د. إسماعيل أوبلعيد

باحث في مجال الوسائل البديلة لتسوية النزاعات

oubelaids@gmail.com

  1. تؤكد العديد من الدراسات الفقهية ([1]) المغربية والمقارنة ملاحظة مفادها أن العدالة الرسمية أصبحت غير فعالة لأنها لا تقدم خدماتها للمتقاضين بالجودة المطلوبة نتيجة بطء مساطرها وتعقدها، مما ينعكس سلبًا على توفير الحماية القانونية لأصحاب الحقوق. لذا وجهت انتقادات للجهاز القضائي الرسمي اختلفت طبيعتها بحسب الأنظمة القضائية والإجراءات المعتمدة وشملت البلدان المتقدمة وكذا البلدان السائرة في طرق النمو.
  2. وإذا كانت فعالية العدالة الرسمية في البلدان المتقدمة موضع تساؤل وانتقاد، فإن هذه العدالة في الكثير من البلدان السائرة في طريق النمو-ومن ضمنها المغرب- تعيش أزمة حقيقية بالنظر لعمق وتنوع مظهر الاختلالات التي تعتريها. وقد استدعى ذلك البحث عن حلول([2]) لمعالجة هذه الاختلالات والتقليص من تأثيراتها السلبية على حقوق المتنازعين وعلى مرفق العدالة([3]).
  3. ومن بين الإمكانيات الهامة المقترحة في هذا الصدد، نجد آلية الوساطة التي يمكن جوهرها([4]) في كونها تخول للأطراف المعنية مشاركتهم في مسلسلها والتحكم في مسارها ونتيجتها، فضلًا عن ضمان ولوج عدالة بطريقة فعالة وبمعالجة متخصصة باختيارهم عن طريق اتفاق مشترك بينهم لطرف ثالث مستقل عنهم يحظى بثقتهم. وهذه الآلية تكون مناسبة بالنسبة للحالات التي يتواجد فيها استعداد ورغبة الأطراف المعنية في الموافقة على التسوية الودية رغبة في المحافظة على الخصوصية والسرية لنزاعهم. كذلك تكون الوساطة مناسبة على وجه الخصوص في إطار العلاقات المستمرة في الزمن بين الأطراف والتي يتطلب حل الخلاف بشأنها إيجاد حل فوري وسريع يتضمن ابتكارًا يتعدى ما يمكن للمحكمة التوصل إليه بنتيجة التقاضي. وبعبارة أخرى، فإن المنازعات غير الملائمة للوساطة تشمل تلك التي يرفض فيها أطراف النزاع مبدأ التفاوض وكذا الحالات التي يرغب فيها الأطراف الحصول على حل قانوني قضائي للنزاع على نحو يجعله سابقة قضائية، إلى جانب الحالات التي يكون فيها النزاع مرتبطًا ارتباطًا لا يقبل التجزئة بمسائل متعلقة بالنظام العام.
  4. إذا كان هذا هو جوهر الوساطة، فهل تلائم الواقع المغربي؟ وما هي العوامل التي من شأنها أن تلعب دورًا في تفعيلها والتقليص من هيمنة ثقافة الخصومة التي يبدو أنها متجذرة في النسيج الاجتماعي والاقتصادي المغربيين؟ وما هي الإجراءات العملية الكفيلة بإنجاح اعتماد هذه الآلية لحل نزاعات الأطراف؟ ومن أجل مناقشة بعض عناصر الإجابة عن هذه التساؤلات، نقترح تناول ذلك عبر محورين اثنين، نخصص الأول منهما لتبيان العناصر التي تبرر كون الوساطة ملائمة للنسيج الاقتصادي والاجتماعي للمغرب (المحور الأول). أما المحول الثاني فسيتم تخصيصه لاقتراح بعض الإجراءات التي من شأنها جعل هذه الآلية مفعلة في الواقع العملي (المحور الثاني).

المبحث الأول: تلاؤم الوساطة مع النسيج الاقتصادي والاجتماعي للمغرب:

  1. إن ملائمة الوساطة للواقع المغربي تمليه عدة اعتبارات مرتبطة بالأساس بقلة تكلفة هذه الآلية مقارنة مع الدعوى القضائية أو التحكيم، إلى جانب كون النسيج الاقتصادي المغربي يتشكل أساسًا من المقاولات الصغرى والمتوسطة التي تتميز بهشاشة بنياتها وضعف قدراتها المالية، مما لا يمكنها من مواجهة التكاليف المرتفعة للنزاعات التي قد تنشب بينها وبين شركائها والتي ينظر فيها القضاء الرسمي أو القضاء الخاص عن طريق التحكيم (المطلب الأول). هذا فضلًا عن كون النزاعات التي تكون معروضة على القضاء تتشكل في معظمها من نزاعات بسيطة أو ذات أهمية ضعيفة([5])، يكون من الأنسب حلها عن طريق الوساطة (المطلب الثاني).


المطلب الأول: مبررات تفضيل تفعيل الوساطة في الواقع المغربي:

  1. تشكل الوساطة وسيلة غير رسمية يمكن للأطراف المتنازعة من خلال اعتمادها الحصول على حل معقول يراعي مصالحهم ويضمن إلى حد ما توازن حقوقهم وخاصة بالنسبة للنزاعات التجارية ذات الأهمية الضعيفة أو بالنسبة للنزاعات غير التجارية. كما أن هذه الآلية يكون مجال تطبيقها أوسع من مجال التحكيم وتناسب بالخصوص النزاعات التي تكون العلاقة بين الأطراف مستمرة كالنزاعات الناتجة عن الملكية المشتركة ومضار الجوار وكذا النزاعات الأسرية ونزاعات الشغل الفردية والجماعية. فهذه الأخيرة مثلًا تلائمها الوساطة بالنظر إلى كون النزاعات المرتبطة بها هي في الغالب نزاعات المصالح أكثر منها نزاعات قانونية، هذا فضلًا عن خصوصية علاقات الشغل بحيث ينتظر من الوساطة عدم المساس بعقد الشغل والحفاظ على الشغل واستمرار نشاط المقولة([6]). كما تمكن الوساطة المشغل من مزايا التحكم في تدبير موارده البشرية واسترجاع صورة المقاولة وتدعيم الجو الصحي داخلها بتسوية النزاعات بشكل نهائي ومرضي بحيث يسترجع الأجير كرامته ويتوصل بتعويضاته بسرعة.
  2. في إطار العولمة والتوجه الليبرالي الذي اختاره المغرب والذي يقتضي المزيد من انفتاح مقاولاته على الخارج في إطار علاقاتها التجارية والمالية يتحتم على هذه المقاولات اللجوء إلى الوساطة لحل نزاعاتها رغبة في الحفاظ على سمعتها وصورتها وتدبير جيد ومعقلن لمواردها المالية. وفي هذا الإطار، يمكن التأكيد على أن الوساطة تلائم المجتمع المغربي نظرًا لكون نسيجه الاقتصادي يتشكل أساسًا من المقاولات الصغرى والمتوسطة([7]) التي تمثل أكثر من 90% من مجموع المقاولات الوطنية([8]). وتتميز هذه المقاولات بهشاشة بنياتها وضعف وسائلها، مما يجعلها أكثر عرضة لحتميات محيطها العام أكثر من المقاولات الكبرى. لذلك فإن قدراتها المالية لا تمكنها من مواجهة تكاليف النزاعات التي قد تنشب بينها وبين شركائها من زبناء وموردين وبنوك والتي ينظر فيها القضاء الرسمي أو القضاء الخاص عن طريق التحكيم. ذلك لأن النزاع أمام المحاكم فد يدوم عدة سنوات([9]) وقد يحصل ذلك أيضًا أمام التحكيم حين يبدي أحد الطرفين عدم تعاونه خلال مسطرة التحكيم، مما يترتب عنه تكاليف مرتفعة خاصة عند تعدد المحكمين. كما أن المقاولة المغربية يطغى عليها الطابع العائلي([10])، مما يجعل مالكيها لا يتبعون بكيفية عامة القواعد التدبيرية العصرية والاحترافية بما فيها تدبير النزاعات. لذلك يبدو أن آلية الوساطة هي الملائمة اعتمادًا من قبل هذه المقاولات نظرًا لهشاشة تركيبتها المالية وغلبة الطابع العائلي([11]) عن بنية رأسمالها.
  3. ومن جانب آخر، فإن مما يجعل الوساطة طريقًا ملائمًا لحل النزاعات في المجتمع المغربي كذلك هو تصاعد وتعاظم دور المجتمع المدني في الآونة الأخيرة، حيث إن العديد من الجمعيات أصبحت نشيطة في كل المجالات سواء الاقتصادية منها أو الاجتماعية أو السياسية.
  4. وهذا يعني أنها تشكل عنصرًا إيجابيًّا في إطار اعتماد الوساطة وتفعيلها، وذلك بترسيخ قيم هذه الآلية المبنية على الحوار والتواصل والإنصات الفعال، وبناء التوافقات المبنية على تحقيق المصالح المشتركة لكل أطراف النزاع. ويعتبر المجتمع المدني إذن من أهم آليات ترسيخ الوساطة كممارسة اعتيادية في المجتمع من خلال مؤسسات تعني بهذا الإطار أو في الممارسة السلوكية للفرد في تعامله مع النزاع.
  5. إن منطق الحكامة الذي يستلزم إشراك كل الأطراف المعنية في اتخاذ القرار أضحى في الوقت الراهن إطارًا مرجعيًّا يتعين إعماله في شتى الميادين ومن ضمنها العدالة. وفي هذا الإطار ومن أجل تسهيل ولوج المواطنين إلى العدالة والقانون، أصبح المغرب بمختلف فعاليته المعنية بالعدالة يشجع اعتماد الوسائل البديلة – وعلى وجه الخصوص الوساطة – من خلال إنشاء مختلف مراكز([12]) التحكيم والوساطة في الكثير من المدن المغربية التي يتعين تدعيمها بالعنصر البشري ذي التكوين الجيد. كما يشمل العرض المتعلق بهذه الآلية خدمات بدأت بعض المؤسسات على توفيرها لفئة من الأشخاص في إطار تحسين علاقتها معهم. ويتعلق الأمر بالخصوص بالكونفدرالية العامة لمقاولات المغرب «CGEM» التي أنشأت خلية للوساطة بشأن منازعات الشغل وكذا النظام البنكي([13]) الذي  أنشأ آلية سماها «الوساطة البنكية» لحل منازعات مؤسسات الائتمان مع زبنائها في حدود المبالغ التي لا تتجاوز 100.000 درهم([14]). وفي نفس الإطار، تم التوقيع كذلك من قبل الكونفدرالية العامة لمقاولات المغرب والمركزيات النقابية الأكثر تمثيلًا خلال شهر مارس من السنة الجارية أي سنة 2012 على اتفاقية([15]) تضع آلية للوساطة الاجتماعية في حل نزاعات الشغل بهدف تعزيز الشراكة في مجال الوساطة الاجتماعية في أفق التنبؤ بالنزاعات الاجتماعية المستقبلية داخل المقاولة وحلها مع خلق الظروف المواتية للرفع من إنتاجية المقاولات. وتهدف الاتفاقية إذن إلى توطيد ثقافة المسئولية الاجتماعية داخل المقاولات، وبناء علاقات جديدة أساسها الثقة بين العمال وأرباب العمل.
  6. انطلاقًا من العناصر التي تم التطرق إليها أعلاه والتي توضح بجلاء تلاؤم الوساطة للواقع المغربي باعتبارها آلية ذات تكلفة ضعيفة – بالمقارنة مع التقاضي الرسمي والتحكيم- والتي يمكن تحملها من قبل النسيج الاقتصادي المغربي الذي تهيمن عليه المقاولات الصغرى والمتوسطة. أضف إلى ذلك العناصر الإيجابية الأخرى المتمثلة في وجود مجتمع مدني نشيط يمكن أن يساهم إيجابيًّا في تفعيل هذه الآلية دون نسيان وجود عرض لخدمات الوساطة الذي يتطور باستمرار، وذلك من خلال نشاط المراكز المختصة والبنيات المعتمدة في هذا الشأن. فهذه العناصر مجتمعة من شأنها أن تيسر تفعيل وتشجيع الوساطة كآلية لحل النزاعات بدل اللجوء إلى القضاء الرسمي، مما سينعكس إيجابيًّا على هذا الأخير من خلال التقليص من عدد القضايا التي ستعرض عليه.

المطلب الثاني: التأثيرات الإيجابية للوساطة على تخفيف العبء على الجهاز القضائي:

  1. إن اعتماد الوساطة في حل النزاعات البسيطة التي ينوء القضاء المغربي بثقلها يرمي إلى تشجيع تقليص نفقات المرفق العام للعدالة وتخفيف جزء من القضايا المتراكمة على المحاكم بتوجيهها نحو هذه الآليات لخلق بيئة قانونية ملائمة للاستثمار والتنمية الاقتصادية للبلد([16]).
  2. وبالفعل فإن تشجيع الأطراف المتنازعة إلى اعتماد الوساطة من شأنه أن يمكن من التخفيف في عدد القضايا المعروضة أمام المحاكم فينخفض الضغط على القضاة للنظر بعمق في القضايا التي كلفوا بالبت فيها. وإن من شأن تخفيف العبء على القضاة إصدار أحكام قضائية تتخطى دائرة الشرعية إلى العدل والإنصاف([17])، إلى جانب تقليص مصاريف اشتغال المرفق العام للعدالة وتوجيه المبلغ الذي تم اقتصاده إلى مجالات الاستثمار والتكوين.
  3. كما أن من تأثيرات تفعيل الوساطة هو ترسيخ ثقافة الحوار داخل المجتمع وتحسين العلاقات بين الأفراد وذلك من خلال ضمان استمرارها بعد حل النزاع، مما يؤدي إلى تعايش الأطراف والبعد عن الخصومة وإشاعة الأمن والسلم بين أفراد المجتمع. وباعتبار أهمية مزايا هذه الآلية وتأثيراتها الإيجابية على مرفق القضاء فإنها كانت موضوع اهتمام خاص من لدن السلطات الرسمية المغربية في إطار البرنامج العام لإصلاح وتحديث القضاء.
  4. ومن أجل إبراز الانعكاسات الإيجابية للوساطة على تخفيف العبء على العدالة الرسمية، نبادر بالقول أن حل هذه النزاعات قضائيًّا يكون في الغالب أكثر تكلفة([18]) وذلك بالنظر إلى ما يتطلبه ذلك من وقت لدراسة المراكز القانونية للأطراف ولكثرة الاستدعاءات والخبرات والإجراءات القضائية والمصاريف المرتبطة بذلك خاصة في حالة اللجوء إلى طرق الطعن المخولة قانونًا للأطراف في الأحكام الصادرة. والمحصلة النهائية أن طول مدة الدعوى يترتب عليه حصول الأضرار بالنسبة لأطراف النزاع جراء عدم تحصيل حقوقهم في الآجال المناسبة([19])، إلى جانب تزايد في عدد الوقائع الثانوية المرتبطة بالدعوى والتي ستنزف إمكانيات القضاء وتشغله عن القضايا المهمة خاصة وأن عدد القضاة حسب الإحصائيات الرسمية([20]) المتوفرة غير كافي حيث لا يتعدى 3.749 قاضيًا في متم 2011. أضف إلى ذلك أن القاضي مقيد بالإجراءات المسطرية واعتماد القوانين الوطنية.
  5. وعلى العكس من ذلك، فاعتماد الوساطة في هذه النزاعات يقلص الوقت والتكاليف([21])، بحيث تكون هذه الآلية أسرع من القضاء الرسمي، بل ومن التحكيم نفسه باعتبار أن مدة حل النزاع لا تتعدى عمومًا ثلاثة أشهر. كما يعفى الوسيط من القيود المسطرية والقوانين الوطنية([22]) ما دام الهدف هو إيصال الأطراف إلى الحل الذي يرغبون فيه من خلال إنهاء النزاع في مراحله الأولى قبل أن يتفاقم، حيث يكون الطرفان أكثر استعدادًا لتقديم تنازلات متبادلة. وكلما كان الوسيط حرًّا طليقًا من القيود والإجراءات الشكلية والمسطرية كلما كان بإمكانه الوصول إلى حل توفيقي يحظى برضا الأطراف([23])، خاصة وأنه بإمكانه مناقشة الجوانب المختلفة للنزاع مع الأطراف سواء كانت اقتصادية أو اجتماعية أو إنسانية.
  6. فإذا كانت الوساطة ملائمة لحل النزاعات في الواقع المغربي وذلك للاعتبارات التي سبق بيانها أعلاه، فإن هناك الكثير مما يجب القيام به لتفعيل هذه الآلية حتى تصبح لدى المتنازعين آلية معتمدة يتم اللجوء إليها تلقائيًّا. وهذا يقودنا إلى التساؤل عن بعض الإجراءات التي من شأنها جعل هذه الآلية مفعلة في الواقع العملي اقتداء بالتجارب المقارنة الناجحة في هذا الإطار.

المبحث الثاني: بعض الإجراءات العملية الكفيلة بتفعيل الوساطة لحل النزاعات في الواقع المغربي :

  1. قبل التطرق إلى بعض الإجراءات التي من شأنها أن تساعد على تفعيل الوساطة واعتمادها كوسيلة لتسوية النزاعات في الواقع المغربي إلى جانب القضاء الرسمي (المطلب الثاني)، يكون من المناسب التذكير بعجالة بأهم العراقيل التي لا تساعد على تفعيل هذه الآلية بكيفية فعالة (المطلب الأول).

المطلب الأول: عوائق عدم تفعيل الوساطة في الواقع المغربي:

  1. إذا كان اللجوء إلى الوسائل البديلة لتسوية النزاعات أمرًا مألوفًا في إطار العلاقات التجارية والاستثمار الدوليين بالنسبة للأطراف المغربية بالنظر على حاجتها إلى رءوس الأموال والخبرة الفنية الأجنبية، مما يجعلها ترضخ لمتطلبات الطرف الآخر في العلاقات بفرضه عليها اللجوء إلى هذه الوسائل وبالخصوص التحكيم، فإن الأمر ليس كذلك بالنسبة للعلاقات القانونية الداخلية التي يحصل النزاع بشأنها بين أطراف مغربية، إذ يتمسكون بالنظام القضائي التقليدي لاعتقادهم أنه الوسيلة الوحيدة الآمنة لإيجاد حل حقيقي للنزاع، فيحترزون من العدالة الخاصة المتأتية من اعتماد الوسائل البديلة.
  2. وهذا التصور التقليدي للعدالة مرده تجدر وترسخ في القناعة الجماعية المغربية –مواطنين أو مقاولات- كون العدالة من اختصاص الدولة ومؤسساتها، أي هيمنة ثقافة الخصومة لدى أطراف النزاع والمحامين. كما يرتبط عدم الإقبال على ممارسة الوساطة بعوامل أخرى من أهمها عدم فعالية الإطار المؤسساتي المتجسد على وجه الخصوص في وجود نظام قضائي غير فاعل([24]) وغير ناجع، إلى جانب ضعف الموارد المالية والبشرية للمراكز المختصة بهذه الوسائل وغياب رؤية واضحة واستراتيجية مشتركة بين الأطراف والمؤسسات الفاعلية في مجال الوسائل البديلة.
  3. أن التصور التقليدي المترسخ لدى أطراف النزاع والذي لا يقبل –كقاعدة عامة- أي حل للنزاع إلا إذا كان صادرًا عن النظام القضائي الرسمي ويرفض بالتالي كل حل متأتي من اعتماد الوسائل البديلة، يمكن تفسيره في أن المواطنين بقدر ما تتولد لديهم أزمة ثقة داخل المجتمع بقدر ما تتجذر ثقتهم في كل ما يصدر عن الدولة، فلا يثقون إلا في الأجهزة الرسمية للدولة([25]). وفي هذا الصدد، أكد أحد الفقهاء([26]) أنه رغم تنظيم المشرع للوساطة الاتفاقية فإن «الأغلبية الساحقة من المغاربة المستهلكين والبسطاء لا زالت تتمسك بالقضاء العادي لا لمجانيته فقط بل للثقة في سلطته ونفوذه». كما يعزى هذا التصور كذلك إلى ضعف بل انعدم الوعي بأهمية هذه الوسائل وانعكاساتها الإيجابية على الأطراف من حيث الاقتصاد في المصاريف والربح في الوقت والجهد، وذلك نتيجة غياب ثقافة سلمية([27]) تنزع نحو التفاوض وتفادي وسائل المواجهة. إلى جانب وجود نزعة الانتقام من الخصم([28]) لدى الأطراف المتنازعة وكذا تجاهل الأطراف لمصالحهم الحقيقية وتشبثهم بالمواقف والمشاعر وعدم استعدادهم نفسيًّا للتنازلات المتقابلة، مما يجعلهم يعتقدون بأن الحاجات المتنازع بشأنها لا يمكن الاستجابة لها إلا على حساب الطرف الآخر فيكونون في وضعية رابح/ خاسر في إطار الدعوى القضائية.
  4. وفي نفس الإطار، هناك جهل من طرف غالبية مسئولي المقاولات بوجود الوساطة كوسيلة بديلة عن القضاء الرسمي. وفي هذا الصدد، يمكن الاستئناس([29]) بالدراسة المنجزة من طرف باحثي([30]) المركز الدولي للوساطة والتحكيم بطنجة، حيث توصلت إلى نتيجة مفادها أن ما يقارب 72% من المقاولات المستجوبة أكدوا عدم توفرهم على معلومات بشأن هذه الوسائل البديلة بسبب ضعف التواصل، وذلك بالرغم من الحملات التحسيسية التي تم القيام بها من قبل الدولة والمنظمات غير الحكومية وبعض مراكز التحكيم والوساطة بحضور بعض رجال الأعمال. والأدهى من ذلك، فحتى بالنسبة للذين يعرفون ذلك لا يثقون في جدية الوسطاء وقوة قرارات مراكز الوساطة([31]).
  5. إذا كانت ثقافة الخصومة متجذرة لدى أطراف النزاع، فإن المحامين يبقى مجهودهم ضعيفًا ومحدودًا في حث موكليهم للجوء إلى اعتماد الطرق البديلة لتسوية النزاعات وذلك على الرغم من أن المادة 43 من قانون المحاماة([32]) رقم 28.08 لسنة 2008 في الفقرة الأولى منها تنص على أنه: «يحث المحامي موكل على فض النزاع عن طريق الصلح أو بواسطة الطرق البديلة الأخرى قبل اللجوء إلى القضاء». وقد علق أحد الفقهاء([33]) بمناسبة تناوله بالدراسة الوساطة الاتفاقية على هذه الفقرة بقوله «ولا نظنه سيفعل»، أي أن هذا المقتضى لن يجد لدى المحامي آذانًا صاغية نظرًا لسيادة ثقافة الخصومة لديه.
  6. وبالفعل، فإن التوجه الغالب لدى المحامين هو عدم انخراطهم بكيفية شبه عامة في كل حل خارج الجهاز القضائي، اعتقادًا منهم أن ممارسة الوساطة والتحكيم من شأنه أن يؤدي إلى تراجع مصالح مهنتهم أو تراجع حجم مداخيلهم. فالتصور السائد لدى فئة عريضة منهم هو أنه كلما تم حسم النزاع بين الأطراف في ظرف وجيز وبطرق سلمية كلما قلت مداخيلهم([34]) والتي كانت متأتية من تطويل مسطرة الدعوى القضائية التي لا تنتهي –في الغالب الأعم- في المرحلة الابتدائية بل قد تستمر حتى مرحلة النقض. وخلال هذه المراحل، يتم بطبيعة الحال تأدية أتعاب المحامي من قبل الأطراف، مما يضمن له مداخيل مستمرة ومستقرة في الزمن لن تتوفر له –حسب تصوره- لو تم البت في النزاع بالطرق الودية، ويبدو أن هذا التصور هو تصور مجانب للصواب لأن ما يهدد مصالح المحامين ليس هو اعتماد الوسائل الودية، بل عدم الكفاءة القانونية وعدم القدرة على مجابهة المنافسة سواء على المستوى الداخلي أو الخارجي، خاصة وأنه يجب النظر إلى مهنة المحاماة على أنها خدمة ومنتوج يخضع للتنافسية العالمية([35]). وفي نفس الاتجاه ذهب أحد الممارسين([36]) في حقل المحاماة إلى أن المشكل الكبير الذي يعاني منه غالبية المحامين المغاربة بالدرجة الأولى، هو ضعف التكوين الملتقى في كلية الحقوق وبالتالي نقصان تكوينهم بدءًا بالمجال القانوني ومرورًا بالمعلوماتي ووصلًا إلى اللغوي. إذ بدون تكوين مثين في هذه المجالات سيبقى المحامي المغربي حبيس وسط ضيق ومحدود. ولا شك أن تكوين الأساس للمحامي يرتكز على الخصومة القضائية ومنهجية المرافعة عن موكله أمام القضاء دون أن يكون ملمًّا بتقنيات ممارسة الوسائل البديلة بسبب نقص في تكوينه في هذا المجال، كما تم تشخيص ذلك في الكتاب الأبيض للكونفدرالية العامة لمقاولات المغرب لسنة 2007([37]) الذي يشير إلى أن الاختلالات التي يعاني منها الجهاز القضائي المغربي ترجع لتلك المتعلقة بالمتدخلين في العملية، أي مساعدي القضاء من محامين وغيرهم. وهكذا تم إعطاء تشخيص للوضع بدءًا بضعف في جودة التكوين لدى المحامين الذي يرتكز على الجانب النظري ولا يعتمد على التحليل، إلى جانب غياب التداريب الكفيلة بمعرفة حاجيات الواقع مرورًا بعدم إتقان اللغات الأجنبية الضرورية لمعالجة الملفات التجارية نظرًا لأن دراسة هذه اللغات في الجامعة يبقى هامشيًّا في الوقت الذي ينخرط فيه المغرب في منطق العولمة. والنتيجة المنطقية لذلك، هو قلة المحامين المتخصصين في الاستشارة القانونية للمقاولات وفي الوسائل البديلة لأن تكوين المحامي هو تكوين عام لا يلبي الحاجيات التقنية الدقيقة للمتعاملين واقتصار دوره على مجرد مدافع عن موكله بدل رجل استشارة ونصح وتفاوض قادر على تقييم الأخطار القانونية والمالية التي تلحق مصالح زبونه.
  7. أما من جانب تأثير الإطار المؤسساتي غير الفعال على ممارسة وتفعيل الوساطة، فيرتبط بكون المراكز المهتمة بهذه الوسائل والتي ترتبط بغرف التجارة والصناعة والخدمات يعتري أداءها واشتغالها كونها توجد تحت وصاية وزارة الصناعة والتجارة والتكنولوجيات الحديثة وتتلقى تمويلًا محدودًا([38]) لا يوفر لها هامش التحرك في مجال تفعيل هذه الوسائل. وفي هذا الإطار، أكد رئيس غرفة الصناعة والتجارة والخدمات للبيضاء ([39]) إلى أن أهم المعيقات التي تواجه الغرف المهنية تتمثل في ضعف الإمكانيات البشرية والمالية، حيث إن الميزانية المخصصة لكل غرفة لا تعطى إلا تكاليفها الثابتة. والمحصلة النهائية هي ضعف مردودية هذه المؤسسات تجاه محيطها سواء تعلق الأمر بموضوع تفعيل الوسائل البديلة أو غيرها من المهام الأخرى.
  8. وانطلاقًا من تشخيص لمختلف الاختلالات التي تعاني منها العدالة الرسمية بصفة عامة والقضاء على وجه الخصوص (عدم استقلال هذا الأخير وضعف مردوديته وفعاليته([40])، إلى جانب ضعف في تكوين ومؤهلات مواردها البشرية) فإن تدخل هذا الأخير –سواء في مرحلة تفعيل هذه الوسائل أو في مرحلة التنفيذ يكون مطبوعًا بالمعيقات التي تعتري هذا الجهاز غير الفعال، مما يؤثر على السير العادي لهذه الوسائل. والجدير بالذكر أن القضاء الفعال يلعب دورًا إيجابيًّا في مختلف مراحل مسلسل الوسائل البديلة، إذ يتولى تذليل العقبات التي تعترض مسار هذه الآليات ويمارس رقابته التي تشكل صمام الأمان لحمايته.


المطلب الثاني: بعض الإجراءات الكفيلة بدعم وتفعيل الوساطة لاعتمادها كوسيلة لتسوية النزاعات في الواقع المغربي:

  1. قبل التطرق إلى بعض الإجراءات العملية لضمان اللجوء واعتماد الوساطة في الواقع المغربي، يكون من المفيد الإشارة بعجالة إلى أهم العوامل التي ساهمت في نجاح تطبيق الوساطة في الأنظمة المقارنة.
  2. إن من بين العوامل التي ساهمت في نجاح الوسائل البديلة عامة والوساطة بوجه خاص في الولايات المتحدة الأمريكية تلك الصحوة التي ميزت مختلف الفاعلين في ميدان الوسائل البديلة، إذ شملت الأساتذة الجامعيين والمختصين في علم الاجتماع والمحامين والقضاة المتقاعدين، مع الإشارة إلى عدم وجود قيود في وجود قيود في وجه العاملين في التخصصات غير القانونية لممارسة هذه الوسائل البديلة. كما لعبت المحاكم في الولايات المتحدة الأمريكية دورًا بارزًا في تنمية وتطوير الوساطة القضائية التي مكنت بدورها من خلق الطلب([41]) على خدمات الوساطة وتوفير التكوين المتنوع والتدريب والخبرة المهنية في مجال الوساطة، مما انعكس إيجابيًّا على تطور الوساطة الاتفاقية([42]).
  3. نفس الملاحظة السابقة تنطبق على التجربة البريطانية باعتبار الدور الجديد للمحكمة والمتمثل في إخبار واطلاع المتقاضين بشأن الوسائل البديلة وتشجيعهم على اعتمادها في الحالات المناسبة([43]). وبالتالي فإن العناصر المؤثرة في تطور الوساطة والتي ساهمت إلى حد كبير في نجاح مسارها في بريطانيا تكمن في دور المراكز المتخصصة وهيئات الحلول البديلة للنزاعات في توفير الكفاءات المهنية المطلوبة، إلى جانب مساندة وانخراط رجال الأعمال ومساعدي القضاء من محامين وخبراء في هذا الورش الهام، دون نسيان دور الدولة والمراكز المختصة في حملات التوعية والتحسين.
  4. كذلك هناك تجربة أخرى لا تقل أهمية في مجال الوساطة الأسرية هي تجربة ولاية الكيبك، إذ تشير الإحصائيات في هذا الشأن إلى أن نسبة القضايا التي تنتهي بالصلح بلغت 75%. ويعزى نجاح تفعيل هذه الآلية أساسًا إلى الطابع المجاني لهذه الوسيلة، حيث يتم تمويلها عن طريق صناديق عمومية، فيستفيد الأطراف من ست حصص، بما فيها حصة الإرشاد والإخبار، إلى جانب فعالية المؤسسة القضائية([44]) المقرونة باعتماد نظام ملائم للأطراف، وذلك بتمكينهم من التحكم في مسلسل نزاعاتهم بتأطير من المؤسسة القضائية الضامنة لسلامة إرادتهم ولمصالح الأطفال القاصرين وعدالة الحل المتوصل إليه. والجدير بالذكر أن ساهم كذلك في نجاح الوساطة في هذه الولاية، كون المشرع الكيبكي اعتمد نظامًا وسطيًّا للوساطة فلا هو بنظام إجباري ولا بنظام اختياري محض([45])، ويمارس من قبل الوسطاء المعتمدين.
  5. ومن جانب آخر واعتمادًا على ضوء تجارب بعض البلدان التي تعتمد فيها الوساطة الأسرية بشكل فعال، فإنه يمكن القول أنه إذا استثنينا القانون الياباني (اللجوء إلى الوساطة الأسرية إجبارية قبل رفع الدعوى) والقانون الكندي (القاضي يجبر الأطراف للقاء الوسيط من أجل توضيح مسطرة الوساطة ومزاياها) فإن الوساطة الإجبارية في المجال الأسري لم يتم اعتمادها في القانون المقارن بالنظر إلى عدم جدوى فرض ذلك على الأطراف([46]) (التوصية الأوروبية رقم I (98) للجنة وزراء المجلس الأوروبي الاختياري للوساطة الأسرية المقرون بإجبار الأطراف للقاء الوسيط الأسري الذي يتولى توضيح مسطرة الوساطة ومزاياها مع ترك الحرية للأطراف المعنية لاعتمادها أو اللجوء إلى العدالة الرسمية.
  6. وفي الأخير يمكن التأكيد على أن العناصر الجوهرية والحساسة للوساطة ترتبط بالتكوين وميثاق الأخلاق للوسطاء باعتبار أن هذه العناصر هي التي تضمن ثقة الأفراد في هذه الآلية([47]). لذلك كان من الضروري الاهتمام بالفترة السابقة للوساطة التي يعتبر تدبيرها من عناصر نجاح مسلسلها في المستقبل وذلك من خلال حسن اختيار الوسيط باعتماد عدة معايير مرتبطة أساسًا بالثقة في شخصه وبتكوينه وكفاءته التقنية وبمعرفته الجيدة للميدان والمحيط والعقلية السائدة في الوسط الذي يتدخل فيه.
  7. ارتكازًا على العناصر السابقة المستخلصة من التجارب المقارنة، نتساءل عن بعض الإجراءات العملية التي يمكن أن تساهم في تطوير وتفعيل الوساطة لاعتمادها لحل النزاعات في الواقع المغربي. وفي هذا الصدد، نقترح بعض العناصر التي يبدو أنها تكتسي أهمية بالغة بالمقارنة مع إجراءات أخرى ذات التأثير المحدود. ونوردها تباعًا حسب أهميتها وتأثيرها على تحقيق الهدف.
  8. نعتبر أن أهم العناصر في هذا الإطار هي عنصر الثقة في الغير المتدخل في الوساطة وفي مسلسل هذه الأخيرة كآلية ضامنة للمصالح المشتركة للأطراف المتنازعة متى تم حسن استعمالها وبحسن نية. وهذه الثقة تعني أن الأطراف يثقون في عدالة وحسن تقدير الوسيط بالنظر إلى نزاهته وحياده، إلى جانب كفاءاته في الميدان وقوة الإقناع التي يتمتع بها. وفي هذا الصدد، يتعين تنظيم مهنة الوسيط على اعتبار أنه لا وجود حاليًا في القانون المغربي([48]) رقم  05 – 08 لأي قيد لممارسة مهنة الوسيط، مما من شأنه أن يلحق ضررًا بها وبمصالح الأطراف. لذا يجب حماية هذه المهنة الجديدة من الوسطاء المزورين الذين يغريهم الجانب المالي وذلك بتقنين ولوجهًا من خلال فرض التوفر على التكوين الملائم في الميدان والتجربة المهنية باعتبارهما عنصرين أساسيين لمصداقية المتدخل والمسلسل نفسه، أي يجب حماية المهنة من نفسها([49]) بالحيلولة دون تولي شخص غير كفاء هذه المهمة.
  9. يبدو أن العنصر الموالي من حيث الأهمية لتفعيل الوساطة هو الجانب المؤسساتي الذي يتعين أن يكون فعالًا ومساعدًا. ونقصد بذلك ضرورة تدخل الدولة لتعزيز الوساطة في الواقع العملي وذلك من جهة عبر تطوير الطلب بتقديم الدعم والمساعدة لمراكز الوساطة والتحكيم نظرًا لمحدودية مواردها وبمأسسة الوساطة وجعلها إجراءً قبليًّا لرفع دعوى قضائية([50])، من جهة أخرى، مع ضرورة تخويل المحاكم سلطة فرض اللجوء إلى هذه الآلية في الحالات التي يجب تحديدها قانونًا. كما يتضمن الجانب المؤسساتي كذلك ضرورة الرفع من فعالية القضاء، وذلك بالعمل على توفير مؤسسات قضائية حقيقية مستقلة ومتمتعة بكل صلاحيات السلطة القضائية، مما من شأنه أن ينعكس إيجابيًّا وبشكل مباشر على الوسائل البديلة بما فيها الوساطة.
  10. أما العنصر الثالث في مجال تفعيل الوساطة فيرتبط بالوقاية من حصول النزاعات، وذلك باللجوء القبلي إلى الاستشارات القانونية والاعتماد على الممارسين عند كتابة التصرفات القانونية، مما سيمكن من التقليل من النزاعات ويضمن الأمن القانوني للأطراف. وفي هذا الشأن يتعين دعم تكوين المحامي –كمختص في ميدان القانون- في مجال الاستشارة القانونية وتمكينه من تطوير ثقافته نحو الحلول السلمية بدل ثقافة الخصومة، وذلك بالنظر لتوفره على بعض المميزات تساعده على لعب دور بارز في مجال الوساطة (المعرفة الجيدة للمجتمع بفضل ممارسته الميدانية/ استقباله لمختلف شرائح ومكونات المجتمع/ توقع حجج الخصم والحصول على الأجوبة الملائمة للرد).
  11. وفي الأخير يتعين القيام بعدة إجراءات تهم على وجه الخصوص الجانب التحسيسي بأهمية إدراج بند الوساطة والتحكيم في العقود وكذا أهمية الصياغة القانونية والفنية للعقود المتضمنة لهذا البند من قبل المهنيين من محامين وموثقين وغيرهم. إضافة إلى نشر وإشاعة ثقافة الوسائل البديلة عبر مقاربة تشاركية لدى كل المتدخلين في مجال هذه الوسائل من قضاة ومحامين وأساتذة جامعيين وفاعلين اقتصاديين وباحثين حقوقيين.
  12. ويمكن القول على أنه من أجل تحقيق الأهداف المرجوة من الوسائل البديلة لحل النزاعات ومن الوساطة على وجه الخصوص – المتمثلة في إعادة إقامة الحوار بين الأطراف والحفاظ على استمرار العلاقات بينهم وتحقيق السلم الاجتماعي وتحسين جودة العدالة- لا يكفي التوفر على إطار قانوني ملائم، بل يتعين القيام بتغيير جذري للعقلية والثقافة السائدتين في المجتمع المغربي لقبول الحلول التفاوضية بدل ثقافة الخصومة، وذلك لدى كل الأطراف المتدخلة من فاعلين اقتصاديين ومجتمع مدني وقضاة ومساعدي القضاء والأطراف وغيرهم. مع مراعاة أن هذه الوسائل لا ينبغي النظر إليها إلا من منظور التكامل مع العدالة الرسمية، أي اعتبارها إمكانيات وضعت لتحسين جودة العدالة المقدمة للمتقاضين من خلال تفادي تعقيد النزاع والتقليص من تكلفته مع ضمان صدور الحكم داخل أجل متوقع وأمثل قابل للتنفيذ دون تأخير.

[1] انظر في هذا الصدد:

  • Didier Cholet, la célérité de la procedure en droit processuel, LGDJ 2009, p1.
  • Drissi Alami Machichi, concurrence: droits et obligations des enterprises au Maoc, edition Eddif 2004 p:333.
  • Charles Jarrosson, les modes altermatifs de règlement des confilits: presentation générale, R. I. D. C no2 – 1997, p: 326.
  • د. أحمد الورفلي، التحكيم الدولي في القانون التونسي والقانون المقارن، الناشر مجمع الأطرش لنشر وتوزيع الكتاب المختص، تونس 2008 ص: 13 – 14.
  • د. عبد الله درميش، مداخلة قدمت في إطار الندوة الجهوية الرابعة المنعقدة بالدار البيضاء في أبريل 2007 والتي نشرت أعمالها تحت عنوان «قضايا الاستثمار والتحكيم من خلال اجتهاد المجلس الأعلى» الناشر، جمعية التكافل الاجتماعي لقضاة وموظفي المجلس الأعلى، مطبعة الأمنية، الرباط، 2007 ص: 33.
  • د. حفيظة السيد الحداد، النظرية العامة في التحكيم التجاري الدولي، منشورات الحلبي الحقوقية، لبنان، الطبعة الأولى 2004 ص:12.

[2] إلى جانب التشجيع الرسمي للوسائل البديلة لتسوية النزاعات في المغرب، هناك كذلك بعض الإجراءات والحلول المتخذة في هذا الإطار ضمن برنامج الإصلاح الشمولي للقضاء. وتشمل هذه الإجراءات على وجه الخصوص الرفع من الميزانية المخصصة لقطاع العدل للزيادة في عدد المحاكم والتجهيزات والموارد البشرية، إلى جانب الاهتمام باعتماد المعلوميات للرفع من المردودية، وترمي كل هذه الإجراءات إلى الرفع من النجاعة القضائية ومن جودة الأحكام والخدمات القاضائية وكذا تخليق القضاء.

[3] وذلك بتقليص النفقات وتخفيف جزء من القضايا المتراكمة على المحاكم بتوجيهها حو هذه الآليات البديلة.

[4] لن نتطرق في هذا البحث إلى تعريف هذه الآلية ولا إلى عناصر تمييزها عن باقي الوسائل البديلة، وذلك لأن الكثير من الدراسات الفقهية قد فصلت في هذا الجانب بما فيه الكفاية. بالنسبة للفقه المغربي، ينظر على سبيل المثال إلى:

  • د. عبد المجيد غميجة نظام الوساطة الاتفاقية بالمغرب، المجلة المغربية للوساطة والتحكيم عدد 4 السنة 2009، ص: 71.
  • د. توفيق عزوزي، الوساطة في نزاعات الشغل، المجلة المغربية للوساطة والتحكيم، عدد 4 السنة 2009، ص: 84 – 85.
  • د. أحمد أنوار ناجي، الوساطة في منازعات الملكية الفكرية، مجلة الحقوق المغربية، عدد 4 السنة 2012، ص:93.

[5] الوسائل البديلة يمكن أن تناسب النزاعات الصغيرة لتفادي تكاليف المساطر، كما يمكن أن تناسب المشاريع الكبرى والعقود المتعددة والعمليات ذات الأمد الطويل التي تتطلب عدم توقف تنفيذها ولا تسمح بفتح مسطرة خصومية.

[6] Francoise Favennec – Hery, mediation et contentieux du travail, contribution publiée dans l’ouvrage intitulé “Les modes alternatifs de règlement des litiges: les voies nouvelles d’une autre justice, la documentation francaise, mission do recherché ” droit et justice” p: 121.

[7] انظر التعريف القانوني لهذا الصنف من المقاولات في القانون رقم 53.00 المتعلق بميثاق المقاولات الصغرى والمتوسطة الصادر في الجريدة الرسمية المؤرخة في 19 غشت 2002 عدد 5031.

[8] انظر مداخلة السيد حسن الشامي، رئيس الاتحاد العام لمقاولات المغرب سابقًا، والتي قدمت في إطار الندوة المنظمة من طرف وزارة العدل والاتحاد العام لمقاولات المغرب المنشورة في العدد 6 من دفاتر المجلس الأعلى لسنة 2005، تحت عنوان «التحكيم التجاري الداخلي والدولي»، الناشر مركز النشر والتوثيق بالمجلس الأعلى، الرابط، ص: 18.

[9] خاصة إذا مرت القضية من مراحل متتالية بين المحكمة الابتدائية ومحكمة الاستئناف ومحكمة النقض وربما استخدمت بعد صدور قرار محكمة النقض إشكالات التنفيذ كوسيلة لتعطيل تنفيذ الحكم.

[10] إدريس الكراوي ونور الدين أفاية، النخبة الاقتصادية المغربية: دراسة حول الجيل الجديد من المقاولين، منشورات جمعية البحث في التواصل ما بين الثقافات، الطبعة الأولى، سنة 2011، ص: 81.

[11] وهذا ما يؤكده العدد المحدود للمقاولات المدرجة في بورصة القيم بالدار البيضاء والذي لا يتجاوز 77 شركة في نهاية 2011. انظر الموقع الإلكتروني لبورصة القيم بالدار البيضاء http://wwww.casablanca-bourse.com (اطلع عليه يوم 08/ 06/ 2012).

[12] من بين هذه المراكز النشيطة، نذكر المركز الدولي للوساطة والتحكيم بالرباط الذي قام بمجهودات جبارة في مجال التكوين والتحسيس والتعريف بهذه الوسائل لدى الفاعلين الاقتصاديين والمعنيين بهذه الوسائل.

[13] يتعلق الأمر بآلية الوساطة التي تم إنشاؤها من قبل بنك المغرب والمجموعة المهنية للبنوك في 7 دجنبر 2009 حيث يوجد مقرها في حضن مقر المجموعة المهنية للبنوك.

[14] انظر نص المقابلة التي أدلى بها السيد محمد العلوي القاسمي الوسيط البنكي لجريدة: La Nouvelle Tribune الصادرة يوم 16 دجنبر 2010.

[15] جريدة الصباح ليوم 7 مارس 2012.

[16] د. مصطفى التراب، موقع نظام التحكيم في التشريع المغربي، مجلة رحاب المحاكم عدد 3 السنة 2009 ص: 46.

[17] مداخلة الدكتور إدريس الضحاك في إطار الندوة الجهوية الحادية عشر المنعقدة بالعيون بداية نونبر 2007 والتي نشرت أعمالها تحت عنوان «الصلح والتحكيم والوسائل البديلة لحل النزاعات من خلال اجتهاد المجلس الأعلى» الناشر، جمعية التكافل الاجتماعي لقضاة وموظفي المجلس الأعلى، مطبعة الأمنية، الرباط، 2007 ص: 8.

[18] يؤكد الفاعلون الاقتصاديون أن نظام اشتغال الجهاز القضائي المغرب لا يوفر لهم مستوى مقبولًا من الشفافية والأمن القضائي. انظر:

– Livre blanc de la CGEM 2007 p: 35.

[19] وذلك جراء تطور غير متكافئ بين القضايا المسجلة والقضايا المحكومة حيث بلغت نسبة المتخلف منها في نهاية 2011 نسبة 27.2% من القضايا الرائجة البالغ عددها 3.372.054 قضية. انظر مداخلة وزير العدل والحريات في إطار الحوار الوطني حول الإصلاح العميق والشامل لمنظومة العدالة المنشورة في الموقع الإلكتروني لوزارة العدل والحريات (www.justic.gov.ma) والذي تم الاطلاع عليه بتاريخ 08/ 06/ 2012.

[20] انظر مداخلة وزير العدل والحريات في إطار الحوار الوطني حول الإصلاح العميق والشامل لمنظومة العدالة المنشورة في الموقع الإلكتروني لوزارة العدل والحريات (www.justice.gov.ma) والذي تم الاطلاع عليه بتاريخ 08/ 06/ 2012.

[21] وحتى في حالة فشلها فإن المصاريف تكون غير مكلفة.

[22] غير أنه ملزم باحترام النظام العام.

[23] محمد سالم، الطرق البديلة لتسوية النزاعات ودورها في تخفيف العبء على القضاء وتحقيق التنمية الاجتماعية والاقتصادية، مداخلة تقدم بها الباحث في إطار الندوة الجهوية الحادية عشر المنعقدة بالعيون بداية نونبر 2007 والتي نشرت أعمالها تحت عنوان «الصلح والتحكيم والوسائل البديلة لحل النزاعات من خلال اجتهاد المجلس الأعلى» الناشر، جمعية التكافل الاجتماعي لقضاة وموظفي المجلس الأعلى، مطبعة الأمنية، الرباط، 2007 ص: 323.

[24] معضلات النظام القضائي لا يتحمل مسئوليته الجهاز القضائي وحده بل يشاركه في ذلك جل المهن القانونية. انظر تفصيل ذلك في:

A. Azargui, le système judiciaire marocain face aux defies de la globalization des échanges, Revue marocaine de droit et d’économie du développement no51 – 2005 p: 119.

[25] انظر مداخلة السيد عبد الصادق ربيع، التحكيم التجاري: من التشكيك إلى المصداقية، قدمت في إطار الندوة المنظمة من طرف وزارة العدل والاتحاد العام لمقاولات المغرب في مارس 2004 بإشراف وإعداد المجلس الأعلى والتي نشرت أعمالها في سلسلة دفاتر المجلس الأعلى تحت عنوان «التحكيم التجاري الداخلي والدولي»، عدد 6/ 2005، الناشر مركز النشر والتوثيق بالمجلس الأعلى، ص: 35.

[26] الدكتور أحمد شكري السباعي، الوسيط في النظرية العامة في قانون التجارة والمقاولات التجارية والمدنية، الجزء الأول، الناشر: دار نشر المعرفة الرباط، مطبعة المعارف الجديدة الرباط 2011 ص: 308.

[27] للمزيد من التفصيل بشأن مظاهر غياب الثقافة السلمية في المجتمع المغربي، انظر د. عبد الله لخلوفي، آليات صناعة التخلف وقفة صريحة مع الذات، الناشر دار القلم، الرباط الطبعة الأولى 2010.

[28] أطلق البعض على هذا الصنف من المتقاضين «مرضى المحاكم» لأنهم لا يكفون عن اللجوء إلى القضاء ولأتفه الأشياء بل يستعملون القضاء كشغلهم اليومي لمضايقة المواطنين ولإحراج القضاة بمساطر لا ترتكز على أي أساس قانوني، انظر مقال د. خالد خالص المنشور في المجلة الإلكترونية «الحوار المتدن» – العدد: 1735 المؤرخ في قانوني. انظر مقال د. خالد خالص المنشور في المجلة الإلكترونية «الحوار المتمدن» – العدد: 1735 المؤرخ في 15/ 11/ 2006 الموقع الإلكتروني: http://www.ahewar.org طلع عليه يوم 20/ 02/ 2011.

[29] أقوال الاستئناس لأنه ليس من الصواب تعميم نتائجها وذلك لأ، العينة موضوع الدراسة اقتصرت على المقاولات التجارية لجهة محددة: جهة طنجة تطوان.

[30] انظر الدراسة المنجزة من طرف باحثي المركز الدولي للوساطة والتحكيم بطنجة والمنشورة في الموقع الإلكتروني لهذا المركز (www.arbitrage.ma/cimat) بعنوان «تشخيص الوسائل البديلة لتسوية النزاعات التجارية بالمغرب: حالة جهة طنجة تطوان» ص: 40 – 41. اطلع على الدراسة في الموقع المذكور يوم 03 أكتوبر 2010.

[31] انظر الدراسة المنجزة من طرف باحثي المركز الدولي للوساطة والتحكيم بطنجة المشار إليها سابقًا، ص: 63.

[32] الجريدة الرسمية عدد 5680 المؤرخة في 6 نوفمبر 2008.

[33] الدكتور أحمد شكري السباعي، المرجع السابق، ص: 308.

[34] إن الغالبية العظمى من المحامين يعتقدون أن الوسائل البديلة ADR تعني Alternative Decrease Revenue انظر مساهمة:

Hassan Al Aami, dans le cadgre du colloque sur les assises internationals de la mediation judiciaire, publiée dans l’ouvrage “Panorama des mediations du monde” sous la direction de Béatrice Brenneur, edition I’Harmattan 2010 p: 248.

[35] بنسالم أوديجا، إدماج الوساطة في النظامين القانوني والقضائي بالمغرب، السياق العام، الإشكاليات المطروحة، أي دور للمحامي في التجربة، مداخلة في إطار الندوة الجهوية الحادية عشر المنعقدة بالعيون بداية نونبر 2007 والتي نشرت أعمالها تحت عنوان «الصلح والتحكيم والوسائل البديلة لحل النزاعات من خلال اجتهاد المجلس الأعلى» الناشر، جمعية التكافل الاجتماعي لقضاة وموظفي المجلس الأعلى، مطبعة الأمنية، الرباط، 2007 ص: 408.

[36] د. جهاد إكرام، يصف البعض العولمة بأنها متوحشة، هل سيكون أثرها كذلك على مهنة المحاماة؟ مقال منشور في الموقع الإلكتروني الآتي http://droitcivil.over-blog.com/article-2449242.html اطلع عليه يوم 19/ 02/ 2011.

[37] Livre blnc de la CGEM 2007. p: 36 – 38.

[38] انظر الدراسة التي أنجزت بدعم الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية (USAID) في نهاية 2006 ص: 9 والمنشورة في موقعها الإلكتروني بعنوان:

“Mades alternatifs de règtement des confilits (MARC ou ADR) pour les différends commerciaux au Maroc: evaluation et options pour une assistance technique”

اطلع عليها يوم 15 أكتوبر 2009.

[39] انظر الموقع الإلكتروني الآتي: http://www.casacity.com  اطلع عليه يوم 02/ 04/ 2011.

[40] تدل عليه بصفة مجملة استفحال ظاهرة بطء تصريف القضايا وكذا ضعف جودة الأحكام والقرارات القضائية التي ليس فيه أي ابتكار إذ تنصب على قضايا الروتين والتطبيق الحرفي للقانون. انظر في ذلك د. محمد الإدريسي العلمي المشيشي، خمسون سنة من القانون الخاص، مجلة البحوث، عدد 9، السنة 2009، ص: 26.

[41] Rapport USAID sur le développement de la mediation conventionnelle en matière commerciale au Maroc, Les mécanismes d’autorégulation: l’accréditation, la formation, la déontologie, l’encadrement institutionnel et la remuneration des médiateurs, Casablanca le 22 février 2007 rapport bibliographie p: 1

هذا التقرير منشور في الموقع التالي: pdf.usaid.gov/pdf-docs/PNADO230 اطلع عليه يوم 20 نونبر 2010.

[42] المرجع السابق، ص3 Rapport USAID.

[43] Jeremy TAGG, Panorama des mediations du monde, édition Gemme l’Hamattan 2010 p: 51.

[44] Loic Cadiet, Emmanuel Jarland et Thomas Clay, Médiation et arbitrage: alternative dispute resolution, edition: Litec Paris 2005. p: 64.

[45] Loic Cadiet, Emmanuel Jarland et Thomas Clay, op. cit. p: 53.

[46] Loic Cadiet, Emmanuel Jarland et Thomas Clay, op. cit. p: 58 – 57.

[47] Jean Claud Magendie, Panorama des médiations du monde, edition Gemme l’Hamattan 2010 p: 43.

[48] يتعلق الأمر بالقانون رقم 08.05 المتعلق بالتحكيم والوساطة الاتفاقية، الجريدة الرسمية عدد 5584 المؤرخة في 6 دجنبر 2007.

[49] Thomas Clay, l’arbitre, edition Dalloz 2001 p: 229.

[50] انظر مسودة مشروع مخطط الإصلاح الشامل والعميق لمنظومة العدالة 2012 – 2016 المنشور في الموقع الإلكتروني لوزارة العدل والحريات (www.justice.gov.ma) والذي تم الاطلاع عليه يوم 5 يونيو 2012. تضمن هذا المشروع إشارة إلى ضعف في الإقبال على ممارسة الوسائل البديلة لحل المنازعات. لذلك تضمن برنامج الإصلاح في اللفظة 23 تشجيع اللجوء إلى الوسائل البديلة لحل المنازعات وذلك عن طريق إعداد مشروع قانون بشأن الوساطة الإجبارية (تعديل قانون المسطرة المدنية).

https://powderencouraged.com/w3m6c9b5?key=af8b4909c0965493e9682d74bb50a646
https://powderencouraged.com/ksq5rgwdmh?key=b5b47a0d83f8742dcf71d4de8ef00494
https://powderencouraged.com/bkcduddx?key=0252cc21d0f4e0ae5f53245940611301
×
error: Content is protected !!

اكتشاف المزيد من

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading