فؤاد السباعي
الإصلاح القضائي
تمهيد:
تتوخى هذه الورقة تشخيص وضع القضاء في المغرب بإبراز أهم الإصلاحات التي عرفها هذا القطاع خلال العشرية الأخيرة (1996_2006)، وتقييمها بالنظر إلى الأهداف المتوخاة من الإصلاح ومقارنتها بالنتائج المحصل عليها على أرض الواقع.
وقد استندت هذه الدراسة على قراءة في الترسانة القانونية من نصوص تشريعية وتنظيمية المنظمة لقطاع العدل خلال الفترة الزمنية المشار إليها وتقدير مدى تطابق النصوص النظرية مع الممارسات على أرض الواقع من جهة، وكذا درجة تجاوب نفس النصوص القانونية مع المبادئ العامة للقانون وملاءمتها للمعاهدات والمواثيق الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان خاصة منها المدنية والسياسية وكذلك المواثيق الدولية الخاصة واستقلال القضاء والقضاة.
وقد تم الاعتماد في هذا الشأن على كتابات الصحافة الوطنية، المتعلقة بالقطاع القضائي والمعطيات المتوفرة في بوابة الانترنت لوزارة العدل نظرا لصعوبة الحصول على الإحصائيات مباشرة من الوزارة، والتقارير الوطنية الرسمية وكذا تلك المنبثقة عن المجتمع الوطني من منظمات حقوقية بالإضافة إلى التقارير الدولية.
وتتمحور هذه الورقة على جزأين يعرض فيها الجزء الأول المقومات الرئيسية للنظام القضائي في سياقه التاريخي والسياسي وكذا التطور الذي عرفه خلال الفترة الزمنية الممتدة ما بين 1996 و 2006 ويتطرق الجزء الثاني لتحليل السياسة القضائية المنتهجة خلال المدة الزمنية المذكورة.
الجزء الأول: النظام القضائي في المغرب
لا يجاد اثنان في كون قطاع العدل يعاني من مشاكل عميقة تكتسي صبغة بنيوية إذا أنها انعكست وتنعكس على الجميع بصفة مباشرة أو غير مباشرة جراء قصور هذا القطاع، من مواطنين متقاضين وعاملين بالقطاع من موظفين وقضاة وكذا أعوان القضاء والفاعلين الاقتصاديين، لذلك فإن هاجس الإصلاح كان مطلبا يلازم دائما الفاعلين في الحقل السياسي والاقتصادي والاجتماعي نظرا لما لهذا القطاع من تأثير واتصال عضوي بسائر المجالات التي ترمي بسياساتها العمومية في آخر المطاف إلى تحقيق السلم الاجتماعي والرفاهية.
وقد كان هذا الإصلاح ينبع من صميم الإكراهات السياسية الوطنية المزامنة له في المراحل الأولى من استقلال المغرب إلا أن هذه الإكراهات والرهانات ستتسع رقعتها إلى ما فوق الوطني حيث ستحتل المؤسسات الدولية في ظل العولمة الزاحفة، مكانة إستراتيجية كفاعلة في مطلب إصلاح القطاع منذ متوسط التسعينات وفيما يلي لمحة موجزة عن تطور الجهاز القضائي مع تذكير لأبرز مقوماته في سياقه الثقافي والسياسي.
التطور التاريخي
عرف تطور هذا القطاع محطات تاريخية كبرى تتلخص إجماليا كالتالي:
من فجر الاستقلال سنة 1956 إلى 1964: الإبقاء على النظام القانوني والقضائي الوضعي الموروث عن المستعمر خاصة في المجالات المدنية والجنائية والتجارية وتعزيزه بقوانين وطنية:
من 1965 إلى 1974: ظهور قوانين توحيد التنظيم القضائي والمغربة والتعريب تروم التأكيد على السيادة الوطنية؛
من 1974 إلى 1995: إصلاحات وتعديلات ذات صبغة تقنية همت المساطر الإجرائية وكذا التنظيم القضائي؛
1995: الخطاب الشهير للملك الراحل الحسن الثاني أمام البرلمان في افتتاح الدورة الخريفية، الذي يضع برنامجا لإصلاح القضاء، بعد انتقادات البنك الدولي الموجهة لأداء هذا القطاع في تقرير له بنفس السنة؛
وأخيرا المرحلة الحالية التي تتزامن وظهور تحديات جديدة بالنسبة للمغرب منذ أواسط التسعينات حيث تفرض العولمة الانفتاح الاقتصادي والسياسي كما أن ضغط النمو الديموغرافي والتأخير المسجل في المؤشرات الاجتماعية لبرنامج الأمم المتحدة للتنمية يفرض التأهيل على جميع المستويات خاصة منها البشرية.
إضافة إلى أن هاته المرحلة شهدت اعتلاء الملك محمد السادس العرش خلال سنة 1999، الذي أعلن في العديد من الخطب عن تمسكه بمشروع بناء المجتمع الديمقراطي الحداثي وفتح ورش الإصلاح المؤسسي بمختلف أبعاده الاقتصادية والاجتماعية بهدف توفير الظروف المواتية لجلب الاستثمارات وذلك لخلق فرص الشغل الكفيلة بتقليص نسب البطالة المرتفعة.
السياق الثقافي والسياسي
في ظل سياق ثقافي وسياسي لازال يتسم ببعض سمات الدولة التقليدية حيث تتركز جميع السلطات في شخص الحاكم الواحد الذي يستمد مشروعيته من التاريخ والدين، ورغم أن هياكل ومؤسسات الدولة عرفت حركة التحديث والعصرنة بطريقة محتشمة منذ فترة الحماية الفرنسية والإسبانية واستمر هذا التحديث بوتيرة أسرع بعد الاستقلال والذي تمثل أساسا بالأخذ بمبادئ الدولة الديمقراطية الحديثة وتجسيدها من خلال مؤسساتها خاصة منها مبدأ فصل السلط التشريعية والتنفيذية والقضائية المتبنى في الدستور والمؤسسات كالحكومة والبرلمان والانتخابات… فإن القضاء لا يخلو من صبغة الازدواجية هاته التي تطبع مختلف المؤسسات.
فبالرغم من أن الدستور ينص في المادة الثانية أن “السيادة للأمة تمارسها مباشرة بالاستفتاء وبصفة غير مباشرة بواسطة المؤسسات الدستورية” كما أن المادة الرابعة تنص على أن “القانون هو أسمى تعبير عن إرادة الأمة، ويجب على الجميع الامتثال له، وليس للقانون أثر رجعي” فإن المادة 19 من نفس الدستور تنص على أن “الملك أمير المؤمنين والممثل الأسمى للأمة…” مما يوحي بأن الملك هو الممثل الأسمى لإرادة الأمة التي تعبر عنها عبر القانون، وطبقا للتأويل الرسمي المقدم للنص، فإن نواب البرلمان ممثلون للشعب في مستوى تمثيلية أدنى من تمثيلية الملك الخالدة لكل الناخبين. فعندما يتخذ قرارا أو يسن قانونا فإن يسنه باسم هذه التمثيلية التي يحظى بها، والمتفوقة على كافة التمثيليات الأخرى.
كما أن القاضي في المغرب كدولة أسلامية تعتمد المذهب المالكي، يمارس القضاء بتفويض ونيابة من الإمام أي الملك أمير المؤمنين وبهذا فإن الملك هو الذي يعين بظهير القضاة وتصدر الأحكام باسم جلالة الملك وما هذا إلا امتداد لتقليد ديني وتاريخي ترجم في قالب الدولة الحديثة وأدمج بمفاهيمها وميكانزماتها المؤسسية، وتجعل هذه الوضعية الازدواجية موقف القاضي موقفا دقيقا وحساسا يجعله يأخذ ألف اعتبار قبل اتخاذ أي موقف كان من أية قضية كما أنه يجعله يتصرف بحذر شديد إزاء القضايا المطروحة على الساحة الوطنية فيعتبر نفسه ملزما بمسايرة اتجاه الرسمي للمناخ السياسي الانتقالي إذ يلاحظ أن القضاء مرة أخرى، يلعب أدوارا أمنية في علاقته مع الصحافة كما أنه “ساهم” في سياسة مكافحة الإرهاب إثر أحداث 16 مايو 2003 بالدار البيضاء حيث المحاكمات لم تكن تتوفر على الضمانات القانونية لحقوق الدفاع كما جاء بها القانون الجديد للمسطرة الجنائية (الصادر بـــ 2002).
إضافة إلى أن مبدأ فصل السلط وبالرغم من كونه منصوص عليه صراحة في الدستور فإن نفس الدستور ينص على أن الملك هو الممثل الأسمى للأمة وبهذا فهو للمثل الأسمى للسلطة التشريعية المنبثقة عن الأمة كما أنه الممثل الأسمى للسلطة التنفيذية حيث يصنف بعض الفقهاء نظام الحكم المغربي كملكية تنفيذية كما أن الملك محمد السادس صرح في بعض مقابلاته الصحفية أن الملك في النظام المغربي يسود ويحكم، مما يجعل مبدأ فصل السلط كما ينص عليه الدستور ذا بعد جد نسبي ومحدود في الواقع، وكل هذه العوامل تصب في تعزيز وتدعيم فرضية ازدواجية النظام المغربي وتعايش مظاهر الدولة التقليدية إلى جانب المفاهيم والأدوات المؤسسية للدولة الحديثة الديمقراطية.
في ظل هذا المناخ السياسي والثقافي الذي يطبع جميع المجالات المتعلقة بتدبير الشأن العام فإن الجهاز القضائي لم يستثن من القاعدة بل وإنه يجد نفسه في صميم إشكالية الازدواجية نظرا لما هو مطالب به من توفيق بين النمط التقليدي والنمط الحديث للدولة ونظرا للدور المحوري والحيوي الذي يلعبه في المجتمع من ضمان لحقوق الأفراد والجماعات واستتباب للأمن الاجتماعي.
الجزء الثاني: السياسات القضائية المتبعة بين 1996 و 2006
احتل إصلاح القضاء في أجندة الحكومات المتعاقبة خلال هذه الفترة حيزا هاما من عملها فقبل مجيء حكومة التناوب كان تقرير البنك الدولي السالف الذكر (1995) قد علق على الدور السلبي الذي يلعبه القضاء والفساد المستشري به مما جعل الملك الراحل الحسن الثاني رحمه الله يوجه خطابا يدعو فيه للنهوض بهذا القطاع وإصلاحه وأهم ما أنجز في هذه الفترة أي خلال 1996 هو زيادة نسبية في رواتب القضاة لا غير ومع تولي حكومة التناوب المتكونة من أحزاب المعارضة تدبير الشأن العام في 1997 جعلت من أولوياتها أيضا إصلاح القضاء وقد تمت صياغة برنامج عمل على مدى خمس سنوات (1997_ 2002) كما أن برنامج الحكومة الموالية تضمن شق إصلاح الجهاز القضائي مع الإشارة إلى أن هذه الحكومة التي لن تنتهي ولايتها إلا في أواخر السنة الجارية حيث موعد الانتخابات التشريعية (سبتمبر 2007) شهدت تولي سياسي ينبثق من كتلة الأحزاب الفائزة بالانتخابات التشريعية، منصب وزير العدل أول مرة في تاريخ المغرب المستقل بدل ما جرت عليه العادة من تولي تكنوقراطي لهذا المنصب حيث كانت تعتبر وزارة العدل وزارة سيادة لا تقبل تغيير السياسات كما هو الشأن بالنسبة للأقسام الوزارية الأخرى. وقد كانت برامج الإصلاح القضائي هاته تتمحور حول نفس الأهداف لأن القطاع ظل يعاني من نفس النقائص وتتلخص هذه الأهداف في تعزيز استقلالية القضاء والاستمرار في تحديث طرق العمل بالقطاع ثم تقوية أخلاقيات القضاء وأخيرا تقوية الكفاءات عن طريق التكوين.
استقلالية القضاء:
يمكن رصد واقع القضاء ومدى استقلاليته عن باقي السلط من خلال تفحص وضعيته الدستورية وكذا بالوقوف على هيكلته المؤسساتية في علاقتها مع السلطة التنفيذية وتحليل النصوص القانونية المتعلقة باستقلالية القضاة.
الوضعية الدستورية للقضاء:
يضمن الدستور الحالي المعدل في 1996 مبدأ استقلالية القضاء في المواد 82 إلى 87 نخص بالذكر منها:
“القضاء مستقل عن السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية” (المادة 82)؛
“يعين الملك القضاة بظهير شريف باقتراح من المجلس الأعلى للقضاء” (المادتين 33 و 84)؛
“يسهر المجلس الأعلى للقضاء على تطبيق الضمانات الممنوحة للقضاة فيما يرجع لترقيتهم وتأديبهم” (المادة 87)
لا يعزل قضاة الأحكام ولا ينقلون إلا بمقتضى القانون (المادة 85).
وتترجم هذه المبادئ الدستورية على واجهتين حيث أنها ترمي إلى حماية وتحصين عمل القضاة من الضغوطات التي تمارسها الأجهزة التنفيذية إن بزعاماتها السياسية أو عبر الإدارة كما أنها لا تعد امتيازا ممنوحا للقاضي لكي يصدر الأحكام التي تروق له بل إنها تعد قاعدة ديمقراطية أساسية تضمن حسن سير العدالة وتضمن حماية حقوق المتقاضين.
لكن هذه الضمانات الدستورية لاستقلالية القضاء تبقى محدودة المدى ونسبية نوعا ما، حيث أنه بالمنظر إلى تركيبة المجلس الأعلى للقضاء كما تنص عليها المادة 86 من الدستور، والذي يتكون من أعضاء معينين بحكم الدستور وهم الملك بصفته رئيسا للمجلس وينوب عنه وزير العدل، ورئيس المجلس الأعلى وهي أعلى محكمة في الهرم القضائي والوكيل العام للملك به ورئيس الغرفة الأولى بالمجلس الأعلى وستة قضاة منتخبين من طرف نظرائهم يمثلون مختلف الدرجات، يظهر أن وزير العدل الذي ينوب عن الرئيس هو الذي يترأسه فعليا وهو بهذا يحتل منصبا محوريا يتيح له كممثل للسلطة التنفيذية التدخل في تدبير شؤون القضاة من ترقية وتأديب مما يحد من مبدأ فصل السلط وبالتالي ما تنص عليه المادة 82 من الدستور.
كما أن القانون المنظم لهيئة القضاء أي النظام الأساسي للقضاة يرجع إلى نوفمبر 1974 وهي فترة عاش فيها المغرب حالة استثناء والتعديلات التي طالته هي سطحية وجزئية لا تمس جوهره حيث تبقى روح القانون المنظم لوضعية القضاة تتسم بالتشديد ومحاصرة دائرة تحركهم كما أن كون طبيعته قانون عادي وليس قانونا تنظيميا كما هو الشأن بالنسبة للقوانين التنظيمية المنظمة لعمل بعض مؤسسات الدولة كالبرلمان والمجلس الدستوري، تجعل وضعية القضاة هشة يمكن أن تتأثر باختلاف الحكومات والولايات التشريعية ولا تتمتع بهذا النمط التشريعي الذي يفتح المجال للرقابة المسبقة من طرف المجلس الدستوري لضمان انسجام ومطابقة القانون مع متطلبات استقلال القضاء المنصوص عليها دستوريا.
وقد أحدث القانون كتابة دائمة للمجلس الأعلى للقضاء وذلك للسهر على تدبير وتسيير الشؤون الإدارية للقضاة لكن هذه الهيئة لا تتمتع بالاستقلال اللازم حيث أن التنظيم الهيكلي لوزارة العدل جعلها مرتبطة مباشرة بالوزير، وحتى من الناحية العملية يتواجد مقر هذه الهيئة بمبنى الوزارة مما يجعلها تحت سيطرة وزير العدل قانونا وواقعا.
الهيكلة المؤسساتية:
إن القضاء كهيئة تتعرض للعديد من تدخلات السلطة التنفيذية في شؤونها ويتجلى هذا عبر مختلف التعديلات التي طالت النظام الأساسي للقضاة، حيث أنها قوضت من مبدأ عدم قابلية العزل وجعلته مفهوما مطاطيا، فالترقية من درجة لأخرى مرتبطة أولا بتوفير المنصب المالي في قانون المالية للسنة وليس حسب الأقدمية أو الكفاءة والنجاعة وثانيا بالتواجد في لائحة الأهلية التي يقترحها المجلس الأعلى للقضاء ويضعها وزير العدل (المادة 23 من النظام الأساسي للقضاة) دون أن يكون هذا الأخير مقيدا باقتراحات المجلس، مما يجعل الترقية سلاحا في يد ممثل السلطة التنفيذية يهدد به كل من حاول عدم الامتثال للتعليمات والضغوط كما أنه هو الذي يضع جدول أعمال الدورة ويحدد تاريخ بدء أشغالها، وعلاوة على هذا فإن القضاء الواقف أو أعضاء النيابة العامة يخضعون مباشرة لوزير العدل (المادة 56 من النظام الأساسي) ويستثنون من مبدأ عدم قابلية النقل إلا بقانون خلافا لقضاة الحكم وهذا غير مقبول لأن الاثنين، قضاة الحكم وأعضاء النيابة العامة يشكلان هيئة واحدة تخضع لنفس الحقوق والواجبات، كما أن هؤلاء ملزمون باستشارة وزير العدل وإتباع أوامره فيما يخص السياسة الجنائية خاصة المتابعات وهذا يشكل خرقا سافرا للمبدأ الدستوري الذي ينص على استقلال القضاة عن السلطة التنفيذية، وتتعدد سلطات الوزير بقوة النصوص التشريعية والتنظيمية في مجال تعيين القضاة حيث أنه يعين بقرار وزاري الملحقين القضائيين كما أنه يعين باقتراح من رئيس المحكمة القاضي المكلف بالزواج لمدة ثلاث سنوات علاوة على أن له صلاحية انتداب القضاة (المادة 57 من النظام الأساسي) عند الحاجة أو لملئ فراغ في قضاء الحكم أو التحقيق أو النيابة العامة للقيام بهذه الأعمال لمدة لا تتجاوز ثلاثة أشهر في كل سنة قابلة للتجديد مرة واحدة وذلك بموافقة القاضي المعني بالأمر وتعد هذه الصلاحية من أشد المقتضيات القانونية مساسا بمبدأ عدم قابلية النقل الدستوري.
وفي إطار ضبط قواعد العمل بالمجلس الأعلى للقضاء، تم وضع نظام داخلي يضبط القواعد والمساطر والمعايير الموضوعية لتقييم عمل القضاة وذلك لتفادي تناقض وجهات النظر وإحداث القطيعة مع مجموعات الضغط التي تعمل وتأثر على عمل المجلس من الخارج، وقد كانت بعض الأطراف الخارجية قد طعنت في شرعية هذا النظام الداخلي من حيث أنه نص تنظيمي يسعى إلى تقنين عمل مؤسسة دستورية لكن جهاز القضاء نفسه عبر المحكمة الإدارية قضى بشرعيته ومطابقته للقوانين الأعلى درجة منه بعدما صادق عليه الملك، وهذا يدل على أن هناك مجموعات ضغط وفاعلين من خارج الجهاز وحتى من داخله ليست لهم المصلحة في السير الشفاف والمحايد للأجهزة القضائية.
وتجدر الإشارة بهذا الخصوص أنه منذ مطلع الألفية الثالثة، ارتفعت وتيرة أشغال المجلس الأعلى للقضاء الذي بدأ يعقد دورة السنوية بانتظام بدل الجمود الذي كان يعتريه في السابق مما فتح الآفاق والطموحات أمام القضاة فيما يخص ترقيتهم؛ كما أن أشغاله تتسم بنوع من الشفافية حيث يتم نشر نتائج الأشغال بعد مصادقة الملك عليها عبر الصحافة بمجرد انتهاءها رغم أن ما ينشر يتعلق فقط بالأرقام ونوع القرارات المتخذة دون الإفصاح عن هوية القضاة الذين تنطبق عليهم القرارات التأديبية منها وكذا المتعلقة بالترقيات ويتبين من خلال إحصائيات الوزارة المعنية المتوفرة أن هناك ارتفاع ملحوظ سواء في عدد المتابعات التأديبية أو في عدد الترقيات مقارنة بالسنوات الفارطة:
“إصلاح القضاء: حصيلة الإنجازات (1997_ 2002) التغيير في تحرك، ملحق 4، أكتوبر 2002، وزارة العدل.
| السنة | 1998″ | 1999″ | 2000″ | 2001″ | 2002″ | 2004″ |
| عدد المتابعات التأديبية | 60 | 47 | – | 29 | 27 | 19 |
| عدد الترقيات | 165 | 309 | – | – | 605 | 613 |
× تقرير حول أنشطة وزارة العدل خلال سنة 2004 ومخطط عملها برسم سنة 2005، ص. 30.
وبالنسبة للمحاكم فهي تخضع لرقابة المفتشية العامة التي هي جهاز ملحق بوزير العدل مباشرة، تقوم بتفتيش المحاكم فيما يتعلق بالتسيير وتدبير الملفات والقضايا وكذلك مدى احترام تطبيق المساطر والإجراءات طبقا للقوانين التشريعية والتنظيمية وتقدم تقاريرها للوزير لكي يتخذ القرارات التي يراها ملائمة، ويعتبر هذا كذلك تدخلا للسلطة التنفيذية في شؤون القضاء من شأنه أن يهدد استقلاله.
وفي نفس السياق، نجد أن أجور ورواتب القضاة كما هو الشأن بالنسبة لميزانية المحاكم تتحكم فيها السلطة التنفيذية التي تقرر تقليصها أو زيادتها حسب الظرفية الاقتصادية وكذا السياسية، هذا مع العلم أن أجور القضاة ثابتة ومحددة ولا تضاهي رواتب الموظفين السامين رغم أنه تمت مراجعة قيمتها في 2005 بالنسبة للدرجات الدنيا (الملحقين القضائيين وقضاة الدرجة الثالثة)، في حين أن مستوى المعيشة يرتفع باستمرار تحت وطأة التضخم المالي وهزالة معدل النمو الاقتصادي، كما أن الترقية بين درجة وأخرى تستغرق سنوات عديدة ولا تتحقق بصفة مباشرة عند توفر الشروط، لذلك حيث أن مبدأ الترشيد والتحكم في مصاريف الميزانية العامة للدولة يجري على مناصب القضاة أيضا بحيث أن الترقية تبقى مقرونة بشرط توفر المنصب المالي في قانون المالية للسنة مما يجعل القضاء مرة أخرى تحت وطأة السلطة التنفيذية وهذه كلها عوامل تحدد وتتركب فيما بينها لتؤدي إلى إضعاف نزاهة واستقامة القاضي وتعريضه لضغوط سلطة المال فيرزح أمام المغريات المادية كالرشوة.
استقلالية القضاة:
يتمتع القاضي بحصانة نسبية تمكنه من أداء وظيفته بنوع من النزاهة والاستقامة الأدبية والفكرية بمنأى عن الضغوطات والتهديدات حيث يستفيد من الامتياز القضائي الذي بموجبه لا يمكن أن يكون موضوع متابعة أو إدانة أو تحقيق إلا بأمر من النيابة العامة يصدر عن قاض من نفس الدرجة على الأقل كما أن الدولة تحمي “القضاة مما قد يتعرضون إليه من التهديدات والتهجمات والسب والقذف ضمن مقتضيات القانون الجنائي والقوانين الخاصة الجاري بها العمل. كما تضمن لهم – زيادة على ذلك عند الاقتضاء – طبقا للنصوص التنظيمية الجاري بها العمل تعويضا عن الأضرار التي يمكن أن تلحقهم أثناء مباشرة مهامهم أو بسبب القيام بها وذلك في غير ما يشمله التشريع الخاص برواتب المعاش ورأس مال الوفاة. وتحل في هذه الحالة محل المصاب في حقوقه ودعاويه ضد المتسبب في الأضرار” (المادة 20 من النظام الأساسي).
موازاة مع هذا فإن القانون الجنائي يعاقب كل قاض (أو موظف) ارتكب جريمة الرشوة أو استغلال النفوذ (المادتين 284 و 249) مع ظروف التشديد في حالة كان الجاني قاضيا.
كما أن القضاة يتحملون واجبات تقيد حريتهم من قبيل منعهم من ممارسة “… كل نشاط سياسي وكذا كل موقف يكتسي صبغة سياسية” (المادة 13 من النظام الأساسي للقضاة) إضافة إلى منعهم من “… تأسيس نقابات مهنية أو الانتماء إليها” (المادة 14 من النظام الأساسي). وقد بلغ هذا المنع ذروته من خلال الأحداث التي عرفتها سنة 2003، حيث أن “الجمعية المغربية للدفاع عن استقلال القضاء” التي ينشط بها بعض القضاة شاركوا في تأسيسها بمعية محامين وأفراد المجتمع المدني في 27 يوليو، 2001، رفعت عريضة إلى الملك باعتباره رئيس المجلس الأعلى للقضاء موازاة مع نشر أحد القضاة المنضويين للجمعية لمقال في إصلاح القضاء فكانت النتيجة أن تم توقيفه وإحالته على المجلس الأعلى للقضاء كمؤسسة تأديبية تم علي إثره نقله إلى مقر عمل آخر يبعد بمئات الكيلومترات عن مقره السابق، وقد تفاعلت هذه القضية وسط القضاة والمجتمع وأثارت جدلا حول حرية القضاة في الانتماء للجمعيات خاصة أن هناك إعلان ميلانو لسنة 1985 وكذا المادة 12 من النظام الأساسي العالمي للقضاة الذي صاغه الاتحاد العالمي للقضاة وشارك في التصويت عليه قضاة مغاربة بسنة 1999، التي تنص أنه “يجب الاعتراف بحق تأسيس الجمعيات المهنية لضمان استشارة القضاة، خاصة فيما يتعلق بتحديد القواعد المتعلقة لنظامهم الخاص وبأخلاقيات المهنة وبغيرها، وبالوسائل الموضوعة رهن إشارة القضاء، وكذا لتمكينهم من ضمان الدفاع عن حقوقهم المشروعة.”
تحديث أساليب العمل وتحسين الفعالية
الهيكل التنظيمي للإدارة المركزية
تم ترشيد عمل القضاء عبر اتخاذ عدة تدابير منها إعادة هيكلة الإدارة المركزية لوزارة العدل طبقا لنظريات التدبير الحديثة لتتمكن من أداء مهامها بفعالية، وتوزيعها على ثلاثة أقطاب: القطب القضائي أو القطب الخاص بالمهن ويضم مديرية الشؤون المدنية ومديرية الشؤون الجنائية والعفو ومديرية إدارة السجون وإعادة الإدماج وقسم محاكم الجماعات والمقاطعات، ثم القطب التنظيمي أو العملياتي ويضم مديرية الموارد البشرية ومديرية الميزانية والتجهيز وأخيرا القطب التوجيهي الذي يضم مديرية الدراسات والتعاون والتحديث وقد تمت مراجعة هذا الهيكل التنظيمي سنة 2004 حيث قسمت مديرية الميزانية والتجهيز إلى مديريتين أسندت للأولى مهمة تدبير شؤون الميزانية بينما أوكل للثانية أمر إدارة ممتلكات الوزارة والإشراف على مشاريعها التجهيزية.
إحداث المحاكم التجارية
تحسينا للولوج للقضاء واستجابة للفاعلين الأجانب خاصة منهم الفاعلين الاقتصاديين الذين يشترطون توفر الأمن القانوني لإنجاز الاستثمارات، ثم إحداث 6 محاكم تجارية و 3 محاكم الاستئناف تجارية سنة 1998 عززت بمحكمتين تجاريتين في 2002 في أهم المدن المغربية وذلك بدعم من البنك الدولي والملاحظ أن دعم المؤسسات الدولية المانحة لا يركز إلا على القضاء التجاري وحده لارتباطه بمجال الاستثمار الدولي ومصالح المستثمرين الأجانب، وقد تم في هذا الشأن تجهيز هذه المحاكم بالأنظمة المعلوماتية التي تمكنها من التدبير الشفاف والسريع للقضايا المعروضة عليها ونظرا لسرعة اكتظاظها بالنزاعات المعروضة عليها فقد تم رفع سقف قيمة القضايا المعروضة عليها من 5.000 درهم إلى 20.000 درهم وتحويل القضايا ذات القيمة الأقل من هذا السقف إلى اختصاص المحاكم الابتدائية مما سهل الولوج للقضاء لصغار التجار لدى 66 محكمة ابتدائية المنتشرة بالبلاد بدل 8 محاكم تجارية التي يمكن أن تبعد على التاجر المتقاضي مئات الكيلومترات رغم أن الهدف الأول من هذا التعبير كان التخفيف من حجم القضايا المعروضة على المحاكم التجارية والاحتفاظ بخدماتها لذوي المصالح الاقتصادية الكبرى والوازنة.
الخريطة القضائية
وتندرج في هذا الإطار مراجعة الخريطة القضائية التي تقوم بها الوزارة دوريا وذلك للاستجابة لحاجيات المواطنين في هذا الشأن وتقريب القضاء منهم إلا أن هاته المراجعات المتتالية تفتقد للرؤية المندمجة والمبنية على دراسة جغرافية حاجيات المواطنين وصياغة السياسة القضائية بناء على ضوء هذه المعطيات حيث أن التأخير الحاصل في إنشاء محاكم الاستئناف الإدارية خلق وضعيات غريبة يعيشها المتقاضين. فنجد أن سكان الداخلة مثلا كانوا حتى وقت قريب ينازعون إداريا أمام المحكمة الإدارية بأكادير واستئنافيا أمام محكمة الاستئناف بالعيون ومع إنشاء محكمتي الاستئناف الإدارية بالرباط ومراكش بموجب المرسوم رقم 2-06-187 لــــ 25 يوليو 2006 فإنهم سيضطرون للاستئناف أمام محكمة الاستئناف بمراكش أي بمسافة تبعد عن الداخلة بأزيد من 800 كلم ويبقى هذا أبعد من تحقيق هدف تقريب القضاء من المواطنين وكذا تحقيق مبدأ دولة القانون.
من جهة أخرى شهد عدد المؤسسات القضائية ارتفاعا طفيفا خلال العشرية 1996-2006 حيث أن عدد المحاكم الابتدائية (66) ومحاكم الاستئناف (21) لم يتغير في حين أنشأت 8 محاكم تجارية و 3 محاكم استئناف تجارية سنة 1998 كما أحدثت مقرات لأقسام قضاء الأسرة لدى المحاكم الابتدائية منذ دخول قانون الأسرة حيز التطبيق بـــــ 2004 وفي أواخر 2006 أنشأت محكمتي الاستئناف الإداريتين وفي المقابل فقد تم إلغاء محكمة العدل الخاصة (2005) التي كانت تختص في جرائم الرشوة واستغلال النفوذ المرتكبة من طرف الموظفين والتي كانت تعد محكمة استثنائية نظرا لكون المسطرة المتبعة بها لا تتوفر على ضمانات حق الدفاع وكذلك لأنها أبانت عن محدودية فعاليتها وكانت تسخر لأغراض سياسية أكثر منها لمعاقبة وزجر الجرائم المالية وتم إدراج هذه الجرائم المالية في نطاق اختصاص المحاكم العادية.
استعمال تكنولوجيا الإعلام والتواصل
تتلخص حركة التحديث في عصرنة وسائل العمل واستعمال التكنولوجيا الحديثة حيث تم ربط الاتصال بشبكة الانترنت وإحداث موقع للوزارة وإحداث شبكة الانترنت بين مختلف مصالح الوزارة للتواصل فيما بينها وتسريع تداول المعلومات لإنجاز الخدمات في مدة أوجز، وقد قامت الوزارة بتحديث الهياكل الإدارية لمواكبة هذه العملية وذلك عبر خلق مديرية توجيهية وهي مديرية الدراسات والتعاون والتحديث تسهر على تطبيق التدابير التي تندرج في هذا النطاق. كما أنه تم إطلاق خدمات على الخط في إطار برنامج e-services (الخدمات عن بعد) يمكن للفاعلين القانونيين والاقتصاديين بواسطتها تتبع سير القضايا عبر الانترنت بالمحاكم التجارية، وكذلك تتبع وتفقد السجل التجاري بعدة محاكم تجارية وقد فازت وزارة العدل بجائزة أفضل الخدمات على الخط برسم سنة 2005 إلا أنه يجدر التذكير في هذا الباب أن المحاكم التجارية هي التي حظيت بحصة الأسد من الاستثمارات في هذا المجال وهذا راجع كما أشير سابقا إلى كون الفاعلين الاقتصاديين الأجانب أثروا بثقل كبير على هذا التوجه وذلك لإعطاء أحسن ضمانات النجاح لاستثماراتهم. كما أن المجلس الأعلى، أعلى هيئة في الهرم القضائي استفاد من برنامج (1999-2006) لدعم نشر المعلومات القانونية والقضائية وحوسبة المساطر وذلك غي إطار اتفاقية تعاون وزارة العدل مع برنامج الأمم المتحدة للإنماء.
تحسين الفعالية
إن مبدأ المساواة أمام العدالة يقتضى أن يتوفر كل مواطن على نفس الفرص للولوج إلى القضاء وبأقل تكلفة، ورغم أن المنظومة القانونية تشتمل على نصوص متعلقة بحق المساعدة القضائية بالنسبة للمعوزين إلا أن تطبيقها يأخذ وقتا طويلا وعموما فقد أثبتت قصورها وعدم قدرتها للاستجابة إلى خصاص كبير على هذا المستوى، خصوصا وأن التمثيلية القانونية أمام المحاكم إجبارية على كل متقاض عدى في حالات نادرة وأن أتعاب المحامي والرسوم القضائية تبقى باهظة مقارنة بمستوى مدخول شريحة كبيرة من المواطنين، كما أن دولة القانون تتجسد أيضا في تنفيذ الأحكام والقرارات الصادرة عن مختلف محاكم البلاد وبهذا الخصوص، وبالرغم من الجهود المبذولة للرفع من وتيرة تنفيذ الأحكام عبر حملات دورية تقوم بها خلية مركزية بوزارة العدل محدثة للتتبع ولضمان استمرارية عملية تنفيذ الأحكام وإحداث مؤسسة القاضي المكلف بإجراءات التنفيذ وكذلك من خلال إحداث نظام جهوي لتنفيذ الأحكام الصادرة في ميدان حوادث السير وحوادث الشغل ضد شركات التأمين. إلا أن هذه المجهودات تخص فقط المجالات المذكورة أعلاه وتبقى الأحكام الصادرة في الشؤون المدنية أو العقارية أو الإدارية تعاني من عدم فعالية مساطر التبليغ والتنفيذ خاصة وطول مدة الدعاوي عامة مما يشكك في مصداقية القضاء ويؤثر سلبا على ثقة المتقاضين.
تعزيز أخلاقيات القضاء
يمكن استنباط ميثاق الأخلاقيات الملزم للقضاة عبر عدد من النصوص القانونية التي تتطرق إلى السلوكيات حيث يخصص النظام الأساسي للقضاة الباب الأول من القسم الثاني للقانون لحقوق القضاة وواجباتهم كما أن النظام الداخلي للمجلس الأعلى للقضاء يتضمن مقتضات في هذا الشأن إضافة إلى أن القضاة وأزواجهم ملزمون بموجب قانون التصريح بالممتلكات بالتصريح بما يملكونه من عقار ومنقولات بمجرد تسلمهم لمهامهم القضائية إلا أن هذا القانون بقي حبرا على ورق ولم يفعل نظرا لعدم توفره على آليات التتبع والتقييم والزجر في حالة خرقه وقد عرض في الآونة الأخيرة (2007) نفس مشروع القانون أمام أنظار البرلمان بضيقة جديدة تشتمل على الآليات السالفة الذكر وقد أثار جدالا كبيرا تحت قبة البرلمان لكون نواب الأمة معنيون به كذلك.
من جهة أخرى وفي إطار إجراءات تخليق الحياة العامة بهذا القطاع، تتكلف مديرية الشؤون المدنية لوزارة العدل بمراقبة المهن القضائية من عدول وموثقين ومحامين ومفوضين قضائيين وخبراء وتراجمه حيث تعمل مع الهيئات التي تنضوي تحتها هذه المهن وتتلقى الشكايات ضدها وقد اتسمت السياسة القضائية في هذا المجال بمراجعة عدد من القوانين المنظمة لهذه المهن في اتجاه تحيينها وضبط شروط مزاولة كل مهنة وتوضيح العلاقة بين المهنيين وزبنائهم وتحديد نطاق المسؤوليات والحقوق والواجبات، إلا أنه بالرغم من أن وزارة العدل تمارس وصايتها على المهن القضائية من خلال التنظيم وتدبير التكوين وتسليم الشهادات المهنية وإشراكهم في الملفات التي تخصهم، إلا أن قسطا ليس بالهين من مشاكل القطاع نابعة من سوء التسيير وضعف البنيات التنظيمية للمهن القضائية الحرة حيث لا تسلم هي الأخرى من ظاهرة الرشوة والفساد الذي ينخر أجهزتها ويتم خرق القانون والتعيش من جهل المواطنين دون وازع ضمير أو سلطة رادعة.
كما أن برنامج التخليق شمل إعادة تنظيم صناديق المحاكم ومراقبتها حيث أن كتاب الضبط المكلفين بمسك الحسابات بها ثبت في حق العديد منهم اختلاس الأموال وتحويلها لأغراض شخصية ويتضح هذا عبر مظاهر البذخ والثراء التي تظهر على بعض الموظفين من هذه الشريحة علما أن رواتبهم ضئيلة لا تكفي حتى لضمان عيش كريم لأسرهم، وهذه بالذات وضعية تعرضهم للانزلاق وخرق القانون.
إلا أن أقوى إشارة يمكن أن ترد في مجال تخليق القضاء هو حسم العدالة في عدد من ملفات الفساد المالي والإداري المتعلقة بمسيري بعض المؤسسات العمومية المتابعون بتهم “تبديد الأموال العمومية واستغلال النفوذ”، والتي عرضت على أنظار محاكم الاستئناف المختصة منذ أكثر من ثلاث سنوات (2001_ 2002) بعد إلغاء محكمة العدل الخاصة، ولم يتم الحسم بعد في بعضها نهائيا حيث توجد المسطرة في مرحلة اعتبار الملف جاهزا للمناقشة بعد طول انتظار وظهور علامات اليأس على الرأي العام عبر الصحافة المكتوبة.
كما أن سنة 2006 عرفت مقاضاة العديد من ممثلي الأمة في إطار انتخابات أعضاء الغرفة الثانية بالبرلمان حيث ثبت تورط بعضهم في قضايا الفساد الانتخابي بتهم “الرشوة وشراء الأصوات” وجرت محاكمة 13 المستشار تمت إدانة 12 منهم والإفراج عن واحد فقط
تقوية الكفاءات وتحسين مستوى التكوين
يشترط في الالتحاق بمعظم المهن القضائية التوفر على الإجازة في العلوم القانونية المسلمة من طرف الجامعات حيث يبقى التكوين نظريا ويفتقر إلى وسائل التعليم الحديثة بالرغم من استفادته من سياسة إصلاح التعليم والتكوين التي عرفها المغرب في السنوات الأخيرة.
وبالنسبة للقضاة، فهو يتكونون عبر الالتحاق بالمعهد العالي للقضاء بعد النجاح في اجتياز المباراة وقد تمت إعادة النظر في نظام التكوين الإعدادي بالمعهد العالي للقضاء حيث تم الارتقاء بالمعهد بموجب القانون 09-01 إلى مؤسسة عمومية تتمتع بالاستقلالية المالية والإدارية والشخصية القانونية ويقصد بإدخال هذه المرونة على مستوى التدبير تمكين المسيرين من وضع الإصلاحات اللازمة وتطوير البنية الإدارية للمعهد العالي دون اللجوء إلى الوزارة الوصية، لكن قراءة وجيزة في النص المنظم للمعهد تبين أن هذه الاستقلالية هي جد نظرية حيث يتبين أن وزير العدل حاضر بقوة فيما يخص القرارات الاستراتيجية للمعهد لأنه يعين عدد من أعضاء مجلس الإدارة إضافة إلى أنه يترأسه وعلاوة على هذا أضيفت مواد جديدة في برنامج التكوين كتعليم اللغات الحية وحقوق الإنسان والتجارة الدولية والمعلوميات وتقنيات التواصل.
وقد أنيطت بالمعهد مهمة التكوين المستمر لكتاب الضبط والأعوان القضائيين، إلا أن برنامج التكوين المتوفر لحد الآن هزيل ولا يشمل جميع جوانب المهام والاختصاصات التي سيزاولها هؤلاء الموظفون، ويبقى تكوين الأعوان القضائيين خاصة منهم كتاب الضبط دون المستوى مع العلم أن كاتب الضبط يلعب دورا محوريا في إدارة المحكمة وتبقى الدورات التكوينية التي تنظمها الوزارة أو المعهد العالي للقضاء بين الحين والآخر غير كافية لتغطية هذا العجز.
وقد بذل مجهود لا يستهان به في تكوين القضاة المختصين رغم أن الجدل لم يحسم بعد فيما يخص مسألة تخصص القاضي أو تأهيله للنظر في جميع القضايا كيفما كان نوعها، فقد تخرج من بين الأفواج الأخيرة قضاة تجاريين وقضاة إداريين وقضاة التوثيق (قضاة الأسرة) التحقوا بالمحاكم التجارية والمحاكم الإدارية وأقسام قضاء الأسرة بالمحاكم الابتدائية.
أما فيما يخص تكوين مهنيي القضاء كالمحامين والموثقين والخبراء والعدول فأغلبهم من خريجي كليات الحقوق بالمملكة أو جامعة القرويين أو دار الحديث الحسنية وتبقى برامج التعليم المقدمة من الكليات جد نظرية ومحدودة الآفاق حيث يتم في القليل من الحالات فقط الإطلاع على الأنظمة القضائية والقانونية المقارنة بالإضافة إلى قلة بل وانعدام انفتاح الجامعة على محيطها الخارجي وإذا زيد على هذا ضعف التأطير العلمي والبيداغوجي الذي يحظى به المتدربين في المهن القضائية فإن هذا يعطى فكرة كافية عن أسباب ضعف أداء هذا القطاع وبالتالي الأسباب العميقة وراء هشاشة بنية قطاع القضاء.
ولإشاعة المعلومات القانونية والقضائية وتعميمها على جميع العاملين بالقطاع، يتم استنساخ العديد من الأقراص المدمجة وطبع ونشر المجلات التي تحتوي على قرارات المجلس الأعلى وتوزيعها على المحاكم أو عرضها للبيع.
وخلاصة يمكن القول أن هذا القطاع لا زال يعاني من مظاهر الفساد وكمؤشر موضوعي على هذه الوضعية عدم ثقة المتقاضين بقضائهم بل ومنهم من يعزف عن الالتجاء إلى القضاء للمطالبة بحقوقه وهذا مظهر من أشد مظاهر إفلاس القضاء، دون ذكر تعقيد وطول المساطر في المحاكم وبطء التنفيذ مما يضرب في مصداقية الجهاز القضائي وبالتالي يؤثر على مناخ الاستثمار وكذا الوضع الاجتماعي.
كما أن هذا التحول في الرؤية السياسية لمجال السلطة الذي يترجم بالإصلاح لا يجسد تحولا جذريا في هذا القطاع، حيث أن سياسة إصلاح العدالة المعلنة تتمثل في مراجعات تقنية جزئية ومتفرقة لبعض مكونات القطاع القضائي تفتقر للرؤية الاستراتيجية المندمجة التي يجب أن تتميز بها السياسات العمومية والتي تبرمج على المدى المتوسط والبعيد وتتمحور على أهداف محددة وتتضمن آليات التنفيذ والتتبع والتقييم وتتجاوز الرؤية القطاعية في حد ذاتها التي تشوه مقاربة الإصلاح ككل.
الإصلاح الإداري
تميز بداية سنة 1996 (يناير وفبراير) بالجملة التطهيرية التي شهدتها الأوساط الاقتصادية بالمغرب عبر مديريتي الضرائب والجمارك بوزارة الاقتصاد والمالية، حيث قررت السلطة المركزية بعد انتقادات البنك الدولي للأداء السيئ للإدارة والقضاء بالمغرب أن تكيف هذه الانتقادات لصالحها حسب قراءات بعض المحللين السياسيين، بشن حملة ضد الفارين من واجباتهم الضريبية وكذا الجانحين والمهربين للسلع والمخدرات والتي انتهت أشواطها بعد سنة من المفاوضات بالعفو الضريبي (amnistie fiscale) وقد نتجت عنها عواقب وخيمة على الاقتصاد الوطني والاستثمار نظرا للتجاوزات وتصفية الحسابات التي تخللتها الحملة والتي كانت، كما يظهر من تسميتها، إجراءات ظرفية ليس الهدف منها الإصلاح بل إعادة ترتيب القوى الفاعلة آنذاك السياسية منها والاقتصادية.
ومع تولي العرش ملك جديد، برزت تطلعات وآمال جديدة في الإصلاح وكان من بين أول ما جاء به العهد الجديد “المفهوم الجديد للسلطة” الذي يتجسد على مستوى الإدارة بالعمل بمبادئ دولة الحق والقانون والأخذ بحقوق الإنسان واحترام الحريات العامة كما صادق المغرب عليها من خلال المعاهدات الدولية من حقوق اقتصادية واجتماعية ومساواة أمام القانون والمرفق العام، ولم يفتأ الملك ينادي ويلح على ضرورة فتح أوراش الإصلاح على جميع الأصعدة خاصة منها إصلاح الدولة بالمعنى الحصري أي إصلاح العمل الحكومي عبر إصلاح الإدارة.
حكومة التناوب
(1997–2002)
كان من بين أولى الإجراءات التي اتخذتها في هذا الشأن وضع ميثاق حسن التدبير كإطار مرجعي للمبادئ والقيم التي يجب أن تنظم العمل والسلوكات داخل المرفق العمومي؛ وقد كان ينبي على ثلاث محاور أساسية ألا وهي الالتزام بالسهر على تخليق الإدارة وذلك عبر احترام الشرعية والتأكيد على قواعد دولة الحق والقانون، والالتزام بترشيد التدبير. العمومي عبر التحكم في الكلفة وتطوير عمليات الافتحاص والتدقيق والسهر على نشر تقارير التدقيق وأخيرا التزام الإدارة بالتواصل والتشاور.
ورغم أن ميثاق حسن التدبير هذا استفاد من حملة تواصيلة، إلا أنه لم يتجاوز مرحلة التصريح بالنوايا الحسنة وبقي حبرا على ورق، ذلك أن الإرث الثقيل في هذا المجال كافي بأن يبطل أحسن العزائم الإرادية وأن حقيقة الوضع الاجتماعي والثقافي الذي تتواجد عليه بل وتكونت عليه الإدارة المغربية هي أبعد وأعقد من أن تصلح عبر تصريحات رئيس الحكومة وإن كان شخصية تمتاز بثقة واحترام الجميع.
وقد صبت جهود الحكومة الموالية لحكومة التناوب (2002) في نفس الاتجاه حيث أن تم استحداث وزارة تحديث القطاعات العامة لتحل محل الوزارة المكلفة بالوظيفة العمومية والإصلاح الإداري مع العلم أن هذا التغيير في التسمية لم يصاحب باستصدار أي نص تنظيمي يعيد النظر في الهيكلة التنظيمية الإدارية ويحدد اختصاصات هذه الوزارة وهذا إلى غاية أواخر سنة 2006 (نوفمبر) وقد كان من بين أهداف التحديث محاربة أسباب ومعوقات التنمية الاقتصادية والتي مردها أساسا هو عجز الإدارة عن القيام بالدور المنوط بها في تنفيذ السياسات والبرامج الحكومية التي من شأنها أن تعود بالنفع على المواطنين وتهييئ البنى التحتية اللازمة لإجراء المعاملات المدنية والتجارية وضمان سعر معاملات وخدمات بأقل تكلفة وذلك لتحقيق الإقلاع النوعي الذي لازالت تفتقر إليه.
وارتكز البرنامج الحكومي لإصلاح الإدارة خلال فترة انتداب الحكومتين، بدعم تقني ومالي من البنك الدولي والاتحاد الأوروبي وبرنامج الأمم المتحدة للإنماء، على محورين أساسين هما تحسين فعالية الإدارة في تدبير المالية العامة وكذلك تحسين نجاعة الإدارة في تدبير الموارد البشرية، موازاة مع العمل على إرساء دعائم التدبير اللامتمركز للموارد سواء كانت مالية أو بشرية والارتقاء بالأخلاقيات في المرفق العام والحث على الشفافية وذلك من أجل تحسين جودة المرفق العمومي.
تحسين فعالية الإدارة في تدبير الميزانية والموارد المالية
استجابة للتغيرات الاقتصادية والمالية على المستوى الدولي وبعد سلسلة الإصلاحات التي عرفها المغرب على المستوى الماكرو اقتصادي في إطار برنامج التقويم الهيكلي كان أول وأهم إصلاح عرفته المالية العمومية هو تغيير القانون التنظيمي لقانون المالية (الموازنة) في أواخر 1998 والذي كان الهدف منه التطابق مع المقتضيات الجديدة لدستور 1996 وكذلك إدخال نوع من المرونة في صياغة وتنفيذ الميزانية.
ابتداء من سنة 2002، ارتفعت وتيرة تحديث المساطر المتعلقة بإعداد وتنفيذ قانون المالية، وهو ما يعرف بالمقاربة الجديدة لتدبير الميزانية، والتي تقوم على أربعة ركائز رئيسية وهي:
تحسين تقنية البرمجة المتعلقة بالميزانية ووضوح ارتباط هذه الأخيرة بالسياسات العمومية مع امتدادها على المدى المتوسط (3 سنوات) وإدماجها في إطار تخطيط التنمية الاقتصادية والاجتماعية:
العمل بشمولية الاعتمادات حيث يمكن للأمرين بالصرف من تحويل الاعتمادات إلى حد ما (في إطار الفقرة وليس فقط في إطار السطر) دون الحاجة إلى تأشيرة مسبقة من وزارة المالية وذلك مقابل الالتزام بتحقيق نتائج محددة مسبقا على مدى جدول زمني معين وصياغة مؤشرات أداء كمية تمكن من تتبع تنفيذ البرامج أو المشاريع، وقد طبقت هذه التجربة النموذجية منذ 2003 في بعض الوزارات كقطاع الصحة والمالية والصيد البحري والزراعة والتخطيط وبدأت تعمم تدريجيا حيث ستشمل كافة الوزارات في أفق 2006، وستمكن هذه المقاربة، بالإضافة للمرونة التي تتيحها في التدبير، من تبسيط قراءة المعلومات المتعلقة بالميزانية للبرلمانيين وكذا الرأي العام، لكن يجب التسطير في هذا الشأن أنه لتحقيق هذا الهدف، يجب على وزارة المالية أن تهيئ مشروع قانون التصفية في السنة الموالية للسنة التي يتعلق بها وليس أربع أو خمس سنوات فيما بعد كما هو الشأن حاليا، حيث تفرغ مناقشة قانون التصفية بالبرلمان من محتواها نظرا لتغير أعضاء الجهاز التنفيذي الذي يتعلق هذا القانون بفترة انتدابهم وبالتالي عدم إمكانية محاسبتهم من طرف ممثلي الشعب.
تدبير الميزانية الموجه نحو النتائج والأداء والالتزام بتحقيق إنجازات معينة طيلة مدة الانتداب مع العلم أن ما ينتهجه غالبية صانعي القرار هو “تدبير للوسائل” حيث يتسارعون قبيل أخر السنة الميزاناتية إلى استهلاك ما تبقى من اعتمادات مالية في ميزانيتهم دون الأخذ بمبادئ ترشيد النفقات وفعاليتها وذلك ليس إلا ليضمنوا تحديد نفس المبالغ من الاعتمادات على الأقل في السنة الموالية.
تحميل المسؤولية لكل من بيده القرار عبر تقنية التعاقد وإشاعة ثقافة التقييم ويتجلى هذا من خلال سنة قانون المراقبة المالية على المنشآت العمومية وهيآت أخرى (2003) الذي شرع في العمل به في عدد من المؤسسات العمومية الكبرى وينص هذا القانون على سن رقابة مالية مسبقة مكيفة بحسب درجة تنظيم وهيكلة المؤسسة وتخفيف بل وحذف الرقابة القبلية بالنسبة لبعض المؤسسات العمومية الاقتصادية المهيكلة بنيويا والتي تحقق مردودية ونتائج إيجابية مع إلزامها بإحداث أنظمة للرقابة الداخلية وكذا لجنة التدقيق بها وفي نفس السياق، صدر القانون المتعلق بمسؤولية الآمرين بالصرف والمراقبين والمحاسبين العموميين (2003) وكلها قوانين تراجع حدود نطاق مسؤولية كل من بيده القرار وتعزز ضرورة محاسبة المسؤولين وتشديد الرقابة البعيدة على النفقات العمومية.
إضافة إلى هذه الإجراءات تم توسيع مجال المبادرة لدى المسئولين، مقابل مساءلة أكثر حول الأداء وتقييمه ويتجلى هذا عبر سن مدونة المحاكم المالية (2002) حيث تمت بموجبها مراجعة قانون إحداث المجلس الأعلى للحسابات، أعلى هيئة للرقابة على المالية العمومية بالارتقاء بها إلى مؤسسة دستورية تحظى بالاستقلالية اتجاه السلطات التنفيذية والتشريعية وتمارس الرقابة المالية البعدية أو الموازية على كل الإدارات والمؤسسات والمنشآت التي تسير بالمال العام، وتم كذلك بموجبها إحداث المجالس الجهوية للحسابات (2004) التي تمارس رقابتها على المالية المحلية وكمؤشر على الإرادة السياسية لتفعيل عمل هذه المؤسسة فقد تم إمدادها بجميع الوسائل المادية والبشرية للقيام بمهامها على أحسن وجه كما أنه تم تقليص الرقابة القبلية على النفقات، رغم الصعوبات التي شابت تشغيلها وإقلاعها في السنوات الأولى من إحداثها.
وتضمنت التقارير السنوية الأولى (2003/ 2004 و 2005) للمجلس الأعلى للحسابات والتي تنشر في الجريدة الرسمية بعد تقديمها للملك، أنشطة المجلس التي تلخصت عموما في إعادة تنظيمه الداخلي وإعادة النظر في مساطر توصله بالحسابات العمومية وكذا تقديم لأهل مهام رقابة التسيير ببعض المؤسسات العمومية التي باشرتها المحاكم المالية على الصعيدين المركزي والجهوي.
وعموما فإن أكثر ما يعوق حسن التدبير هو قلة التنسيق فيما بين المسئولين بل إن العقلية السائدة تنزح إلى اعتبار كل مسؤول بالإدارة التي يرأسها كمحميته الخاصة، يمكن أن يصوغ السياسة التي تبدو له الأنجع دون الأخذ بعين الاعتبار ما يصاغ من سياسات عمومية في الإدارات الأخرى مما يؤدي في بعض الأحيان إلى تناقض السياسات أو تكرارها وبالتالي هدر وتبديد موارد هي في تضاءل مستمر، ويرجع هذا إلى طغيان النظرة القطاعية العمودية وشبه غياب النظرة الأفقية التنسيقية.
تدبير الموارد البشرية في الإدارة العمومية
يتأتى إصلاح الإدارة بالتأكيد على الدور الاستراتيجي الذي يضطلع به تدبير الموارد البشرية كركن أساسي من دينامكية التغيير المنشود وقد تمحور الإصلاح في هذا الإطار على تدابير تم اتخاذها على المدى القصير والمتوسط والبعيد تتوزع كالتالي:
تحسين التطابق بين حاجيات الإدارة وكفاءات الموظفين ولبلوغ هذا الهدف ينبغي علي كل إدارة تحديد مهامها بدقة متناهية وبالتالي تحديد نوعية الحاجيات والكفاءات البشرية التي تحتاجها مع العلم أن العرض المتوفر في سوق الشغل يتكون في غالبيته من خريجي الجامعات والكليات التي نادرا ما تتوفر برامج التدريس والتكوين لديها على علوم وتقنيات التدبير بيد أن خريجي المدارس والمعاهد المتخصصة في علوم التدبير يفضلون العمل بالقطاع الخاص حيث الأجور أكثر جاذبية وإغراء وكذلك فرص الترقية وقد تم في هذا المنوال إصدار منشور للوزير الأول في يونيو 2004 بإحداث لجنة مشتركة بين الوزارات عهد إليها بالإشراف على عملية إعداد الدلائل المرجعية للوظائف والكفاءات بالإدارات العمومية من خلال إعداد الإطار المرجعي للعملية ووضع برنامج عمل حدد أساليب وطرق تنفيذ وتتبع مراحل إنجاز هذه الدلائل وقد شرعت فعلا بعض الأقسام الوزارية بخوض هذه التجربة ووضع دليلها المرجعي للوظائف والكفاءات كوزارة التجهيز ووزارة الفلاحة ووزارة الاقتصاد والمالية (2006) وذلك تحضيرا لإعادة انتشار الموظفين حسب مهام الإدارات وأنشطتها وحاجياتها من وظائف وكفاءات؛ علاوة على أن الهياكل التنظيمية للوزارات تتغير وتتبدل بتغيير الوزراء فكل مسؤول عين على رأس إدارة ما إلا ويجري تغييرا جذريا للهيكل التنظيمي لوزارته بحيث يلغي مديريات وأقساما ويحدث أخرى في بعض الأحيان تكون فقط لملاً منصب مسؤولية بأحد مقربيه دون اعتبار لجدوى إحداثه أو للمصلحة العامة ولإدخال جرعة من العقلانية في هذا المجال والحد من الاعتباطية التي شابته إلى حد قريب، تم استصدار مرسوم وزاري بشأن تحديد قواعد تنظيم الأقسام الوزارية واللاتمركز الإداري يهدف إلى تقنين قواعد هيكلة الإدارات المركزية واللامتمركزة وتمكينها من علوم التدبير والتسيير بفرض إدراج وحدات إدارية بها مكلفة بتدبير الموارد البشرية والتدقيق ورقابة التدبير والبرمجة والتخطيط والتدبير المالي وتدبير الأنظمة المعلوماتية.
نهج الشفافية واعتبار معايير الكفاءة أمام الترقية ونظام التقييم بالوظيفة العمومية حيث تم تغيير المراسيم التنظيمية المتعلقة بنظام الترقية والتقييم وذلك لتجاوز الأنظمة السابقة التي كانت تعتمد على الأقدمية، وتتميز ورقة التنقيط السنوية المعتمدة في العديد من الإدارات بهزاله معطياتها وعدم موضوعية معايير التقييم وكثرة الإطارات الخاصة بإمضاءات المسئولين الأعلى درجة بحيث أن الموظف لا يكون يعي بوضوح وجلاء ما هو مطلوب منه من مهام وما يلتزم بأدائه وتحقيقه من نتائج ويكون المسئول الأعلى منه درجة بماشرة يجري تقييمه بمعايير أقل ما يمكن أن يقال عنها أنها ليست موضوعية
لكن الملاحظ أن تطبيق هذه المراسيم الجديدة لن يخلو من مشاكل حيث أن نشرها بالجريدة الرسمية تصاحب وإعلان نقابات الموظفين عن رفضها لها ومطالبتها الوزارة المعنية بإعادة النظر في مقتضياتها.
ترشيد استعمال المناصب المالية عن طريق إعادة الانتشار وتعزيز الشفافية فيما يخص التشغيل بالوظيفة العمومية وقد تم في هذا النطاق تعميم نظام المباراة الوطنية لتوظيف الأطر (2005) بعدما كان لصانعي القرار السلطة والحرية في توظيف الأطر بتقديرهم الخاص وبحسب حاجياتهم، مما كان ينتج عنه تصرف مشوب بالزبونية والمحسوبية أو حتى الارتشاء عبر مكافأة الأتباع وتوظيف الأقارب بل والاتجار في المناصب العمومية.
تقنين سياسة التكوين المستمر وتعميمها على مختلف أطر وتقيني وأعوان الإدارات العمومية والملاحظ أنه لغاية صدور المرسوم المتعلق بالتكوين المستمر (2 دجنبر 2005) لم تكن هذه المادة منظمة وكانت تنقصها النظرة الاستراتيجية الشاملة كما أنها لا ترصد لها الاعتمادات المالية الكافية ويقتصر تنظيمها على دورات تدريبية موسمية تقوم بها بعض الإدارات لفائدة موظفيها في النطاق المركزي فقط أو باقتراح من دول صديقة في إطار برامج التعاون لا يستفيد منها دائما من هم في حاجة إليها فعليا بل في غالب الأحيان يستفيد منها الأطر المركزيين إذا لم يكن المسؤولين أنفسهم حيث يختار المسئول المقربين منه والأتباع للاستفادة منها، وليس الموظفين المتواجدين بالميدان أو المحليين، كما أنه يندرج في نفس الإطار إحداث المعهد العالي للإدارة بموجب القانون رقم 99-78 والذي بدأ فعلا في تكرين الأفواج الأولى من المتخرجين المتخصصين في علوم الإدارة والتدبير ويقترح برنامج التكوين مواد عملية مختلفة تشتمل على علوم تدبير الموارد البشرية وتقنيات التواصل والإعلاميات واللغات الحية تدرس بمناهج التكوين الحديثة.
وضع سياسة مستدامة لتدبير الموارد البشرية عبر الحفاظ والتحكم في كتلة الأجور وقد أخذت فعلا عدة إجراءات في هذا الإطار منها إلغاء توظيف الأعوان المؤقتين الغير الرسميين وكذلك الأعوان بالدرجات السفلى في سلم الوظيفة العمومية وسن القانون الذي يسمح بتشغيل بعض الكفاءات لمدة زمنية محددة، كما أن برنامج المغادرة الطوعية بالنسبة للموظفين الذين يرغبون في مغادرة الوظيفة قبل بلوغ سن التقاعد يندرج في هذا النطاق وقد كان الهدف منه التخفيف من عبء الأجور على الميزانية العامة للدولة على المدى المتوسط وتقليص نسبة كتلة الأجور مقارنة بالناتج الداخلي الخام (من 13% إلى 12%)، وقد عملت الحكومة في هذا المضمار بتوجيهات البنك الدولي الذي دعاها إلى تشجيع الموظفين على المغادرة الطوعية بمنحهم تعويضات تحفيزية، لكن التحليل الدقيق لمشكل ارتفاع كتلة الأجور يبين أن أسبابها لا ترجع إلى العدد الهائل للموظفين بل إلى غياب إستراتيجية للتدبير التوقعي للموارد البشرية على المدى البعيد ولعل أصعب ما يواجه نظام الأجور بالوظيفة العمومية هو كثرة الأنظمة الأساسية التي تحدد الإطار القانوني لكل هيئة من الموظفين حيث يوجد حاليا ما يقارب 70 نظاما أساسيا مما يجعل قاعدة تحديد الأجور تختلف من نظام لآخر وهذا يخلق نوع من التنافس بين مختلف هيئات الموظفين والأعوان بمناسبة الزيادة في الأجور لصالح هيئة ما إضافة إلى غياب الإنصاف فيما يخص أنظمة الأجور حيث تصل نسبة أعلى أجر مقارنة بأدنى أجر إلى 37 مرة بيد أن هاته النسبة لا تتعدى 7 مرات في البلدان ذات المستوى الاقتصادي المشابه، ويجري حاليا دراسة جدوى إعادة هيكلة نظام الأجور للوظيفة العمومية مبنية على الكفاءة والمردودية وتقليل الفوارق بين كبار الموظفين وصغارهم ووضع نظام موحد لكافة الموظفين والأعوان العموميين لكن هذا التغيير لن يكون بالسهل لأن الموظفين يتشبثون بما يعتبرونه مكتسباتهم الاجتماعية وكل تغيير في الوضعية النظامية له أثر على الأجور يلقى مقاومة شديدة.
علاوة على هذا فإن آليات خلق التوافق كالمجلس الأعلى للوظيفة العمومية الذي يضم ممثلين عن الإدارة والجماعات المحلية والموظفين غير مفعلة حيث أنه مرت عدة سنوات على القانون الذي أحدثت بموجبه هذه الهيئة قبل أن يظهر إلى الوجود المرسوم التطبيقي الذي يحدد تنظيمها واختصاصاتها إبان أول حكومة للتناوب (2001) ليعقد هذا المجلس بعد هذا اجتماعاته الدورية لكي يتدارس فيها قضايا ذات أهمية كبرى بالنسبة للوظيفة العمومية.
أغلب هذه التدابير قد دخل حيز التطبيق لكن مقاربة هذه الإصلاحات المؤسساتية من منظور تحليل السياسات العامة يطرح عدة تساؤلات منها ما مدى الانخراط التام والشامل لجميع الفاعلين الحكوميين من مختلف القطاعات في سياسات الإصلاح هذه ومساندتهم لها وتعاونهم وتطلعهم إلى إنجاحها وبلوغ أهدافها حيث أن الملاحظ على سبيل المثال لا الحصر أن عملية “المغادرة الطوعية” التي تم بموجبها الإحالة على التقاعد المبكر لأزيد من 38.000 موظف من الأسلاك المدنية شابتها بعض الخروقات ولم تخل من محسوبية وزبونية في انتقاء الموظفين المرشحين للإحالة على التقاعد المبكر دون مراعاة للمصلحة العامة وتم كذلك التخلي عن أطر كفأة خاصة في قطاعي التعليم العالي والصحة مع العلم أن المغرب لازال يسجل خصاصا في الأطر العاملة بهذين القطاعين مما يبرز التناقض وعدم الترابط والتماسك المنطقي لبعض أهداف السياسات العمومية وفي نفس السياق يمكن إثارة مطالب مختلف الهيئات “المتنافسة” لرفع الأجور والتي قد تم بالفعل الاستجابة لبعضها مما يتناقض بل ويبطل أهداف عملية “المغادرة الطوعية” المتمثلة في تقليص كتلة الأجور.
كما أن أجرأة السياسات العمومية تقتضي إنجاز دراسة وتقييم مرحلي لتفحص مدى تحقيق أهدافها والنظر في الصعوبات التي يمكن أن تعوق تحقيقها للعمل على إزالتها وتصحيح مسارها، إلا أن هذا البعد يبقى شبه غائب ويبقى التقييم البعدي للآثار المباشرة وغير المباشرة الإيجابية منها والسلبية للسياسات العمومية منعدما مما يفرغ العمل الحكومي من محتواه ويجعل عمل كل فريق حكومي منتدب مجرد تجربة جديدة لا تستفيد من التجارب السابقة ولا تأخذ منها العبرة.
رفع وتيرة اللاتركيز الإداري بهدف تقريب الإدارة:
يشكل اللاتركيز بعدا أساسيا من أبعاد الإصلاح الإداري وذلك لأنه يوفر الإطار الأنجع لتحقيق تدبير للشأن المحلي يستجيب للحاجيات الخاصة للمستعملين خواصا كانوا أو مستثمرين ويقلص آجال إنجاز الخدمات العمومية وكذا تكلفة المعاملات وتسهيلها ومن أهم ما أنجز في هذا المجال نذكر التدابير التالية:
خلق المراكز الجهوية للاستثمار حيث تم إحداث “شباك وحيد” لتبسيط عملية الاستثمار وتقليص تكاليف المعاملات بتوفير جميع المعلومات للازمة والقرارات في مكان واحد، لكن ومنذ دخول هذا الإجراء حيز التنفيذ أي منذ 2002 لم يطرأ ارتفاع ملحوظ على مجموع الاستثمارات الأجنبية المباشرة فما يعني أن خلق بنيات وهيآت جديدة ليس هو الحل الأنجع لإشكالية تكتسي الطابع الاجتماعي والثقافي أكثر ما هو إجرائي أو تقني وأن هذه البنيات ربما ستتراكم وتزداد على الكم الهائل الموجود مسبقا من الإدارات والمصالح العمومية.
إدخال الطابع الجهوي بصفة تدريجية على قانون المالية ابتداء من 2006 ويتماشى هذا الإجراء وضرورة تحميل المصالح اللامركزية الخارجية المسؤولية في برمجة وتنفيذ الميزانية الموجهة نحو النتائج وضرورة محاسبتهم ويندرج في هذا الإطار العمل بشمولية الاعتمادات الذي أشير إليه أعلاه وتفويض تدبير بعض الإجراءات المتعلقة بالموارد البشرية كالأجازات وشواهد العمل والتنقيط السنوي والتكوين.
العمل بتقنية تعاقد الإدارات المركزية مع مصالحها الخارجية وتفويض تدبير الاعتمادات لها مع مطالبتها بتحقيق نتائج محددة.
تشجيع علاقات الشراكة بين المصالح الخارجية والفاعلين المحليين من قطاع خاص وجمعيات ومنظمات المجتمع المدني عبر وضع إطار عمل موحد يحدد شروط هذه الشراكة ومعايير انتخاب الشركاء.
وتجدر الإشارة في هذا النطاق أنه بالرغم من أن تصريحات وبرامج المسؤولين المركزيين تصب كلها في نفس الإطار إلا أن التشريعات القانونية والتنظيمية المتعلقة بنقل أو تحويل سلطة أخذ القرار إلى المستوى المحلي لم تتخذ بعد أو على الأقل أنها تأخذ وقتا طويلا قبل أن تخرج إلى حيز التطبيق والواضح أن هذا لن يحصل بسهولة نظرا لأن كل مسئول على الصعيد المركزي يتشبث بامتيازاته خاصة فيما يتعلق بسلطة التصرف في الموارد.
دعم الأخلاقيات في المرفق العام
تزامن مسلسل الانفتاح السياسي بالمغرب في أواخر التسعينات وطرح مسألة تخليق الحياة العامة ومحاربة الرشوة والفساد على الساحة العامة وقد شكل “ميثاق حسن التدبير” (1998) المشار إليه أعلاه أول إطار مرجعي للمبادئ والقيم التي يجب أن تنظم العمل والسلوكات داخل المرفق العمومي.
وسعيا للحد من الفساد الإداري، جرت أول مراجعة للمرسوم المنظم للصفقات العمومية (دجنبر 1998) في اتجاه الحد من اللجوء إلى إبرام الصفقات بموجب التوافق المباشر بين الإدارة والممونين وتشجيع اللجوء إلى المنافسة عبر طلبات العروض المفتوحة لكن هذا لم يسمح بتحقيق الهدف المنشود وقد أعيدت صياغته في إطار مشروع مرسوم اتخذ خلال آخر المجالس الحكومية لسنة 2006.
وفي سنة 2002 أحدثت اللجنة الوطنية لتخليق الحياة العامة المتكونة من ممثلين عن الوزارات وممثلين عن المجتمع المدني وذلك لصياغة برنامج لتخليق الحياة العامة والخروج بتوصيات في هذا الشأن وقد ارتكز هذا البرنامج على حملات إعلامية عبر الوسائط السمعية البصرية وفي الأوساط المدرسية وقد بدأ عمل هذه اللجنة يتضاءل حتى باتت غائبة حاليا، وذلك لمحدودية مهامها ووسائلها وحقل تدخلها وهذا أن دل على شيء فإنما يدل على عدم توفر الجرأة السياسية لمعالجة هذه الإشكالية مع العلم أن جمعية الشفافية المغربية كانت تعمل بشراكة مع هذه اللجنة واقترحت. عليها أخذ عدة تدابير للنهوض بمشكل الفساد الإداري لكن اقتراحاتها كلها قوبلت بالرفض التام وهكذا انسحبت المنظمة من اللجنة التي ما فتأت أن تجمدت حركتيها، وهنا أيضا تمت إعادة صياغة هذه الفكرة من خلال مشروع مرسوم بإحداث الهيئة المركزية لمحاربة الرشوة التابعة للوزير الأول، وذلك عملا بمقتضيات اتفاقية الأمم المتحدة لمحاربة الرشوة التي وافق عليها المغرب (2006) دون أن يصادق عليها بعد.
ونذكر من بين التدابير الأخرى التي اتخذت في هذا الشأن تحيين مقتضيات القانون المتعلق بالتصريح بالممتلكات (1992) لدى سائر الموظفين العاملين بالإدارات والمؤسسات العمومية وكذا الجماعات المحلية حيث أن مشروع مراجعته الذي أتى أخيرا بآليات التتبع والرقابة التي كانت تعوز الطبعة الأولى، يوجد قيد المناقشة لدى مثلي الأمة بالبرلمان حيث أحدث نقاشات واسعة لم تفت على أنظار الإعلام.
بالإضافة إلى هذا، تم سن ميثاق الأخلاقيات للوظيفة العمومية على صعيد كل القطاعات الوزارية وإلزامية مساءلة صانعي القرار وإلزام الإدارات العمومية والجماعات المحلية والمؤسسات العمومية بتعليل القرارات الإدارية (2002) وذلك قصد الحد من الشطط في استعمال السلطة والبيروقراطية والحد من غلو السلطات التقديرية للإدارة وربط المفهوم الجديد للسلطة بمفهوم الخدمة العامة وصيانة الحقوق وحفظ المصالح واحترام الحريات والقوانين، وينص هذا القانون على ضرورة التنصيص كتابة في صلب وثيقة القرار على الأسباب القانونية الموضوعية أو المادية الداعية إلى اتخاذها وهذا من شأنه أن يشكل ضمانة للمتعاملين مع الإدارة للحد من الشطط في استعمال السلطة على جميع أشكالها ويجسد الشفافية في التعامل وتقليص حظوظ اللجوء إلى الرشوة وابتزاز المرتفقين؛ وليكون هناك تتبع وتقييم تنفيذ مقتضيات هذا القانون فإنه يستوجب موافاة وزارة تحديث القطاعات العامة بتقرير سنوي في هذا الشأن من طرف كل إدارة إلا أنه منذ صدر هذا القانون لم تنشر الإدارة الوصية أي تقرير في هذا الشأن إن هي توصلت به حقا مما يوحي بعدم نضج ثقافة المحاسبة والمسالة لدى صانعي القرار كما أن لم ينجز أي تقييم يذكر لمدى فعالية تطبيق القانون وتقييم آثاره من حيث تحسين علاقة الإدارة بالمرتفقين.
تحسين جودة المرفق العمومي
يجدر التذكير في هذا الإطار بمبادرة الحكومة بخلق لجنة “الحكومة الإلكترونية” (e-gouvernement). تتكلف ببلورة إستراتيجية وطنية تستهدف تحسين مسطرة معالجة المعلومات بالإدارة وتقديم الخدمات عبر الخط للمواطنين والمقاولاة قصد تقليص التكلفة وآجال المعالجة؛ ويمكن القول أن بعض الإدارات المغربية قد قطعت أشواطا كبيرة في هذا المجال بشهادة وتزكية المؤسسات المالية الدولية كالبنك الدولي حيث تعتلي إدارة الجمارك المرتبة الأولى لكونها تقدم الخدمة للفاعلين الاقتصاديين عبر الخط تبسيطا للآجال واجتنابا لفرص الارتشاء وتليها في هذا المجال إدارة القضاء (وزارة العدل) بتقديمها خدمة مباشرة عبر خط الانترنت للمتعاملين مع السجل التجاري والمحكمة التجارية بالعاصمة الاقتصادية وكذلك إدارة الخزينة العامة للمملكة فيما يخص أداء النفقات العمومية من بين خدمات متعددة، والوكالة الوطنية للتحفيظ العقاري والمسح الخرائطي التي هي بصدد إعداد مشروع يرمي إلى تمكين الموثقين من إجراء معاملاتهم عبر الخط وكذلك الشأن بالنسبة للمكتب المغربي للملكية الصناعية والصندوق الوطني للضمان الاجتماعي حيث يمكن للمشغلين أن يجروا عملية التصريح بالأجور وأداء المساهمات عن بعد أي عبر الانترنت.
تعتبر هذه التدابير من أبرز ما اتخذته الحكومة السابقة والحكومة الحالية في مجال إصلاح الإدارة إلا أنها تبقى إجراءات وتدابير جزئية ومتفرقة خاصة تلك المتعلقة بفترة 1997-2002 ولا تندرج في إطار رؤية استراتيجية مندمجة تأخذ بعين الاعتبار الأسباب العميقة التي تعوق وتحول دون الإقلاع النوعي بل والتحول الجذري للثقافة السائدة في الإدارة المغربية، ورغم انه تحقق البعض من هذه المشاريع والبعض الآخر لازال في طور الإنجاز إلا أن الملاحظ هو أن وتيرة النمو الاقتصادي لا توازي الحاجيات بل وأن الفساد الإداري المجسد في الرشوة والمحسوبية والزبونية والولائية أصبح سلوكا مبتذلا في ظل اللاعقاب ولا أدل على هذا المرتبة التي يحتلها المغرب في تصنيف منظمة الشفافية الدولية (transparent international) بخصوص مؤشر إدراك الرشوة (Indice de perception la corruption) حيث أبانت استطلاعات الرأي أن المغرب له مؤشر يساوي 3.2 على 10 (التقرير الدولي حول الرشوة لسنة 2004 و 2005 و 2006) ويشكل هذا انخفاضا مقارنة مع 2000 و 2002 حيث كان مؤشر وآنذاك يساوي 4.7 ثم 3.7 بمعنى أن الوضع لا يزيد إلا تفاقما وخطورة، وبالرغم من أنه بين الفينة والأخرى تطفح إلى السطح فعاليات مشبعة بروح النزاهة والعمل من أجل الصالح العام فإن عزيمتها ما تلبث أن تضمحل وتندثر تحت وطأة الثقافة السائدة والمحيطة المبنية على الخلط بين المنصب والمصلحة الخاصة وغياب أخلاقيات الخدمة العامة.
المراجع
تقرير البنك الدولي حو التنمية في المغرب 1995.
تقرير عن وضع القضاء في المغرب، 2006، د. رشيد الفيلالي المكناسي، المركز العربي لتطوير حكم القانون والنزاهة بدعم من برنامج الأمم المتحدة للنماء.
حوار للصحيفة الأمريكية “تايم” (time) ب20 يونيو 2000. 50 سنة من التنمية البشرية وآفاق 2025. المغرب،ص.89.
المرشحون الناجحون في مباراة الولوج إلى المعهد العالي للقضاء.
الفقرة الثانية من المادة 179 من قانون المسطرة المدنية كما وقع تغييره وتتميمه
عقدت أربع دورات بين 1998 و 2002 بمعدل دورة كل سنة في حين أن السنوات العشر السابقة (1988-1998) لم تشهد عقد إلا ستة دورات، (إصلاح القضاء: حصيلة الإنجازات (1997-2002) التغيير في تحرك، ص.23، أكتوبر 2002، وزارة العدل).
لم نستطع الحصول على إحصائيات هذه السنوات لكن الديناميكية التي طبعت دورات المجلس الأعلى للقضاء هي التي توحي بهاته القراءة.
أسبوعية “الجريدة” بــــــ15 يونيو 2006.
محاكمة، عدد 2- مارس/ مايو 2007، ص.336.
المرسوم عدد 2-98-385 المتعلق باختصاصات وتنظيم وزارة العدل (23 يونيو 1998).
القانون مهنة المحامات (1996) والقانون المتعلق بالخبراء القضائيين (2001) والقانون المتعلق بالتراجمة المقبولين لدى المحاكم (2001) وقانون تنظيم مهنة النساخة (2001) وخطة العدالة (2002)…
ملفات اختلاس وتبديد الأموال ببعض المؤسسات العمومية (القرض العقاري والسياحي وصندوق الضمان الاجتماعي…)
ملف القرض العقاري والسياحي بنوفمبر 2006 بالغرفة الجنائية باستئنافية الدار البيضاء (يومية “المغربية” بتاريخ 30-12-2006).