فاطمة العثماني: باحثة في سلك الدكتوراه

جامعة عبد المالك السعدي كلية الحقوق طنجة

يمكن اعتبار قطاع التعمير من المجالات الحيوية التي تتقاطع فيها العديد من الدراسات العلمية سواء من الجانب الاجتماعي أو

الاقتصادي أو التقني أو القانوني، كما أن تدبير القضايا المتعلقة بالتعمير يتجاذبها البعد الوطني لضرورة تحديد استعمال المجال العام للبلاد كوحدة متجانسة، والبعد المحلي بالنظر إلى أن القرارات المتعلقة به تعرف طريقها للتطبيق على أرض الواقع في الوحدات الترابية المحلية. وبالرغم من أن الطابع التقني يغلب على قضايا التعمير فإن ضبطها يقتضي صدور نصوص قانونية وتنظيمية، مما يضفي على هذا المجال طبيعة قانونية لا تخلو من أهمية.

إن دراسة محدودية قوانين التعمير تستدعينا للاعتراف بوجود بعض الإرهاصات الأولية أو التجليات الضمنية لها في تاريخ المغرب، فالكثير من المدن العتيقة والقصبات التاريخية بما تتوفر عليه من سمات سواء فيما يخص الأسوار والأبواب، أو الأزقة والساحات العمومية أو تعدد البنايات من بنايات خصوصية وأخرى جماعية مشتركة… وكل هذا يوحي بوجود بل تجدر قيم التعمير بالمغرب ([1]).

لهذا فإننا نجد السلطات العمومية في المغرب قد حاولت منذ عهد الحماية وضع ترسانة قانونية من أجل تسهيل تدخلات الدولة في هذا المجال، فكان ظهير 16 أبريل 1914 انطلاق أول تشريع عصري، ([2]) وتلته عدة ظهائر ([3]) شكلت بالفعل ركيزة أساسية في تكوين قانون التعمير بالمغرب، كان آخرها القانونين

90/12 ([4]) المتعلق بالتعمير وقانون 90/25 ([5]) المتعلق بالتجزئات العقارية والمجموعات السكنية وتقسيم العقارات، الجاري بهم العمل في إطار محاولة تدارك بعض جوانب القصور في النصوص القديمة.

إلا أن التجربة والممارسة الميدانية أثبتت محدودية التشريعات المعمول بها في ميدان التعمير، لكونها لا تواكب مبدأ اللامركزية واللاتركيز الإداري ولا تستجيب لمتطلبات الاستثمار والاحتياجات الخاصة لبعض فئات المجتمع، ولا تمكن من إيجاد حلول للمشاكل الكبرى التي تعرفها التكتلات العمرانية، بل تزيد من حدتها بسبب التثاقل والجمود اللذان يميزان هذه القوانين والتنظيمات التي لم تعد تتماشى مع التغييرات المتسارعة التي يشهدها المجال.

فالمتتبع لتطور التشريع المغربي في ميدان التعمير، يخرج باستنتاج مفاده أن هذا التشريع كان دائماً يتميز بالجمود ومقاومة التغيير. هذا الجمود يمكن ملاحظته ليس فقط على مستوى قانون التعمير وإنما يمتد أيضاً لوثائق التعمير التي تستمر في السريان رغم أنه يتم تجاوزها عملياً في كثير من الأحيان ([6]).

سنتطرق لمعالجة هذا الموضوع من خلال التقسيم التالي:

المبحث الأول: قصور المنظومة الحالية في مجال التعمير:

رغم المكتسبات التي تم تحقيقها على الصعيد القانوني فإن هذا الجانب مازال يعاني من مجموعة من العوائق. لهذا سنحاول التركيز على الجانب القانوني الذي يعتبر الأساس أو العمود الفقري في تنظيم المجال، متناولين في ذلك جل العيوب والإشكالات التي يطرحها هذا الأخير على أرض الواقع.

المطلب الأول: قراءة نقدية لقوانين التعمير المعمول بها:

سنتطرق من خلال هذا المطلب إلى القوانين المعمول بها حالياً في قطاع التعمير وقراءتها قراءة نقدية، وربطها بمجال الدراسة الذي هو محدودية قوانين التعمير بالمغرب.

أولاً: قانون 90. 12 بشأن التعمير:

إن صدور هذا القانون لا يعني أنه قلب كل النظم القانونية المعمول بها في مجال التعمير بل احتفظ بالمبادئ الأساسية، معززاً إياها بمقتضيات جديدة أملتها ضرورة مواكبة مستلزمات النمو السريع للتمدن وتخطي الصعوبات التي تواجه التعمير العملي ([7]) وذلك من أجل تحقيق المرونة الضرورية للتطبيق السليم لوثائق التعمير مع تبسيط إجراءات المصادقة عليها ([8]).

إلا أن محدودية هذا القانون تتجلى في كونه ترك للإدارة المكلفة بالتعمير السلطة الواسعة في إعداد هذه الوثائق مع إعطاء المجالس الجماعية الدور الاستشاري فقط، بحيث تقتصر على تقديم المعطيات والمعلومات المتوفرة لديها للجهة التي يعهد إليها بإعداد وثائق التعمير، علماً بأنها هي المعني الرئيسي بهذه  الوثائق والمسؤولة عن تنفيذها. فمقتضيات هذا القانون لم تعرف تغيرات مهمة في الجوهر مقارنة مع ظهير 1952، إذ تكمن مستجداته في إعطائه السند القانوني للمخطط التوجيهي للتهيئة العمرانية، وكذا بتخفيفه للإجراءات المسطرية لإعداد وثائق التعمير والمصادقة عليها من أجل إخراجها إلى حيز  الوجود بسرعة، والتحكم الأمثل في ضبط النمو الحضري ([9]) الشيء الذي يطرح عدة مشاكل عند التطبيق، تتمثل في عدم ملائمة هذه الوثائق للواقع.

ومن المؤاخذات الأخرى تعدد المتدخلين في الإعداد الأمر الذي يؤدي إلى البطء في المصادقة على هذه الوثائق. بحيث إذا كان التعدد في الأجهزة يعكس أهمية وحيوية التخطيط الحضري بالنسبة للدولة، فإن التوجه السلبي لذلك التعدد يبقى مطروحاً ومتمثلاً بالخصوص في إشكالية الاختصاص. ([10])

ثانياً: القانون رقم 25. 90 بشأن التجزئات العقارية والمجموعات السكنية وتقسيم العقارات:

لقد جاء هذا القانون بمجموعة من المقتضيات الجديدة على سبيل المثال لا الحصر:

  • توسيع المفهوم القانوني لعملية التجزئة وتقسيم العقارات، لتمكين الإدارة من التحكم بشكل أفضل في العمليات العقارية التي قد تكون مصدراً لخلق تجزئات غير قانونية.
  • التدخل الإلزامي للتقنين المختصين للرفع من مستوى تخطيط ووضع التجزئات.
  • خلق نظام زجري أكثر فعالية…

إلا أن هذا القانون هو الآخر قد أثبت محدوديته المتمثلة في إلزامية التحفيظ العقاري التي تثقل كاهل المجزئ، مما يؤدي إلى التوجه إلى التجزئات السرية بالتواطؤ مع السلطات المعنية بالمراقبة، ونشوء الأحياء العشوائية التي تصبح أمراً واقعاً تواجهه الدولة يفرض عليها التدخل عن طريق إعادة الهيكلة.

ثالثاً: ظهير 25 يونيو 1960 الخاص بتنمية الكتل العمرانية القروية:

من عيوب هذا القانون أنه أصبح متجاوزاً وغير مساير للمستجدات الاجتماعية والاقتصادية وحتى قانوني 12.90 و25.90 سواء فيما يتعلق بمسطرة الإعداد أو التنفيذ، أو فيما يخص العقوبات الزجرية التي تبقى ضئيلة وبسيطة، لهذا فإنه يبقى من الضروري تدخل المشرع قصد دمج هذا القانون ضمن القانونين 12.90 و25.90. ([11])

هذا القصور في التشريعات القانونية المتعلقة بالتعمير نتج عنه ثغرات في تدبير المدن وجعل من هذه الأخيرة تعرف العديد من مظاهر الأزمة الحضرية كالبناء العشوائي والمضاربة العقارية …. ([12])

ومن خلال هذه القراءة لقوانين التعمير يمكن التأكيد على أن التعمير مازال يطرح العديد من المشاكل تعتبر أكثر تعقيداً وتشعباً من أي وقت مضى نظراً لتباين عناصره وارتباطه المباشر بالحياة اليومية والأساسية للسكان ناهيك عن ضعف زجر مخالفات التعمير، ولعل الخطاب السامي بمناسبة ذكرى ثورة الملك والشعب 20 غشت 2001 الذي شدد فيه جلالة الملك محمد السادس على ضرورة نهج الصرامة فيما يخص تطبيق مقتضيات وضوابط التعمير كخير دليل على ذلك. ([13])

المطلب الثاني: الواقع العملي لقوانين التعمير:

أولاً: على مستوى وثائق التعمير المستقبلي:

تشمل هذه المسطرة إعداد الدراسات التمهيدية التي تسمح بتحديد المنطقة التي سيغطيها المخطط وبعد ذلك يتم الشروع في الدراسات الميدانية التي على أساسها سوف يتم إعداد مشروع المخطط، إلا أن التجربة من خلال الواقع أثبتت أن تنفيذ مقتضيات هذا المخطط تعتريه بعض الصعوبات  التي تعترض تحقيقه على أرض الواقع، نظراً للمتناقضات والسلبيات التي عج بها قطاع التعمير بوجه خاص. ومن تم فإن كل المجهودات المبذولة للوصول إلى الهدف ،من المحتمل أن تذهب أدراج الرياح. وبالتالي لن تدخل مقتضيات المخطط حيز التنفيذ رغم ما سخر لإعداده من إمكانيات مادية ومالية.

إن من أبرز العراقيل التي تعترض سير المخطط هو التأخير المسجل عندما يتعلق الأمر بإنجاز ما برامج من خلال هذا المخطط، وتجد هذه الوضعية تفسيرها في العناصر الآتي:

  • أول عائق يحظى بالاهتمام هو تواضع الإمكانيات المالية للجماعات المحلية ومحدوديتها نظراً للكلفة المرتفعة  التي يتطلبها إعداد المخطط والوسائل الواجب تسخيرها لذلك.
  • كما أن غالباً ما تعتري المخطط التوجيهي للتهيئة العمرانية بعض الأخطاء إما نتيجة التسرع في الدراسات الميدانية والتقنية أو أثناء مرحلة الإعداد النهائي وتكون النتيجة أن ما حدده المخطط لا يتماشى والواقع الذي يعرفه المحيط الذي يشمله وقد يصطدم المخطط أيضاً بالواقع المتشعب والمعقد للعقارات والأراضي وإما أن هذه الأراضي تنظمها قانون خاص فهي إما مملوكة للجيش أو الجماعات السلالية أو هي أراضي في ملك الأحباس، وهذا يصعب من مأمورية القائمين على أعداد وتنفيذ وثائق التعمير بصفة عامة وعلى وجه الخصوص المخطط التوجيهي للتهيئة العمرانية لأنه الوثيقة الأولى التي تتعرض لهذه المتناقضات هذا من جهة أما من جهة ثانية فإن افتقار الدولة والجماعات المحلية للعقارات الضرورية يزيد الطين بله.
  • أضف إلى ذلك أن الإدارات العمومية وحتى إن سعت إلى اقتناء بعض الأراضي لتقوية رصيدها العقاري فإن ذلك يكون مشوباً بعدة سلبيات منها عدم التنسيق في ما بين الإدارات لما يتعلق الأمر بالاقتناءات العقارية كما أن بعض الإدارات تقوم بشراء أراضي غير مبرمجة في المخطط التوجيهي، أو أراضي يحظر فيها البناء، وخارجه تماماً.

ثانياً: على مستوى التعمير التنظيمي:

يقصد بالتعمير التنظيمي تلك الوثائق التعميرية التي يتم استعمالها من أجل التخطيط الحضري والعمراني والتي تتميز بالوضوح، ومن خلالها يتم التعرف على حقوق والتزامات الملك العقاريين، إضافة إلى معرفة المواطنين بالتجهيزات والمرافق العامة التي سيتم إنجازها. والتعمير التنظيمي يتم بواسطة تصاميم هي تصميم التنطيق وتصميم التهيئة وتصميم التنمية…

  • تصميم التنطيق:

يلاحظ أن تصاميم التنطيق التي تعد لكي تقوم بوظيفة تدوم سنتين تصبح بعدها لاغية وليس لها أي مفعول تجاه الإدارة أو الغير، خصوصاً إذا ما علمنا أنه لا مبرر لإعدادها إلا إذا كانت الرقعة الأرضية لا تتوفر على تصميم تهيئة، ونتيجة لذلك يكون من اللازم اللجوء إلى تصاميم التنطيق لتنظيم مرحلة انتقالية وتمكين المواطنين من القيام بأعمال تتعلق بالعمران في انتظار إعداد تصميم التهيئة المرتقب وقد أثبتت التجربة أن تصميم التهيئة المنتظر قد لا يخرج إلى حيز  التنفيذ في الوقت المناسب أي عند انقضاء العمل بمقتضيات تصميم التنطيق. نظراً لعدة عوامل منها مماطلة المجالس الجماعية في الموافقة على تصميم التهيئة داخل آجال معقولة، وهذا التأخير في إنجاز تصميم التهيئة يضع الإدارة أمام مأزق حقيقي وإشكالية يصعب التعامل معها.

إن مثل هذه الأمور هي التي زادت من حدة معضلة التعمير ببلدنا وكانت سبباً من بين الأسباب الكثيرة في انتشار البناء الفوضوي والأحياء الهامشية التي لا تمت للعمران بصلة وتنعدم فيها أدنى ضروريات العيش الكريم.

  • تصميم التهيئة:

إن أول تحد يواجه تصميم التهيئة التطور السريع للعمران ونمو التجمعات العمرانية بوثيرة مرتفعة، لم تستطع وثائق التعمير المتوفرة ولا التي هي في طور الإنجاز مسايرتها، السبب الذي يؤدي في بعض الأحيان إلى تجاوزها وهذا يخلف فراغ قانوني في هذا المجال فإذا وضعنا في الاعتبار النمو  الحضري بوتيرته هذه ومدة صلاحية تصاميم التهيئة المحددة في عشر سنوات لا يمكن القول بأن التأخير المسجل وفقاً لمقتضيات قانون  التعمير 12.90 في إنجاز هذه الوثائق تترتب عليه علاوة على ما ذكر، عوامل أخرى هي الالتجاء إلى البناء الفوضوي، وهذا لوحده سبب كاف بأن يعرقل تصميم التهيئة ويعيق التنفيذ السليم لمقتضياته، وانتشار البناء العشوائي يظهر إما نتيجة لقلة الأراضي المهيأة التي لا تلبي الطلبات التي يفرضها الانفجار الحضري، وإما أنها متوفرة لكن بأثمان تفوق قدرة الفرد وهذا ما نلحظه من خلل السنوات الأخيرة.

وبالتالي يدفع المواطن إلى البحث عن بديل يتلاءم ومقدوراته المالية ولا بديل غير اقتناء قطع أرضية على هامش المدينة المساهمة في استفحال وانتشار السكن غير اللائق الأمر الذي يقف حجر عثرة أما تطبيق تصميم التهيئة تطبيقاً محكماً..

أضف إلى ذلك البطء والتأخير الحاصلين في إعداد تصاميم التهيئة الذي يصعب من مأمورية  الإدارة ويفقدها التحكم في توجيه انتشار العمران ومراقبته ومن ثم تلتجئ الإدارة إلى حلول ترقيعية لا تفي بالمطلوب بل تساهم في تأزم الوضعية العمرانية.

ثالثاً: على مستوى التسيير الحضري:

إن مفهوم  التسيير الحضري يشمل جميع مظاهر تنفيذ وثائق التعمير التي تعتبر الركيزة الأساسية على أرض الواقع، لكن المعاينة أفرزت تفحش المخالفات من جراء قناعات فردية، لدى ملاك التجزئات بزيادة الوحدات دون ترخيص أو بطمس مجالات ومرافق حيوية من ساحات فارغة أو خضراء إلى درجة الانتهاء إلى مكعبات إسمنت.

يعتبر القانون المتعلق بالتجزئة العقارية والتقسيم العقاري تجديداً في مجال التعمير نظراً لما خول للمجالس الجماعية من دور فعال ونشيط تنفيذاً لطلبات السكان واحتياجاتهم لكن رغم ذلك فالواقع يظهر العكس أي انتشار السكن العشوائي تم السكن غير المرخص وذلك بسبب عدم تعديل النصوص طبقاً للمستجدات وإعادة الهيكلة التي ليست الوسيلة الناجعة نظراً لارتفاع تكاليف التجهيز.

حقيقة إن ضغط الحاجة هو الذي يفرض على البعض اللجوء إلى السكن في مناطق تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة وهو الذي يشجع أيضاً بعض الانتهازيين إلى استغلال الظرفية، ولكننا لا يجب أن نعتبر هذا أمراً واقعاً ونسلم به. بل إن العديد من الدول الأوربية استطاعت تصحيح أوضاعها وإعادة التوازن لمدنها ونحن كذلك مطالبون بعمل نفس الشيء، فقط لو تجسدت الإرادة الحقيقية وترسخت القناعة بأهمية حل معضلة التعمير ([14]). والواقع أن التجزئات العقارية ليست الحل الوحيد لحل أزمة السكن ولكن الأجدر هو التفكير الجدي في تثبيت السكان في قراهم.

إن المادة 5 من القانون رقم 25.90 تقف حاجزاً أمام تطور المجال الحضري وحتى لا تبقى مقتضيات هذه المادة ذات طبيعة حمائية ليس إلا وجب التفكير في جعلها أكثر مرونة. وفي في نفس الصدد لابد من إحداث نصوص قانونية قصد الحد أو توجيه المضاربات العقارية لهذا فقد أضحى من اللازم، في ظل التحولات التي يعرفها السياق الوطني والدولي، مقاربة التعمير عبر جوانبه الاقتصادية والمالية وخاصة الاجتماعية. ثم إن القواعد القانونية للتعمير يجب أن لا تستمد مبادئها من المساطر الإدارية فحسب، بل كذلك من خلال الآليات المتحكمة في صيرورة التحولات التي يعرفها المجتمع.

ومن جهة أخرى، فغياب تدوين تراتبي وموضوعاتي لمجموع النصوص القانوني المتعلقة بالتعمير والإسكان والبناء يجعل معظم المتدخلين يواجهون حالات من التناقض والالتباس، مما يجعل تدبير هذا القطاع صعباً على مستوى الممارسة،  حيث نجد كثيراً من التدابير القانونية المرتبطة بالتعمير، متداخلة مع نصوص متناثرة، تخص ميادين عديدة يصعب كشف علاقتها بالتدبير الحضري.

المبحث الثاني: عصرنة الترسانة القانونية في مجال التعمير:

استناداً إلى جوانب القصور ومواطن الخلل التي تشوب النصوص القانونية المنظمة للتعمير والجاري بها أعمل فقد تم تقديم مشروع المدونة من أجل تجاوز مكامن الخلل وإعطاء نفس جديد لقطاع التعمير باعتباره أحد القطاعات الحيوية المعول عليها للنهوض بالتنمية وبداية سنتطرق لأسباب تبني مدونة شاملة لقوانين التعمير (مطلب أول) ثم الحديث عن أهداف وتوجهات المدونة الجديدة (مطلب ثان).

المطلب الأول: أسباب تبني مدونة التعمير:

إن ظروف العولمة وانفتاح الأسواق واحتذاء التنافسية بين البلدان، جعلت من مسألة تأهيل وتنمية قدراتها التنافسية الرهان الأساسي للتطور الاقتصادي. ولتجاوز الوضعية التي يعرفها المجال الحضري والنهوض به حتى يستطيع تحقيق الأهداف المنشودة، وقصد مواكبة التطور الديمغرافي الذي تعرفه المدن. ولمعالجة الاختلافات الاجتماعية والمجالية المتجلية في تعمير غير منظم وفوضوي مع كل ما يحمله هذا التعمير من معاني والتمييز والإقصاء الاجتماعي والمجالي وتفشي البطالة والانحراف وكل مظاهر ضعف الاندماج صار حالياً، إن تنظيم مجالاتنا يتطلب وسائل وآليات ومقاربات جديدة في ميدان التخطيط والتدبير الحضريين. وقد أصبحت مقاربة التعمير عبر جوانبه الاقتصادية والمالية والاجتماعية أمراً ضرورياً في ظل التحولات التي يعرفها السياق الوطني والدولي. مع أن القواعد القانونية تعمير يجب أن لا تستند مبادئها من المساطر الإدارية فحسب بل كذلك من خلال الآليات المتحكمة في صيرورة التحولات التي يعرفها المجتمع.

مدونة جديدة للتعمير، مطلب لطالما عبرت عنه شرائح عريضة من المهتمين. ولكي تتم فعلاً الاستجابة لأكبر قدر من التطلعات، كان لزاماً أن يكون إعداد المدونة موضوع مشاورات موسعة وعلى جميع الأصعدة. ومن هذا المنطلق، فإن هذا الإعداد يتم في إطار نظرة تشاركية تعتمد على التشاور والحوار، يساهم فيها جميع المتدخلين في هذا القطاع سواء على الصعيد المحلي أو الجهوي أو الوطني (الجماعات  المحلية ومختلف القطاعات الوزارية المعنية والهيئات المهنية والمنظمات غير الحكومية… الخ).

وتماشياً في هذا السياق جاءت الرسالة الملكية الموجهة لإعطاء انطلاقة مشروع مدونة التعمير بتاريخ 3 أكتوبر 2005 بالرباط لتؤكد على ضرورة اعتماد إطار قانوني جديد “… فقد أضحى من اللازم للانكباب على مراجعة وتحديث منظومة التعمير الجاري بها العمل في بلادنا والتي وإن عرفت بعض الإصلاحات في العقدين الماضيين فإنها ظلت محدودة ومازالت معظم تشريعاتها تعود إلى بداية القرن الماضي”([15]) وقد أوضعت الرسالة الملكية أن الغاية هي جعل الحركة العمرانية تواكب الحركة التي يعرفها المغرب بصفة عامة وتساير وتيرة تنمية العديد من القطاعات الحيوية ذات الأبعاد الاستثمارية والصناعية والسياحية والسكنية وغيرها في ظل الانفتاح والانخراط في ظل العولمة بهدف تقوية القدرات التنافسية للمغرب. وهذا التعديل يندرج في سياق تعزيز الأوراش الإصلاحية الكبرى التي تعرفها المملكة خاصة في قطاع الإسكان والتعمير.

مشروع المدونة هذ لا يقتصر على تقويم المقتضيات القانونية غير الملائمة مع الواقع بل يجب أن نأخذ بعين الاعتبار متابعة الأوراش الإصلاحية الكبرى التي اعتمدتها الدولة فيما يتعلق بإحداث المجلس الأعلى لإعداد التراب الوطني والمصادقة على الميثاق الوطني لإعداد التراب وتدعيم اللامركزية واللاتركيز الإداري وصدور الميثاق الجماعي الجديد وتبني مبدأ وحدة المدينة في منظومة تأهيل المدن واعتماد التدبير اللامركزي للاستثمارات وتشجيع عرض السكن الاجتماعي لفائدة الفئات ذات الدخل المحدود وتحقيق برامج كبرى خاصة تلك التي تندرج في إطار المبادرة الوطنية للتنمية البشرية والتي تروم تحسن إطار عيش المواطن.

إن إعداد مدونة جديدة للتعمير فرضته ضرورة معالجة الاختلافات القانونية الحالية على مستوى النص والتطبيق وتحديث الترسانة القانونية حتى تواكب التحديات الراهنة لبلادنا وهنا نتساءل عن  أهم  المستجدات التي جاءت بها المدونة الجديدة للتعمير؟

المطلب الثاني: أهداف وتوجهات المدونة الجديدة:

تأتي مدونة التعمير لإرساء تصور ملائم للنمو الحضري وبناء ترسانة تقنية وقانونية فعالة تعطي لمجالاتنا القدرة على التنافسية دون المساس بالمكتسبات والرسالة الملكية السابقة الذكر حددت توجهات  كبرى لمدونة التعمير في خدمة المواطن وكذلك محفز على الاستثمار بمواكبة النمو الاقتصادي والاجتماعي للتكتلات العمرانية. هذه التوجهات تمهد لتأهيل التجمعات، بجعلها في مستوى استقبال واستقطاب الاستثمارات وتطوير تقنيات جديدة في ميدان الإسكان تمكن من الاستجابة للحاجيات المتجددة للمواطنين والحفاظ على التراث المعماري سواء في أبعاده الوطنية أو خصوصياته الجهوية والمحلية وترسيخ مبادئ الشفافية والمنافسة، وتكريس مبادئ الحكامة العصرية وتدعيم الديمقراطية المحلية، وتحقيق الانسجام بين مختلف السياسات القطاعية والتحكم في النمو العمراني وجعل القطاع أكثر مهنية بتحديد الاختصاصات وتحديد مسؤوليات المتدخلين، إضافة إلى وضع الأدوات العقارية والمالية والمؤسساتية اللازمة للتهيئة الحضرية، وإبراز الهوية الوطنية والحفاظ على التراث مع تقوية التماسك الاجتماعي.

ويبقى إن الهدف الأساس من هذه المدونة هو إيجاد الحلول الملائمة والمستديمة لإشكاليات التخطيط والتدبير الحضريين ومتابعة بناء تكتلات ذات قدرة تنافسية، وتأهيل مجالاتنا عبر تنمية محكمة التخطيط ومستديمة، توافق بين الحداثة والارتقاء بالهوية الوطنية وبالخصوصيات الجهوية والمحلية.

فتأهيل قطاع التعمير يشكل عاملاً مهماً لرفع تحديات العولمة، لذا فإعداد مدونة جديدة للتعمير جاء في وقت مناسب للحد من الثغرات المتعددة والاختلالات الاجتماعية والمجالية المتجلية في التعمير غير المنظم ولتبني منظومة قانونية جديدة منبثقة من المكتسبات التاريخية وتتلائم مع واقع بلادنا من أجل توفير بيئة ثقافية واقتصادية واجتماعية تواكب رهانات التنمية المستديمة وتوفر للمواطن العيش الكريم ([16]).

وقبل أن نختم لابد للإشارة إلى أهم المستجدات التي طرأت على مجال التعمير والمتمثلة في المصادقة مؤخراً على مشروع قانون رقم 12.66 الذي يهدف إلى تقوية آليات مراقبة وزجر مخالفات التعمير والبناء، عن طريق إرساء معالجة استباقية، فورية، ناجعة ومندمجة لظاهرة البناء غير القانوني، وتعزيز ضمانات  حماية المجال العمراني، وتجاوز الاختلالات التي تعرفها منظومة المراقبة وزجر المخالفات المعمول بها حالياً، وسندرج أهم ما جاء في القانون السالف الذكر في النقاط التالية:

  • تخويل مراقبي التعمير التابعين للوالي أو للعامل أو للإدارة صفة ضابط الشرطة القضائية.
  • توحيد مساطر المراقبة والزجر الإداري وكذا مساطر تحريك الدعوى العمومية سواء المتعلقة بالتجزيء والتقسيم أو بالتعمير والبناء.
  • التنصيص على تحرير محاضر معاينة المخالفات طبقاً للشروط المحددة في قانون المسطرة الجنائية.
  • تخويل ضباط الشرطة القضائية ومراقبي التعمير صلاحية اتخاذ التدابير المتعلقة بالأعذار والأوامر بالإيقاف الفوري للأشغال وحجز المواد والمعدات المستعملة في البناء موضوع المخالفة وتعيين المخالف حارساً عليها ووضع الأختام.

كما أتى المشروع بمقتضيات جديدة لتعزيز عملية تتبع الأوراش المرخصة، من أهمها:

  • تفعيل آليات اليقظة، وذلك بإلزام رئيس المجلس الجماعي توجيه جميع الرخص والأذن تسليمها إلى السلطات المحلية من أجل المراقبة.
  • فتح دفتر الورش سواء قبل أو أثناء أو عند انتهاء الأشغال.
  • منح المراقبين إعطاء الأمر الفوري لإلغاء البناية وإنهاء المخالفة بتوقيف الأشغال.
  • إلزام رئيس المجلس بتوجيه نسخ الرخص إلى السلطات المحلية.
  • إلغاء ما يسمى بالرخص الضمنية، وتغيير اسم الوكالة الحضرية إلى وكالة التعمير.

خاتمة:

بالرغم من هذه المحدودية فإنه لا يمكن الإنكار أن قانون التعمير الحالي هو قانون متكامل نسبياً، حيث أنه أبان عن كفاءته في تنظيم حركة البناء وإنشاء العديد من المناطق، ولكن في نفس الوقت تظل مسألة إجراء مراجعة شاملة لقانون التعمير تفرض نفسها بحدة بغية إبداع مقاربة شمولية كفيلة بتجاوز المعيقات و الصعوبات التي تعتري النصوص السالفة الذكر، والتي غالباً ما تطغى عليها السرعة وغياب بعد النظر..

ولابد من التأكيد على وجود صعوبات أخرى ترجع إلى عدم استيعاب هذه المقتضيات على الوجه المطلوب من جهة والى عدم تطبيقها على الوجه السليم من جهة أخرى.

وهنا يبقى السؤال المطروح على أرض الواقع وهو هل هذا نتيجة طبيعية لضعف الإطار القانوني وعدم مراعاته للواقع أم أنها حصيلة بديهية لسلوكات وممارسات متجدرة في المجتمع؟

لائحة المراجع:

  • ذ. محمد محجوبي، قراءة عملية في قوانين التعمير المغربية، الطبعة  الأولى، 2006، دار النشر المغربية.
  • 1. الحاج شكرة، الوجيز  في قانون التعمير المغربي الطبعة الثالثة 2008. مطبعة دار القلم الرباط.
  • محمد بنيعيش، وثائق التعمير والممارسة، نموذج طنجة. بحث لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة. جامعة محمد الخامس أكدال، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية. الرباط 2003.
  • ذ. عبد الرحمن البكريوي، التعمير بين المركزية واللامركزية، ط1، 1993، الشركة المغربية للطباعة والنشر.
  • ذ الهادي مقداد، السياسة العقارية في ميدان التعمير والسكنى، ط1 سنة 2004، مطبعة النجاح الجديدة.
  • 1. الحاج شكرة، الوجيز  في قانون التعمير المغربي الطبعة  الثالثة 2008. مطبعة دار القلم الرباط.
  • الشريف البقالي، رقابة القاضي الإداري على مشروعية القرارات الصادرة في مجال التعمير، دار القلم للطباعة والنشر والتوزيع، الطبعة  الأولى 2006.
  • د الحاج شكرة، مقال قانون التعمير في أفق 2010.
  • رشيد لبكر، تقويم سياسة إعداد التراب الوطني بالمغرب، المجلة المغربية للتدقيق والتنمية عدد 14 يونيو.

[1] وذلك على خلاف بعض الباحثين الذين يقولون بكون المغرب لم يعرف ظاهرة التعمير إلا مع بداية القرن العشرين، ومنهم ذ الهادي مقداد في مرجعه السياسة العقارية في ميدان التعمير والسكنى، الطبعة الأولى سنة 2004، مطبعة النجاح الجديدة.

[2] ذ. عبد الرحمن البكريوي: التعمير بين المركزية واللامركزية، الطبعة الأولى، 1993، الشركة المغربية للطباعة والنشر، ص9.

[3] للمزيد من الاطلاع على هذه الظهائر راجع، ميلود بوخال، محمد بوجيدة: مدونة التعمير والهندسة المعمارية والإعداد الإنمائي للمجال، الطبعة الأولى، سنة 1998، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء.

[4] الصادر بواسطة الظهير رقم 31-22-1 بتاريخ 17 يونيو 1992 (جريدة رسمية عدد 4159 بتاريخ 14 محرم عام 1413 موافق لـ15 يوليوز 1992) وتبعه بعد ذلك مرسومه التطبيقي رقم 832-92-2 بتاريخ 14 أكتوبر 1993. (جريدة رسمية عدد 4225 بتاريخ 4 جمادي الأولى 1414 موافق لـ 20 أكتوبر 1993).

[5] الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 7.  92. 1 بتاريخ 15 من ذي الحجة 1412 موافق 17 يوليوز 1992 الجريدة الرسمية عدد 4159 بتاريخ 14 محرم 1413 موافق ل 15 يوليوز 1992.

[6] د الحاج شكرة، مقال قانون التعمير في أفق 2010 ص2.

[7] ذ. محمد محجوبي، قراءة عملية في قوانين التعمير المغربية، الطبعة الأولى 2006، دار النشر المغربية. ص 7.

[8] للمزيد من الاطلاع راجع ذ. الحاج شكرة، الوجيز في قانون التعمير المغربي الطبعة الثالثة 2008. مطبعة دار القلم الرباط، ص 29.

[9] محمد بنيعيش، وثائق التعمير والممارسة، نموذج طنجة. بحث لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة. جامعة محمد الخامس. أكدال. كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية. الرباط. 2003. ص 3.

[10] د. الحاج شكرة، مقال قانون التعمير في أفق 2010 ص 4.

[11] ذ. محمد محجوبي، مرجع سابق ص 11 ص 14.

[12] د الحاج شكرة، مقال قانون التعمير في أفق 2010 ص 4.

[13] الشريف البقالي: رقابة القاضي الإداري على مشروعية القرارات الصادرة في مجال التعمير، دار القلم للطباعة والنشر والتوزيع، الطبعة الأولى 2006 ص 181 ص 214.

[14] رشيد لبكر، تقويم سياسة إعداد التراب الوطني بالمغرب، المجلة المغربية للتدقيق والتنمية عدد 14 يونيو 2002، ص 52.

[15] مقتطف من الرسالة الملكية لصاحب الجلالة في الملتقى الوطني حول مدونة التعمير بتاريخ 3 أكتوبر 2005.

[16] مقتطف من الكلمة التي ألقاها السيد توفيق احجيرة بمناسبة الانطلاقة الرسمية للمشاورات الجهوية والمحلية حول مشروع إعداد المدونة الجديدة للتعمير بتاريخ 22/02/2006.

https://powderencouraged.com/w3m6c9b5?key=af8b4909c0965493e9682d74bb50a646
https://powderencouraged.com/ksq5rgwdmh?key=b5b47a0d83f8742dcf71d4de8ef00494
https://powderencouraged.com/bkcduddx?key=0252cc21d0f4e0ae5f53245940611301
×
error: Content is protected !!

اكتشاف المزيد من

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading