أحمد بوسيدي
دكتور في الحقوق، باحث في القانون العام
أستاذ مشارك بكلية الحقوق بوجدة
مما لا شك فيه هو أنه عندما نتناول بالدراسة والتحليل موضوع الأسس الدستورية للجماعات الترابية، فإننا نكون بصدد البحث في مجال قانوني متخصص ألا وهو القانون الدستوري المحلى. والذي كان لاجتهاد المجلس الدستوري الفرنسي دورا بارزا في إبرازه ووضع أهم أسسه ومبادئه ([1]).
ويقصد بالقانون الدستوري المحلى حسب الأستاذ ” أندري رو ” Roux André” ([2]) مجموعة القواعد والمبادئ الدستورية المطبقة على الجماعات الترابية (أو الجماعات المحلية).
وفي هذا الاتجاه يرى الأستاذ ” محمد اليعكوبي” ([3]) بأن هناك إرهاصات أولية لميلاد قانون دستوري محلى بالمغرب مستقبلا مع إنشاء المجلس الدستوري ([4]) وتأسيس الغرفة الثانية للبرلمان ([5]).
وتتجلى أهمية دراسة اللامركزية من الزاوية الدستورية ([6])، في محاولة إبراز المكانة التي تحتلها الجماعات الترابية داخل الدستور، وكذا استجلاء أهم الضمانات التي يمنحها إياها، ولعل ما يضاعف من هذه الأهمية هي المستجدات التي جاءت بها مقتضيات الدستور الجديد للمملكة المغربية بخصوص الجماعات الترابية واللامركزية.
وعليه سيتم تقسيم هذه الدراسة إلى المحاور التالية:
المحور الأول : التكريس الدستوري للجماعات الترابية
المحور الثاني: الضمانات الدستورية للجماعات الترابية
المحور الأول : التكريس الدستوري للجماعات الترابية
لقد جاء التنصيص على المكانة الدستورية للجماعات الترابية مختلفا من دولة لأخرى، بحكم اختلاف أنظمة الإدارة المحلية المتبعة بها وبسبب اختلاف طبيعة شكل الدولة (موحدة، فدرالية …) وتباين في العوامل التاريخية والاجتماعية والسياسية والثقافية.
ومن البديهي ونحن بصدد البحث في الأسس الدستورية للجماعات الترابية أن يتم الاستناد على النصوص الدستورية التي لها علاقة باللامركزية بصفة عامة .وعليه يشكل التنصيص على الجماعات الترابية في صلب الدستور اعتراف بحقها في الوجود ([7])، وأكبر ضمانة وحماية لها اتجاه مختلف السلط المتواجدة بالدولة، وبمكانتها المتميزة إلى جانب المؤسسات الدستورية الأخرى.
وسوف نعمد إلى إبراز التكريس الدستوري للجماعات الترابية من خلال ثلاث نقط أساسية:
أولا: أصناف الجماعات الترابية
تولت مختلف الدساتير المغربية مهمة تصنيف الجماعات الترابية، حيث قام أول دستور للمملكة بتعداد الجماعات في الفصل 93 منه ([8]) ومحددا أنواعها في العمالات والأقاليم والجماعات الحضرية والقروية وبأن إحداثها يكون بقانون ([9])، من دون أن يعطى للمشرع سلطة إنشاء غيرها ([10])، وهذا يعني أنه يتوجب القيام بمراجعة دستورية عند الرغبة في إحداث فئة جديدة من الجماعات ([11]).
إلا أن دستور 1970 ([12])و 1972 ([13])، أدخلا تعديلات على الفصل 39 من دستور 1962 يمنحه للمشرع إمكانية إنشاء أية جماعة أخرى وتصنيف الجماعات إلى قروية وحضرية.
أما دستور 1992 ([14]) فقد أضاف للعمالات والأقاليم والجماعات الحضرية والقروية وحدة محلية أخرى وهي الجهة من خلال الفصل 94 منه والذي جاء فيه أن ” الجماعات المحلية بالمملكة هي الجهات والعمالات والأقاليم والجماعات الحضرية والقروية …” مضيفا على أنه ” لا يمكن إحداث أي جماعة محلية أخرى إلا بقانون “، وهذا يوحي على أن اختصاص إحداثها كما هو الشأن بالنسبة للمؤسسات العمومية يعود للسلطة التشريعية، وهذا يزكي سمو القانون ويكرس المكانة المتميزة التي تحظى بها الجماعات المحلية دستوريا ([15]).
وقد تم الاحتفاظ بالتصنيفات والتسميات السالفة الذكر في دستور 1996 في فصله 100 ([16]) والذي نص على أن الجماعات المحلية بالمملكة هي” الجهات والعمالات والأقاليم والجماعات الحضرية والقروية، ولا يمكن إحداث أي جماعة محلية أخرى إلا بقانون “.
إلا أن الدستور الحالي للمملكة المغربية لسنة 2011، قد جاء بمقتضيات إصلاحية جديدة أهمها التكريس الدستوري لمصطلح “اللامركزية” ([17]) وتغييره لعبارة “الجماعات المحلية” بعبارة “الجماعات الترابية” ومن دون تصنيف الجماعات إلى جماعات حضرية وقروية، وعلى أن إحداثها يتم عن طريق القانون، حيث ورد في الفصل 135 منه على أن “الجماعات الترابية للمملكة هي الجهات والعمالات والأقاليم والجماعات”.
الجماعات الترابية أشخاص اعتبارية، خاضعة للقانون العام تسير شؤونها بكيفية ديمقراطية.
تنتخب مجالس الجهات والجماعات بالاقتراع العام المباشر.
تحدث كل جماعة تربية أخرى بالقانون، ويمكن أن تحل عند الاقتضاء، محل جماعة ترابية أو اكثر من تلك المنصوص عليها في الفقرة الأولى من هذا الفصل”.
ثانيا: التدبير الديمقراطي للجماعات الترابية
تؤكد دساتير المملكة المغربية المتعاقبة على مبدأ التدبير الديمقراطي للوحدات اللامركزية بواسطة مجالس منتخبة، وهذا ما نستشفه أيضا من خلال الدستور الجديد لسنة 2011 بتنصيصه على ضمانات دستورية جديدة أفضل من الضمانات التشريعية من خلال الاعتراف للجماعات الترابية بالشخصية المعنوية في صلب الدستور، وبتوحيده لنظامها الانتخابي في الاقتراع العام المباشر وتطبيقه على قدم المساواة على جميع الوحدات الترابية ([18]).
وبالتالي يمكن القول أن التنصيص على نمط الاقتراع فيه ضمانة أساسية للديمقراطية المحلية ومعيار محددا للامركزية، يمنح للهيئات المحلية التمتع بقدر من الاستقلالية وحماية لها من تدخل السلطات المركزية بواسطة أسلوب التعيين.
كما يتجلى التدبير الديمقراطي في إشراك المواطنات والمواطنين في تدبير شؤونهم المحلية من خلال طريقة الانتخاب ([19]) وكذا بوضع آليات الديمقراطية التشاركية ([20]).
ثالثا: تمثيلية الجماعات الترابية
منحت الدساتير المغربية للجماعات الترابية الإمكانية التمثيلية بالمؤسسات التشريعية، وهذا ما تم تأكيده في الفصل 63 من الدستور الحالي لسنة 2011 والذي أشار إلى دور الجهات والجماعات الترابية الأخرى في تفعيل السياسة العامة للدولة وفي إعداد السياسات الترابية من خلال ممثيليها في مجلس المستشارين بحصة قدرها ثلاثة أخماس أعضائه، موزعة بين جهات المملكة بالتناسب مع عدد سكانها ومع مراعاة الأنصاف بين الجهات .
وبالتالي فهذه التمثيلية هي تشكل اعتراف بمشاركة الهيئات المحلية في ممارسة المهام التشريعية وفي التعبير عن مصالح المواطنين على المستوى الوطني.
المحور الثاني : الضمانات الدستورية للجماعات الترابية
لا يكفي التنصيص الدستوري لوحده لتكريس المكانة الدستورية للجماعات الترابية وإنما لا بد من من تحصينها ودعمها بمجموعة من المبادئ والوسائل.
أولا: المبادئ المؤطرة للجماعات الترابية
تشكل المبادئ المؤطرة للجماعات الترابية ضمانات دستورية وضوابط لرسم حدود ومعالم اللامركزية .ويمكن إجمال أهم هذه المبادئ فيما يلي:
1- مبدأ وحدة الدولة ([21])
يعد مبدأ وحدة الدولة من المبادئ الدستورية المؤطرة للجماعات الترابية، والذي يعني بأن الجماعات الترابية هي وحدات ترابية فرعية تتمتع بالشخصية المعنوية، تدين بوجودها للدولة ،تخضع لسيادتها ورقابتها، تتولى تسيير شؤونها بكيفية ديمقراطية وفق الشروط التي يضعها القانون.
ويقوم مبدأ وحدة الدولة على فكرة أن السيادة تكون للدولة على مجموع ترابها الوطني، تحوز سلطة إصدار القوانين و تطبيقها، بحيث لا يمكن للسلطة التشريعية تفويض ذلك إلى الجماعات الترابية ([22]) وبوحدة التراب الوطني وعدم قابليته للتجزئ، وبوحدة النظام القانوني المطبق على الجماعات الترابية ([23]).
ويترتب عن ما سبق ذكره، أن الاستقلالية و حرية التدبير المعترف بها للجماعات الترابية هي مقيدة بمبدأ وحدة الدولة . ومن ثمة فهي لا تتمتع بحرية مطلقة وأن الرقابة الممارسة عليها من قبل الدولة هي بهدف تحقيق التوازن بين امتيازات الدولة والحريات المحلية والتوفيق بين المصالح الوطنية والمصالح المحلية ([24]).
2- مبدأ التدبير الحر ([25])
من بين أهم المستجدات التي جاء بها دستور ([26]) 30 يوليوز 2011 تنصيصه على التدبير الحر للجماعات الترابية في الفصل 136 والذي جاء فيه ” يرتكز التنظيم الجهوي و الترابي على مبادئ التدبير الحر و على التعاون والتضامن ، ويؤمن مشاركة السكان المعنيين في تدبير شؤونهم، والرفع من مساهمتهم في التنمية البشرية المندمجة والمستدامة “. و هو ما تضمنه أيضا الفصل 146 الذي أشار إلى أنه سوف يتولى قانون تنظيمي تحديد قواعد الحكامة المتعلقة بحسن تطبيق مبدأ التدبير الحر.
والتكريس الدستوري لمبدأ التدبير الحر يحمل في طياته إشارة واضحة على منحه مكانة متميزة إلى جانب المبادئ الأخرى ،وعلى ضرورة احترامه من قبل جميع السلطات السياسية والإدارية والقضائية ومن قبل المشرع.
وتتجلى أهمية مبدأ التدبير الحر في تدعيمه لاستقلالية الجماعات الترابية ولسلطة اتخاذ قراراتها، وفي كونه غدا مرجعا أساسيا تنظيم العلاقة بين الدولة والجماعات الترابية وفيما بين هذه الأخيرة. وفي توسيع وتدقيق اختصاصات الجماعات الترابية وبخاصة توفرها على اختصاصات ذاتية وفعلية. وكذا التخفيف من الوصاية الممارسة عليها من قبل الدولة.
3- مبدأ التفريع ([27])
يهدف مبدأ التفريع بالأساس إلى تنظيم مسألة توزيع المهام و تحديد الاختصاصات والمسؤوليات بين المستويات الإدارية ( الدولة ،الجهات، العمالات والأقاليم والجماعات الحضرية و القروية) . أي أن كل مستوى إداري يتقيد بدائرة الاختصاص الممنوحة له ولا يتعداه لتفادي تنازع الاختصاصات.
ولقد تمت الإشارة لهذا المبدأ لأول مرة في الدستور الحالي لسنة 2011 من خلال الفصل 140 والذي ورد فيه أن ” للجماعات الترابية، وبناء على مبدأ التفريع، اختصاصات ذاتية واختصاصات مشتركة مع الدولة واختصاصات منقولة إليها من هذه الأخيرة …”.
ومبدأ التفريع بحسب ما ورد في الفصل 140 السالف الذكر يعترف للجماعات الترابية باختصاصات ذاتية “compétences propres” . إلا أن ما يلاحظ من خلال مضمون هذا الفصل هو أنه أشار للاختصاصات الذاتية للجماعات الترابية ولم يقم لا بتعريفها ولا تحديدها، ولم يوضح كيفية توزيع الاختصاصات بين الدولة والجماعات الترابية ولا بين هذه الأخيرة فيما بينها.
ولربما قد نجد تفسيرا لهذا القصور في كون أن الوظيفة الأساسية للدستور في إطار الدولة الموحدة لا تكمن في إعطاء التعريفات والمفاهيم لمسألة معينة، بل يكتفي بوضع الاطار العام لها على أن يتولى قانون تنظيمي ([28]) أو تشريع عادي أو اجتهاد قضائي هذه المهمة. على خلاف بعض الدول الفدرالية التي قامت دساتيرها بذكر اختصاصات الجماعات الترابية بتفصيل كبير.
وعليه فالاعتراف بوجود اختصاصات خاصة بالجماعات الترابية يضمن لهذه الأخيرة حماية أكبر اتجاه الدولة وباقي الجماعات العمومية ([29])، وكذا توزيع للأدوار والمهام والاختصاصات فيما بينها ([30]).
4- مبدأ المساواة
يعتبر مبدأ المساواة من أهم المبادئ الدستورية تم التنصيص عليه في الفصل 6 من دستور المملكة المغربية لسنة 2011 والذي جاء فيه أن ” القانون هو أسى تعبير عن إرادة الأمة .و الجميع ،أشخاصا ذاتيين أو اعتباريين، بما فيهم السلطات العمومية متساوون أمامه، وملزمون بالامتثال له.
تعمل السلطات العمومية على توفير الظروف التي تمكن من تعميم الطابع الفعلي لحرية المواطنات والمواطنين، والمساواة بيتهم، ومن مشاركتهم في الحياة السياسية والاقتصادية والثقافية و الاجتماعية ….”.
يتضح من خلال مضمون هذا الفصل فكرة أساسية مفادها هو أن تطبيق مبدأ المساواة لا يتم فقط بين المواطنات والمواطنين وإنما أيضا بين الأشخاص الذاتيين والاعتبارين والسلطات العمومية.
ويوحي مبدأ المساواة أيضا عدم وصاية جماعة ترابية على أخرى ([31]). وكذا معاملة الدولة والمشرع للوحدات الترابية على قدم المساواة ([32]) وبوحدة النظام القانوني بالنسبة للجماعات الترابية التي تنتمي لنفس الصنف.
كما يفرض أيضا مبدأ المساواة على الجماعات الترابية معاملة المواطنين بدون تمييز وتسهيل ولوجهم للخدمات الأساسية ([33])، من ثمة فالوصاية المفروضة على الجماعات الترابية هي من أجل حماية مبدأ المساواة .
5- مبدأ التضامن والتعاون
جاء التنصيص على مبدأ التعاون والتضامن في الفصل 136 من دستور 2011 والذي أشار على أن “يرتكز التنظيم الجهوي والترابي على مبادئ التدبير الحر، وعلى التعاون التضامن ويؤمن مشاركة السكان المعنيين في تدبير شؤونهم، والرفع من مساهمتهم في التنمية البشرية المندمجة و المستدامة “.
وأكيد أنه بالتنصيص الدستوري على هذين المبدأين سيتم وضع الآليات الكفيلة لتحقيقهما على أرض الواقع، وسيدعم لامحالة الدور التنموي للجماعات الترابية، وسيحد من الفوارق بين الجماعات وسيصحح التباينات والاختلالات الموجودة فيما بينها ([34]).
وما ينبغي التركيز عليه هو أن مبدأ التضامن والتعاون يفرض احترام الاختصاصات المخولة لكل جماعة ترابية وعدم وصاية أية واحدة منها على الأخرى.
وبالتالي فتنصيص الدستور على هذه الضوابط فيه ترسيخ لفكرة استقلالية جماعة ترابية عن أخرى .
ثانيا: الوسائل الممنوحة للجماعات الترابية
أكد الدستور المغربي لسنة 2011 في بعض فصوله على ضرورة تمكين الجماعات الترابية من مجموعة من الوسائل من أجل تنفيذ الاختصاصات المنوطة بها وكذا لتحقيق استقلاليتها في اتخاذ القرار . و يمكن تقسيم هذه الوسائل إلى وسائل قانونية وأخرى مالية.
1- الوسائل القانونية
يشير الفصل 140 من دستور 2011 في فقرته الثانية على توفر الجهات والجماعات الترابية الأخرى على سلطة تنظيمية ([35])، تتولى من خلالها وضع قواعد تنظيمية في المجالات التي يحددها القانون. وبخاصة في تنفيذ القوانين والاختصاصات الموكولة إليها، وفي تنظيمها الداخلي، مجال الشرطة الجماعية، تطبيق وثائق التعمير، المالية المحلية وفي إنشاء وتنظيم واختيار طرق تسيير المرافق العامة المحلية.
والى جانب السلطة التنظيمية المحلية تشكل الحرية التعاقدية أحد الوسائل القانونية التي ينبغي الاعتراف بها للجماعات الترابية في الدستور حتى تتمكن من ممارسة اختصاصاتها على أكمل وجه وذلك بتمكين الجماعات الترابية من حرية إبرام العقود المناسبة لأداء مهامها وكذا حرية اختيار طرق تدبير المرافق العامة والحرية في التعاقد أو الامتناع عن التعاقد واختيار المتعاقد معها وفي تكوين العقد وتحديد مضمونه وطرق تنفيذه .
2- الوسائل المالية
يقتضي دعم المكانة الدستورية المتميزة للجماعات الترابية ضرورة التنصيص الدستوري على مبدأ الاستقلال المالى للجماعات الترابية ([36]). ذلك أن منح المشرع سلطة مطلقة في هذا المجال من شأنه أن يؤدي إلى اتخاذ تدابير وإجراءات قد تهدد استقرار الاطار القانوني للمالية المحلية.
فإرادة المشرع غير مقيدة ولا ثابتة يمكن أن تتغير من وقت لآخر ويمكن أن تضيق من الاستقلال المالى للجماعات الترابية، ومن ثمة يتوجب حماية الجباية والمالية المحلية بالتنصيص على الاستقلال المالى للجماعات الترابية في صلب الدستور ([37])،
وبتقاسم السلطة المالية بين الدولة والجماعات الترابية، بمنح المجالس المنتخبة حق إنشاء وحذف وتعديل بعض الضرائب.
خاتمة
لقد حاولنا من خلال تناول موضوع الأسس الدستورية للجماعات الترابية اعتماد المقاربة الدستورية في دراسة اللامركزية وفي تحديد هوية الجماعات الترابية من خلال الدستور.
واتضح لنا من خلال ما سبق مدى مساهمة مقتضيات الدستور المغربي الجديد لسنة 2011 في التكريس الدستوري للجماعات الترابية وفي تثبيت دعائم اللامركزية من خلال مختلف الضمانات الدستورية . إلا أن السؤال الذي سيطرح هو حول توفر الظروف والشروط الضرورية لتفعيل هذه المقتضيات الدستورية الجديدة على أرض الواقع؟ .
[1] Louis FAVOREU, “Décentralisation et constitution “, R.D.P., septembre – octobre 1982, p.1275.
Jean – Marie PONTIER, ” sur d’éventuelle précision constitutionnel relatives à la libre administration “, Revue administrative, n° 316, juin – août 2000, p. 386.
[2] “le droit constitutionnel local désigne donc l’ensemble des règles et principe constitutionnelles applicables aux collectivités territoriales” ; André ROUX, Droit constitutionnel local, Economica, Paris, 1995, p.5.
[3] يقول بهذا الصدد الأستاذ محمد اليعكوبي “من المؤكد أن إنشاء المجلس الدستوري مع ما سيصدره من اجتهادات محتملة وتأسيس الغرفة الثانية ،كلها عناصر ستدفع في اتجاه تقوية الوعي بأن قانون الجماعات المحلية أصبح يتوفر على أسس دستورية مهمة وبضرورة تخصيص مطلب من المطالب لهذه الأسس في مادة القانون الدستوري وما هو عادي في بعض الدول ما زال غير عادي في المغرب ، لكن الأمور ستتطور بالتأكيد في الأيام القادمة وسنشهد ميلاد قانون دستوري محلي”.
– محمد اليعكوبي، اللامركزية والدستور في المغرب، المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، عدد 96، يناير- فبراير 2011، ص 12.
[4] لقد تم استبدال مصطلح “المجلس الدستوري” بالمحكمة الدستورية ” في الدستور الحالي لسنة 2011 في الفصل 129 منه والذي أشار إلى إحداث محكمة دستورية.
– ظهير شريف رقم 91 – 11- 1 صادر في 27 شعبان 1432 (29 يوليو 2011) بتنفيذ نص الدستور، الجريدة الرسمية عدد 5964 مكرر بتاريخ 28 شعبان 1432 الموافق ل 30 يوليو 2011، ص 3621.
[5] يقصد بالغرفة الثانية للبرلمان مجلس المستشارين ، حيث جاء في الفصل 60 من دستور 2011 ما يلي: “يتكون البرلمان من مجلسين ، مجلس النواب ومجلس المستشارين ، ويستمد أعضاؤه نيابتهم من الأمة ، وحقهم في التصويت حق شخصي لا يمكن تعويضه “. كما أشار الفصل 63 على أن “يتكون مجلس المستشارين من 90
عضوا على الأقل ، و 120 عضوا على الأكثر، ينتخبون بالاقتراع العام غير المباشر لمدة ست سنوات…” .
[6] لا بد من الإشارة إلى أن اغلب الدراسات المهتمة بموضوع الجماعات الترابية واللامركزية، قد انصبت على الجانب الإداري و المالي والقانوني . وبتصفح أغلب المؤلفات المتخصصة في القانون الدستوري نلاحظ أنها لا تولي أية أهمية للموضوع.
كما يعزى ضعف الاهتمام بدراسة الجماعات الترابية من المنظور الدستوري إلى غياب اجتهاد القضاء الدستوري المغربي في هذا المجال .
[7] في هذا الإطار يرى الأستاذ محمد اليعكوبي أن الدستور “هو الذي أسس لحقها في الوجود… ومن المؤكد أن البعض منها يرجع ظهوره إلى زمن بعيد كالجماعة ، إلا أنها لم تصبح هذه الوحدة الترابية قائمة الوجود بالنسبة للقانون المغربي إلا بعد أن قام الدستور بتكريسها وتأسيسها بالنص عليها صراحة في مقتضياته”
– محمد اليعكوبي، مرجع سابق، ص 14.
[8] ظهير شريف بتنفيذ الدستور المغربي الصادر في 17 رجب 1382 موافق 14 دجنبر 1962 ، الجريدة الرسمية بتاريخ 22 رجب 1382 الموافق ل 19 دجنبر 1962 ، عدد 2616 مكرر، ص 2999
[9] عبد الله إدريسي، محاضرات في القانون الإداري المغربي، الجزء الأول ، الطبعة الأولى ، 1995 ، ص 43.
[10] أنور أحمد رسلان، التنظيم الجماعي الجديد، دار الثقافة، 1977، ص 102.
[11] Mohammed El YAAGOUBI , ” Décentralisation et constitution au Maroc “, REMALD, N° double 14-15, Janvier- Juin 1996, p. 13.
[12] ظهير شريف رقم 1.70.177 صادر في 27 جمادى الأولى 1390 (31 يوليوز 1970) بتنفيذ الدستور، الجريدة الرحمية عدد 3013 مكرر بتاريخ 28 جمادى الأولى 1390 الموافق لفاتح غشت 1970.
[13] ظهير شريف رقم 1.72.061 صادر في 23 محرم 1392 (10 مارس 1972) بتنفيذ الدستور، الجريدة الرسمية عدد 3098 بتاريخ 28 محرم 1392 الموافق ل 15 مارس 1972.
[14] ظهير شريف رقم 155- 92-1 صادر في 11 من ربيع الآخر 1413 (9 أكتوبر 1992) بتنفيذ نص مراجعة الدستور، الجريدة الرسمية عدد 4172 بتاريخ 16 ربيع الآخر 1413 الموافق ل 14 أكتوبر 1992.
[15] Abdelhak AKLA, ” l’encadrement constitutionnel de l’espace administratif dans la constitution révisée en 1992″ , REMALD, N° 6, 1994, p. 15.
[16] ظهير شريف رقم 1.96.157 صادر في 23 من جمادى الأولى 1417 (7 أكتوبر 1996) بتنفيذ نص مراجعة الدستور، الجريدة الرسمية عدد 4420 بتاريخ 26 جمادى الأولى 1417 الموافق ل 10 أكتوبر 1996 ، ص 2292.
[17] نصت الفقرة الرابعة من الفصل الأول من دستور 2011 على أن “التنظيم الترابي للمملكة تنظيم لامركزي، يقوم على الجهوية المتقدمة ” . وهذا يعي أن الدولة المغربية هي دستوريا لامركزية، وبأن التنصيص في تصدير الدستور على الوحدة الوطنية والترابية للمملكة لا يستبعد أو يقصي وجود جماعات لامركزية تشارك الدولة مجالها الترابي.
[18] الفصل 135 من دستور 2011 “الجماعات الترابية أشخاص اعتبارية خاضعة للقانون العام، تسير شؤونها بكيفية ديمقراطية تنتخب مجالس الجماعات والجهات بالاقتراع العام المباشر…”
[19] نص الفصل 30 من الدستور الحالي على أنه” لكل مواطنة و مواطن، الحق في التصويت، وفي الترشح للانتخابات، شرط بلوغ سن الرشد القانونية، و التمتع بالحقوق المدنية و السياسية . وينص القانون على مقتضيات من شأنها تشجيع تكافر الفرص بين النساء و الرجال في ولوج الوظائف الانتخابية.
التصويت حق شخصي وواجب وطي.
يتمتع الأجانب بالحريات الأساسية المعترف بها للمواطنات والمواطنين المغاربة، وفق القانون .
ويمكن للأجانب المقيمين بالمغرب المشاركة في الانتخابات المحلية، بمقتضى القانون أو تطبيقا لاتفاقيات دولية أو ممارسات المعاملة بالمثل..”
يتضح من خلال ما ورد في الفصل 30 من الدستور أعلاه، بان إمكانية المشاركة في الانتخابات المحلية لم تعد مقتصرة على المغاربة فقط، وإنما تم منح هذا الحق للأجانب المقيمين بالمغرب، وهذا يشكل تطورا مهما في مجال الاعتراف للأجانب بالحقوق السياسية.
[20] الفصل 139 من الدستور الحالي ” تضع مجالس الجهات، والجماعات الترابية الأخرى، أليات تشاركية للحوار والتشاور، لتسيير مساهمة المواطنات والمواطنين والجمعيات في إعداد برامج التنمية وتتبعها يمكن للمواطنات والمواطنين والجمعيات تقديم عرائض، الهدف منها مطالبة المجلس بإدراج نقطة تدخل في اختصاصه ضمن جدول أعماله”.
[21] جاء في تصدير الدستور الحالي على أن “المملكة المغربية دولة إسلامية ذات سيادة كاملة، متشبثة بوحدتها الوطنية والترابية….” وفي نفس الاتجاه يؤكد الفصل 42 على أن “الملك رئيس الدولة، وممثلها الأسمى، ورمز وحدة الأمة، وضامن دوام الدولة واستمرارها، والحكم الأسمى بين مؤسساتها، يسهر على احترام الدستور، وحسن سير المؤسسات الدستورية، وعلى صيانة الاختيار الديمقراطي، وحقوق وحريات المواطنين والمواطنات والجماعات، وعلى احترام التعهدات الدولية للمملكة.
الملك هو ضامن استقلال البلاد وحوزة المملكة في دائرة حدودها الحقة..”
[22] Dans un Etat unitaire, les collectivités locales notament qui sont l’instrument privilégie de sa décentralisation territoriale, sont définitivement tenues à l’écart de l’exercice du pouvoir législatif “, Olivier GOHIN, ” Pouvoir législatif et collectivités locales “, in Mélange en l’honneur de Jacques Moreau, Economica, Paris, 2003, pp.179-180.
– لا يمكن للجماعات الترابية ممارسة الاختصاصات التشريعية إلي منحها الدستور للبرلمان ،إلا أن مساهمة الجماعات الترابية في مجال التشريع تتم بصفة غير مباشرة من خلال تمثيليتها داخل مجلس المستشارين.
[23] Jean-Claude DOUENCE, ” Les collectivités locales uniformes ou différenciées ? “, A.J.D.A., juin 2002, p.465.
[24] Michel VERPEAUX, Les collectivités territoriales en France, Dolloz, Paris, 2002, p.46.
– André ROUX, ” le contrôle de l’Etat : Légalité, égalité, liberté “, in Droit constitutionnel local, Economica, Paris, 1999, p.75.
[25] مبدأ التدبير الحر للجماعات الترابية قد سبق التنصيص عليه بفرنسا من خلال دستور 1946 (الفصل 87) ودستور الجمهورية الخامسة 1958 (الفصل 34 والفصل 72) بعبارة مبدأ حرية إدارة الجماعات المحلية
– Principe de libre administration des collectivités locales
[26] ظهير شريف رقم 91- 11-1 صادر في 27 شعبان 1432 (29 يوليو 2011 ) بتنفيذ نص الدستور، الجريدة الرسمية عدد 5964 مكرر بتاريخ 28 شعبان 1432 (30 يوليو 2011) ص 3622.
[27] مبدأ من القانون العام الدولي استعمل في الميدان الإداري، حيث تم توظيفه كمعيار لتوزيع الاختصاصات بين المجموعة الأوربية والدول الأعضاء. (معاهدة ماستريخت Traité Maastricht لسنة 1992).
” En 1990, le rapport “Giscard d’Estaing” proposait d’insérer ce principe dans les traités fondamentaux dans les termes suivants : Au cas ou des compétences ne sont pas exclusivement ou complètement dévolues à la communauté, celle-ci n’agit que si son intervention est plus efficace que celle des Etats membres pris séparément. Finalement, le principe de subsidiarité a été intégré au traité de Maastricht en 1992 “.
أشار لهذه الفكرة
– Jacques TOULEMONDE, “Peut-on évaluer la subsidiarité ? Eléments de réponse inspirés de la pratique européenne”, R.I.S.A., volume 62, 1992,
[28] يشير الفصل 146 من الدستور المغربي لسنة 2011 على أنه سيتم وضع قانون تنظيمي تحدد من خلاله الاختصاصات الذاتية لفائدة الجهات و الجماعات الترابية الأخرى، و الاختصاصات المشابهة بينها وبين الدولة والاختصاصات المنقولة إليها.
[29] Janicot LAETITIA, ” Réflexions sur la notion de compétences propres appliqués aux collectivités territoriales en droit français “, A.J.D.A., 6 septembre 2004, p.1574.
[30] Jean-François BRISSON, ” Les nouvelles clefs constitutionnelles de répartition matérielle des compétences entre l’Etat et les collectivités locales “, A.J.D.A., 24 mars 2003, p.530.
[31] ينص الفصل 143 من الدستور الحالي على أنه “لا يجوز لأي جماعة ترابية أن تمارس وصايتها على جماعة أخرى . تتبوأ الجهة، تحت إشراف رئيس مجلسها، مكانة الصدارة بالنسبة للجماعات الترابية الأخرى، في عمليات إعداد وتتبع برامج التنمية الجهوية، والتصاميم الجهوية لإعداد التراب، في نطاق احترام الاختصاصات الذاتية لهذه الجماعات الترابية”
[32] في هذا الإطار يندرج توحيد النظام الانتخابي للجماعات الترابية في الاقتراع العام المباشر، حيث يشير الفصل 135 من دستور 2011 إلى أن “الجماعات الترابية أشخاص اعتبارية خاضعة للقانون العام، تسير شؤونها بكيفية ديمقراطية.
تنتخب مجالس الجماعات والجهات بالاقتراع العام المباشر…”
[33] الفصل 31 من الدستور المغربي لسنة 2011 ينص على أن” تعمل الدولة و المؤسسات العمومية والجماعات الترابية، على تعبئة كل الوسائل المتاحة، لتيسير استفادة المواطنات و المواطنين، على قدم المساواة من الحق في:
– العلاج والعناية الصحية،
– الحماية الاجتماعية و التغطية الصحية، و التضامن التعاضدي أو المنظم من لدن الدولة،
– الحصول على تعليم عصري ميسر الولوج وذي جودة ،
– التنشئة على التشبث بالهوية المغربية، والثوابت الوطنية الراسخة،
– التكوين المهني والاستفادة من التربية البدنية و الفنية،
– السكن اللائق،
– الشغل والدعم من طرف السلطات العمومية في البحث عن منصب شغل، أو في التشغيل الذاتي،
– ولوج الوظائف العمومية حسب الاستحقاق ،
-الحصول على الماء والعيش في بيئة سليمة،
– التنمية المستدامة. “
[34] الفصل 142 من دستور المملكة المغربية لسنة 2011″ يحدث لفترة معينة و لفائدة الجهات صندوق للتأهيل الاجتماعي، يهدف إلى سد العجز في مجالات التنمية البشرية، و البنيات التحتية الأساسية والتجهيزات .
يحدث أيضا صندوق للتضامن بين الجهات، بهدف التوزيع المتكافئ للموارد، قصد التقليص من التفاوتات بينها”.
[35] إن الاعتراف بوجود سلطة تنظيمية محلية في إطار دولة موحدة أثار نقاشا فقهيا بدت بوادره الأولى في فرنسا بصدور قانون توزيع الاختصاص في 7 يناير 1983، ومنذ انعقاد مؤتمر 1983 Angers الذي كان موضوعه الأساسي يتمحور حول الوظيفة العمومية الجماعية.
وقد انقسمت أراء الفقه في اتجاهين اثنين، اتجاه واسع مريد لفكرة ضرورة تمتع الجماعات الترابية بسلطة تنظيمية خاصة بها مستقلة، واتجاه أخر مقيد لمجال السلطة التنظيمية للجماعات الترابية . والخلاصة إلتي يمكن استخلاصها من خلال هذين الموقفين هو إمكانية توفر الجماعات الترابية على سلطة تنظيمية محلية ثانوية ومقيدة خاضعة لرقابة القضاء ولتدخل وتأطير السلطة التنظيمية الوطنية، وبضرورة التنصيص على السلطة التنظيمية للجماعات الترابية في صلب الدستور كحماية وضمانة اتجاه السلطة التنظيمية الوطنية والمشرع، وبضرورة تقاسم المجال التنظيمي بين المستوى المركزي والجماعات الترابية.
[36] Fabrice ROBERT, ” La loi organique sur l’autonomie Financière des collectivités locales “, regards sur l’actualité, n° 307, 2005, p. 41.
– Abdellah HARSI, ” Gestion démocratique et pouvoir financier communal “, Revue de droit et d’économie, spécial le droit constitutionnel et finances publiques marocaines, n° 20, 2003, p.285.
[37] Loïc PHILIP, “Les garanties constitutionnelles du pouvoir financier local “, R.F.D.A., mai-juin 1992, p.454.


