ذة. نادية النحلي
أستاذة التعليم العالي بكلية الشريعة بفاس
وعضو مكتب التنسيقية الدولية لدعم الحكم الذاتي بالصحراء المغربية
شهد العالم بنهاية العقد الثامن من القرن الماضي متغيرات سياسية واقتصادية واجتماعية تأسست على القطيعة مع الأقطاب والدول القطرية، والانتقال إلى التركيز على المقاربة التنموية المحلية، أي تنمية جهات محددة انطلاقا من إمكانياتها المحلية من خلال تطويرها بشكل أمثل، فالمستوى المحلى أقنع التنمويين بوصفه الحيز الأمثل للتنمية، ومما يزيد من التأكيد على هذا المعطى فشل التسيير والتدبير المركزي([2]) للسياسات الاقتصادية “بسبب ندرة الموارد المالية العامة” في تنمية كافة الجهات بنفس الوتيرة وعلى قدم المساواة، وكذا لما لا يوفره نظام التدبير المركزي المبنى على الوصاية من حرية المبادرة للفاعلين المحليين المطلعين على خصوصيات الحاجات المحلية للمواطنين الذين يخدمونهم.
ولا يجادل اليوم اثنان في أن السياسة الجهوية تعد الاستراتيجية الأساسية للتنمية والإقلاع السوسيو اقتصادي، فالمجال الترابي المتكامل هو الوحيد الكفيل بإدماج كافة الشروط التنموية لتحقيق التنافسية الجهوية Compétitivité وكذا لتحقيق الجاذبية Attractivité([3]) اللازمة للاستثمارات الوطنية والأجنبية، فقد أضحت الجهوية مدار العمل التنموي إلى حد تقاطع جهود الفاعلين المحليين والمركزيين في محاولة الدفاع عن المصالح الاقتصادية المتداخلة للمستويين.
وقد أصبح من واجب الدولة (الإدارة المركزية) أن تبرع في التدبير المجالي والاقتصادي والحكامة المحلية الجيدة، ذلك أنها آمنت بأن دورها أصبح يتلخص في تنفيذ سياسة تستهدف الجذب الجهوي للاستثمار من خلال تحفيز الاستهلاك وخلق مجالات حضرية لعرض الأنشطة الاقتصادية وتداولها.
ورغم أن المغرب كان يعي ضرورة خلق التوازن بين المغرب النافع وغير النافع، إلا أن التجربة المتكاملة للتنمية الجهوية والتمكن من الفوارق بين الجهات والأقاليم لم يترسخ إلا مع صدور ظهير 1971 المحلق بإحداث الجهات الاقتصادية، حيث وضع مدلولا للتنمية الجهوية وميز بين المؤسسات الوطنية والجهوية المنوط بها تحقيق التنمية.
بعد ذلك جاء الخطاب الملكي اــــــ 24 أكتوبر 1984، والذي ألقاه الملك الراحل بمناسبة اجتماع المجلس الاستشاري الجهوي للمنطقة الوسطى الشمالية، والذي أقرفيه ضرورة إقامة هياكل جهوية ذات اختصاصات تشريعية ومالية وإدارية وتغليب الطابع اللامركزي عليها، وهكذا اعتبرت الجهة الخلية التي ينبغي الاشتغال عليها باعتبار ما تشتمل عليه من اختلاف وتنوع جغرافي وديمغرافي، وهو ما راعاه مخطط مسار التنمية 1992-1988.
ثم عمل الحديل الدستوري لسنة 1992 على الرقى بالجهة إلى مستوى جماعة ترابية مما فرض إعادة تقسيم سلطة القرار بين المركزي والمحلى.
ثم صدر القانون المنظم للجهات سنة 1997، وهو الذي نظم تشكيل المجالس الجهوية وتسييرها واختصاصاتها وكذا مجال الوصاية المفروضة عليها.
إلا أن هذا الإطار الدستوري والقانوني لم يرقى إلى مستوى جعل الجهة تحقق الديمقراطية المحلية على أكمل وجه.
فمن جهة، أغفل المشرع الدستوري تضمين الدستور لمجموعة من المقتضيات تتعلق بنوعية انتخاب المجالس الجهوية، وترك ذلك للمشرع العادي، الذي اتبع في هذا الإطار أسلوب الانتخاب غير المباشر، كما لم يحدد اختصاصات الجهة، ولم يشر إلى الموارد المالية للجهة([4]).
وبصدور الدستور الجديد لسنة 2011 خصص الباب التاسع منه للجهات والجماعات الترابية الأخرى.
وإذا كانت الجهة تتمتع بالشخصية المعنوية والاستقلال المالي، فإن الدولة لازالت تؤثر في توجيه السياسة الجهوية وتمارس عليها وصايتها، ولا توجد سياسة جهوية محلية دون تأثير من السلطة المركزية، ولازالت سلطة الوصاية قوية في هذا الشأن.
دليل ذلك أن جميع الاستراتسجيات القطاعية تصت دراستها وتسطيرها على المستوى المركزي (مخطط المغرب الأخضر Plan Maroc Vert بما فيه المخططات الفلاحية الجهوية، استراتيجية الماء La politique de 1′ eau والاستراتيجية الصناعية (Plan Emergence).([5])
فهل استطاع دستور 2011 أن يمتع الجهة بكافة المستلزمات حتى تقوم بالدور الاقتصادي والاجتماعي والتنموي
المنوط بها؟ أم أن الحكامة المحلية لازالت ابنة بالتبني للحكامة المركزية؟
لن يتأتى لنا الجواب على هذه الإشكالية المحورية الثي تحتل موقعها في مفترق طرق بين المركزية واللامركزية إلا إذا عاينا تردد الدساتير المغربية بين إطلاق يد الجهة وغلها في بلورة وتنفيذ مخططات تنموية محلية تنافس أو تتكامل مع المخططات الوطنية (قسم أول)، ثم نحاول إيجاد نقطة توازن من عدمها تشهد للتنظيم الدستوري الجديد أو ضده بالإضراب من استكمال البناء اللازم للوسائل القانونية والمالية الثي يجب أن تتوفر عليها الجهة للقيام بالأدوار الجديدة التي أنيطت بها، أم أن الجهوية كما هي مسطرة في دستور2011 تعدو أن تكون مرحلة جديدة في تلمس الطريق نحو الاستقلال التام والكلي للجهة في تدبير الشأن المحلي (القسم الثاني)؟
القسم الأول
تردد الدسا تير المغربية بين إطلاق يد الجهة وغلها تحت بند الوصاية
كان الفصل 93 من دستور يحدد أنواع الجماعات المحلية بالمملكة ويحصرها في العمالات والأقاليم والجماعات، حيث نص على طريقة اشتغالها وتنفيذ مقرراتها، وأقر تدبير شؤونها تدبيرا ديمقراطيا، أما تنفيذ مقرراتها فجعلها من اختصاص العمال.
أما دستور 1970 فجاء بإضافة بسيطة في الفصل 86 تحدد كيفية إحداث كل جماعة محلية، نفس المنحى اتخذه دستور حيث حصر اهتمامه بالجماعات في تبيان نوعيتها “حضرية وقروية”، على أن هذا الشح يعود إلى صدور ظهير 1971 المتعلق بإحداث الجهات الاقتصادية (سنة قبل دستور 1972) ليجعل من الجهة أداة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، حيث تم تقسيم المجال الترابي آنذاك إلى سبع جهات، على أن الجهة ظلت مجرد منطقة استشارية في ظل الظهير الشريف المؤرخ في 16 يونيو 1971، مما مهد لدستور 1992 والذي يوصف بعراب الجهة، إذ ارتقى بها إلى مستوى الوحدة الترابية، حيث نص الفصل 94 من الباب العاشر على “أن الجماعات المحلية بالمملكة هي الجهات والعمالات والأقاليم والجماعات الحضرية والقروية ولا يمكن إحداث أي جماعة محلية إلا بمقتضى القانون”.
ويمكن القول إن مفهوم الجهة بدأ يتوضح مع دستور 1992 باعتبارها جماعة محلية وإطار اقتصادي له هيئاته التقريرية واستقلاله المالي وشخصيته المعنوية، وكذا باعتبارها جماعة تدير شؤونها بطريقة ديمقراطية، مشكلة بذلك الأداة الأساسية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية.
الجهة في دستور 1996
أورد هذا الدستور المغربي ثلاثة فصول متعلقة بالجهوية، الفصل المائة حدد فيه الجماعات المحلية التي لا تحدث إلا بقانون، ثم تطرق الفصل الواحد بعد المائة لمبدأ انتخاب الجهة كجماعة محلية لمجالسها، ونص على تخويل الاختصاصات التنفيذية فيها للعمال كممثلين للسلطات المركزية في (الفصل الثاني بعد المائة. هذه المقتضيات هي مجمل ما نص عليه الدستور المغربي لسنة 1996 بخصوص الجهة، وترك المجال للنصوص التشريعية لتفصل في تشكيل واختصاصات ومالية الجهات ودورها التنموي، وكذا علاقتها بالسلطة المركزية وخضوعها الكامل لها.
أما خارج النص الدستوري فقد أدخلت الجهة ضمن الجماعات المحلية المساهمة في تنظيم المواطنين وتمثيلهم([6])، كما تم اعتمادها كأساس ترابي لانتخاب ثلاثة أخماس مجلس المستشارين الذين تنتخبهم في كل جهة من جهات المملكة هيئة ناخبة تتألف من ممثلي المأجورين، وتم إحداث مجالس جهوية للحسابات تتولى مراقبة حسابات الجماعات المحلية وهيئاتها وكيفية قيامها بتدبير شؤونها.
وفي نفس السياق نظم القانون المنظم للجهات سنة 1997 تشكيل المجالس الجهوية وتسييرها واختصاصاتها وكذا مجال الوصاية المفروضة عليها.
وقبل التطرق لدستور 2011 نتساءل لماذا الاهتمام بالجهوية في معرض التعديل الدستوري؟
تندرج الجهوية في إطار متابعة البحث والدراسة حول ألية أساسية في التنظيم الإداري اللامركزي، بغية تسليط الضوء أكثر على المقومات التاريخية والاجتماعية والقانونية للجهة، في إطار حقل التجارب الجهوية التي تتباين من دولة لأخرى، كما أن الجهة والجهوية عادت إلى الواجهة من جديد سواء على مستوى الخطاب الرسمي أو على صعيد البحث العلمي، مما يجعل منها موضوع الساعة ويفرض البحث عن صيغ جديدة في التعامل معها.
وقد كانت الخطب الملكية بعد 1996 تؤكد على اعتماد نظام بديل يكون أساس التدبير التنموي المجالي، في حين كانت الاجتهادات السياسية والإعلامية تكاد تجمع على ضرورة التأسيس الدستوري لأي إصلاح للنظام الجهوي، دون أن تركز على ضرورة الربط بين الجهوية المتقدمة وسياق الإصلاح الدستوري، كما سقطت العديد من القراءات في الخلط بين الجهوية المتقدمة والجهوية الموسعة التي تختلف جذريا عنها شكلا ومضمونا.
فقد ذهبت مذكرات الهيآت السياسية، إلى الحديث عن أهمية اعتماد الجهوية الموسعة وعن أسسها ودورها التنموي . . . دون أن تنتبه إلى أن مضامين الخطب الملكية السامية التي تحدثت بالتحديد عن “جهوية متقدمة” وليست موسعة، والفارق بينها كبير وعميق، بل ومتناقض في بعض المجالات([7]).
فالأمر يتعلق تحديدا بجهوية متقدمة avancée وليست موسعة، لأن الجهوية الموسعة élargi تقوم على أساس الجهوية السياسية في إطار اللامركزية السياسية، والذي يتطلب وجود برلمان جهوي حقيقي وحكومة جهوية، ويقتصر دور ممثل السلطة المركزية على ضمان التنسيق بين المركز والجهات، وهو نموذج شبيه بالنظام المنشود في المقترح المغربي للحكم الذاتي بأقاليمنا الجنوبية.
أما الجهوية المتقدمة avance فيمكن تلخيصها في نظام أكثر تقدما للجهوية من النظام المطبق حاليا، بمعنى أن عملية الإصلاح يجب أن تنطلق مما هو موجود مع توسيع اختصاصات الجهات وإعادة تركيب البنيات الجهوية، وتخويل المنتخبين الاختصاصات التقريرية والتنفيذية، وإيجاد نظام يعزز الاستقلالية المالية والتدبيرية للجهات وإعادة النظر في علاقتها بالسلطات المركزية.
وفعلا فالخطاب الملكي لذكرى المسيرة الخضراء بتاريخ 6 نونبر 2008 تحدث صراحة عن “جهوية متقدمة ومتدرجة، تشمل كل مناطق المملكة، وفي مقدمتها جهة الصحراء المغربية”، وهو ما تأكد في الخطاب الملكي بمناسبة عيد العرش في (30 يوليوز 2009) حيث أكد على “إقامة جهوية متقدمة . . .”، وجاءت نفس العبارة أيضا في الخطاب الملكي بمناسبة افتتاح البرلمان في أكتوبر 2009، وكذا خطاب تنصيب اللجنة الاستشارية للجهوية بتاريخ 3 يناير 2011.
وأما خطاب 9 مارس فقد أكد على ضرورة القيام بتكريس دستوري للجهوية ينبني على اللاتمركز الواسع في نطاق وحدة الدولة والوطن والتراب ومتطلبات التوازن والتضامن الوطني مع الجهات وفيما بينها.
وهكذا فرض الحديث عن الجهوية المتقدمة معالجة نصوص الدستور كمرحلة أساسية وضرورية قبل تنزيل الأسس القانونية والمؤسساتية.
فهل تمت مراجعة الدستور من أجل تنزيل مشروع الجهوية المتقدمة؟ أم أن المراجعة الدستورية كانت مناسبة لإدراج مقتضيات تهم الجهوية فحسب؟
هذا هو الخطاب الذي ساد قبل دستور 2011 وهو نفسه موضوع عمل اللجنة الاستشارية للجهوية، إلا أن هدف توقى خطر استجلاب حمى الربيع العربي عجلت بالتعديل الدستوري الذي فضل عدم تبنى أيا من المصطلحين “الجهوية المتقدمة والجهوية الموسعة”، كما أن الكتابات التالية لصدور الدستور ارتأت أن تجرد الحديث عن الجهوية من كلتا الصفتين، بل وارتأت غض الطرف عن تخصيص باب للجهوية المتقدمة وآخر بنظام الحكم الذاتي في الأقاليم الجنوبية كما كان منتظرا.
وهكذا واعتبارا لكون الجهوية ليست موضوعا نظريا بحتا، بل واقعا عمليا وممارسة فعلية تحظى بتتبع السياسيين والاقتصاديين والجغرافيين والإداريين والقانونيين والاجتماعيين، وتلتقي فيها مناهج ومقاربات متنوعة ومتباينة حسب الأهداف وحسب الدول والمجتمعات وحسب المراحل التاريخية، تناول دستور 2011 الجهوية بشكل مجرد موظفا هذه المعطيات لتأتى معالجته كمرحلة نمو جديدة في هذا الكائن القانوني الذي لازال لم يكتمل، فهل بلغ سن الرشد مع دستور 2011؟
الجهوية في دستور 2011
يمكن حصر العناصر الجديدة للجهوية في دستور 2011 كالتالي:
– اعتبار الجماعات الترابية أشخاص اعتبارية تخضع بهذا المعيار للقانون العام، أي أن لها كل حقوق التسيير والإدارة وكذا التمثيل أمام القضاء بدون وصاية من أي جهة أخرى،
– انتخاب مجالس الجهات بالاقتراع العام المباشر (المادة 135)، خلافا لما كان معمولا به سابقا حيث كانت تنتخب مجالس الجهات والجماعات بالاقتراع غير أي أن انتخاب مجالس الجهات يأتي بعد انتخاب الجماعات ومن هذه الأخيرة تشكل مجالس الجهات عبر انتخابات داخلية وسرية، أما إحداث كل جماعة فيدخل في اختصاص القانون مع إمكانية أن تحل محل جماعة ترابية أو أكثر من تلك المنصوص عليها في الفقرة الأولى من الفصل 135،
– مساهمة المواطنين في جدول أعمال المجالس الجهوية،
– ارتكاز التنظيم الجهوي والترابي على مبادئ التدبير الحر وعلى التعاون والتضامن ويؤمن مشاركة السكان المعنيين في تدبير شؤونهم والرفع من مساهمتهم في التنمية البشرية المندمجة والمستدامة (المادة 136)، وهو ما يرمى إلى القطع مع تدخل السلطة المركزية في كل القرارات الجهوية، وهنا لم يتم وضع معيار للتفرقة بينهما، كما لم ترد لائحة بالقرارات التي تدخل في اختصاص السلطة المركزية دون غيرها، كما لم يتم الانتباه إلى تقوية اختصاصات رئيس الجماعة والجهة بشكل صريح.
– إسهام الجهات في تفعيل السياسة العامة للدولة وفي إعداد السياسات الترابية من خلال ممثليها في مجلس المستشارين (المادة 137)،
– قيام رؤساء مجالس الجهات بتنفيذ مداولات هذه المجالس ومقرراتها (المادة 138)، وهو ما رفع يد العمال والولاة في هذا الباب، فوالى الجهة وعامل الإقليم أصبحا ممثلين للسلطة المركزية في الجماعات الترابية، يعملون باسم الحكومة على تأمين تطبيق القانون، وتنفيذ النصوص التنظيمية ومقررات الحكومة المركزية، كما يمارسون الرقابة الإدارية، ويقومون بتنسيق أنشطة المصالح اللاممركزة للإدارة المركزية ويسهرون على حسن سيرها، ولهم أن يساعدوا رئيس مجلس الجهة في تنفيذ برامجه التنموية (المادة 145)،
– اختصاص مجالس الجهات بوضع أليات تشاركية للحوار والتشاور لتيسير مساهمة المواطنين والمواطنات في إعداد برامج التنمية وتتبعها (المادة 139)، وفي هذا السياق يمكن التذكير بجديد الدستور في هذا الباب ألا وهو تمكين المواطنين والمواطنات والجمعيات من تقديم عرائض تطالب مجلس الجهة بإدخال نقطة تدخل في اختصاصه ضمن جدول أعماله.
– وأما الفصل 141 فقد تعرض لاختصاصات الجهة بناء على مبدأ التفريع، وميز فيها بين أنواع ثلاثة:
1. اختصاصات ذاتية،
2. اختصاصات مشتركة مع الدولة،
3. واختصاصات منقولة إليها من الدولة.
– وعزز وسائل عمل الجهة بسلطة تنظيمية لازمة لممارسة هذه الاختصاصات،
على أن أهم وسيلة لجعل الجهة فاعلة هي الموارد المالية، وهي إما موارد مالية ذاتية أو موارد مالية مرصودة للجهة من قبل الدولة، فالمبدأ يقضى في هذا الباب أن لكل اختصاص منقول موارد مرصدة (الفقرة 2 من المادة 141)،
– وتوقيا لإشكالية ندرة الموارد خلق الدستور صندوق مؤقت للتأهيل الاجتماعي لسد العجز في مجالات التنمية البشرية والبنية التحتية والتجهيزات الأساسية، وكذا صندوق للتضامن بين الجهات لدرء خطر التفاوت بينها (المادة 142)،
– أما المادة 143 فقد أعطت مكانة الصدارة للجهة ضمن الجماعات الترابية الأخرى خاصة في مجال إعداد برامج التنمية الجهوية والتصاميم الجهوية لإعداد تراب الجهة طبعا مع الاحترام الواجب للاخصاصات الذاتية للجماعات الترابية التي تتشكل منها الجهة الواحدة، فلا وصاية لجماعة ترابية على أخرى إلا ما فرضته طبيعة المشروع المزمع إنجازه من تعاون بين عدة جهات (المادة 143)،
– وفي سياق البحث أيضا عن حلول لندرة الموارد أجاز الفصل 144 تأسيس مجموعات فيما بين الجماعات الترابية لتوحيد الجهود والبرامج ووسائل التنفيذ.
وإذا كانت هذه هي مبادئ وحدود الممارسة الجهوية، فإن المادة 146 قد أحالت على السلطة التنظيمية مهمة التفصيل بشأنها حتى نضمن حدودا فاصلة بين كافة الفاعلين المحليين والمركزيين بشكل يحقق المناخ اللازم لتنفيذ المخططات التنموية المحلية والوطنية.
يتضح من خلال هذا الاستعراض الكرونولوجى والقانوني أن إطلاق يد الجهة لم يكن خيارا حرا وقناعة سياسية بقدر ما كانت استجابة لإكراهات سياسية طالبت بإقرار مبادئ الديمقراطية الانتخابية المحلية أكثر منها الديمقراطية على مستوى الممارسة التنموية، مما يفسر التردد الملاحظ دستوريا في هذا الباب.
القسم الثاني
الجهوية في دستور 2011 أمام إكراه استكمال لوازمها
يتمحور التساؤل هنا حول ما إذا كانت المبادئ والوسائل والموارد التي جاد بها دستور 2011 وأقرها هي وحدها اللازمة لتمكين الجهة من تحقيق التنمية المحلية بكل ما تتطلبه من فعالية ونجاعة efficacite et efficience؟ أم أن هناك وسائل أخرى أبانت عن الحاجة إليها التجارب الدولية والوطنية التي سبقتنا في هذا المجال وراكمت خبرات عديدة كفلت حسن التدبير والتنفيذ والتخطيط؟
فما هي وسائل النجاعة والفعالية المكملة لمقتضيات الدستور والتي لم ترد فيه؟
1. تتنوع حاليا أوجه العلاقة بين السلطة المركزية والجهة كوحدة ترابية فنجد ممارسة الوصاية والرقابة من قبل السلطات المركزية على الجهات فيما يخص تصرفاتها وقراراتها وميزانيتها ومشاريعها التنموية([8])، فنجد:
– الوصاية القبلية والمتعلقة بملاءمة البرامج الجهوية للمخططات الوطنية والمصادقة القبلية لوزارة الداخلية على مقررات المجالس الجهوية قبل تنفيذها،
– مراقبة مواكبة لاتخاذ القرار تجعل الشأن المحلى الجهوي تحت السلطة المباشرة للوالي والعامل،
– وصاية إدارية ومراقبة مالية وأخرى محددة الأوجه والمجالات، ولابد من القول إن الجهوية في إطار مرحلة 2011 لا تكفي لتصور نظام جهوي فعلى في غياب حصر العلاقة مع المركز في مراقبة احترام القانون وفق أليات واضحة تحفظ الاستقلالية للتدبير الجهوي وتضمن تطبيق القانون
2. لقد توضح للتجارب الأجنبية في التنمية الجهوية أن السياسات العمومية المحلية لابد وأن تخضع لتقييم قبلي وآخر موازي وآخر بعدي لضمان النجاعة في التخطيط بحسب خصوصية الحاجات المحلية مما يسمح بترشيد النفقة، وتقويم الاعوجاج الذي يلازم تنفيذ أي مشروع،
3. ثم إن تقييم السياسات العمومية والمحلية قد احتاج إلى ما يسمى بالعقود – البرامج Contrat programme كوسيلة عمل قانونية بين الفاعلين المحليين لضمان تنزيل مبدأ المسؤولية والمحاسبة عن الأهداف المسطرة والتي لم يتم احترامها عند التسليم،
4. ولما كان الفاعل المحلى المنتخب قد لا يتقن هذه الآليات تم خلق مهنة المقيم الاستشاري في تقييم السياسات العمومية المحلية حيث يقوم بدور توجيهي أساسي في كافة مراحل العملية التنموية،
5. بل إن التجارب المتراكمة تتحدث اليوم عن ترابية السياسات العمومية في كل مجال على حدة، التعليم الصحة ….وغيرها، مما جر معه تبنى نظام الوظيفة العمومية الصحية المحلية إلى جانب تلك المركزية،
6. وقد أصبحت الآن الجهات في الدول الرائدة في مجال الجهوية تتوفر على نظام معلوماتي اقتصادي خاص بالجهة systeme d’ information economique de la region في إطار الجهوية الرقمية،
7. بل إن الممارسة الجهوية بلغت حد التنافس حول تحقيق الامتيازية في التخطيط والإنجاز وتفتقت عن نماذج امتيازية في هذا الباب Modèle d’excellence،
8. كما أدرجت في القوانين الحديثة مقتضيات تسمح للجهة بالسير أبعد مما رسمه لها القانون لأن الممارسة مرنة وعليها أن تستجيب للحاجيات المحلية حفاظا على مستلزمات اللعبة الانتخابية بينما يبقى النص جامدا لمدة معينةRegion la prerogative d’ aller au-delà de la loi،
9. وأفرزت التجارب المقارنة الحكامة الترابية بسمات خاصة يلزم أن تقعد لها أيضا النصوص الدستورية والتنظيمية،
10. ولابد من وضع قواعد السلطة التنظيمية المحلية،
11. تبنى مقاربة الهندسة العمومية قانونيا([9])Les fondements juridiques de l’ingénierie publique([10]) La définition première de l’ingénierie publique recouvre «l’ensemble des plans et des études qui permettent de déterminer, pour la réalisation d’un ouvrage ou d’un projet d’investissement, les tendances les plus souhaitables les modalités de conception les meilleures, les conditions de rentabilité optimales, les matériels et les procédés les plus adaptés » (définition du dictionnaire Larosse);
12. ويلزم أن يستحضر الدستور الجديد من خلال النصوص التنظيمية الواردة لائحتها في المادة 146 فلسفة وهدف الانتقال المرحلي من الدولة المركزية إلى دولة الجهات، فالفاعلون المركزيون مدعوون لتغيير عقلية الفعل السياسى المركزي إلى فعل سياسي مركزي من أجل الجهات بالأولوية، وسيلتها في ذلك قواعد الترابية الإدارية من حيث المساطر والتقنيات، ومن أهم نتائج هذا الانتقال القطع مع خلق الوكالات للتغلب على صعوبات الإدارة المركزية القطاعية، وإعادة هيكلة الدولة إداريا بناء على مبدأ التقطيع الترابي بدل قصر ذلك على وزارة الداخلية وحدها، الشرط الوحيد لتأسيس الشراكة والثقة والاقتسام الفعلي للسلطة ودفع الشريك المحلى إلى التطور في اتجاه إنتاج نخب محلية مؤهلة([11])،
13. تبنى المقاربة الاجتماعية للمشاريع المزمع تنفيذها محليا.
كما يستلزم الجواب منا أيضا النزول إلى مستوى الجهات المغربية لنتساءل:
هل الفاعلين الجهويين جميعهم مؤهلون ويتوفرون على الوسائل اللازمة للقيام بأدوارهم؟
ونخص بالفاعلين المحليين جميع الهيئات المنتخبة وغير المنتخبة:
– من مجالس حضرية ومجالس قروية ومجالس العمالات والأقاليم،
– وكالات الأحواض المائية،
– المكاتب الجهوية للاستثمار الفلاحي،
– الغرف المهنية كل في مجال اختصاصه،
– اللجان الجهوية للاستثمار،
– المراكز الجهوية للاستثمار،
– الوكالات الجهوية لهولدينغ العمران، وكل من أوكلت له مهمة جهوية محددة، بما في ذلك المراكز الخارجية للوزارات والإدارات المركزية.
إن الواقع العملي يؤكد تدنى مستوى كفاءة المنتخبين علميا وثقافيا، وكذا قدرتهم على أداء مهامهم على الصعيد الجهوي، بل ويطال نفس الحكم كفاءة الموظفين في الإدارة المحلية وافتقارهم للفضاء الملائم والتحفيز وفرص التكوين المستمر.
يتضح أن الحاجة ماسة لإعادة النظر في كافة المقتضيات القانونية التي تؤطر عمل هؤلاء الفاعلين الجهويين، فضلا عن ضرورة معالجة نواقص الممارسة المجالية التي تستنفذ مجهوداتها الرئيسية في التنسيق مع ممثلي الإدارة المركزية على المستوى المحلى، الشيء الذي يعد لازما طالما أن الدولة هي الممول الرئيسي للمشاريع الجهوية إلى حدود الساعة، مثال ذلك (غرف التجارة والصناعة والخدمات والغرف الفلاحية صاحبة الدور الاستشاري فقط وليس التقريري، في حين تعتبر الغرف المهنية بفرنسا شريك فاعل في خلق المقاولات داخل الجهة، كما تعانى غرفنا من قلة الموارد وعدم كفاءة مستخدميها).
خلاصة القول إن المعالجة الدستورية جاءت خالية من إقرار أدوات عمل تم التعارف عليها في الديمقراطيات المقارنة في مجال الحكامة الجهوية، وعليه يمكن الإقرار بأن هذه المعالجة التشريعية ومع ما حملته من رضى مجتمعي وحقوقي لا تعدو أن تكون مرحلة من مراحل التطور نحو اقتسام السلطة بين المركزي والمحلى، ولنا أن نستحضر الفروق الحاصلة في هذا المجال بين الدستور المغربي والإسباني وكذا مبادرة الحكم الذاتي الموجهة لأقاليمنا الجنوبية، والتي تعد بحكومة وبرلمان وسلطة قضائية محلية.
وبوضعنا اليد على استمرار فلسفة المرحلية في تمكين الجهات قانونا والتصاقنا بالجهوية الناشئة، فإننا نقر بعدم أهلية الفاعلين المحليين لتسلم مثل هذه المقاليد استحضارا منا لإشكالية ندرة الموارد البشرية المؤهلة على المستوى المحلى، والتي تمر معالجتها قطعا بإعادة النظر في مؤهلات المنتخب والمنتخب.
وإذا كان المغرب يقترب في مسار تطوره القانوني من النموذج الفرنسي على مستوى اللامركزية الإدارية على الصعيد الجهوي، فهذا لا يمنع من الاستفادة من بعض التجارب الأخرى، وخصوصا التجربة الإيطالية التي اتسمت بسعة مجال الديمقراطية وسمو اللامركزية الإدارية، حيث تعتبر الجهة جماعة ترابية دستورية تتمتع بالشخصية المعنوية وينتخب السكان أجهزتها، إذ تمكنت إيطاليا من التخفيف من حدة الفوارق الجهوية بين الشمال والجنوب بفضل إقرار الجهوية.
والفوارق الجهوية بالمغرب تتطلب بدورها إقرار تنظيم لا مركزي على مستوى الجهة، يعمل على القضاء على هذه الفوارق، ويجب أن يكون ذلك بتلمس الطريق الصحيح، مراعاة لخصوصيات المغرب، لكن هل مشكل الجهوية في جوهره مشكل قانوني فقط؟ هل يكفي وضع قواعد دستورية وقانونية للتغلب على قضايا يتداخل فيها ما هو تاريخي واجتماعي وثقافي؟
لا ننفي أهمية القاعدة القانونية في كونها الخطوة الأولى نحو تطبيق مضمونها، بل يمكن التأكيد أيضا أن المعالجة القانونية لموضوع الجهوية تظل عاجزة لوحدها عن الجواب عن سؤال يفترض بطبيعته استحضار الأبعاد الاجتماعية والثقافية والاقتصادية، وهي الأبعاد التي تحول ربما دون التفعيل الأمثل للقوانين مهما كانت دقتها النظرية وراهنتيها العملية.
وإذا كان المغرب بجغرافيته المتنوعة ونسيجه المجتمعي المتعدد يبدو مؤهلا أكثر من غيره لاستبطان الجهوية، فإن ضعف النخب المحلية وتقليديتها (فئة الأعيان) من جهة، وضعف، أو على الأقل، تباين الطاقات الاقتصادية بين الجهات ونقص الموارد البشرية وتفشى الأمية، يحول دون التحقيق الأمثل للجهوية على الأقل ظرفيا.
ومع ذلك، ليست الجهوية مبدأ فقط، ولا هي بــــــ: المفهوم المجرد، بل إنها أيضا سلوك إداري وثقافة يومية وتقنيات عملية، وفي هذا السياق يعيش المغرب عددا من المفارقات التي ينبغي التغلب عليها، يمكن إجمالها في:
أولا، عدم مسايرة اللاتمركز الإداري للامركزية الفعلية، وما ينتج عنه من تذبذب بعض الإدارات المركزية في تفويض سلطاتها.
وثانيا، الوصاية اللصيقة والمبالغ فيها، وهذا مأخذ ضد سياسة المركز أو من يمثله في الجهة، وما يقابله أيضا من فساد مالي وسيطرة الأعيان في تنظيم الشؤون المحلية وتدبير أمورها، وهذا مأخذ ضد الجهة نفسها.
وثالثا، العوائق يتمثل في ضرورة ضبط عتبة التوفيق بين معيار الدولة السياسي والأمني لاستباق أي خطر جهوي يهدد وحدة البلاد، واستقلال الجهات الفعلي في إطار الوحدة السياسية.
وأخيرا، إذا كانت الجهوية مبدأ عاما يتفق العالم بأسره على تبنيه، فإن وسائل تفعيله وجعله أمرا معيشا وثقافة يومية، مسألة خاصة مرتبطة أشد الارتباط بمعطيات ميدانية واقعية، وإذا كان أيضا من الصعب إصدار حكم جازم على التجربة الجهوية في المغرب، وهي حديثة العهد مقارنة مع مثيلاتها في البلدان المتقدمة، فإن هذا لا يعفي المسؤولين، حاكمين ومنتخبين، من البحث في الآليات المتلائمة مع أوضاع البلاد والمسايرة لطبيعته في أفق تحقيق جهوية فعالة تستجيب لانتظارات المغاربة.
[1] تدخل في إطار ندوة وطنية نظمتها التنسيقية الدولية لدعم الحكم الذاتي بالصحراء المغربية بجهة دكالة عبدة يوم 17 نوفمبر 2012 بالجديدة حول “مستجدات الجهوية في دستور (2011، ذة. نادية النحلي.
[2] التدبير اللامركزي واللامتمركز يخص الوحدات الخارجية للقطاعات الوزارية المختلفة كتجربة الأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين.
[3] Abderrazak Elhiri, «Attractivité et compétitivité des territoires, un impératif local pour une performance globale», REMALD, n° 104, mai-juin 2012, p. 115 à 134.
[4] “الجهوية وقضية الصحراء، الاتحاد المغاربي وقضية الصحراء”، بحث لنيل الإجازة في القانون الخاص، إعداد مجموعة من الطلبة تحت إشراف محمد الساسي، حسن الهبطى وعبد السلام بنسليمان، كلية الحقوق، أكدال، السنة الجامعية 2010-2011، ص. 4.
[5] Nadia Nahli, Kamal Elalam, Taoufik Khatab, Elmaâti Loiskari, « Territorialisation des politiques publiques sectorielles, la politique agricole dans la région du Gharb, des ressources hydriques à la valorisation agro-alimentaire », Projet de fin d’etudes, Institut Supérieur d’Administration, janvier 2011, 76 p.
[6] المدرسة الوطنية للإدارة، وحدة التدبير العمومي، تخصيص الإدارة الترابية، الفوج الثامن 2010 “عرض حول التنظيم الجهوي المغربي” على دعامة إلكترونية غير منشور، 37 ديابوزتيف.
[7] عبد اللطيف بروحو، “التأصيل الدستوري للجهوية المتقدمة”، 19 مارس /http://www.alkhabar.ma 2011
[8] عبد العزيز الشرقي، الجهوية الموسعة نمط جديد للحكامة الترابية والتنمية المندمجة، الطبعة الأولى 2011، مطبعة النجاح الجديدة، ص 167.
[9] – L’article 12 de la loi française n° 83-8 du 7 janvier 1983 relative à la répartition des compétences entre les communes, les départements, les régions et l’Etat prévoyait que les « services de l’Etat», des «départements » et des « régions» pouvaient apporter leur concours technique aux «communes» qui le demandaient pour l’exercice de leurs « compétences»;
– et l’article 7 de la loi n° 92-125 du 6 février 1992 d’orientation relative à l’administration territoriale de la République disposait que les «services déconcentrés de l’Etat» pouvaient apporter leur appui technique aux «collectivités territoriales» (communes, départements, régions) et à leurs établissements publics de coopération pour la réalisation de leurs «projets de développement économique, social et culturel».
[10] Rapport d’information fait au nom de la délégation aux collectivités territoriales et à la décentralisation (1) sur l’ingénierie publique, Par M. Yves Daudigny, Sénateur. n° 557 Sénat de Erance, session ordinaire de 2009-2010, 85 p.
[11] Journal Al Alam, vendredi 22 octobre 2010, n° 21802, p. 8.





