key=af8b4909c0965493e9682d74bb50a646
https://powderencouraged.com/ksq5rgwdmh?key=b5b47a0d83f8742dcf71d4de8ef00494
https://powderencouraged.com/bkcduddx?key=0252cc21d0f4e0ae5f53245940611301
https://hilltopads.com/?ref=356389
×
error: Content is protected !!

اكتشاف المزيد من

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading