تحديات الإدارة المغربية في أفق الدستور المغربي الجديد

د. محمد بحار

دبلوم دراسات عليا في القانون العام،

باحث في القانون الإداري

عرف العالم العربي وما يزال، حراكا شعبيا يطالب بحق المشاركة في الشأن العام، حراكا فعال وقادرا على التنظيم داخليا من طرف ساكنة فتية وهم الشباب، وأيضا متعلمة ومتطورة تستعمل آخر التكنولوجيات، غير أنه يعاني من البطالة وضعف الحرية والديمقراطية والحقوق الأساسية في مواجهة حكومات لم تستطع تحسين الوضعية الاقتصادية والاجتماعية.

فالدول العربية ومنها المغرب تبحث عن نموذج للدولة التنموية ينهض على عقد اجتماعي جديد من المسائلة المتبادلة، ويعني ذلك أن تصبح الدولة أكثر استجابة وخضوعا للمساءلة من قبل المواطن ،والهدف الحد من الفقر وخلق التنوع الاقتصادي والوظائفي والأمن الغذائي، حيث العدالة الاجتماعية والإنصاف والمساءلة، متطلبات أساسية لتحقيق هذه الأهداف.

تقف المؤسسات العامة أو الدولة بشكل عام في المخيل الجمعي في الواجهة، بين مطالب هذه الفئات وحقوقهم، لذلك أصبح من الضروري تأهيل هذه المرافق والمؤسسات ذات الشأن العام حتى تحقق الغرض المخصص لها وهو تحقيق الخدمة العامة وهذه النقطة ستشكل جوهر هذه الدراسة.

إن الصورة القاتمة والتي توسف بها المسلحة العامة اليوم، يجب تغييرها لما فيه خير للمواطن، مع فكرة جوهرية وهي أن التحول الديمقراطي يحتاج إلى تظافر جميع الفعاليات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية، بل هي عملية مركبة ومعقدة وتمس كافة جوانب الحياة اليومية وفوق ذلك تهدف إلى تغيير سلوكيات أفراد المجتمع[1].

ولعل الدستور المغربي الجديد لسنة 2011 وما تضمنه من تطور قانوني وحقوقي وباعتراف المنتظم الدولي في مجال الحقوق المدنية، السياسية، الاقتصادية، الاجتماعية والبيئية والتنموية يعد إضافة قانونية مهمة، بل إطارا هيكليا لمجموعة من المؤسسات التي أصبحت دستورية تعتني بالحكامة الجيدة، التي تنطلق من فكرة جوهرية وهي المشاركة في تسيير الشأن العام بكل شفافية، لهذا سندرس تحديات الإدارة المغربية في أفق الدستور المغربي الجديد أو نتساءل عن مدى مسايرة الإدارة المغربية للتطور القانوني والحقوقي لمضامين الدستور المغربي الجديد.

المطلب الأول: حال الإدارة المغربية

توصف الإدارة المغربية اليوم بالجمود وضعف الخدمات وغياب المسؤولية والفساد، وهي صفات اكتسبت تاريخيا منذ زمن طويل جدا، بالمقابل أصبح المواطن اليوم يتطلع إلى خدمات مهمة جديدة وبجودة عالية مع التركيز على نقطة جوهرية وهي أن التطور الحقوقي والقانوني لمطالب الساكنة يتجاوز التطور الإداري.

  1. إكراهات الإدارة المغربية

إن التشخيص الموضوعي والدقيق لواقع الإدارة ولمظاهر اختلالها ومواطن قوتها، تعد أول خطوة في عملية التحديث، وينطلق تطبيق مبدأ البحث عن الجودة في أي مظهر من مظاهر العمل، أول عبر التعرف على احتياجات المستفيد، وانتهاء بتقييم ما إذا كان المستفيد راضيا عن الخدمات والمنتجات المقدمة له، والهدف ضمان التطور المستمر للجودة والإنتاجية والكفاءة[2].

هناك ملاحظة جوهرية وهي أن إدخال أي مبدأ جديد قي المؤسسة يتطلب إعادة تشكيل لثقافة تلك المؤسسة، حيث أن قبول أو رفص أي مبدأ يعتمد على ثقافة ومعتقدات الموظفين في المؤسسة، فتحديث الإدارة هو شأن كل القطاعات يقوم على إرادة سياسة وعلى رؤية موحدة ومشتركة، ومن أهم الإكراهات التي تتصف بها الإدارة المغربية نجد ما يلي:

  • ضعف آليات التنسيق عند إنجاز المشاريع المشتركة بين الوزارات على المستوى المركزي والمحلي كأحد المؤشرات الكبرى لغياب رؤية موحدة ومشتركة لتحديث وتحسين أداء القطاع العام.
  • كما يضاف إلى ذلك تمركز المصالح والسلطات والوسائل، بالمقابل ضعف الإمكانات والمردودية للمصالح الخارجية، في حين يساهم تعقيد المساطر والإجراءات الإدارية وكذا التضخم في عدد الوثائق التي تطلب من المواطنين في ضعف الخدمة العامة [3].

عدم إشاعة ثقافة تقييم السياسات العمومية وبرامج التطوير والاعتماد أكثر على نظام التدبير المرتكز أساسا على المراقبة أو المطابقة أو الملائمة مع المقاومة التي يعرفها التغيير والتحديث.

لذلك جاءت المناظرة الوطنية لإصلاح الإدارة المغربية لسنة 2002 تحت عنوان «الإدارة المغربية في أفق سنة 2010» وفتحت ورش الإصلاح الإداري في شتى الميادين أهمها:

  • تعقد الإجراءات الإدارية والمساطر الإدارية؛
  • عقلنة تدبير الموارد البشرية وترسيخ القيم الأخلاقية بالمرفق العام [4].

وذلك من خلال الأبواب السبعة للمناظرة الوطنية للإصلاح الإداري وهي:

  • دعم اللاتركيز وإعادة تحديث مهام الإدارة؛
  • دعم الأخلاقيات بالمرفق العام لغياب الثقة في الإدارة؛
  • تحسين علاقة الإدارة بالمتعاملين معها؛
  • تدبير وتأهيل الموارد البشرية؛
  • إصلاح منظومة الأجور في الوظيفة العمومية؛
  • تبسيط المساطر والإجراءات الإدارية؛
  • تنمية استعمال التكنولوجيا والمعلومات والاتصال.

هذه الأبواب السبعة أهم الإشكالات والمعوقات التي تعتري الإدارة المغربية والتي تحتاج لحلول آنية مستعجلة، تراعي الخصوصية المغربية خاصة وأن هناك عوامل محفزة لإصلاح الإدارة وتحديثها تتمثل في تطور السياق الاجتماعي الداخلي نتيجة ساكنة أكثر إلحاحا ووعيا بحقوقها وواجباتها يضاف إلى ذلك ديناميكية وتطور الحياة السياسية الإقليمية والدولية لذلك أصبح من الضروري مسايرة الإصلاحات والأوراش الكبرى المعتمدة.

هناك التزام صريح بتحديث الإدارة والخدمة العامة ضمن البرامج الحكومية المقدمة أمام البرلمان لتلبية حاجيات وانتظارت المواطنين المتنامية وتوطيدا لمستلزمات التنافسية والإنفتاحية على العالم، وأيضا الوفاء بالالتزامات الدولية فيما يخص تحديث الإدارة. يضاف اليوم مقتضيات الدستور المغربي الجديد وما جاء به من جديد في ميدان الحقوق والحريات والحكامة الجيدة ومحاربة الفساد.

ورغم إنشاء وزارة خاصة بتحديث القطاعات العامة تهتم بإعداد والسهر على تنفيذ السياسات الحكومية المتعلقة بالوظيفة العمومية وبتحديث القطاعات العامة والهدف هو تطوير وتحديث المرفق العام، ورغم الجهود المبذولة بهدف تمكين بلدنا من إدارة حديثة ومواطنة، إلا أن هذه الأخيرة ما زالت تعاني مجموعة من الاختلالات والصعوبات التي تحد من فعاليتها ومن فعالية البرامج الحكومية المسطرة لأجل تطويرها [5].

إن الارتقاء بالإدارة المغربية وتحديتها وتطوير آليات استغالها مما يجعلها مواكبة للعصر المتغير والمتجدد الذي نعيشه يتطلب إيجاد حل للآليات التالية:

  • تتمين الموارد البشرية والدفع من قدراتها؛
  • دعم سياسة القرب واللاتمركز الإداري؛
  • تحسين علاقة الإدارة بالمترفقين .

وندرس إحدى هذه المعوقات وجوهرها وهو تبسيط المساطر الإدارية.

  1. تبسيط المساطر الإدارية

جاء في تقرير المناظرة الوطنية تحت «عنوان الإدارة المغربية في أفق 2010» أنه بالرغم من المجهودات المبذولة في مجال إصلاح الإدارة المغربية من أجل تحقيق أهداف التنمية وتأطير وتفعيل مختلف أوجه الأنشطة الاقتصادية والاجتماعية التي يعرفها العالم من حوله بوثيرة أقوى، وعلى الرغم من الإرادة المعبر عنها من أجل المسي قدما في تحديث الإدارة وتطوير طاقتها التدبيرية، فإن هذه الإدارة لم تتبلور بعد في شكل مشروع إصلاحي وطني شمولي يحظى بإجماع كل الفاعلين السياسيين والاقتصاديين والاجتماعيين، حيث تميزت المحاولات في هذا الميدان بالانشطار وطغيان النظرة القطاعية مما جعلها لا تبلغ الأهداف المسطرة لها.

ونظرا لكون المساطر الإدارية تعتبر أدوات لتنفيذ القوانين والتنظيمات الجاري بها العمل وممارسة الصلاحيات والسلطات المخولة للجهاز الإداري وباعتبارها القناة الرئيسية التي من خلالها يتم تقديم الخدمات للمواطنين والمستثمرين وكذا الوسيلة الأساسية للتدخل في عملية التنمية فقد أصبح من اللازم إعادة النظر في منظومة هذه المساطر بجعلها تستجيب لمتطلبات سرعة النمو ومقاييس جودة الخدمة بالمرافق العامة.

إشكالية التعقيد الإداري

لقد أدى تضخم الهياكل والقواعد القانونية وتكاثر المسالك والمساطر الإدارية والتسيير الانفرادي وكثرة الوثائق إلى بطء سير الإدارة في اتخاذ القرارات مما يجعلها تتسم بالرتابة والروتين وضعف الخدمات [6].

أما الإفراط في اللجوء إلى استعمال السلطة التقديرية للمسؤولين على المصالح الإدارية يكون سببا في تعقيد المساطر وتفشي الممارسات السلبية من الرشوة واستغلال النفوذ والتسويف، مما أفقد الإدارة مصداقيتها لدى المتعاملين معها.

إن ارتباط المساطر الإدارية بطبيعة الهياكل الإدارية والموارد البشرية والنصوص القانونية وتنظيم العمل والسلوكيات داخل الإدارة تجعل من التعقيد الإداري إشكالية متعددة المظاهر تتجلى في:

  • تعدد المساطر الإدارية وتشعبها؛
  • وجود مساطر غير متماسكة وغير واضحة لدى المتعاملين معها وحتى لدى المتدخلين فيها في غياب تسميم هيكلي للمساطر؛
  • مساطر متجزئة ومنشطرة بين عدة وحدات إدارية؛
  • تكاثر وثائق الاستمارات والمطبوعات؛
  • مساطر بدون سند قانوني؛
  • مساطر متكررة بين عدة وحدات إدارية.

لقد أصبح من البديهي اليوم أن تبسيط المساطر الإدارية يشكل الخطوة الأولى للوصول إلى تحديث وإصلاح الإدارة ،إذ بدونه تبقى الإجراءات الرامية إلى تحسين علاقة الإدارة بالمترفقين بلا فعالية. هناك ملاحظة جوهرية أشار إليها التقرير هي أنه في غالب الأحيان يختلط التعقيد مع مشاكل تنظيمية أخرى الهياكل – السلطة) أو إنسانية من خلال السلوكيات والدوافع، ويصبح من الصعب التمييز بين هذه المشاكل أو البحث عن حلول ناجعة لها، وبقدر ما تكون التعقيدات متداخلة مع مشاكل أخرى بقدر ما تتطلب مقاربة شمولية، للخطوط الرئيسية اللازم اتخاذها لحصر ظاهرة التعقيد بشكل جدي وإرساء قواعد التبسيط في العمل الإداري.

لذلك يجب اقتراح الحلول الناجعة لمعالجة الظاهرة من خلال المعالم التالية:

  • الزمن، بالتقليص من آجال تنفيذ المساطر الإدارية.
  • التكلفة، بتخفيض التكلفة الناتجة عن تعقيد المساطر الإدارية.
  • الفاعلين، بالحد من عدد المتدخلين في المسطرة ومن المراحل التي تمر بها.
  • الوثائق، بالتقليص من عدد الوثائق المطلوبة من المواطنين لأجل التغلب على مواطن التعقيد للإدارة المغربية، فإن الأمر بقدر ما يتطلب تبسيط المساطر المعقدة الحالية بقدر ما يتطلب تفادي إنتاج المساطر مستقبلا، وهو نفص المسار الذي تعرفه الإدارة اليوم ولكن بوثيرة ضعيفة وبنتائج غير واضحة.

إن عملية إصلاح الإدارة العامة وبشكل عام، ورغم أنه هام جدا فغالبا ما يعرف نجاحا نادرا لذلك يجب القيام بإصلاحات كبيرة في مرحلة زمنية طويلة، إصلاحات عادية جيدة وفعالة Faire court et faire simple pour bien faire، ولعل عدم استنساخ النماذج الغربية للإصلاح أهم الخلاصات لأن لكل مجتمع خصوصيته الثقافية والاقتصادية والقانونية وهذا عبر توصيات تتضمن الحكامة وحقوق الإنسان والهدف الوصول إلى أهداف الألفية للتنمية[7]، حيث جاء في إعلان الألفية أن الحكامة والديمقراطية في الإدارة العامة يعدان مكونان رئيسيان لتحقيق أهداف الألفية بل شركاء لعملية التنمية الإنسانية الدائمة.

المطلب الثاني: البحث عن الحكامة الجيدة

نشأ مصطلح الحكامة الجيدة في الحقل الاقتصادي واقترن بنمط التدبير الداخلي للمقاولة، ووظف في مجال العلاقات الدولية خاصة المؤسسات المالية الدولية بظهوره في تقارير البنك وكذا برامج الأمم المتحدة في سياق إعادة اقتصاد الدول النامية والإصلاحات المؤسساتية لتأمين نجاح البرامج والمشاريع الاقتصادية الممولة برأسمال أجنبي.

ثم انتقل المصطلح إلى مجال العلوم السياسية، واقترن بنمط تدبير الشأن العام المحلي، كما ارتبط بشروط تعزيز النسيج الجمعوي وتأهيل المجتمع المدني، ففتح آفاقا جديدة لعلاقة الدولة بالمجتمع باعتبار الحكامة رؤية جديدة لهذه العلاقة قائمة على أساس التكامل والمشاركة وتقاسم الأدوار.

فهي إذن يمكن تعريفها على أنها أي الحكامة إعادة صياغة العلاقة بين كل المتدخلين على أساس مفهوم التعاقد والتشارك والتوافق وهي مقاربة ورؤية وفلسفة جديدة للتغيير لها مضمون اقتصادي، مالي ،اجتماعي باعتبارها أكثر نجاعة لتدبير الشأن العام[8].

وإذ كان أصل كلمة الحكامة الجيدة، قديم جدا حيث نجدها عند أرسطو حينما تحدث في تعريفه للدولة على أن يحكمها حاكم عادل ومنصف، فإن مفهوم الحكامة يستعمل اليوم لتحديد مسلسل اتخاذ القرار وتطبيقها في مختلف المجالات مثل الحكامة بالشركات والحكامة الدولية والوطنية والمحلية.

ورغم تعدد المفاهيم فهي لا تعدو أن تكون مرادفة للحكم الجيد، وأخذ الفكر السياسي فكرة الحكامة والتي كانت بالشركات في مرحلتين.

مرحلة أولى سنوات 1980 وهي المرحلة التي عرفت تطور الفكر السياسي مع إعادة النظر في دور الدولة خاصة بالدول الأنكلوساكسونية، حيث الفكرة تقوم على تقليص اختصاصات الدولة غير الإستراتيجية لفائدة فاعلين آخرين.

مرحلة ثانية سنوات 1990 وما يليها مرحلة أزمة الدولة في ضمان مشروعيتها ووضع سياسات عامة لتحقيق الحاجيات الاقتصادية والاجتماعية.

إن الحكامة الجيدة تهدف إلى جعل العملية السياسية أكثر نجاعة وقرب من المسلحة العامة وبالتالي أكثر مشروعية، فهناك نموذج موحد للحكامة لكن هناك أكثر من أنظمة للحكامة [9].

اعتبر جون فرانسوا شنترود Jean Francoie Chantaroud أن الحكامة مجموعة القواعد والمناهج المنظمة للفكر والقرار ومراقبة تنظيم القرارات في تنظيم اجتماعي معين.

« L’ensemble des règles et méthodes organisant la réflexion la décision et le contrôle de l’application des décisions au sein dun Corp social ».

هناك مؤشرات عالمية للحكامة الجيدة تتمثل في المعطيات التالية:

  • مراقبة الفساد.
  • دولة الحق .
  • نجاعة الحكامة .
  • جودة الخدمات.
  • الاستقرار السياسي وغياب العنف[10].

لذلك اعتبر كوفي عنان الحكامة الجيدة هي الطريق السليم والوحيد للقضاء على الفقر ودعم التنمية.

الحكامة الجيدة والتنمية

نشأت العلاقة بين مفهوم الحكم والتنمية الإنسانية المستدامة منذ مدة بعيدة واعتبر الحكم الرشيد بمثابة الضامن لتحويل النمو الاقتصادي إلى تنمية إنسانية مستدامة مع العلم أن مفهوم التنمية مر بأربعة مراحل وهي:

  • المرحلة الأولى: جرى التركيز على النمو الاقتصادي.
  • المرحلة الثانية: جرى التركيز على التنمية البشرية.
  • المرحلة الثالثة: جري التركيز علي التنمية البشرية المستدامة.
  • المرحلة الرابعة: جرى التركيز على التنمية الإنسانية بمعناها الشامل.

واقترن هذا التطور بإدخال مفهوم الحكامة في أدبيات الأمم المتحدة ومؤسسات بريتون وودز ،ولعل السبب في ذلك يعود إلى أن بعص البلدان التي حققت نمو اقتصادي لم تستطع أن تحقق تحسن في مستوى غالبية السكان، وهكذا فإن تحسن الدخل القومي لا يعني تلقائيا تحسين نوعية حياة السكان.

لذلك أصبح النمو الاقتصادي ليس غاية في حد ذاته بل وسيلة لتحقيق التنمية، ومن واجب الحكم الصالح أن يتأكد من تحقيق المؤشرات النوعية لتحسين حياة الناس، وهذه المؤشرات تتعدى الجوانب المادية ليندرج فيها، العلم والصحة والثقافة والكرامة الإنسانية والمشاركة، وعدالة التوزيع والاستدامة[11].

إن علاقة التنمية بالحكم الصالح أو الرشيد يمكن قراءتها من خلال ثلاث زوايا.

  • وطنية: تشمل الحواضر والقرى وجميع الطبقات الاجتماعية والفئات بما فيها الرجل والمرأة.
  • عالمية: التوزيع العادل للثروة بين الدول الغنية والفقيرة وعلاقات دولية تتسم بقدر من الاحترام والتراث الإنساني المشترك.
  • زمنية: مراعاة مصالح الأجيال الحالية واللاحقة [12].

ووفقا لهذه الزوايا، يمكن قراءة الأبعاد السياسية للحكم الصالح من خلال:

  • البعد السياسي ويعني صياغة النظام السياسي وشرعية التمثيل والمشاركة والمبادلة والشفافية وحكم القانون.
  • البعد الاقتصادي والاجتماعي بما له من علاقة بالسياسات العامة والتأثير على حياة السكان ونوعية الحياة والوحدة المادية وارتباط ذلك بالمجتمع المدني واستقلاليته.

فالإنسان يعتبر الوسيلة الأهم للتنمية وغايتها في نفس الوقت ولكي تتحقق التنمية يجب التصدي لأهم أعدائها وهي سوء الإدارة، حيث من ضمن مقتضيات التنمية البحث عن العناصر البشرية القادرة على تولي المهام والقيادة التي يشترط بها النزاهة والمصداقية والتحلي بالوطنية والاستقامة.

  • ولعل التجربة اليابانية بعد الحرب العالمية الثانية نموذج يتحدى به، حيث وسع اليابانيون الخطط والبرامج للنهوض، وابرز المسارات هو اللجوء إلى التربية، لقد وصل الشعب الياباني إلى هذا المستوى الرفيع من التقدم والرقي والازدهار بسبب اهتمام قادتهم بتدريس مادة تسمى التربية الأخلاقية، تدرس في جميع مراحل التعليم نظريا وعمليا وهي تهدف إلى تربية الإنسان الياباني ذاتيا على عدة مفاهيم أهمها:
  • الإخلاص والإنظباط والدقة والتفاني عند قيامه بأي عمل من الأعمال.
  • الاعتدال في كل أمر من أمور الحياة.
  • الحرص والشجاعة في مواجهة الحياة.
  • الفهم العميق لمفهوم الحرية.
  • السعي الدؤوب إلى تطوير الذات بصفة دائمة ومستمرة.
  • حب البحث والاطلاع والقراءة من أجل الوصول إلى الحقيقة.
  • احترام قيم العمل وحبه وتقديره والتفاني فيه.
  • الإسهام بكل قوة في بناء وتطوير المجتمع الذي يوجد به الفرد.
  • احترام القواعد العامة والقوانين المنظمة لشؤون المجتمع واحترام كل من يتفانى من أجل إسعاد أعضاء هذا المجتمع احترام ثقافة الآخر والتفاني في خدمته.

السعي لتعزيز مفهوم الصداقة بين شعوب العالم [13].

لذلك نرى أن الإصلاح الإداري هو إزالة الأخطاء والمعوقات وإعادة التقييم والتقويم وفرض التغيير الذي يقود نحو الأفضل، ويحقق الأهداف التي وسعت ولم تتحقق.

  1. الحكامة الجيدة ومحاربة الفساد

لعل من أهم المؤشرات لغياب الحكامة الجيدة، وجود الفساد بشتى أنواعه وتزايده، ويعد الفساد مسألة تدبير حكومي بالدرجة الأولى، أي مسألة فشل المؤسسات في أداء مهمتها، لذلك يجب نهج استراتيجيات وسياسات لإعادة بناء جوهر فعالية الوظيفة العامة وقدراتها وأدائها ونزاهتها وصورتها، فتكلفة الفساد كبيرة تتمثل في سوء تخصيص الموارد انخفاض الاستثمارات، ضعف المنافسة وقلة كفاءة الابتكار، سياسات لا تستجيب لرغبات المواطنين، نقص فرص العمل، تزايد الفقر … [14].

أما أسباب الفساد فعديدة أهمها: قوانين ولوائح غير واضحة ومعقدة، وسرعة تغييرها، انعدام الشفافية والمساءلة، انعدام المنافسة، انخفاض أجور العاملين في القطاع العام وأجهزة الدولة، عدم كفاية وتوافق القوانين واللوائح وعدم تطبيقها بشكل عادل.

أما طرق مكافحة الفساد متعددة من أهمها:

  • إعداد قوانين وقواعد سليمة؛
  • تبسيط القوانين الضريبية؛
  • البدء في إصلاح منظومة العمل في التسيير الحكومي؛
  • وضع قواعد واضحة لتضارب المصالح بالنسبة للقطاع العام؛
  • توحيد معايير المحاسبة ومراجعة الحسابات؛
  • إشراك المجتمع المدني؛
  • توسيع إمكانية الحصول على المعلومات؛
  • دعم وسائل الإعلام وحملة دعائية ضد الفساد؛
  • العناية بتحسين القيادة بهدف دعم الشفافية واقتلاع السلوك الفاسد.
  1. الحكامة الجيدة والحق في الإدارة الجيدة

في أواخر سنة 1990 ربط البنك الدولي بين قيمة نظام الحكم بدولة ما وقدرتها على تحقيق التطور الاقتصادي والاجتماعي، بل أكثر من ذلك وضع البنك الدولي الحكامة الجيدة كعنصر أساسي وضروري في استراتيجياته للتنمية وأشار إلى الأبعاد الاقتصادية للحكامة الجيدة والملائمة من خلال التسيير الجيد للتنمية والتي عادة ما تقرن بالإدارة الجيدة من خلال حقوق مسطرية واضحة حيث خرقها يمكن المتضرر من اللجوء إلى القضاء[15].

لذلك عرف البنك الدولي الحكامة الجيدة على أنها الطريقة التي تمارس بها السلطة في تسيير الموارد الاقتصادية والاجتماعية لصالح التنمية.

« La manière dont le pouvoir est exercé dans la gestion des ressources économiques et sociales d’un pays pour le développement ».

سنة 2007 أضاف البنك الدولي في تعريفه للحكامة الجيدة على أنها ضد الفساد وتحقيق الخدمات الجيدة وهي الطريقة التي تمارس بها المؤسسات والمسؤولين السلطة لتحديد السياسات العامة وتقديم الخدمات.

« La manière dont les institutions et les responsables publics obtiennent et exercent le pouvoir de définir les politiques publiques et fournissent des bien et des services ».

عرف مفهوم الحكامة الجيدة بأوربا تطورا كبيرا حيث بقمة فرسوفيا لسنة 2005 اعتبر الدول الأعضاء بالمجلس الإداري أن ديمقراطية حقة تعد حكامة جيدة في شتى المجالات في مواجهة النزاعات ودعم الاستقرار والتطور الاقتصادي والاجتماعي في حين أن برنامج الأمم المتحدة للتنمية اعتبر الحكامة الجيدة والتنمية مترابطين، فالحكامة لا تعدوا أن تكون إلا المشاركة والشفافية والمسؤولية وهي توازي الفعالية والإنصاف ودعم دولة الحق والقانون.

لذلك فهي تنطلق من فكرة أساسية جوهرية وهي أن الأولويات السياسية والاجتماعية والاقتصادية مؤسسة من خلال توافق وطني في المجتمع بل أكثر من ذلك أصوات الفقراء والأكثر فقرا مسموعة في اتخاذ القرار وتوزيع الخيرات. فهناك تداخل بين مجموعة مبادئ بين الحكامة الجيدة ومحاربة الفساد والتنمية الإنسانية والإدارة الجيدة لذلك وسعت الهيئة الاقتصادية والاجتماعية للأمم المتحدة الخاصة بآسيا والمحيط الهادي UNESCAP المميزات الضرورية للحكامة الجيدة وهي:

دولة الحق والقانون، المشاركة والإنصاف، البحث عن التوافق، الشفافية، خدمة وإدارة جيدة في أجل معقول، التسيير الجيد للمؤسسات الذي يجب أن يعبر عن مصالح المواطنين، نشر التقارير في إطار الشفافية.

فيما يخص الحق في الإدارة الجيدة وتحت عنوان الحق في إدارة جيدة أشارت المادة 41 من ميثاق حقوق الإنسان الأوروبي إلى ما يلي:

  • كل إنسان له الحق أن يرى مصالحه تتحقق بشكل منصف وعادل في آجال معقول، هذا الحق يتضمن أيضا:
  • كل شخص له حق الإنصات قبل اتخاذ أي تدابير إدارية ضده؛
  • كل شخص له حق الولوج إلى الملفات الخاصة به في إطار احترام المصالح العامة والحياة المهنية؛
  • كل إدارة ملزمة بتعليل قراراتها؛
  • كل مواطن له حق التعويض من طرف الإتحاد الأوروبي عن الضرر الذي يمكن أن تحدثه المؤسسات الإدارية داخل الإتحاد؛
  • كل مواطن له حق اللجوء إلى مؤسسات الاتحاد بأية لغة معترف بها من طرف الاتحاد وله حق الحصول على الرد وبنفص اللغة .

كما تبنت لجنة الوزراء لمجلس أوروبا مجموعة من التوصيات خاصة بالحق في الإدارة الجيدة أهمها:

  • تطبيق السلطة الإدارية دون تمييز.
  • الولوج إلى المعلومات.
  • المسؤولية الإدارية.
  • نشر المساطر الإدارية التي تهم أكبر عدد من المتدخلين.

ومن خلال توصيات مجلس أوروبا لسنة 2007، اعتبر أن الإدارة الجيدة جزء من الحكامة الجيدة منطلقة من خلال المبادئ التالية:

  • مبدأ المساواة؛
  • آجال معقولة للرد؛
  • الشفافية؛
  • المشاركة؛
  • احترام الحياة الخاصة [16].

نفس المبادئ اعتمدها البرلمان الأوربي في المدونة الأوربية لحسن السير الإداري في قراره بتاريخ 6 ديسمبر 2001.

نخلص أنه بأوروبا ليس هناك اتفاق موحد حول مبادئ الحكامة الجيدة وباستثناء الشفافية والمسؤولية فهناك مفهوم للحكامة مختلف بين الدول الأعضاء، فالحكامة الجيدة والتي تضم أيضا الإدارة الجيدة تتكون من مجموعة عناصر أهمها: المسؤولية، الشفافية، القدرة على تحقيق حاجيات المواطنين، المشاركة، دولة الحق والقانون، العدالة والإنصاف محاربة الفساد، حماية حقوق الإنسان ،تبسيط المساطر الإدارية.

لكن تبقى المسؤولية والشفافية والمشاركة أهم العناصر الأكثر تداول وإن كانت لها تفسيرات مختلفة حسب المجال الذي قد يستعمل فيه، وتبقى النقطة المثيرة للجدل هي هل الحكامة الجيدة وسيلة للوصول إلى هدف معين، مثلا حماية حقوق الإنسان أو الرفاهية الإنسانية أو هي الهدف في حد ذاته فهناك تداخل وتكامل بين التفسيرين.

أما مفهوم الإدارة الجيدة فهو معترف به بأوروبا كقاعدة قانونية وأيضا كحق من الحقوق، بل الحكامة الجيدة لا يمكن أن توجد إلا في مجتمعات تضم مؤسسات ومسلسل ديمقراطي محترم وشفافية ومسؤولية، وأيضا سلطات تطبق وتحترم حقوق الإنسان.

المطلب الثالث: قراءة في الدستور المغربي الجديد

جاء الدستور المغربي الجديد لسنة 2011، بعد استفتاء شعبي، مدونا لأهم مطالب الأحزاب والجمعيات والهيئات هذه المطالب تتمثل في دسترة أهم توصيات هيئات الحكامة الجيدة والجهوية المتقدمة، كالارتقاء بالقضاء إلى سلطة مستقلة ،أيضا دعم الحقوق الأساسية والمساواة وهو بحق فكر نبيل يحتاج إلى تطبيق سليم [17].

وباعتراف المنظمات الدولية اعتبر الدستور المغربي الجديد أنه بحق يشكل تطورا حقوقيا جيدا ذا جودة عالية، مضمن في أعلى وثيقة رسمية للدولة، هذا الدستور تم فيه سرد مجموعة من الحقوق والواجبات التي للمواطن، حقوق بمثابة واجبات على السلطات العامة أو المؤسسات العامة.

حيث أشارت المادة السادسة منه إلى أهم مبدأ قانوني تقوم عليه القاعدة القانونية كيفما كانت درجتها وهو مبدأ المساواة أمام القانون، حيث القانون هو أسمى تعبير عن إرادة الأمة والجميع أشخاص ذاتيين أو اعتبارين بمن فيهم السلطات العامة متساوون وملتزمون بالامتثال له.

كما أشار إلى مبدأ التشارك والتشاور في إعداد السياسات العمومية، حيث تعمل هذه الأخيرة على إحداث هيئات للتشاور قصد إشراك مختلف الفاعلين الاجتماعيين في إعداد السياسات العمومية وتفعيلها وتفييدها وتقييمها، بل أكثر من ذلك للمواطنين والمواطنات طبقا لمقتضيات المادة 14 و 15 من الدستور الحق في تقديم اقتراحات في مجال التشريع وتقديم عرائض إلى السلطات العمومية وهذه من المقتضيات الجديدة، في الدستور الجديد.

يضاف إلى ذلك أن للفرد الحق في الحياة الخاصة (الفصل 30 من الدستور) وحقوق مدنية وسياسية تتضمن في الحق في السلامة الشخصية له ولأقربائه وحماية ممتلكاته[18].

بل لكل شخص الحق في حماية حياته الخاصة، حرية الفكر والرأي والتعبير بكل أشكالها حرية الإبداع والنشر والعرض في مجالات الإبداع الأدبي والفني والبحث العلمي والتقني، بل أن السلطات العمومية وبالوسائل الملائمة لها أن تدعم تنمية الإبداع الثقافي والفني والبحث العلمي والنهوض بالرياضة.

كما تسعى إلى تطوير تلك المجالات وتنظيمها بكيفية مستقلة وعلى أساس ديمقراطية مهنية مضبوطة [19].

للمواطنين حق الحصول على المعلومات الموجودة في حوزة الإدارة العمومية والمؤسسات المنتخبة والهيئات المكلفة بمهام المرفق العام، وهذه هي الإضافة التي جاء بها الدستور المغربي، وهي أكبر تحدي لدى الإدارة والحكومات المتعاقبة مند دخول حيز التنفيذ الدستور المغربي الجديد [20].

وتبقى جملة الحقوق الاقتصادية والبيئية والتنموية أهم إضافة جديدة، إضافة قانونية تشكل التزام قانوني أمام المؤسسات نجده في أحكام المادة 31 والتي تعمل فيه الدولة والمؤسسات العمومية والجماعات الترابية على تعبئة كل الوسائل المتاحة لتسيير أسباب استفادة المواطنين والمواطنات على قدم المساواة من الحقوق التالية:

العلاج والعناية الصحية؛

الحماية الاجتماعية والتغطية الصحية والتضامن ألتعاضدي أو المنظم من لدن الدولة؛

الحصول على تعليم عصري ميسر الولوج ودي جودة؛

التنشئة على التشبث بالهوية المغربية والثوابت الوطنية الراسخة؛

التكوين المهني والاستفادة من التربية البدنية والفنية؛

السكن اللائق؛

الشغل والدعم من طرف السلطات العمومية في البحث عن منصب شغل أو في التشغيل الذاتي؛

ولوج الوظائف العمومية حسب الاستحقاق؛

الحصول على الماء والعيش في بيئة سليمة؛

التنمية المستدامة.

هذه الترسانة القانونية من الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والتنموية والبيئية لها ضابط إن صح التعبير، حيث على جميع المواطنين احترام الدستور والتقيد بالقانون، ويتعين عليهم أيضا ممارسة الحقوق والحريات التي يكفلها الدستور بروح المسؤولية والمواطنة المسؤولة التي تتلازم فيها ممارسة الحقوق بالنهوض بأداء الواجبات، أيضا المساهمة في الدفاع عن الوطن، ووحدته الترابية اتجاه أي عدوان او تهديد، وأيضا على الجميع أن يتحمل كل على قد استطاعته التكاليف العمومية التي للقانون وحده إحداثها وتوزيعها وفق الإجراءات المنصوص عليها في الدستور[21] وبصفة تضامنية على الجميع أن يتحمل بشكل يتناسب مع الوسائل التي يتوفرون عليها، التكاليف التي يتطلبها تنمية البلاد، وكدا تلك الناتجة عن الأعباء الناجمة عن الآفات والكوارث الطبيعية التي تسيب البلاد.

فالإدارة المغربية اليوم ومع المقتضيات المنصوص عليها في الدستور، أصبحت أمام تحديات كبرى تتمثل في ضمان تلك الحقوق والحريات والسهر على تحقيقها وبكيفية جيدة، تطبعها الحكامة الجيدة، فالمواطن المغربي للحصول تلك الحقوق والحريات لن يجد أمامه إلا الدولة بشكل عام والمؤسسات العامة والجماعات الترابية، فكيف يمكن تحقيق ذلك بالجودة والشفافية والحكامة.

خاصة وأن التطور الدستوري المهم يتجلى في تدوين مبادئ الحكامة ومؤسساتها في الدستور المغربي لسنة 2011، ومن أهم مبادئ الحكامة الجيدة، المساواة بين المواطنين والمواطنات في الولوج إلى المرافق العمومية والإنصاف في تغطية التراب الوطني والاستمرارية في أداء الخدمات، أولى الملاحظات الجوهرية أن المرفق العام ببلدنا يفتقد إلى هذه العناصر خاصة الإنصاف في تغطية التراب الوطني، حيث الخدمات الكبرى ما زالت مركزة بالعاصمة الإدارية أو العاصمة الاقتصادية، ربما الجهوية الموسعة كورش قد يجد حلا لهذه المعضلة، لذلك يجب أن تخضع المرافق العمومية لمعايير الجودة والشفافية والمحاسبة والمسؤولية وتخضع في تسييرها لمبادئ الديمقراطية التي أقرها الدستور.

هذا الالتزام يطال حتى أعوان المرافق العمومية الذي يشترط أن يمارسوا وظائفهم وفقا لمبادئ القانون والحياد والشفافية والنزاهة والمسلحة العامة، كما أضاف الدستور مقتضيات جديدة ومتطورة مرتبطة بالتسيير الإداري للمرافق العمومية، حيث تتلقى هذه الأخيرة ملاحظات مرتفقيها واقتراحاتهم وتظلماتهم وتؤمن تتبعها، ويبقى جوهر الدستور المغربي هي أحكام المادة 157 التي أشارت إلى ضرورة صياغة ميثاق المرافق العمومية يحدد قواعد الحكامة الجيدة المتعلقة بتسيير الإدارات العمومية والجماعات الترابية والأجهزة العمومية.

لقد أسس الدستور لعهد قانوني جديد، فبعد صياغة مجموعة القواعد الحقوقية في الباب الثاني منه، كان لا بد من صياغة آليات دستورية تعمل على حماية تلك الحقوق وهي مؤسسات هيئات حماية الحقوق والحريات والحكامة الجيدة والتنمية البشرية والمستدامة والديمقراطية التشاركية.

كالمجلس الوطني لحقوق الإنسان، مؤسسة الوسيط، هذه الأخيرة تعد مؤسسة وطنية مستقلة ومتخصصة مهمتها الدفاع عن الحقوق في نطاق العلاقات بين الإدارة والمترفقين والإسهام في ترسيخ سيادة القانون و إشاعة مبادئ العدل والإنصاف وقيم التخليق والشفافية في تدبير الإدارات والمؤسسات العمومية والجماعات الترابية والهيئات التي تمارس صلاحيات السلطة العمومية [22].

هناك أيضا من ضمن المؤسسات مجلس الجالية المغربية بالخارج، مجلس استشاري للأسرة والطفولة، المجلس الاستشاري للشباب والعمل العمومي، والهيئات المكلفة بالتكافؤ ومحاربة جميع أشكال التمييز المنصوص عليها ولها دور مهم يتمثل في احترام الحقوق والحريات المنصوص عليها في المادة 19 مع مراعاة الاختصاصات المسندة للمجلس الوطني لحقوق الإنسان، تم هناك الهيئة العليا للاتصال السمعي البشري، مجلس المنافسة وأيضا الهيئة المركزية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها، هذه الأخيرة تتولى حسب أحكام المادة 167 من الدستور مهام المبادرة والتنسيق والإشراف وضمان تتبع تنفيذ سياسات محاربة الفساد وتلقي ونشر المعلومات في هذا المجال والمساهمة في تخليق الحياة العامة، وترسيخ مبادئ الحكامة الجيدة، وثقافة المرفق العام وقيم المواطنة المسؤولية.

يتضح مما سبق أن الإدارة المغربية أمام تحديات كبرى عبارة عن نصوص قانونية تحمي الحقوق والحريات وتعطي الإدارة والمؤسسات العامة الاختصاص بالسهر على تحقيقها، وفي أحسن الظروف وبممارسات تشكل قطيعة مع السلوك العادي والروتين واللامساواة والرشوة والبيروقراطية لتأخذ شكلا جديدا، شكلا يعتمد على الحكامة الجيدة، ومبادئها الكبرى، مبادئ القانون والحياد النزاهة والمسلحة العامة، المساواة، الإنصاف، الجودة، الشفافية المحاسبة، المسؤولية وتخضع في تسييرها للمبادئ والقيم الديمقراطية التي أقرها الدستور.

فالمعوقات التي تعترض الإدارة المغربية اليوم أصبحت متجاوزة، بل إصلاح الهياكل الإدارية وتحسين الترسانة القانونية، وتأهيل الموارد البشرية أهم تحدي اليوم، لأن التطور القانوني الذي جاء به الدستور المغربي في مجال الحقوق والحريات بشتى أنواعها، وأيضا الحكامة الجيدة، نراه اليوم يتجاوز الواقع المعاشي أو الخدمة الإدارية، لذلك يجب الانتقال وبشكل سلس إلى مرحلة تأهيل الإدارة العامة والمؤسسات بشكل عام لتحقيق مضامين الدستور، وقبل ذلك فتح ورش إصلاح المرفق العام من جديد لتقييم الحصيلة السابقة وتحيينها مع المعطيات القانونية الجديدة والظروف الإقليمية الخاصة، مع نقطة جوهرية وهي أن القاعدة القانونية تحتاج إلى تطور عرفي وسلوكي لدى غالبية الناس قبل تضمينها في وثيقة قانونية أو دستورية.

المطلب الرابع: إستراتيجية الحكومة في مجال تحديث المرفق العام

أولى الآليات التي يمكن من خلالها قراءة إستراتيجية الحكومة في موضوع تأهيل الإدارة المغربية ،تظهر لنا من خلال التصريح الحكومي لسنة 2012، لأول حكومة منتخبة بعد الدستور المغربي الجديد، والذي أكد على فكرة جوهرية وهي الإصلاح في إطار الاستقرار، حيث يقوم التصريح الحكومي على ثلاث مرتكزات سواء في وسع السياسات أو تنفيذها.

  • العمل المندمج والمتكامل.
  • المقاربة التشاركية.
  • ربط المسؤولية بالمحاسبة [23].

ومن ضمن المرتكزات التي جاء بها التصريح الحكومي:

  • ترسيخ دولة القانون والجهوية المتقدمة والحكامة الرشيدة، الضامنة للكرامة والحقوق والحريات، والأمن القائمة على المواطنة الحقة وربط المسؤولية بالمحاسبة والحقوق بالواجبات.
  • تطوير وتفعيل البرامج الاجتماعية بما يضمن اللجوء العادل إلى الخدمات الأساسية خصوصا التعليم والصحة والسكن ويكرس التضامن وتكافؤ الفرص بين الأفراد والفئات والأجيال والجهات.
  • التنزيل التشاركي والديمقراطي لمقتضيات الدستور.

أما فيما يخص إصلاح الإدارة، يهدف التصريح الحكومي إلى الرفع من الأداء والارتقاء بالمرفق العام إلى مستوى النجاعة والفعالية والمردودية العالية للقيام بواجباته المتمثلة في خدمة المواطنين وقد تم تحديد محاور أساسية لتحقيق هذه الأهداف والغايات.

  1. إعادة الثقة بين المواطن والإدارة

إن تحقيق ذلك حسب التصريح الحكومي ينطلق من خلال مواصلة تبسيط المساطر وتسيير الولوج إلى الخدمات بالإدارة العمومية مع تركيز الجهود على المساطر الإدارية الأكثر تداول وذات الاهتمام الواسع والوقع المباشر على الحياة اليومية للمواطنين والمقاولة، والصرامة في زجر المخالفات عبر التطبيق الفعلي للقانون الخاص بتعليل القرارات الإدارية والتفعيل بإصدار القانون المتعلق بالحق في الحصول على المعلومات حسب الفصل 27من الدستور.

وأيضا العمل على توفير وحدات إدارية بالإدارات العمومية للسهر على حسن استقبال المترفقين والتواصل مع المواطنين وإرشادهم وتلقي شكاياتهم ومعالجتها كما ستواصل الحكومة إنجاز خدمات إلكترونية أساسية موجهة للمواطن والمقاولة، يبقى أهم ورش في إطار الإدارة الإلكترونية هو إحداث قاعدة للربط البيني للإدارات تمكنها من التنسيق فيما بينها في إطار تقديم الخدمات العمومية للمترفق دون الرجوع إلى هذا الأخير من أجل الإدلاء بالوثائق والإثباتات تسلم من لدن إدارات أخرى.

  1. الحكامة الجيدة في التدبير الحكومي

أشار التصريح الحكومي إلى الحكامة الجيدة في التدبير من خلال ما يلي:

إصدار ميثاق المرافق العمومية يحدد قواعد الحكامة الجيدة المتعلقة بتسيير الإدارات العمومية والهيئات والجماعات الترابية الأخرى والأجهزة العمومية كما يشير إلى ذلك الفصل 157 من الدستور.

ويشمل هذا الميثاق التزامات الإدارة وأعوانها وقواعد تنظيمها وتدبيرها والقواعد المنظمة لعلاقة الإدارة بالمرتفق، وسن قواعد التدقيق الدوري وتعليل القرارات الإدارية ونشرها وقياس الأداء والجودة، عقلنة وترشيد الهياكل الإدارية لتفادي تداخل الاختصاصات وتضخم مصالح الإدارة بناءا على إنجاز عمليات تدقيق تنظيمي بصفة مستمرة.

فيما يخص الموارد البشرية فالحكومة عازمة على مواصلة الإصلاحات الهيكلية الشاملة والعميقة لمنظومة تدبير الموارد البشرية، باعتماد مناهج حديثة تأخذ بعين الاعتبار الوظائف والكفاءات وتقييم الأداء وتثمين التكوين المستمر وإعداد الكفاءة والاستحقاق والشفافية في ولوج الوظائف العمومية وتولي مناسب المسؤولية، إقرار منظومة جديدة للأجور، تحسين الأوضاع الاجتماعية للموظفين والمستخدمين بالإدارة العمومية والجماعات الترابية والمؤسسات العمومية، إرساء نظام التدبير على أساس النتائج في الإدارة العمومية مع العمل على تفعيل حركية المسؤولين في الإدارات العمومية وإرساء ممرات وقواعد واضحة وتحفيزية لإعادة الانتشار داخلها وفيما بينها وكذا بين المصالح المركزية والمصالح الخارجية .

كما تشكل مكافحة الفساد في تدبير الشأن العام محورا مهما من محاور برنامج الحكومة لذلك تعتزم الحكومة تقوية مؤسسات الرقابة والمحاسبة وتكريس استقلالها وتفعيل توصيات تقاريرها كما سيتم اتخاذ الإجراءات اللازمة لمواجهة الرشوة وذلك عبر ما يلي:

  • تحسين وتأهيل التشريع المرتبط بحماية المال العام ومكافحة الإثراء غير المشروع؛
  • وضع ميثاق وطني لمكافحة الفساد وتطوير التشريع المتعلق بالتصريح بالممتلكات؛
  • إرساء الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة المنصوص عليها في الدستور؛
  • اعتماد برنامج وطني للنزاهة وسياسات مكافحة الفساد على مستوى القطاعات الحكومية في إطار خطة وطنية مندمجة؛
  • تشجيع مشاركة عموم المواطنين في مجهود مكافحة الفساد وإقامة شراكات وطنية بين مختلف الفاعلين الاقتصاديين والاجتماعيين وبين القطاع الخاص والعام ومنظمات المجتمع المدني.

هذا ما تم تأكيده في الدورة الرابعة لمؤتمر الدول الأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد من 24 إلى 28 أكتوبر 2011 بمراكش، حيث أشار إلى ضرورة تشريع وثيرة الإصلاحات لمحاربة الفساد خاصة في مجال الوظيفة العمومية وترسيخ مبدأ المساءلة وعدم الإفلات من العقاب، تعزيز مناخ الأعمال من خلال تبسيط المساطر الإدارية والإجراءات التنافسية[24].

حيث أشارت الدورة إلى أن المملكة المغربية حققت جملة من المكتسبات القانونية تتمثل على الخصوص في المصادقة على دستور جديد وكذا إصدار مجموعة من النصوص القانونية التسريعية والتنظيمية التي تهدف إلى تكريس قيم النزاهة والشفافية عن طريق المراجعة الدستورية.

وإلى جانب الإقرار الدستوري لمبدأ سمو الاتفاقات الدولية على التشريعات الوطنية جاءت المراجعة الدستورية لفاتح يوليوز 2011 بمجموعة من الأحكام والمبادئ الدستورية البالغة الأهمية والتي ستعزز المجهودات المبذولة لمحاربة الفساد يمكن إجمالها في:

  • تضمين مجموعة من فصول الدستور بمقتضيات صريحة تأسس لقيم المشاركة والتعددية والحكامة الجيدة وتكافؤ الفرص والعدالة الاجتماعية، وربط ممارسة السلطة بالمراقبة والمحاسبة.
  • ضمان حرية المبادرة والمقاولة والتنافس الحر.
  • المعاقبة على المخالفات المتعلقة بحالات تنازع المصالح وعلى استغلال التسريبات المخلة بالتنافس النزيه وكل مخالفة ذات طابع مالي.
  • الوقاية من كل أشكال الانحراف المرتبط بنشاط الإدارات والمؤسسات العمومية وباستعمال الأموال الموجودة تحت تصرفها وبإبرام الصفقات العمومية وتدبيرها والزجر من هذه الانحرافات.
  • معاقبة الشطط في استغلال الموقع والامتياز ووضعيات الاحتكار والهيمنة وباقي الممارسات المخالفة لمبادئ المنافسة الحرة والمشروعة في العلاقات الاقتصادية.

إن تجربة الاستعراض التي خضع لها المغرب تتضمن مواضيع القوة التي تميز المنظومة التسريعية المغربية والتي يمكن اعتبارها نموذجا ناجحا في التجانس والتلاؤم مع أحكام اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد.

أهم جوانب النقص التي كشفت عليها عملية التقييم، هناك مواد غير مطبقة كتجريم الإثراء غير المشروع والتي يتجلى في زيادة موجودات الموظف زيادة كبيرة لا يستطيع تعليلها بصورة معقولة قياسا إلى دخله ( أحكام المادة 20 من اتفاقية الأمم المتحدة لمحاربة الفساد) ومع ذلك فمن المهم الإشارة إلى أن المشرع المغربي اتخذ العديد من التدابير التي تتمثل في إصدار النصوص القانونية المتعلقة بالتصريح الإجباري للممتلكات.

نضيف أن السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية وهيئات الإشراف العامة التابعة للحكومة بالإضافة إلى الأطراف غير الحكومية مثل وسائل الإعلام والمجتمع المدني وقطاع الأعمال كلما كانت هذه المؤسسات قوية وتؤدي كل منها الدور المنوط بها في نظام النزاهة الوطني بالكامل، تكون الشفافية والمساءلة والنزاهة مترسخة بقوة ونتيجة لذلك تتساءل مخاطر الفساد إلى الحد الأدنى لذلك على الحكومات أن تقرر الإصلاح في مجال الخدمة المدنية بطرح مدونات سلوك قابلة للتنفيذ ومقتضيات أقوى للشفافية العامة، وزيادة الفرص المتاحة أمام مشاركة المواطنين في مراقبة أنشطة القطاع العام[25].

مما ذكر يعتبر تحدي الإدارة أهم محاور الإصلاحات المعتمدة من طرف الحكومة لضمان التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وسيأخذ هذا الإصلاح بعدا جديدا تابعا للإصلاح الدستوري الذي وضع المواطن في سلب العمل الحكومي وأخضع المرافق العمومية لقواعد الجودة والشفافية والالتزام بالانفتاح على المترفقين والإصغاء لهم وتتبع ملاحظاتهم ومقترحاتهم وتظلماتهم. كما نص على إعداد ميثاق حول المرافق العمومية يحدد موسوع قواعد الحكامة الجيدة المتعلقة بتسيير الإدارات العمومية [26].

إن تحسين العلاقات بين الإدارة ومرتفقيها يتم من خلال:

  • تبسيط المساطر وتطوير الإدارة الإلكترونية.
  • تحسين استقبال مرتفقي المرافق العمومية

بالنسبة للمر تفق الإدارة العمومية يساهم فيها تعقيد المساطر الإدارية في تكوين نظرية أن الإدارة تركز أكثر على المراقبة والحرص على مشروعية المساطر عوض تركيزها على تسهيل الولوج للخدمات،

إن من شأن توحيد المعايير وتبسيط المساطر والاستمارات الإدارية التي طورتها الحكومة أن تساهم في حل هذه الإشكالية.

من جهة أخرى يرتكز إصلاح الإدارة العمومية على تنمية الإدارة الإلكترونية باعتبارها وسيلة لتبسيط المساطر وتعزيز فعالية وشفافية الإدارة، حيث من ضمن الأهداف المسطرة في مجال تنمية الإدارة الإلكترونية هو بلوغ نسبة 8,0 بمقياس مؤشر الأمم المتحدة للحكومات الإلكترونية سنة 2013 عوض 0.2 المحصل عليها لسنة 2008، ويبقى أهم ورش في إطار الإدارة الإلكترونية هو إحداث قاعدة للربط بين الإدارات تمكنها من التنسيق فيما بينها في إطار تقديم الخدمات العمومية للمر تفق دون الرجوع إلى هذا الأخير من أجل الإدلاء بالوثائق والإثباتات التي تسلم من لدن إدارات أخرى.

لذلك أصدر رئيس الحكومة منشور رقم 3/2012 بتاريخ 19 مارس 2012 تحت عنوان (حكامة المؤسسات والمنشئات العامة) الذي أكد فيه أنه يتعين على المسيرين وضع وتطوير آليات الحكامة والمراقبة الداخلية وأدوات استشراف المخاطر والتتبع والتقييم على نحو يمكن المنشأة من أداء مهامها على الوجه الأمثل ومن وضع المواطن المر تفق في سلب اهتمامات تحسين المرفق العمومي والخدمات المقدمة. وفي إطار دعم الشفافية وثقافة التواصل حول البرامج والمسؤوليات والإنجازات بين المنشأة والدولة من جهة وبين المنشأة وباقي الأطراف المعنية من جهة أخرى، يتعين تبني سياسة تواصلية من طرف المؤسسات والمنشئات العامة تروم وضع المعلومات الضرورية في متناول جميع الأطراف المعنية بصفة منتظمة وإعداد تقارير حول الإنجازات والأهداف وكذا العمل على تبسيط المساطر وإنجازها إلكترونيا.

نضيف انه في تقرير صادر عن وزارة تحديث القطاعات 2010-2011 حول حصيلة منجزات وزارة تحديث القطاعات العامة أشار إلى التطوير القانوني من خلال التعديلات التي شملت النظام الأساسي للوظيفة العمومية عبر صدور القانون 05 -05 ورغم التعديلات لا زالت الحاجة ملحة. لإعادة النظر في بعص مقتضياته وإغناءه بمقتضيات جديدة وذلك في إطار توجه شمولي يستهدف تأهيل الموارد البشرية وتنمية قدراتها وتعبئتها لخدمة وتحقيق أهداف السياسات العمومية في مختلف المجالات [27].

وفي موضوع تدعيم الحكامة بالإدارة العمومية جاء بالتقرير أنها من ضمن الأهداف الاستراتيجية دعم المنظومة الوطنية للنزاهة ومحاربة الفساد وأيضا تحسين علاقة الإدارة بالمترفقين وتتمين روابط الثقة بينها وبين المواطنين من خلال الرفع من القدرات التدبيرية وتفعيل آليات الرقابة الداخلية ودعم أو تحفيز المبادرات التحديثية والإبداعية في مجال الإدارة.

فهناك ارتباط وثيق بين الحكامة والتنمية وهناك إجماعا دوليا على ضرورة تحسين مستوى الحكامة الشاملة كغاية أولى ووسيلة رئيسية للتنمية المستدامة لذلك عرفت الأمم المتحدة الحكامة على أنه:

«الأسلوب التشاركي للحكم ولتدبير الشؤون العامة الذي يرتكز على تعبئة الفاعلين السياسيين والاقتصاديين والاجتماعيين سواء في القطاع العام أو من القطاع الخاص كذلك من المجتمع الدولي بهدف تحقيق العيش الكريم المستدام لجميع المواطنين» .

نخلص أن الحكامة الجيدة تتأسس على أربع دعامات : النزاهة، الشفافية، التضامنية أو المشاركة والمساءلة، ومن ضمن اختلالات الحكامة بالمغرب حسب التقرير نشير إلى النقط التالية:

  • تغييب مشاركة وإدماج مختلف المكونات المجتمعية والمجالات الترابية في المسار التنموي.
  • غياب المساءلة أو تقديم الحسابات من طرف المسؤولين على تدبير الشؤون العامة.
  • الاختلالات المرتبطة بالجهاز القضائي.
  • تفشي ظاهرة الفساد كإحدى تحديات سوء الحكامة.

وإذا كان المغرب قد بادر باتخاذ إصلاحات لتعزيز الحكامة الجيدة، خاصة على مستوى تحسين محيط الأعمال والاستثمار وتحديت التدبير العمومي واستكمال الآليات القانونية للوقاية من الفساد ومكافحته، فإن فعالية المجهودات المبذولة ما زالت مع ذلك لم تتأكد حيث يلاحظ عموما وجود فجوات بين التشريعات والإجراءات المتخذة وبين الممارسات والنتائج الفعلية على مختلف الأصعدة [28].

لذلك يجب اتخاذ مجموعة من الإجراءات أهمها:

  • تجديد مقاربة التخطيط كأداة فعالة للحكامة الجيدة.
  • عقلنة وفعالية نظام اتخاذ القرارات.
  • تشييد إدارة مواطنة وحديثة..
  • تعزيز استقلالية وفعالية الجهاز القضائي.
  • إعطاء نفس جديد لسياسة اللامركزية.
  • التخليق الشامل لمجال الأعمال.
  • مكافحة الفساد.

لقد أحرز المغرب كباقي الدول العربية تطورا ملموسا في جميع نواحي التنمية الإنسانية، حيث ازداد العمر المتوقع عند الميلاد بحوالي 15سنة خلال العقود الثلاثة الماضية، وانخفض معدل الوفيات الأطفال بمعدل الثلثين، وأيضا تراجع معدل الفقر غير أن هناك تراجعات أساسية تعيق التنمية الإنسانية في المنظمة [29].

إن ما تحتاجه المنطقة لضمان مستقبل لامع للأجيال القادمة هو توافر الإرادة السياسية للاستثمار في القدرات البشرية والمعرفية في المنطقة العربية خاصة قدرات ومعرفة النساء العرب وفي إقامة الحكم الصالح والتعاون الوطيد بين الشعوب العربية .

إن الحكم الصالح هو الذي يعزز ويدعم ويصون الإنسان ويقوم على توسيع قدرات البشر وخياراتهم وفرصهم وحرياتهم الاقتصادية والاجتماعية والسياسية بالنسبة لأكثر أفراد المجتمع فقرا وتهميشا، لذلك لم تتطور البلدان العربية حسب التقرير بالسرعة التي تطورت بها مناطق أخرى ويعود ذلك بشكل رئيسي لافتقار المؤسسات الحكومية للشفافية والمساءلة فهناك ثلاث نواقص في المنطقة العربية.

  • الحرية؛
  • تمكين المرأة؛
  • عدم تجانس القدرات والمعرفة الإنسانية مع الدخل.

تعد الحكامة الجيدة ضرورة وطنية تهدف النجاعة وليس عقابا، وهي سياسة مساعدة للتنمية وخارطة طريق للبحث عن التنمية، فالجميع متدخل في هذه العملية وحتى إن اهتم المواطن بالموضوع فالمثال يجب أن يصدر من الحكام أي وجود إرادة سياسية قوية [30].

وبالرجوع إلى تقرير تحديات التنمية في الدول العربية 2011، الاستنتاج الرئيسي الذي توصل إليه التقرير هو أن الدولة العربية تحتاج إلى تبني (نموذجا للدولة التنموية) ينهض على عقد اجتماعي جديد من المساءلة المتبادلة وأن تستبعد نموذج الاقتصاد السياسي الريعي، لكي يمكنها الاستجابة إلى تحقيق الكرامة والعدالة الاجتماعية والحرية، ويعني ذلك أن تصبح الدولة أكثر استجابا وخضوعا للمساءلة من قبل المواطن، بما يسمح له أن يأخذ زمام المبادرة في الشؤون المجتمعية بقدر أكبر وأن يزيل النمط الضار للاعتماد على الدولة الذي طالما كان بمثابة السمة المميزة للعقد الاجتماعي العربي.

ويذهب التقرير أيضا إلى المطالبة بإعادة تعريف دور الدولة في المنطقة وعلاقتها بالسوق، لقد عبر الشارع العربي، بوضوح عن كونه لم يعد مستعدا للقبول بخدمات عامة دون المستوى المطلوب أو القبول بقطاع خاص يتألف من رجال أعمال ذوي علاقات سياسية قوية يجنون أرباحا طائلة لأنهم يتمتعون بمثل هذه الصلات السياسية القوية التي تسمح لهم بتفادي الضرائب والحصول على أسعار غير تنافسية.

لذلك تتوقف عملية التحول في الدول العربية على إنهاء الاقتصاد السياسي للاستبعاد، ونموذج الاستقرار القائم على الأمن والقمع، وثمة خمسة عناصر متداخلة للعجز في مجال الحكامة تعطي بعض الدروس بشأن ما يجب فعله وما يجب تجنبه لضمان التحول الناجح وهي [31]:

  1. يجب على الدولة أن تهدف إلى إصلاح حقيقي لا لكي تستخدمه كمجرد واجهة لبناء أساسا للفعالية والشرعية والاستقرار.
  2. هناك حاجة لقاعدة جماهيرية قوية لتحقيق العدالة الاجتماعية والحكامة القابلة للمساءلة.
  3. مكافحة الفساد الذي يعتبر عرضا من أعراض فشل الحكامة وحافزا للغضب الشعبي وهو ما يتطلب تظافر جهود المؤسسات القضائية والإدارية والسياسية والاجتماعية.
  4. يجب تقوية العملية الديمقراطية الجديدة عن طريق حرية المعلومات، وخاصة الانفتاح الخاص بالميزانية والضمانات التي تراقب ويشرف من خلالها المدنيون على الخدمات الأمنية والشرطة واستقلال القضاء.
  5. يجب أن تبدأ جهود التحول بإصلاح الحكم المحلي من أجل ضمان التنمية العادلة والمساءلة واستجابة السلطة للمصالح الشعبية.

لقد أوضحت الثورات العربية الراهنة أن استئصال المشاركة باسم الأمن والاستقرار، ليحقق الاستقرار للأنظمة القمعية، ومن الواضح أن الضمانة الوحيدة لزيادة الاستقرار والاستيعاب في المستقبل هي المشاركة الشعبية المستدامة في كافة مراحل العملية السياسية وليس في أوقات الحماس السياسي إبان الانتخابات فحسب.

وبالنظر إلى الحكامة، يجب التفرقة بين الإصلاحات الآنية وتلك طويلة الأجل أو الخطوات التي يتعين اتخاذها وثمة آليتان يجب تعزيزها على المدى الطويل وهما: المساءلة الشفافية العدالة وحكم القانون.

وفي نفس الوقت، يجب على المجتمعات التي تشهد خبرة التحول أن تكد كدا على المدى القصير للتعامل مع أربعة قضايا أساسية هي:

  • صياغة الدستور؛
  • الانتخابات؛
  • المشاركة السياسية؛
  • العدالة الانتقالية[32].

كما أن تغييرا كاملا في العقلية، بعيدا عن أمن النخب الساعدة باتجاه أمن إنساني سيساعد على القبول بالإصلاحات بقدر أكبر من اليسر، لقد بلغ نموذج الاستقرار القمعي منتهاه ما لم يكن قد أفلس.

نلخص ما ذكر على الشكل التالي:

إن موضوع تعزيز الإدارة العامة يكون لغاية تحقيق التنمية، وذلك يحتاج إلى مبادرات لبناء القدرات ولإقامة الحكومة الإلكترونية باعتبارها أدوات لتعزيز التنمية، وإذ نسلم أن الإدارة العامة التي تتسم بالكفاءة والفعالية والشفافية وتخضع للمساءلة تشكل عاملا أساسيا للتنمية. وأن قدرات المؤسسات العامة والموارد البشرية ستنهض بدور حيوي في تمكين الدول من تحقيق الأهداف الإنمائية للألفية على نحو فعال، إذ نسلم بأن التدابير الرامية إلى توسيع دائرة المشاركة في تسيير شؤون الحكم وتعزيز شفافية من شأنها أن تساعد على أن تبني وترسخ قدرة الدولة على معالجة قضايا التنمية والتحديات الأخرى [33].

ويتطلب ذلك أن تتقيد بمبادئ الإدارة السليمة للشؤون العامة والممتلكات العامة والإنصاف والتحلي بروح المسؤولية والمساواة أمام القانون وضرورة ضمان النزاهة وتعزيز ثقافة الشفافية والمساءلة ورفض الفساد بجميع أشكاله على كافة المستويات، مما يتفق مع اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد.


[1] Nations-Unies, « Commission économique pour l’Afrique, division de la gouvernance et de l’administration publique »,Examen de la crise de la gouvernance en Afrique du Nord, 19 octobre 2011.

L’Union Européenne et les Révoltes arabes, Quel rôle : quel Impact , Compte rendu de la conférence, 28 avril 2011.

[2] انظر لمزيد من التفاصيل، «مفهوم إدارة الجودة الشاملة» كتاب المدخل الشامل لإدارة الجودة الشاملة، حامد عبد الله السقاف، وأيضا الإدارة الإسلامية مدخل مبسط لكل باحث وهيبة مقدم، منتديات موسوعة الاقتصاد والتمويل الإسلامي.

[3] المؤتمر الدولي للتنمية الإدارية نحو أداء متميز في القطاع الحكومي، ورقة عمل حول التوجهات الأساليب الحديثة لتحسين الأداء بالقطاع العام المملكة المغربية، الدكتور مصطفى التيمي، نونبر 2009.

[4] التقرير العام للمناظرة الوطنية الأولى حول الإصلاح الإداري تحت عنوان: «الإدارة المغربية وتحديات 2010» بتاريخ 7 و8 مايو 2002.

[5] تقرير وزارة تحديث القطاعات العامة، حسيلة منجزات الوزارة برسم سنة 2008، وأيضا استراتيجية تحديث القطاعات العامة، برنامج العمل على الأمد القصير والمتوسط ،21 فبراير 2009، وزارة تحديت القطاعات العامة.

[6] تقرير حول تبسيط المساطر الإدارية، المناظرة الوطنية الأولى تحت عنوان: «الإدارة المغربية في أفق 2010»، بتاريخ 7 و8 نونبر2002.

[7] PNUD, Réforme de l’administration publique, Note de pratique 2005.

[8] إعلان الألفية للأمم المتحدة، محمد فتحي في حوار هام حول «الحكامة في تدبير المشروع المجتمعي»، محمود ريا وأيضا ،الحكامة الجيدة بين الوسع الراهن ومقتضيات الدستور الجديد 2011،  الهيئة المركزية للوقاية من الرشوة ،يونيو 2011.

[9] L’encyclopédie wikipedia (gouvernance), Il y’a donc un modèle unique de gouvernance mais bien des systèmes de gouvernance.

[10] لمزيد من التفاصيل انظر: برنامج الأمم المتحدة الإنمائي : Exposé sur le concept de bonne gouvernance, PNUD المرحلة الثالثة: جرى التركيز على التنمية البشرية المستدامة.

[11] محمد بوبوش، «الحكامة والتنمية العلاقة والإشكاليات ،»المجلة الدولية، العدد الثالث ، 2007.

[12] لمزيد من التفاصيل، أنظر: الدكتور ندير المومني، «الإدارة الرشيدة لخدمة التنمية في الدول العربية : تقييم وطني لمشاركة المواطنين والمجتمع المدني في إصلاح القطاع العام بالمغرب».

[13] الفساد الإداري عائق الإدارة والتنمية والديمقراطية، الأكاديمية العربية البريطانية للتعليم العالي بحث ماجستير في إدارة الأعمال للطالب عبد القادر جبريل فرح جبريل 2010.

[14] لمزيد من التفاصيل أنظر:

مكافحة الفساد لتحسين إدارة الحكم، شعبة التطوير الإداري وإدارة الحكم، مكتب السياسات الإنمائية ، 13نونبر 1998 .PNUD

النهج الإسلامي في مكافحة الرشوة، بحث تقدم به إحسان علي عبد الحسين إلى هيئة النزاهة ، 2010، العراق.

إرشادات عملية لمكافحة الفساد، مارس 2008.

مركز المشروعات الدولية الخاصة CIPE.

[15] Bilan sur les notions de (bonne gouvernance) et de (bonne administration, Conseil de l’Europe, Strasbourg, 8 avril 2011.

[16] L’égalité, impartialité, proportionnalité, de sécurité juridique, des délais raisonnable pour agir, de participation, de respect de la vie privée et de transparence.

[17] في هذا الإطار يمكن الاطلاع على الوثائق التالية:

  • التقرير الختامي لهيئة الإنصاف والمصالحة، المملكة المغربية.
  • تقرير حول الجهوية المتقدمة مرفوع إلى جلالة الملك.
  • المذكرة الأولية للأحزاب حول مراجعة الدستور.
  • خطاب جلالة الملك بتاريخ 9 مارس 2011.
  • ظهير شريف رقم 1.11.19 صادر في 29 يوليوز 2011 بتنفيذ نص الدستور.

[18] انظر أحكام المواد 21-22 من الدستور المغربي الجديد لسنة 2011.

[19] انظر أحكام المواد 26- 25- 24 من الدستور المغربي الجديد لسنة 2011.

[20] انظر أحكام المادة 27 من الدستور المغربي الجديد، وأيضا الدستور المغربي 2011، مستجدات وآفاق المقتضيات الجديدة، يومي 20-21 أبريل 2012 بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، وجدة.

[21] انظر أحكام المواد 37، 38 ، 39 من الدستور المغربي الجديد لسنة 2011.

وأيضا ملف صحفي حول الدستور المغربي الجديد من خطاب جلالة الملك بتاريخ 9 مارس 2011 إلى الإعلان عن نتائج الاستفتاء الدستوري 1يوليوز 2011، المملكة المغربية، وزارة الداخلية، المديرية العامة للجماعات المحلية.

[22] أنظر أحكام المادة 162 وما يليها من الدستور.

[23] المملكة المغربية، رئيس الحكومة، البرنامج الحكومي يناير 2012، من بين المبادرات الجديدة المحدثة إصدار ميزانية المواطن لتقديم مقتضيات قانون المالية لسنة 2012 للمواطنين ،صادر عن وزارة الاقتصاد والمالية.

[24] آلية استعراض تنفيذ اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد،  التجربة المغربية،  تقرير منجز من طرف الخبراء الحكوميين/ أكتوبر 2011، الدورة الرابعة لمؤتمر الدول الأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد، مراكش، المملكة المغربية.

[25] تحدي الحكم الرشيد، مصر، لبنان، المغرب، فلسطين، منظمة الشفافية الدولية وأيضا حالة الأمة العربية 2010– 2011، أحمد يوسف أحمد، نيفين مسعد.

[26] قانون المالية لسنة 2012 و 2013، مذكرة تقديم وزارة الاقتصاد والمالية.

[27] حصيلة منجزات وزارة تحديت القطاعات العامة 2010-2011، نونبر 2011 ،المملكة المغربية،  وزارة تحديث القطاعات العامة.

[28] الهيئة المركزية للوقاية من الرشوة ،الحكامة الجيدة بين الوضع الراهن ومقتضيات الدستور الجديد 2011.

[29] تقرير التنمية الإنسانية العربية ضمن سياق عام يقول إن التنمية الإنسانية في هذه المنطقة لا ترقى لمستوى غناها PNUD برنامج الأمم المتحدة الإنمائي.

[30] PNUD, Exposé sur le concept de bonne gouvernance, Noise Modandi wa –Kanbe consultant

[31] تقرير تحديات التنمية في الدول العربية (نحو دولة تنمية في المنطقة العربية)، تقرير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ،PNUD مارس 2012 .

[32] برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ،التقرير السنوي 2011 – 2012، المستقبل المستدام الذي نريد.

[33] قرار الجمعية العامة 59/ 55 الإدارة العامة والتنمية، الجلسة العامة 65 بتاريخ 2 دجنبر 2004وأيضا قرار الجمعية العامة 60/34 الإدارة العامة والتنمية، الجلسة العامة 58 بتاريخ 30 نونبر 2005.

https://powderencouraged.com/w3m6c9b5?key=af8b4909c0965493e9682d74bb50a646
https://powderencouraged.com/ksq5rgwdmh?key=b5b47a0d83f8742dcf71d4de8ef00494
https://powderencouraged.com/bkcduddx?key=0252cc21d0f4e0ae5f53245940611301
×
error: Content is protected !!

اكتشاف المزيد من

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading