القاضي الإداري وتأويل النصوص القانونية
مسعود جندلي
أستاذ مساعد بالمعهد العالي للتصرف بقابس
يقتضي التسليم بعدم كمال التشريع ضرورة تمكين المتعاملين مع القواعد القانونية من تأويل ما يعتري النصوص القانونية من غموض ، فالقاضي وباعتباره المتعامل الأبرز مع النصوص القانونية ، يكون في حاجة لأن يفسر ما غمض منها.
إن التأويل يعني التفسير([1]) أي إسناد فهم أو قراءة معينة وربما رسمية لنص يحتمل أكثر من معنى ،([2]) و” أول الكلام وتأوله : دبره وقدره ، وأوله وتأوله: فسره ، وقوله عز وجل : ولما يأتهم تأويله ، أي لم يكن معهم علم تأويله . … . …
وسئل أبو العباس أحمد بن يحي عن التأويل فقال : التأويل والمعنى والتفسير واحد. …،، ([3])
وورد مصطلح التأويل في القران الكريم بعدد سبع عشرة مرة ، جلها يفيد معنى التفسير([4])
ويختلف التأويل عن التكييف إذ يهدف هذا الأخير إلى توصيف وقائع محددة توصيفا دقيقا، حتى يمكن إدراجها ضمن صنف محدد وبالتالي اختيار النص القانوني المناسب لها وتطبيقه عليها وهو ليس غرض التأويل.
فالتأويل إذا هو وسيلة أو منهج قانوني يتم بمقتضاه البحث عن معنى النص القانوني أو مداه ، كما هو بحث في النتائج التي يمكن أن تترتب عند تطبيق النص الذي وقع تأويله.
أما النصوص القانونية فالمقصود بها تلك التي اصطلح على تسميتها فقه بمصادر الشرعية الإدارية ، أي تلك التي نص عليها الفصل 5 من قانون 1 جوان 1972 المتعلق بالمحكمة الإدارية الذي اعتبر أنه : ” تهدف دعوى تجاوز السلطة إلى ضمان احترام المشروعية القانونية من طرف السلطة التنفيذية وذلك طبقا للقوانين الجاري بها العمل والمبادئ القانونية العامة “([5]).
لم يذكر هذا الفصل كما هو واضح الدستور والمعاهدات الدولية ضمن مصادر المشروعية القانونية ، وهوما اعتبر نقصا تجاوزه القاضي الإداري بالتوسع في تأويل عبارات الفصل الخامس من قانون غرة جوان 1972.
ففي قرار لها بتاريخ 27 جوان 1990([6]) لم تتردد المحكمة الإدارية في إدماج القواعد الدستورية ضمن مصادر المشروعية القانونية ، فاعتبرت أن قرار وزير التربية المتعلق بفتح مناظرة انتداب لأساتذة محاضرين في التعليم العالي الذي اقتضى وجوب إقامة كل ناجح بمركز تعيينه ” قد وضع قيدا لحرية الإقامة مؤكدة أن ” حرية اختيار مقر الإقامة وهي من الحريات العامة والحقوق الأساسية التي ضمنها الدستور للمواطن لا يمكن تقييدها ولا النيل منها إلا بنص تشريعي وفي إطار الشروط التي حددها الفصل السابع منه “.
وفي قرار آخر يعرف عند الفقهاء والباحثين بقرار الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان ([7])، اعتبرت المحكمة الإدارية عند نظرها في شرعية قرار إداري اتخذه وزير الداخلية على أساس قانون 2 أفريل 1992 المنقح لقانون الجمعيات أن ” هذا المبدأ يخول للقاضي الموكول له وظيفة تطبيق القانون السهر على احترام تلك الأفضلية “، ويكون بذلك القاضي الإداري قد قدر ملاءمة قانون 2 أفريل 1992 مع الميثاق الدولي المتعلق بالحقوق المدنية والسياسية معتمدا تأويلا معينا كان من نتيجته الإقرار أن المعاهدات الدولية تفوق القانون وتفرض عليه حتى وإن كان هذا القانون لاحقا، ومقرا لنفسه بحق مراقبة مدى احترام هذه الأفضلية.
إن العلاقة بين القاضي من جهة والمشرع من جهة ثانية هي علاقة تكامل دون أدنى شك ، فالأول مكلف بسن القواعد القانونية التي يحتاجها أفراد المجتمع في معاملاتهم المتعددة ، والثاني مطالب بتطبيق تلك القواعد وبأمانة ودون أن يحيد عن هذا الدور ليتحول إلى واضع لها، إلا أنه كثيرا ما تتداخل المصالح وتتشابك فيضطر القاضي إلى تأويل ما غمض من نصوص وسد ما تركته من فراغ في صورة سكوتها.
لقد اختلف الفقهاء والباحثون في اليات التأويل وفوائده ، فمنهم من أقر للقاضي بهذه الصلاحية ومنهم من أنكر عليه ذلك ولكل منهم حججه ومؤيداته.
استند المعارضون لفكرة تأويل القاضي للنصوص القانونية ([8]) إلى أن التأويل هو تفسير لنص قانوني سابق ، وبالتالي فإن هذه العملية لا يمكن أن تتم إلا من قبل من وضع هذا النص ، وهو المشرع باعتبار أنه وحده من يمكنه وضع النصوص
وتأويلها، لأنه المؤهل أكثر من غيره لفهمها وإدراك أبعادها وغاياتها، أما القاضي فيبقى دوره منحصرا في النطق بالقانون وتطبيقه دون تأويل النص أو تفسيره([9]).
أبدى رواد المدرسة التقليدية ومناصريها حرصا على أن يقتصر دور القاضي على النطق بالقانون دون إمكانية تأويله ([10])، وردوا أسباب هذا الحرص إلى تخوفهم من تغول القضاة في نظام يحتكر فيه البرلمان المنتخب من الشعب السيادة داخل الدولة ، فالقوانين التي يصدرها البرلمان يجب أن تطبق كما هي ودون تحريف أو تأويل من سلطة غير السلطة التي أصدرتها.
إن النصوص القانونية ليس دائما على غاية من الكمال والوضوح ، حيث كثيرا ما يجد القاضي نفسه بين مفترق طرق ، فمن جهة ، في صورة سكوت النص أو غموضه لا يمكن للقاضي أن يحتج بعدم وجود نص أو غموضه ليتخلى عن فصل النزاع المعروض عليه ([11])، ومن جهة أخرى يترتب عن تأويل ما توفر له من نصوص مساس بمبدأ الشرعية ومبدأ السيادة التي يحتكرها ويجسدها البرلمان.
نظرا لانسداد الأفق أمام القاضي تم في فرنسا التفكير في حلول ، كان من أبرزها ما يعرف بدعوى “الاستعجال التشريعي ([12])، التي أقرها المشرع بنص القانون([13]) والتي تفرض على كل قاض أن يحيل بمقتضاها النصوص القانونية المبهمة أمام قصد تفسيرها.
إن العمل بهذا الإجراء على إطلاقه لم يكن دون الوقوف على العديد من الصعوبات ، فلم يجد مناصروا هذا الاختيار من حل غير تعهيد القاضي بتأويل النصوص القانونية ولكن بصفة استثنائية وبشكل محدود([14])، وهوما تم تقنينه لاحقا عندما تم التنصيص صراحة على اختصاص مجلس الدولة الفرنسي بهذه المهمة. ([15])
على عكس أنصار هذه النظرية التقليدية ارتأى آخرون ([16]) وجمعتهم المدرسة الوضعية ([17])، أن تأويل النص القانوني يمثل مرحلة ضرورية ومهمة قبل تطبيقه واقعا، فعمومية النص تتطلب من القاضي ملاءمته مع الوقائع المعروضة عليه، ويكون التأويل بهذا المعنى مرحلة ضرورية لابد من إتيانها([18])، وهو نفس الموقف الذي تبناه الفقيه ” إيزنمان” وأخرون ،([19])إلا أنه لابد من التأكيد والملاحظة أن مناصري فكرة تأويل القاضي للنصوص القانونية قد اشترطوا أن يتم في إطار ما تسمح به النصوص ([20])، ويكونون بذلك قد قيدوا القاضي حتى لا يتحول إلى سلطة منافسة للمشرع .
تفطن المشرع التونسي لمسألة تأويل النصوص القانونية في المادة المدنية وما يمكن أن تثيره من إشكالات بصفة مبكرة نسبيا، فوضع لتعامل القاضي معها قواعد مثلت إطارا عاما لتأويل النصوص القانونية إذا أحوجت الضرورة لذلك . ([21])
أما في المادة الإدارية فقد لازم المشرع الصمت في تأويل النصوص القانونية، وهوما أتاح الفرصة للقاضي الإداري لسد ما أوجدته النصوص القانونية من فراغ .
لقد رسم القاضي الإداري لنفسه منهجا منذ قراراته الأولى ، مقرا بحقه في تأويل النصوص القانونية ، متعاملا معها وكأنه واضعها، ومعتبرا أن دوره يختلف عن دور القاضي العدلي حيث يرى أنه : “من المقطوع به أن القضاء الإداري يختلف اختلافا جوهريا عن القضاء العدلي . فهذا الأخير تنحصر مهمته في تطبيق القانون وتلمس نية المشرع من النص القانوني . وأما القضاء الإداري فليس مجرد قضاء تطبيقي بل ميزته الغلبة أنه قضاء إنشائي يبتدع الحلول المناسبة للروابط القانونية بين الإدارة في تسييرها للمرافق العامة وبين الأفراد “([22]). فهل أراد القاضي الإداري أن يجعل لتعامله مع النصوص القانونية نوعا من الخصوصية؟
إن وجود هرم قضائي إداري إلى جانب الهرم القضائي العدلي ، يفقد مبرر وجوده ولا يمكن له أن يستقيم أصلا دون توفر هذه الخصوصية – وهوما فعله القاضي الإداري – عند تأويل النصوص القانونية ، وذلك بأن اعتمد خصوصية في تأويل الإجراءات (I) رافقتها خصوصية في الهدف الذي يرمي إليه من خلال عملية التأويل (II).
-
خصوصية تأويل القاضي الإداري للإجراءات
يتعامل القاضي الإداري مع القاعدة القانونية وكأنه واضعها، ولذلك يسمح لنفسه بتفسيرها وتأويلها، التأويل الذي يتماشى وفهمه لها، حيث سعى إلى تبسيطها للمتقاضين عند تقديم الدعوى أو أثناء سيرها (ب ).
- تأويل بهدف التبسيط في إجراءات تقديم الدعوى
تهدف إجراءات تقديم الدعوى إلى إيصال الحقوق لأصحابها طبقا للشروط والأطر التي وضعها لها المشرع ، إلا أنه كثيرا ما يعتري تلك النصوص القانونية المتعلقة بها بعض الغموض أو أن تغيب تلك القواعد أصلا حيث يضطر القاضي المتعهد بالقضية إلى تأويل ما غمض من نصوص وسد ما تركته من نقص أو فراغ.
تعددت الحالات والصور التي تدخل فيها القاضي الإداري ، لتبسيط إجراءات تقديم الدعوى في المادة الإدارية ، حيث تعامل مع النصوص القانونية وأولها تأويلا يتماشى مع حداثة هذا الصنف الجديد من القضاء.
فلتقديم دعوى تجاوز السلطة اشترط القانون عدد 40 المؤرخ في 1 جوان 1972 في الفصل 40 (قديم ) منه على ضرورة تقديم مطلب مسبق للسلطة التي أصدرت القرار معتبرا أنه و” بقطع النظر عن الأحكام التشريعية المخالفة لهذا القانون فإنه لا تقبل الدعاوى المقدمة للمحكمة الإدارية ضد مقرر صادر عن السلط الإدارية المشار إليها بالفصل الثالث من هذا القانون إلا إذا قدم بشأنه مطلبا مسبقا للسلط المذكورة . . . .”.
فبالرغم من الوضوح الذي جاءت به عبارات الفصل 40 قديم من القانون عدد 40 المؤرخ في 1 جوان 1972 المتعلق بالمحكمة الإدارية في خصوص توجيه المطلب للسلطة التي أصدرت القرار فإن القاضي الإداري قد أول عبارات هذا النص تأويلا يتماشى ورغبته في تبسيط إجراءات التقاضي ، حيث أقر وفي أكثر من مناسبة بأن ” التظلم الموجه إلى غير السلطة المختصة مقبول إذا ما تبين أن تلك السلطة أحالته إلى السلطة المختصة “([23])، ومواصلة منه في تبسيط الإجراءات أقر القاضي الإداري موقفا عاما أقر من خلاله بصحة المطلب المسبق الذي يتم توجيهه ” إلى السلطة التي بإمكانها تغيير القرار المطعون فيه ” ([24]) منطلقا من أن ” المطلب المسبق هو التظلم الذي يتقدم به المدعي في قضاء تجاوز السلطة المصدرة للقرار المطعون فيه أو إلى سلطة مرتبطة بها ارتباطا عضويا أو تشترك معها في تأدية وظائفها، طالبا من خلاله أن تعيد النظر في تصرفها إما بسحبه أو بإلغائه أو بتعديله أو باستبداله، بعد أن يبصرها بوجه الخطأ الذي ارتكبته قصد تمكينها من فرصة مراجعة موقفها قبل اللجوء إلى قاضي الإلغاء ([25]) .
استقر رأي القاضي الإداري على اعتماد ” تأويل متسع جدا ” ([26]) في فهمها للسلطة المصدرة للقرار مبررا ذلك ” بأنه اعتبارا لحداثة قضاء الإلغاء . . . فالغالب أن يقوم الأفراد بإعلام الجهات الإدارية عن طريق المكلف العام بنزاعات الدولة . . . والواجب أن يتولى المنازع العام إحالة الوثائق المبلغة إليه على السلطة المعنية …” ([27]) بعد أن أقر صراحة ” بأن الإجراءات المتبعة لدى هذه المحكمة في دعاوى الإلغاء تفرض أن تعلن العريضة للجهة الإدارية رأسا دون تبليغها عن طريق المكلف العام بنزاعات الدولة الذي ليست له أهلية تمثيل الوزراء إلا بالنسبة للمنازعات التعويضية ([28]) فقبلت المطلب المرفوع للسلطة المعنية عن طريق التسلسل الإداري الرئاسي ([29]) وعن طريق إرسال المطلب للجهة القضائية ([30]).
يعكس هذا الموقف للقاضي الإداري بعدم تقييد المطلب المسبق بصيغ معينة وتساهله فيه ” تأويلا غائيا لنظام المطلب المسبق “([31]) ، ورأت أنه ” يكفي أن ينهى إلى الجهة الإدارية المختصة ، أنها مطالبة بالتراجع في موقفها، أي بالتراجع عن قرارها المنوي الطعن فيه ، . . . وتبعا لذلك . . . يجوز أن يكون المطلب المسبق غير كتابي ([32]) بشرط أن تعترف الإدارة بذلك ( مثلا ضمن محضر تفقد ) ([33]) ، كما قبل القاضي الإداري بصحة المطلب المسبق الوارد في شكل رسالة ([34])، كما أن استجواب الإدارة عن طريق عدل منفذ يعتبر مطلبا مسبقا ” لأن قصد المشرع من تبليغ المطلب المسبق إلى الإدارة هو إعلامها قبل التقاضي بمعارضة المعني بالأمر للقرار المتخذ في شأنه حتى تتمكن من مراجعته “([35]).
أما في خصوص الجهة المختصة برفع التظلم المسبق فقد تساهل القاضي الإداري معها هي الأخرى ، إذ وبالرغم من سكوت الفصل 40 (قديم) من سكوت القانون المتعلق بالمحكمة الإدارية ، وبالرغم من الإشارة الصريحة إلى رفع التظلم من قبل المعني بالمقرر التي تضمنها الفصل 37(جديد) من القانون الأساسي عدد 39 المؤرخ في 3 جوان 1996 المنقح للقانون عدد 40 لسنة 1972 المؤرخ في 1 جوان 1972 المتعلق بالمحكمة الإدارية فقد ” استقر قضاء المحكمة الإدارية في قبول التظلم المقدم من طرف المحامي اعتبارا على أن هذا الأخير ينوب موكله في جميع مراحل الإجراءات ومنها تقديم التظلم ([36]).
ودعما منه لهذا التبسيط في إجراءات تقديم الدعوى تساهل القاضي الإداري في إثبات المطلب المسبق ، حيث أجاز إمكانية إثباتها بكل الطرق والوسائل بما فيها القرائن ، لذلك يعتبر ” أن العرض ولئن صرح بكونه قام بعدة مطالب مسبقة
غير أنه لم يدل بما يثبت ذلك عدى نسخة من مكتوب صادر عن وزير الشباب والرياضة يتضمن أن العارض كان قد خاطب عن طريق نقابة التعليم البدني والرياضي في مكتوب ينتقد القرار المخدوش فيه لذا يتجه والحال ما ذكر اعتبار هذا الأخير المطلب المسبق المنصوص عليه ([37]).
كما أوجب المشرع على المتقاضين عند تقديم الدعاوى في المادة الإدارية ضرورة احترام الآجال التي ضبطها لذلك ، حيث ولئن لم يحط دعوى المسؤولية بآجال خاصة وأخضعها للآجال الاعتيادية للدعاوى في المادة المدنية ، فقد أخضع دعوى تجاوز السلطة لآجال خصوصية نص عليها الفصل 40(قديم ) ([38])
من القانون عدد 40 المؤرخ في 1 جوان 1972 المتعلق بالمحكمة الإدارية والفصل 37(جديد) ([39]) من القانون الأساسي عدد 39 المؤرخ في 1 جوان 1996 المنقح والمتمم له.
لم ينص قانون 1 جوان 1972 ولا كذلك القانون المتمم والمنقح له في 3 جوان 1996 عن طبيعة آجال التظلم مما اضطر القاضي الإداري للتدخل مؤولا للنص القانوني الذي ضبطها وموضحا طبيعتها ومعتبرا أنها: ” بمثابة قواعد آمرة يستهدف منها استقرار الأوضاع القانونية وعدم ترك الأبواب مفتوحة بلا نهاية للطعن في القرارات الإدارية ، لما يتوقف عليها من المصالح الخاصة والعامة، وتحقق هذا الأمر موكول إلى المحكمة تجريه بحكم وظيفتها، ودون حاجة إلى الدفع به من قبل الخصوم “([40])، وأكد في ذات المعنى ” أن الآجال الوارد تحديدها في هذا النص من النظام العام وذلك اقتضاء لما تدعو إليه المصلحة العامة من وجوب احترام الأوضاع المستقرة وعدم زعزعة المراكز القانونية باستمرار وإحاطة تصرفات الإدارة ميدانيا بسياج من الاطمئنان والثقة وتحقيق هذا الأمر موكول إلى المحكمة التي تجريه بحكم وظيفتها ودون حاجة إلى الدفع به من طرف الخصوم”.([41])
سكت المشرع كذلك عن طريقة احتساب أجال التظلم ، وهو ما أثار عديد الإشكالات في التعامل مع هذه المسألة ، مما اضطر القاضي الإداري للتدخل مرة أخرى وأول النص القانوني تأويلا غائيا يتماشى ورغبته في تبسيط الإجراءات “الحديثة “. ففي قرار لها بتاريخ 14/06/1976 اعتبر القاضي الإداري أن “عد الآجال القانونية يخضع للأحكام المنصوص عليها بالفصول 140-141-142-143 من مجلة الالتزامات والعقود عملا بالقانون المؤرخ في 24/07/1965([42])، وأن القاعدة المعتمدة في عد الآجال هي تلك التي تعتبر الشهر ثلاثين يوما . ([43])
أما في خصوص انطلاق احتساب آجال التظلم ، فقد أثارت هي الأخرى جدلا فقهيا، رافقه سكوت على مستوى النصوص التشريعية المنظمة للمسألة، حيث وجد القاضي الإداري نفسه مضطرا لسد الفراغ الذي تركته تلك النصوص فاعتبر أن ” الأصل في بدء ميعاد الطعن أن يكون من تاريخ النشر فيما يخص القرارات التنظيمية ، ومن تاريخ الإعلان فيما يخص القرارات الفردية وفقا للفصل 40 المتقدم ، وأما الإعلان فيما يخص القرارات الفردية فيجب أن يكون مشتملا على جميع عناصره ، وبصورة يكون صحب الشأن معها في وسع لتحديد موقفه تجاهها . وعليه فلا يمكن اعتبار التغيير الحاصل في المرتب بمثابة الإعلام القانوني الذي يفي بغاية التبليغ ويقوم مقامه ، والذي يكشف عن حصول العلم بالقرار الإداري المنتقد “([44])، فالغرض من الإعلام هو الكشف عن فحوى المقرر ” بحيث يكون في وسع المخاطب به أن يعلم به تماما، فإذا كان النشر خاليا أو قاصرا في بيان ما يتسنى معه للمدعي العام بتفاصيل المقرر وشموله لأغراضه وتقدير وجه اتصاله به ومساسه بمصلحته ، فلا يكون النشر والحالة هذه مجديا في حساب ميعاد إجراءات التقاضي لدى هذه المحكمة ، ولا وجه من ثم للتحدي بما تذهب إليه الإدارة من استفادة علم المدعي بالمقرر المطعون فيه على افتراض ضرورة اطلاعه عليه في حينه بنشر أمر الانتزاع بالرائد الرسمي.
ولما كان من الثابت بلا جدال أن هذا النشر يتضمن تدوينا لتفاصيل لا تتطابق بالتمام مع الأوصاف القائمة لعقار المدعي ، فلا يعتبر أثر النشر هذا بمثابة الإجراء الذي يؤدي إلى العلم القانوني بحصول الانتزاع ، وبالتالي لا يترتب على مثل هذا النشر سريان المدة لتوخي إجراءات التقاضي.
وحيث أن وقائع الدعوى تفيد أن المدعي وقد كان جاهلا بأمر الانتزاع عند صدوره بالرائد الرسمي في فيفري 1975 إلا أنه من المؤكد أنه أخطر بنص هذا الأمر في تاريخ 29/08/1975 لدى مثوله أمام قاضي الأمور المستعجلة للنظر في موضوع تحويز الوكالة العقارية للسكنى بالعقار المنتزع .
فلا يقبل منه بعد ذلك القول بأنه لم يكن يعلم بالانتزاع علما كافيا نافيا للجهالة.
وحيث أنه على نحو ما تقدم يكون تظلمه من هذا المقرر المطعون فيه في 23/08/1985 قد أقيم بعد فوات ميعاد الستين يوما المحدد بالفصل 40 من قانون المحكمة الإدارية جديرا بالرد مما يتعين معه عدم قبول الدعوى شكلا ” ([45])
وسعيا منه دائما لتبسيط الإجراءات ، وبالرغم من سكوت المشرع عن مسألة فوات أجال الطعن أقر القاضي الإداري بإمكانية الطعن في القرارات المنعدمة حتى بعد فوات الأجل القانوني ، كما مكن نفسه من إمكانية إلغاء ذلك القرار تلقائيا حتى بدون طعن صريح ضده ، وقد أكد القاضي الإداري موقفه بما يلي : ” وحيث يستروح من أحكام الأمر العلي المؤرخ في 18 جويلية 1957 المتعلق بنظام الأحباس الخاصة والمشتركة أن اللجنة الجهوية لتصفية الأوقاف تعتبر استنادا إلى ما تتسم به تركيبتها وصلاحياتها والإجراءات المتبعة أمامها وكيفية الطعن في قراراتها هيئة قضائية مختصة بالنظر في تصفية الأحباس الخاصة والمشتركة واتخاذ القرارات في شأن تلك التصفية بما في ذلك القرارات القاضية بتسمية المصفين وإعفائهم.
وحيث يتضح من أوراق الملف أن والي زغوان بصفته رئيس اللجنة المذكورة عندما تولى تكليف المدعي بإدارة وقف سيدي ناجي بتاريخ 11 جويلية 1986 وإعفائه بتاريخ 27 فيفري 1987 قد حل محل اللجنة المذكورة بوصفها هيئة قضائية ، وأن خروج الوالي عن حدود ولايته على هذا الوجه لا يشوب قراره بمجرد عيب من العيوب التي تجعله قابلا للإلغاء بل ينطوي على غصب للسلطة ينحدر بالقرارين المذكورين إلى مرتبة العمل المادي العديم الأثر قانونا مما يتجه معه اعتبار قرار الإعفاء المطعون فيه وكذلك الشأن بالنسبة لقرار تكليف المدعي بإدارة شؤون الوقف المذكور آنفا رغم عدم الطعن فيه معدومين ولا أثر لهما، لذلك قررت المحكمة التصريح باعتبار قرار الإعفاء الصادر عن والي زغوان بتاريخ 27 فيفري 1987 معدوما ولا أثر له وكذلك الشأن بالنسبة لقرار تكليف العارض بشؤون الوقف المؤرخ في 11 جويلية 1986 تحت عدد 2126 ([46])
أكد القاضي الإداري إذا أنه لئن كان بالإمكان إلغاء القرار المعدوم بدون طعن صريح ضده، فإن فوات أجل الطعن فيه لا يقف حائلا دون إلغائه ، وهو نفس الوقف الذي أكده في خصوص القرارات ذات المفعول المستمر حيث اعتبر أن
الطعن في القرارات ذات المفعول المستمر أمر جائز ما استمر مفعولها وإن كانت موضوع عدة مطالب مسبقة ، مؤكدا “أن موضوع الدعوى يدخل في زمرة الحقوق المستمرة التي تخول للمعني بالأمر المطالبة بها دون تقيد بأجل معين حتى بعد
صدور هذا القرار”([47])
أما في خصوص شرطي الصفة والمصلحة في القيام الواجب توفرهما لصحة قبول الدعوى ، فقد كان للقاضي الإداري تأويله وفهمه الخاص لهما.
ففي خصوص الصفة في القيام فقد عرفها “بالقدرة القانونية على رفع الدعوى إلى القضاء والمثول أمامه لتلقيها…” ([48]) وتأكيدا منه على هذا التميز وهذه الخصوصية لشرط المصلحة في القضاء الإداري وربما أيضا بهدف تبسيط الإجراءات على المتقاضين أدرج القاضي الإداري – لا المشرع – شرط الصفة بالمصلحة معتبرا أنه ” وحيث أن وزير الفلاحة دفع الدعوى طالبا ردها شكلا بحجة أن القاصرة حسناء ابنة المدعية الجازية من زوجها المتوفى إبراهيم النمري بلغت سن الرشد في 07/08/1984 وكان عليها أن تتدخل في المنازعة الراهنة دون أن تكون لأمها صفة لنيابتها في الدعوى .
وحيث إنه لا وجه للتحدي بقواعد المرافعات المدنية التي تشترط لقبول الدعوى وجود صفة لرافعيها، وبأن هذه الصفة تتوافر في البنت حسناء النمري شخصيا بعد رشدها لا وجه للتحدي بهذا الدفع لأن الصفة في التقاضي أمام قضاء الإلغاء على خلاف التقاضي أمام المحاكم العادية يندرج في المصلحة . فيكفي لقبول طلب إلغاء القرار الإداري توافر شرط المصلحة الشخصية المباشرة مهما كانت صفة قرار رافع الدعوى بالنسبة إلى القرار المطعون فيه([49]).
وأضاف القاضي الإداري مبسطا ومفسرا لخصوصية شرط الصفة في قضاء الإلغاء فارتأى أن ” ليس من الضروري أن ترفع دعوى الإلغاء من جميع الأفراد الذين يؤثر القرار الإداري في حالتهم بل يكفي أن يرفعها بعضهم أو أحدهم على اعتبار أن الاختصاص في هذه الدعوى موجه إلى القرار ذاته ومن ثم لا يعتد بدفع الإدارة في هذا الشأن ويتجه رده .
وحيث بعد الذي تقرر تكون الدعوى وقد رفعت في الميعاد واستوفت شرائطها الشكلية مقبولة شكلا “.([50])
أما بخصوص شرط المصلحة في القيام ، وبالرغم من التنصيص التشريعي الصريح على هذا الشرط بمقتضى القانون عدد 40 المؤرخ في 1 جوان 1972 أو بمقتضى القانون المؤرخ في 3 جوان 1996 المنقح والمتمم له، فقد تدخل القاضي الإداري ووضع شروطا تدقيقية لهذا الشرط حتى لا تتحول دعوى الإلغاء إلى دعوى شعبية يقوم بها أي كان ، فاعتبر أنه ” من المتفق عليه بين فقهاء القانون العام أن المصلحة المطلوب توافرها يجب أن تكون شخصية ومباشرة ومشروعة “([51]).
أكد القاضي الإداري كذلك على توفر شرط المصلحة عند قيام الدعوى على ضرر محتمل عندما أقر أنه ” ومع التسليم بأن الترقية في الرتبة ليس حقا للموظف كقاعدة عامة فإن القضاء قد اعترف للموظف بحق الطعن في قرارات الترقية التي
تتم مخالفة للقانون إذا كان من شأنها أن تلحق ضررا ولو محتملا لأن مصلحة الطاعن ليست في أن يرقى فحسب بل في أن لا يسبقه موظف آخر على ترقية مخالفة للقانون كذلك من مصلحته أن تظل الخطة شاغرة حتى يستوفي شروط الترقية فيرقى إليها”([52])، كما أكد القاضي الإداري على صحة الدعوى المقدمة من الذوات المعنوية إذا إنبنت على طعون ” تستهدف المطالبة بحقوق ذات مصلحة جماعية مشتركة للدفاع عن مصلح كل أعضائها أو البعض منهم بشرط أن لا تؤول الدعوى إلى المطالبة بحقوق فردية تكون مقبولة . وعلى هذا الأساس فإن دعوى العارضة إذ تعلقت بالدفاع عن مصلحة جماعية مشتركة بجل منخرطيها تكون حقيقة بالقبول . . .” ([53])
إلى جانب ما سبق بيانه اشترط المشرع لصحة قيام الدعوى وجوب توفر بعض البيانات ، سماها بــــــــــ : “البيانات المتعلقة بالعريضة “، حيث نص الفصل 36 (قديم ) من قانون المحكمة الإدارية على أنه “يجب أن تحتوي عريضة الدعوى على عرض موجز للوقائع والمستندات والطلبات واسم ولقب ومقر كل واحد من الخصوم ونسخة من المقرر.
فإذا كان المقرر مقرر رفض طبقا لأحكام الفصل 40 من هذا القانون فإنه يصحب بالوثيقة المثبتة لتاريخ تسجيل المطلب أو بالوصل البريدي ” لقد وردت عبارات هذا الفصل بصيغة الإلزام والوجوب ، وهو ما منطقيا أن كل إخلال بهذه البيانات يوجب رفض الدعوى شكلا، إلا أن القاضي الإداري وتبسيطا منه للإجراءات فقد أول تأويلا مخالفا لهذا النص معتبرا أن البيانات المتعلقة بالاسم واللقب والمقر بيانات غير جوهرية ولا تؤثر في صحة الحكم باعتبارها إجراءات قابلة للتصحيح ، فجاء بحيثية قراره ما يلي : “وحيث إن جهة الإدارة تدفع بعدم قبول الدعوى شكلا بحجة أن العريضة كانت مخلفة لمقتضيات الفصلين السادس والسابع والثلاثين من قانون المحكمة الإدارية لما جاءت خالية من كل تنصيص على اسم ومقر أطراف النزاع وعلى المستندات التي اعتمدت عليها.
وحيث أن عمل هذه المحكمة يجري على قبول دعوى تجاوز السلطة كلما ثبت أن للقائم مصلحة في طلب إلغاء قرار إداري ما وكلما أمكن التعرف من خلال عريضة الدعوى على اسم ولقب ومقر أطراف النزاع دون أن يشترط في تحريرها صيغا معينة ، وحيث أن هذين الشرطين قد توفرا في قضية الحال وقد تيسر للمحكمة التحقيق فيها ومخابرة طرفي النزاع دون إشكال فإن الدفع الذي قامت به جهة الإدارة يصبح والحالة تلك متجه الرد “. ([54])
يعكس هذا الموقف للقاضي الإداري نوعا من المرونة والتبسيط في التعامل مع الإجراءات ، دعمه بكل وضوح في بيانات عريضة الدعوى عندما اعتبر أن “خلو عريضة الدعوى من مطاعن ومستندات لا يؤول لرفض الدعوى شكلا طالما أن العارض سعى إلى تدارك ذلك صلب تقاريره اللاحقة “([55]).
لقد استقر فقه القضاء الإداري كذلك على عدم ترتيب أي جزاء إجرائي في حالة عدم إرفاق عريضة الدعوى بنسخة من المقرر المطعون فيه منذ القيام بالدعوى ، حيث أقر بإمكانية تدارك ذلك النقص من خلال الإدلاء بالقرار لاحقا أو من خلال مطالبة الإدارة بذلك.
إن هذا الموقف للقاضي الإداري وإن اختلف مع النص القانوني ، فإنه يستجيب للواقع الإداري التونسي حيث لا يمكن المتقاضي من القرار المطعون فيه قبل القيام بدعواه ولا يكون في الغالب على علم إلا بوثيقة إعلام بفحوى القرار المعني بالأمر دون الوثيقة المادية ذاتها ([56]).
هكذا إذا يكون القاضي الإداري قد أول النصوص القانونية ، تأويلا يتماشى ورغبته في تبسيط الإجراءات خدمة للمتقاضين ، معللا ذلك بحداثة القضاء الإداري حينا، وبخصوصية النزاعات الإدارية وتميزها أحيانا أخرى.
فهل حافظ القاضي الإداري على نفس الموقف أثناء سير الدعوى ؟
- تأويل بهدف التبسيط أثناء سير الدعوى
يمثل التحقيق في الدعوى مرحلة قضائية بامتياز، يتعهد بمقتضاها القاضي للبحث في القضية المحالة إليه وإعداد تقرير في الغرض .
وتتم مباشرة أعمال التحقيق من قبل المستشار المقرر تحت إشراف رئيس الدائرة وفق أحكام الفصل 42 (جديد) من قانون المحكمة الإدارية حيث يتولى المستشار المقرر إعلام الجهة المدعى عليها بتقديم القضية وإحالة جميع مذكرات الرد والوثائق التي يتلقاها أو التي يأذن بمد المحكمة بها على الأطراف المعنية بالنزاع .
ويتولى رئيس الدائرة متابعة أعمال التحقيق ، حيث يقوم بمراجعة مشاريع المراسلات المحررة من قبل المستشار المقرر قبل توجيهها على أطراف النزاع ، ثم يذيلها بإمضائه في صورة الموافقة أو يدعو المستشار المقرر للتحاور معه بشأنها عند الاقتضاء، ثم يتولى إحالة ملف القضية إلى الرئيس الأول وتحديد موعد جلسة للمرافعة عملا بأحكام الفقرة الثانية من الفصل 49 جديد من قانون المحكمة الإدارية.
بالرغم مما دأب عليه عمل المحكمة الإدارية ، وبالرغم من وضوح النصوص القانونية المتعلقة بهذه المرحلة من مراحل سير الدعوى ، فقد أثار تطبيق هذه النصوص بعض الصعوبات ، اضطرت القاضي الإداري إلى التدخل قصد تأويلها وإعطائها تفسيرا.
لم يتطرق قانون 1 جوان 1972 قبل تنقيحه لدعوى المعارضة ، حيث اكتفى بالتطرق للدعاوى العارضة ([57])، لذلك تدخل القاضي الإداري وأقرب بإمكانية تقديم دعوى عارضة أثناء سير التحقيق في الدعوى .
لقد تميز موقف القاضي الإداري في هذا الشأن بالتشدد، كلما تعلق الأمر بطلبات إضافية ، كان من نتائجها أن رفض كل طلب إضافي في دعوى تجاوز السلطة من شأنه تحوير المطالب الأصلية ، فجاء في قوله ما يلي : ” وحيث ثبت من أوراق الملف أن العارض حور طلباته المضمنة بعريضة الدعوى وعوضها بطلبات جديدة يرمي من ورائها إلى المطالبة بتمكينه من مرتباته خلال الفترة التي كان فيها محالا علي التقاعد.
وحيث أن فقه قضاء هذه المحكمة دأب على اعتبار أن نطاق المنازعة يتحدد بما يورده المدعي في عريضة دعواه حال رفعها ولا يسوغ التوسع فيها أو إضافة طلبات جديدة .
وحيث أن ما يرمي إليه العارض هو من قبيل التوسع في الدعوى التي دأب عليها فقه القضاء على رفضه عملا بمبدأ رسوخ الدعوى الأمر الذي يتعين معه رفض هذه الدعوى شكلا “([58]).
عمد القاضي الإداري إذا إلى رفض الطلبات الإضافية عملا بمبدأ رسوخ الدعوى أو ما يعبر عنه ” بقرارة المذكرات “، حيث جاء بحيثية قراره ما يلي : “وحيث إن هذا المطعن الذي يستند إلى المقرر المؤرخ في 02/ 04/ 1976 أثير من قبل العارض في تقريره المقدم في 14/04/1976 وهو يشكل بالتالي توسعا في الدعوى خارجا عن ميعاد رفعها القانوني وهو إجراء باطل لمخلفته قاعدة “قرارة المذكرات “، تلك القاعدة التي تفرض في حالة فوات أجل التقاضي منع العارض من التوسع في طلباته وملحوظاته.
وحيث كان من الأجدر أن يقوم العارض بطعن منفرد في هذا الصدد لا سيما وأن مطعنه يرتكز على سبب قانوني مغاير لدعواه الحالية وأن يراعي الآجال والصيغ القانونية وخاصة منها أحكام الفصل 40 من القانون عدد 40 المؤرخ في 1 جوان 1972 ولذا بات هذا المطعن حريا بالرفض “([59])
لم يقتصر دور القاضي الإداري على تأويل النصوص المتعلقة بالدعاوى العارضة ، بل تجاوز ذلك ليهتم بالتداخل والإدخال الذي يمكن أن يحدث أثناء سير الدعوى . ففي مادة تجاوز السلطة ، وفي قرار تمثلت وقائعه في أن العارضان أحمد الأخضر العبيدي وبلا ندري أورس يشغلان بوجه التسويغ محلين بالعمارة الراجعة لملكية السيد محمد العزيز ميلاد (المتداخل في القضية )، حيث صدر ضدهما قرارا من وزير التجهيز والإسكان يقضي بالترخيص بهدم العمارة الكائنة بشارع محمد الخامس بالعاصمة ، فتقدما بدعوى تجاوز للسلطة ناعين على هذا القرار خرقه لأحكام الفصل الأول من القانون عدد 34 لسنة 1975 المؤرخ في 04/02/1976 بمقولة أنه صدر عن سلطة إدارية غير مختصة لاتخاذه ، وأن حالة العمارة لا تستوجب اتخاذ الإجراءات المتعلقة بالعمارات المهددة بالخراب .
في إجابته عن المطعن الأول ارتأى القاضي الإداري أن “موضوع هذا النزاع قد كشف النقاب عن أن محمد العزيز ميلاد يملك العقارات ذات الرقم 68 و 70 مكرر و 72 من شارع محمد الخامس بالعاصمة المعدة للسكنى والحرفة ، ومنهما
المحلان المسوغان للعارضين ، وقد تحصل بتاريخ 21 ديسمبر 1979 علي رخصة موقعة من مدير الإسكان نيابة عن وزير التجهيز في هدم هاته العقارات لبناء عمارة ذات خمس طوابق وعلى إثرها قام المالك بالتنبيه على العارضين بالخروج من المحلات التي يشغلونها ومنحهما مهلة ستة أشهر لإخلائها ليتسنى هدمها وإقامة بناء جديد عوضها وفق الرخصة الممنوحة له. فتظلم المدعيان إلى وزير التجهيز بتاريخ 23 جانفي 1980 ثم استصدرا إذنا بإيقاف تنفيذ الترخيص في الهدم حسب قرار صادر في 1 مارس 1980 من طرف الرئيس الأول للمحكمة الإدارية.
وحيث أن الإدارة المدعى عليها دفعت الدعوى طالبة الحكم برفضها موضوعا بحجة أن وزير التجهيز يملك الصلاحيات القانونية لإصدار رخص الهدم بالاعتماد على أحكام الفصل 5 من القانون عدد 35/76 المؤرخ في 18/02/1976 المتعلق بضبط العلاقات بين المالكين والمكترين للمحلات المعدة للسكنى أو الحرفة أو الإدارة والتي تخول بصريح عباراتها لوزير التجهيز اتخاذ تلك الرخص المسبقة في الهدم .
وحيث إن المتداخل محمد العزيز ميلاد يساند موقف الإدارة ويدفع الدعوى طالبا رفضها موضوعا، بعلة أن ما استند إليه العارضان في طعنهما لا يستقيم قانونا، ضرورة أن عبارات الفصل 5 من القانون عدد 35/ 76 سلف الذكر صريحة في
مدلولها حيث تجيز بلا ريب لوزير التجهيز استصدار رخص الهدم .
وحيث أنه مما لا ريب فيه أن الفقرة الأولى من الفصل 5 من نص القانون المبين أعلاه يقتضي ما يلي : ” إن حق البقاء لا يمكن أن يعارض به الملك الذي تحصل من وزارة التجهيز على رخصة سابقة في هدم عقار لبناء آخر جديد على عين الأرض . وتسلم هذه الرخصة من نفس السلط وفي نفس الظروف التي تسلم فيها رخصة البناء” كما ينص الفصل الأول من القانون عدد 34 / 76 المؤرخ في 04/02/1976 أن رخصة البناء يسلمها رئيس البلدية في المنطقة الخاضعة لنفوذه ([60])
ويضيف القاضي الإداري في تأويله لعبارات النص السابق البيان ما يلي: “وحيث أنه بالرجوع إلى النص المتقدم يستفاد من سياق عباراته أن الرخصة في الهدم التي يحصل عليها المالك من وزارة التجهيز هي في الواقع والقصد قرار تمهيدي في الهدم يهدف إلى الحصول على القرار التنفيذي (النهائي) من السلطة المختصة قانونا وهي التي يمارسها رئيس البلدية في المناطق الخاضعة لنفوذه بدليل أن المشرع وصفها بالرخصة السابقة حتى يجنب الخلط بينها وبين الرخصة التنفيذية التي يصدرها رئيس البلدية بناء على الرخصة السابقة التي يتخذها وزير التجهيز أولا ولا يصح القول كذلك بأن كلا من وزير التجهيز ورئيس البلدية يملكان سويا إصدار تلك الرخص ذلك أن النص لا يحتمل مطلقا هذا التأويل.
وحيث أن قرار الهدم قد صدر أصالة عن وزير التجهيز بوصفه قرارا تنفيذيا وذلك خلافا لمقصد المشرع المعبر عنه بالفصل 5 من القانون المؤرخ في 18 فيفري 1976 فيكون القرار المطعون فيه مشوبا بعيب عدم الاختصاص كما أنه يمس جوهر مبدأ استقلال الهيئات اللامركزية عن السلطة الإدارية المركزية.
وحيث إن ما سبق بيانه يغني عن مناقشة المطعن الثاني المثار في الدعوى بحسبان أن عيب تجاوز السلطة يغطي على المطاعن الأخرى “([61])
إن هذا الموقف للقاضي الإداري ما كان له أن يكون ، لو لم يساير فيه ما ذهب له مندوب الدولة في ملحوظاته حول هذا القرار، فبعد حصره لطبيعة النزاع ووجه الاختلاف بين الفصل الأول من القانون عدد 34 المؤرخ في 04/02/ 1976 ([62]) والفصل الخامس من القانون عدد 76/35 المؤرخ في18/02/1976 ([63])
توصل إلى أنه “يستفاد من هذين الفصلين أن الفصل الخامس من قانون 18/02/1976 الذي اعتمدته الإدارة ولئن حصل فيه تضارب بين فقرته الأولى وفقرته الأخيرة لا يمكن في نظرنا وزارة التجهيز سابقا ووزارة الإسكان حاليا من تسليم رخص الهدم إذ أن دور هاته الوزارة إنما هو دور فني وأولي يقدم في كل مراحل البناء بطلب من البلديات وذلك تحقيقا لتوحيد السياسة المعمارية القومية.
ولذك فلا يمكن للسلطة المركزية أن تقوم مقام السلطة المحلية وتسلم بنفسها رخص تهم أولا وبالذات البلديات وتتدخل في مشمولاتها ولذلك فقد أكد المشرع بالفصل الخامس المذكور والذي اعتمدته الإدارة أن هذه الرخصة (أي رخصة الهدم) تسلم من نفس السلط وفي نفس الظروف التي تسلم فيها رخصة البناء.
إن موقف الإدارة في هذه القضية لا يمكن في نظرنا اعتباره سيدي الرئيس حضرات الأعضاء صحيحا إذ أن الإدارة قد طبقت هذا الفصل حسب المفهوم الروحي لفقرته الأولى متجاهلة منطوق فقرته الثانية وخاصة روحه ومقصد المشرع الحقيقي حسب ما يتضح من مداولات مجلس الأمة عند مناقشته لهذا القانون وخاصة خطاب السيد وزير التجهيز نفسه الذي صرح أمام مجلس النواب أن وزارة التجهيز (أي وزارة الإسكان) حاليا لها دور فني بحت في نطاق مشمولاتها فهي تبدي رأيها في جميع الحالات إلى رئيس البلدية عندئذ فلهذا الأخير أن يتصرف وبالتالي أن يسلم رخصة البناء مؤكدا بذلك أن كل ما يتعلق بالبناء ومن ذلك حتى الهدم موكول لرئيس البلدية وفي بعض الأحيان للوالي.
لذلك فإننا نرى أن ما قصده المشرع من الفقرة الأولى من الفصل الخامس من القانون عدد 76/ 35 المذكور عندما قضى “أن حق البقاء لا يمكن أن يعارض به الملك الذي تحصل من وزارة التجهيز على رخصة سابقة في عدم هدم عقار لبناء أخر جديد في عين المكان …” هو ضرورة تمكين هاته الوزارة من إبداء رأيها الفني في كل ما من شأنه أن يتعلق بالسياسة المعمارية التي تحدثنا عنها في طالع ملحوظاتنا وأكد المشرع في الفقرة الثانية من هذا الفصل السلطة التي تسلم الرخصة بعد أخذ رأي الجهة الإدارية المختصة.
لذا واستنادا إلى كل ما سبق فقد بات من الثابت أن الإدارة قد تجاوزت سلطتها عند اتخاذها القرار المنتقد ويتعين والحالة تلك ودون فائدة في الخوض في المطعن الثاني القضاء لصالح الدعوى “([64])
تدخل القاضي الإداري أيضا لتأويل النصوص المتعلقة بتوقيف تنفيذ المقررات والأحكام الإدارية : فبخصوص توقيف تنفيذ المقررات الإدارية فواضح أن المشرع ضمن قانون 1 جوان 1972 لم يضبط ملامحه بصفة دقيقة ” بل اكتفى ، بعد التأكيد على الصبغة الاستثنائية لتوقيف التنفيذ بأن يعين الرئيس الأول للمحكمة الإدارية كقاض وحيد في المادة وأن يقرن الإذن بتوقيف التنفيذ، بشرط مجحف وعسير التوفر وهو احتمال أن تنجر عن المقرر المطعون فيه نتائج مستحيلة التدارك . وبقيت بذلك جوانب أخرى تتعلق بهذه الدعوى مبهمة:
فالمتقاضي الحريص على التماس توقيف تنفيذ قرار إداري لم يكن على بينة من الإجراءات الواجب إتباعها أو الآجال التي عليه التقيد بها، ولا مدركا لطبيعة وماهية الشروط التي يتحتم توفرها حتى تتم الاستجابة لمطلبه . فكان أن اضطلع فقه القضاء بتوضيح ملامح هذا الصنف من الدعاوى بل وتطوير المادة بتأويل أحكام النص وسد ثغراته “([65])
أول القاضي الإداري النصوص وسد الفراغ التشريعي في هذا النوع من الدعاوى معتمدا دائما سياسة التبسيط في الإجراءات بالنسبة للمتقاضين ، حيث يكون بذلك القاضي الإداري ” قد ساهم بقسط وافر في توضيح ونحت معالم مادة توقيف تنفيذ المقررات الإدارية سواء من حيث إجراءات وشكليات القيام أو فيما يتعلق بتحديد أصناف القرارات القابلة للطعن أوفي خصوص بيان طبيعة الإذن بتوقيف التنفيذ “([66])
لقد وضع القاضي الإداري جملة من المبادئ لصحة توقيف تنفيذ المقررات الإدارية ، من ذلك مثلا ضرورة استجابة مطلب توقيف التنفيذ للشروط العامة لتقديم دعوى تجاوز السلطة ، باستثناء شرط أجل القيام الذي لا يمكن إخضاع مطلب توقيف التنفيذ إليه نظرا لصبغته المتأكدة ، فلصحة مطلب توقيف التنفيذ اشترط القاضي الإداري ” أن يتضمن ذكر عدد قضية تجاوز السلطة المنشور من قبل الطالب طعنا في القرار الإداري المراد توقيف تنفيذه وأن يكون مرفقا بما يفيد سلامة إجراءات القضية المذكورة ” ([67]) ويضيف أن ” تقديم مطلب توقيف التنفيذ يكون صلب عريضة مستقلة عن دعوى تجاوز السلطة ولا يقبل المطلب المقدم صحبة عريضة تجاوز السلطة “([68])، كما اشترط القاضي الإداري لقبول مطلب توقيف التنفيذ أن يكون القرار المطلوب إيقاف تنفيذه تنفيذيا وأن يكون قابلا للطعن بالإلغاء، حيث لا تكون المحكمة الإدارية مختصة بالنظر إلا إذا كانت مختصة في الدعوى الأصلية ، ولهذا السبب رفض القاضي الإداري النظر في القرارات ذات الطابع الدستوري ، أو تلك القرارات التي أقصاها المشرع صراحة من دعوى تجاوز السلطة ([69]) أو تلك الصادرة عن الهيئة الوطنية للمحامين ([70])، أو تلك الصادرة في المادة الجبائية ([71]).
إن إضافات فقه قضاء المحكمة الإدارية في هذا الشأن مؤكدة ، حيث إلى جانب ما ذكر أرسى القاضي الإداري نظاما يتعلق بالمقررات الإدارية السلبية عندما اعتبر أنه ” لا يدخل في صلاحيات القاضي الإداري توجيه أوامر إلى جهة الإدارة ولا الإذن بتوقيف تنفيذ قرار سلبي إلا متى كان تنفيذه من شأنه أن ينال من وضعية المدعي الواقعية أو القانونية السابقة “([72]). وفي قرار أخر لا يقل أهمية عن سابقيه يؤكد القاضي الإداري نفس الموقف معتبرا “أنه بالنسبة لطلب توقيف تنفيذ القرار المتعلق برفض دخول العارض مرحلة تكوين المتصرفين المستشارين فإن هذا المقرر يعتبر من فئة المقررات السلبية التي لا يمكن إيقاف تنفيذها إلا بصفة استثنائية عندما يتوفر الضرر الذي يستحيل تداركه وعندما يؤثر المقرر السلبي المراد إيقاف تنفيذه بصفة واضحة في وضعية قانونية حصلت قبل اتخاذ ذلك المقرر ويمكن أن تتغير من جراء تنفيذه .
وحيث إنه بالرجوع إلى ملف القضية يتبين أنه لم تنشأ بعد للعارض وضعية قانونية تأثرت من المقرر الضمني الرافض دخوله مرحلة تكوين المتصرفين المستشارين ، فضلا على أنه لا يمكن للقاضي الإداري توجيه أوامر إلى الإدارة وبالتالي إلزامها بفعل شيء، مما يتجه معه رفض مطلب إيقاف تنفيذ ذلك القرار([73]) .
لم يشترط المشرع لإقرار توقيف التنفيذ أن يتم الطلب بصفة صريحة ، وبهذا تعتبر سلطة توقيف التنفيذ سلطة أحادية للرئيس الأول للمحكمة الإدارية يمارسها تلقائيا أو عند الطلب ، إنها سلطة تقديرية فضائية بحسب النص ، إلا أن المحكمة الإدارية وتأويلا منها للنص القانوني جعلت من هذا الإجراء موقوفا على طلب المدعي ، تماشيا مع أن توقيف التنفيذ طلب فرعي ، واعتبارا لأن الفرع يتبع الأصل ([74]).
إلا أنه لابد من الملاحظة إلى أن الإضافة التي اعتبرها الفقه نوعية وربما رئيسية تمثلت في الشروط التي أقرها القاضي الإداري للإذن بتوقيف تنفيذ المقررات الإدارية ([75])، فلقد أول القاضي الإداري أحكام الفصل 44 من قانون المحكمة الإدارية واعتبر أنها لا تشترط نتائج يصعب تداركها([76])، حيث يكون بهذا المعنى قد مكن نفسه من مجال واسع لتقدير ذلك الضرر ، وهوما تم بمقتضاه التخفيف من حدة الشرط القانوني المتعلق بالنتائج التي يستحيل تداركها.
كما أضاف شرطا جديدا للإذن بتوقيف التنفيذ وهو أن يكون المطلب قائما على أسباب تبدو في ظاهرها جدية ([77]))، هذه الأسانيد التي يمكن بمقتضاها تجديد مطلب توقيف التنفيذ إذا كانت جديدة ومغايرة للأسانيد السابقة ([78]).
-
خصوصية من حيث الهدف عند تأويل النصو ص القانونية
سعى القاضي الإداري من خلال عملية تأويل النصوص القانونية إلى التوسيع في اختصاصه سواء بتطويع النصوص القانونية أو حتى بتجاوز ما أقرته من أحكام ، كان ذلك بتأويل النصوص التي تحدد اختصاصه في مادة تجاوز السلطة
أو تلك التي تحدد اختصاصه في النزاعات المتعلقة بالتعويض (ب).
- توسيع القاضي الإداري لاختصاصه من خلال تأويل النصوص المتعلقة بمادة تجاوز السلطة
إن إقرار القاضي الإداري لاختصاصه في مادة تجاوز السلطة لم يكن دون الوقوف على الكثير من الصعوبات ، إذ وتحت تأثير هاجس التبسيط والوضوح ([79]) اختار المشرع التونسي بمقتضى قانون 1 جوان 1972 معيارا هيكليا لتحديد اختصاص القاضي الإداري في مادة تجاوز السلطة.
لقد نص المشرع التونسي بمقتضى الفصل 3 من قانون 1 جوان 1972 على أن ” تختص المحكمة الإدارية بالنظر ابتدائيا نهائيا في دعاوى تجاوز السلطة التي ترفع لإلغاء كل المقررات الصادرة عن السلط الإدارية مركزية كانت أو جهوية أو عن الجماعات العمومية المحلية والمؤسسات العمومية ذات الصبغة الإدارية.
إلا أنه لا يمكن أن توجه دعوى تجاوز السلطة ضد الأوامر ذات الصبغة الترتيبية ،،.
يتفق أغلب الفقه ([80]) على أن إرادة المشرع قد اتجهت بمقتضى قانون 1 جوان 1972 المتعلق بالمحكمة الإدارية إلى وضع معيار عضوي في إقرار اختصاص القاضي الإداري في مادة تجاوز السلطة ، وهوما يعني أن يكون القاضي الإداري مختصا بالنظر في جميع النزاعات التي يكون أحد أطرافها إدارة طبقا لما أقره الفصل الثالث المذكور بقطع النظر عن طبيعة نشاط الجهة الإدارية المعنية.
إن الإقرار بوجود قاضي إداري إلى جانب القضاء العدلي يفترض تمكينه من الاختصاص بجميع النزاعات الإدارية ، وهو الموقف الذي حاول القاضي الإداري إرساءه من خلال “ميزته الغالبة من أنه قضاء إنشائي يبتدع الحلول المناسبة للروابط القانونية بين الإدارة في تسييرها للمرافق العامة وبين الأفراد”([81])، فتجاوز عبارات الفصل 3 من قانون 1 جوان 1972 المتعلق بالمحكمة الإدارية معتبرا أنه ” وحيث اقتضت الفقرة الأولى من الفصل الثالث من القانون عدد 72/40 المؤرخ في 1 جوان 1972 ” أن تختص المحكمة الإدارية بالنظر ابتدائيا نهائيا في دعاوى تجاوز السلطة التي ترفع لإلغاء كل المقررات الصادرة عن السلطة الإدارية مركزية كانت أو جهوية أوعن الجماعات العمومية المحلية والمؤسسات العمومية ذات الصبغة الإدارية ” .
وحين أن الطعن يتعلق عندئذ بموضوع اختصاص هذه المحكمة ولها أن تثيره تلقائيا على أساس اتصاله بالنظام العام
وحيث لئن احتوى هذا القانون تعداد الإدارات والجماعات والمؤسسات المتلبسة مبدئيا واقعا وقانونا بطابع السلطة ولم يتعرض على وجه الحصر إلى عديد النشاطات المجالية التي تظهر في دورها التنفيذي مكسوة بذلك الطابع فيما هي امتداد لها إلا أنه ينبغي الوقوف عند ماهية المؤسسة وماهية العمل السلطاني وما احتوى عليه من امتداد وانعكاسات حتى يتم إخضاعه إلى احترام المشروعية القانونية طبقا للقوانين والتراتيب الجاري بها العمل مثلما أدركه الفصل الخامس من هذا القانون .
وحيث بات من الصواب على ضوء ما تبين شرحه أعلاه وتماشيا مع أصول ومدارك القضاء الإداري أن يتفقا قاضيه أثار العمل الإداري حيثما توجد للاجتهاد في البحث وراء توفر عناصر الطابع السلطاني واستكمال مقوماته وإبراز مميزاته التي تحدد اختصاصه بالنظر في أمره .” ([82])
هكذا يكون القاضي الإداري بهذا الموقف قد أعلن تميزه عن منافسه القاضي العدلي حول اختصاصه بالنظر في نزاعات إدارية متميزة عن نزاعات أشخاص القانون الأخرى اعتبارا لما تتمتع به جهة الإدارة من امتيازات.
لقد آثر القاضي الإداري على نفسه تعقب آثار العمل السلطاني للإدارة حيثما وجد في نطاق إشباعها للمصلحة العامة وتطبيقا لقواعد القانون العام ، عكس ما أقره الفصل الثالث من قانون 1 جوان 1972 الذي تضمن معيارا عضويا للاختصاص.
لقد تفطن القاضي الإداري منذ بداية نشاطه إلى مختلف القيود التي وضعها المشرع باعتماد معيار هيكلي في ضبط الاختصاص، فحاول تجاوز هذه القيود مقرا لنفسه بسلطة إنشائية حقيقية ([83]) مكنته من توسيع اختصاصه في مادة تجاوز السلطة وإقرار معيار مادي يتماشى وهذه الرغبة الجامحة في توسيع الاختصاص حتى على حساب النص القانوني.
ارتكز القاضي الإداري على معيار امتيازات السلطة العامة فأقر بأحقيته بالنظر في النزاعات التي تكون الإدارة قد تلبست فيها بامتيازات السلطة العامة ([84]) ، على ” أن يكون موضوع هذه القرارات متعلقا بتنظيم المرفق العمومي وسيره “.([85])
لقد مكن هذا المعيار القاضي الإداري من أن يدرج ضمن اختصاصه النزاعات التي يكون أحد مؤسسة عمومية ذات صبغة صناعية وتجارية أو ذات طابع إداري أو المؤسسات العمومية ذات الصبغة المالية ، ففي قرار له كان أحد أطرافه مؤسسة عمومية ذات صبغة مالية يرى القاضي الإداري ما يلي : ” وحيث يتعين بادئ ذي بدء النظر في اختصاص المحكمة الإدارية للنظر في هذه القضية وذلك قبل التدرج إلى بحث الشكل والموضوع بسبب أن البحث في الاختصاص يهم النظام العام ويفرض أرجحيته كطبيعة قضائية على ما عداه من النواحي.
وحيث إن المشكل الأساسي الذي يثيره النقاش من هذه الناحية ينحصر في معرفة هل أن الطعون الموجهة ضد القرارات الصادرة عن الصندوق القومي للتقاعد والحيطة الاجتماعية هي من اختصاص القاضي الإداري متى كانت متعلقة بالمعاشات والانتفاع بنظام التقاعد بعد تحويل الصندوق إلى مؤسسة عمومية ذات صبغة مالية وأعطيت له الشخصية المدنية والاستقلال المالي وألحق بوزارة المالية ، على أن يخضع هذا الصندوق في علاقاته مع الغير لأحكام التشريع التجاري ما لم يكن مخالفا للقوانين والتراتيب والنظم الخاصة به وأسند له علاوة على ذلك صلوحيات السلطة العامة فهو المختص وحده بجرايات أعوان الدولة ويتمتع بحق إصدار بطاقات الإلزام والامتياز العام والخاص بالخزينة العامة.
وحيث إنه من الثابت فقها وقضاء أن الخصام في مادة المعاشات ونظام التقاعد هو خصام إداري أصيل ، وقد أسند المشرع التونسي ولاية البت ففي هذا النوع من النزاعات إلى القضاء الإداري الفرنسي في ظل الحماية بموجب الأمر المؤرخ في 24/12/1926، وجعله من اختصاص هذه المحكمة حسب ما يستجلى ذلك صراحة من أحكام الفصل 73 من القانون عدد 40 المؤرخ في 1 جوان 1972 الذي ينص على إعفاء الدعاوى المتعلقة بجرايات التقاعد من كلفة المحاماة .
وحيث إن نظام جرايات التقاعد يقوم على قرارات تفصح فيها إدارة الصندوق عن إرادتها الملزمة بما لها من سلطة بمقتضى القوانين والتراتيب وذلك بقصد إحداث مركز قانوني معين ، وهذا ما يفرض بالطبع أن يكون لها تهخ القرارات صبغة إدارية كأي قرار إداري يجوز الطعن فيه بالإلغاء أمام القاضي الإداري دون التقيد بماهية السلطة التي تصدر هذا القرار لأن الغرض المقصود من المشرع بإسناده الشخصية المدنية للصندوق القومي للتقاعد والحيطة الاجتماعية لا يكمن في استبعاد ولاية المحكمة عن نظر النزاعات التي تثور بين الصندوق ومنخرطيه وإنما غايته إفساح المجال للصندوق بتوخي إجراءات مرنة إزاء المراقبة المالية التي تخضع إليها مختلف المصالح الإدارية وتمكينه من المساهمة في المجال الاجتماعي بأوضاع أكثر ملاءمة لنشاطه الجديد.
وحيث إنه على ضوء ما تقدم ترى المحكمة أن الصندوق القومي للتقاعد والحيطة الاجتماعية هومن ضمن الهيئات الإدارية التي يجوز الطعن في قراراتها المتعلقة بنظام التقاعد والحيطة الاجتماعية على معنى الفصل 3 من قانون المحكمة المؤرخ في 1 جوان 1972 .
وحيث أن النظر في هذه الدعوى يكون والحالة هذه معقودا لولاية هذه المحكمة .،، ([86])
لقد اضطر القاضي الإداري أمام هذه الصبغة المزدوجة للمؤسسات العمومية في إقرار اختصاصه إلى “… الوقوف عند نوع العمل أو القرار المطعون فيه للتعرف على طبيعته فإذا تبين من ذلك أنه متصل بالصلوحيات الإدارية ويرمي إلى تحقيق
مصلحة عامة وجب اعتباره عملا إداريا يخضع بطبيعته لرقابة الحاكم الإداري في كل ما يتعلق به من نزاعات وفقا للقانون عدد 40 المؤرخ في 1 جوان 1972 وأما إذا كان العمل خارجا عن هذا النطاق وتغلب عليه الصبغة التجارية أو الصناعية فإنه يجب اعتباره عملا مدنيا ويكون إذا من مشمولات الحاكم العدلي ، وعليه فإنه يصبح بعد الذي تقرر الطعن الموجه ضد الوكالة العقارية للسكنى من أنظار هذه المحكمة لمساسه بموضوع إداري بحت يتعلق بالانتزاع للمصلحة العامة . ([87])
إن اعتماد القاضي الإداري على معيار السلطة العامة في ضبط اختصاصه ، وإن مكنه من أن يكون القاضي المتميز لنزاعات متميزة ، فلم يمكنه دائما من إقرار هذا الاختصاص، فلقد أقر بعدم اختصاصه بالنظر في نزاعات المؤسسات العمومية ذات الصبغة الصناعية والتجارية إذا لم تكن المقررات التي تتخذها خاضعة لقواعد القانون العام أو أن تكون تلك المؤسسة متلبسة بصلاحيات السلطة العامة.
عبر القاضي الإداري عن موقفه هذا صراحة في قرار له جاء فيه ما يلي : “وحيث أن الفصل 3 من قانون المحكمة الإدارية المؤرخ في 1 جوان 1972 اقتضى أن تختص المحكمة الإدارية بالنظر ابتدائيا ونهائيا في دعاوى تجاوز السلطة التي ترفع لإلغاء كل المقررات الصادرة عن السلط الإدارية مركزية كانت أو جهوية أو عن الجماعات العمومية المحلية والمؤسسات العمومية ذات الصبغة الإدارية.
وحيث لئن أشار المشرع صراحة إلى هذا الصنف من المؤسسات العمومية التي يجوز مقاضاتها من أجل تجاوز السلطة لدى هذه المحكمة فهو لم يستثن من ولايتها المؤسسات العمومية ذات الصبغة الصناعية والتجارية كديوان المواني الجوية التونسية إذا كانت المقررات التي تتخذها خاضعة لقواعد القانون العام أو أن تكون تلك المؤسسة متلبسة بأحكام السلطة العامة.
وحيث أنه مما تجدر ملاحظته بهذا الصدد أن المشرع أخضع بالقانون عدد 13 المؤرخ في 3 جوان 1968 عملة الشركات الوطنية والدواوين إلى أحكام مجلة الشغل التي بدورها قد نصت في فصلها 183 على أن النزاعات التي تنشب بين العملة ومستأجريهم تعرض على محاكم الشغل (العرف) علاوة على قوانينهم الخاصة كالقانون الأساسي لأعوان ديوان المواني الجوية التونسية المصادق عليه بالأمر عدد 599 المؤرخ في 11 جوان 1974.
وحيث أنه ترتيبا على ذلك فإن ديوان المواني الجوية التونسية غير مرتبط في علاقاته بأعوانه بالقانون العام كما أنه لا يصح الاستنتاج بأن الديوان يتقمص أحكام السلطة العامة في تسيير دواليبه بصورة عادية.
وبحيث يستخلص مما تقدم أن المطاعن المرفوعة من قبل العارض حول إيقافه عن العمل لمدة شهرين ونقلته من مركز مطار جربة إلى مطار صفاقس هي من الدعاوى الخارجة عن ولاية هذه المحكمة ويتعين حينئذ عدم النظر في الدعوى .
وحيث أن مسألة الاختصاص تعتبر قائمة في الخصومة ومطروحة على المحكمة باستمرار وعليها أن تقضي من تلقاء نفسها بعدم الاختصاص متى ثبت ذلك لتعلق قواعد الاختصاص النوعي بالنظام العام .” ([88])
إن الموقف هو نفسه الذي استقر عليه القاضي الإداري في رفض إقرار اختصاصه كلما تعلق الأمر بمؤسسة عمومية ذات صبغة صناعية وتجارية ولم تستعمل في سلوكها صلاحيات السلطة العامة ، إذ وبالرغم من إقراره بأن المؤسسة تقوم بتسيير مرفق عام رفض الإقرار باختصاصه تبعا لغياب معيار السلطة العامة ، عبر القاضي الإداري عن هذا الموقف بالعبارات التالية : ” وحيث تهدف عريضة الدعوى إلى إلغاء القرار الصادر عن المدير العام لصندوق التأمين على الشيخوخة 27/09/1977 والقاضي برفض تصفية جراية العارض بالنسبة للمدة الفاصلة من 01/07/1978 و31/12/1974
وحيث يستفاد من النصوص المحدثة والمنظمة للصندوق السالف ذكره أن هذا الأخير ولئن يسهر على تسيير مرفق عام إلا أن هذا المرفق يخضع إلى قواعد التصرف الخاص بالنظر إلى كونه يدير علاقات خاصة تربط الأجراء الخواص بمستأجريهم الخاضعين إلى قواعد القانون الخاص وتأسيسا على ذلك فإن المحكمة الإدارية غير مختصة بالنظر في هذه الدعوى “([89])
لقد كان موقف القاضي الإداري هذا بعد التساؤل الذي طرحه مندوب الدولة السيد رضا بن يوسف في ملحوظاته حول القرار المذكور ” هل أن المقرر موضوع قضية الحال والذي اتخذه صندوق التأمين على الشيخوخة في مادة الجرايات يعتبر مقررا إداريا بطبيعته يمكن الطعن فيه بالإلغاء على معنى الفصل 3 من قانون المحكمة الإدارية؟
بالرجوع لما نص عليه الأمر عدد 981 لسنة 1976 المؤرخ في 19-11-1976 المتعلق بتنظيم الصندوق المعني بالأمر لاحظ السيد مندوب الدولة أن “النص لم يبين نوع هاته المؤسسة ، هل هي مؤسسة عمومية إدارية أم مؤسسة ذات صبغة تجارية وصناعية أم مؤسسة من نوع ثالث وقد اقتصر الفصل الأول منه على التنصيص بأن هذا الصندوق ” محدث في إطار الصندوق القومي للضمان الاجتماعي” ويتولى تسيير هذا الصندوق مدير عام تقع تسميته بأمر، كما يخضع هذا الصندوق للإشراف والمراقبة المستمرة وتعليمات وزارة الشؤون الاجتماعية …..” ([90])
وتوصل السيد مندوب الدولة إلى نتيجة اقترحها على القاضي المتعهد بالقضية وعمل بها، مفادها ” أن هذا الصندوق لا يتمتع بالشخصية المعنوية وأنه فرع من الصندوق القومي للضمان الاجتماعي الذي يخضع في علاقته مع الغير إلى القانون التجاري حسبما نص عليه صراحة الفصل (4) من القانون عدد 60/ 30 المؤرخ في 14/02/1970 والمحدث لهذا الصندوق (أي الصندوق القومي للضمان الاجتماعي) لذلك فإن المقرر المطعون فيه لا يمكن اعتباره مقررا صادرا عن سلطة إدارية على معنى الفصل الثالث من قانون محكمتكم الموقرة زيادة على أن العارض لم يكن موظفا حتى يمكن اعتبار القرارات التي تتخذ في نطاق إحالته على التقاعد امتدادا لحالته السابقة وداخلة في نطاق الفصل 73 من قانون غرة جوان 1972 المحدث للمحكمة الإدارية.
ويتعين حينئذ والحالة تلك ودون فائدة في مناقشة المشاكل الأخرى القضاء برفض الدعوى لعدم الاختصاص وبحمل المصاريف القانونية على القائم بها”([91])
لقد تفطن القاضي الإداري ومنذ بداية نشاط المحكمة الإدارية إلى أن إرادة المشرع قد اتجهت بمقتضى الفصل الثالث من قانون 1 جوان 1972 إلى عدم “إخضاع المؤسسات العمومية ذات الصبغة الصناعية والتجارية إلى رقابة الحاكم الإداري بل أراد أن يبقيها خاضعة للقانون المدني أي تحت رقابة مجالس العرف التي تطبق مجلة الشغل لا القانون الإداري .. .” ([92])، فأقر صراحة أن” الفصل من قانون المحكمة الإدارية أجاز صراحة مقاضاة المؤسسات العمومية ذات الصبغة الإدارية من أجل تجاوز السلطة لدى هذه المحكمة ، غير أنه لم يستثن من ولايتها المؤسسات العمومية الأخرى كديوان الأراضي الدولية إذا كانت المقررات التي تتخذها خاضعة للقانون العام أو يفصح فيها عن إرادته الملزمة بما له من سلطة عامة ” ([93])، كان من نتيجته المباشرة أن ” تنصيص النصوص النافذة على الصبغة الصناعية والتجارية للمؤسسة العمومية لا يمنع من تأهل هذه المحكمة للنظر في مشروعية ما يصدر عنها من مقررات إذا تبين أنها اتخذت في إطار تصريف شؤون مرفق عمومي وتظافرت فيها شروط المقرر الإداري من ركون لامتيازات السلطة العامة والتقرير من جانب واحد تغييرا للمركز القانوني للمخاطب به ([94]).
كما تفطن إلى أن توسيع القاضي الإداري لاختصاصه بالنظر في القرارات الصادرة عن المؤسسات العمومية ذات الصبغة الصناعية والتجارية عن طريق الإلغاء ” قائم على مخالفة واضحة للنص ” ([95]) فأدرج “اختصاصه بالنظر عن طريق الإلغاء في قرارات المؤسسات العامة ذات الطابع الصناعي والتجاري ، ضمن الاستثناء الوارد على القاعدة المضمنة بالفصل 3 والمتضمنة معيارا عضويا للاختصاص معتبرة ” أنه لا شبهة أن المؤسسات ذات الصبغة الصناعية والتجارية
لا تخضع مقرراتها الإدارية كمبدأ عام لرقابة القاضي الإداري اقتضاء بأحكام الفصل 3 من قانون المحكمة الإدارية “([96])
لقد سعى القاضي الإداري إلى توسيع اختصاصه في مادة الإلغاء باعتماد المعيار المادي عوضا عن المعيار العضوي الذي وضعه المشرع بمقتضى النص، فتدرج في إقرار مبتغاه ، متجنبا في نفس الوقت التصادم مع الإدارة ” فكان أن تفادت (المحكمة الإدارية) الإفصاح عن تعمدها الخرق الواضح لنص قانوني واضح ، إنما كانت الضرورة تقتضي أن تتعقب المحكمة الإدارية آثار الإدارة – السلطة العامة – مهما كان الوجه الذي تظهر به تدعيما للرقابة القضائية الإدارية كضمان حتمي لاحترام مبدأ المشروعية : وهي الغاية التي لم تتنازل عنها المحكمة الإدارية حتى في الحالات التي تنازلت فيها عن المعايير المألوفة لاختصاصها والمجسمة في المعيارين العضوي والمادي “([97])
إن الجرأة التي تحلى بها القاضي الإداري في تجاوز النص القانوني (الفصل 3) في مادة تجاوز السلطة ، عندما اعتمد المعيار المادي دون المعيار العضوي ، كما اقتضى ذلك نص القانون ، وخاصة في نزاعات المؤسسات العمومية ذات الصبغة الصناعية والتجارية ، وللأسف لم تواكبها نفس الشجاعة والجرأة بالنسبة للقرارات الصادرة عن الهيئات المهنية . فبالرغم من إقراره الصريح بأن ” الهيئات المهنية الحرة (…..) ولئن ليست من المؤسسات ذات الصبغة الإدارية إلا أنها تعتبر من أشخاص القانون العام وذلك لأنها تجمع بين مقومات هذه الأشخاص، فإنشاؤها يكون بقانون ، وأغراضها وأهدافها ذات نفع عام، وقد أضفى عليها القانون نوعا من السلطة العامة وخولها حقوقا من نوع ما تختص به السلطة الإدارية العامة “([98])، لم يجرؤ القاضي الإداري التونسي عكس ما ذهب له مجلس الدولة الفرنسي ([99])، على إقرار اختصاصه في هذا النوع من النزاعات إلغائيا عندما أقر صراحة بما يلي: “وحيث أن الجهة التي تملك قيد المحامين بالجدول الإضافي تتمثل حسب مقتضيات الفصل 4 من قانون المحاماة (وهو القانون القديم المؤرخ في 15 مارس 1958) في مجلس الهيئة على أن يكون الطعن في قرار الرفض الذي يصدره المجلس من اختصاص محكمة الاستئناف وتفصل المحكمة الإدارية تعقيبا في الطعون الموجهة ضد قرارات محاكم الاستئناف الخاصة بالنزاعات في مختلف الهيئات المهنية وعلى هذا الأساس ، فإن تحديد الاختصاص من قبل المشرع يفرض أن تلتزم كل سلطة حدودها كما رسمها، فلا تملك الإتيان بأي عمل قانوني جعله المشرع من اختصاص سلطة أو هيئة أخرى .
وحيث أن قضاء هذه المحكمة قد جرى باطراد كذلك على اعتبار أن النزاعات حول القرارات التي تصدرها الهيئات المهنية تدخل في ولاية القاضي الإداري تعقيبا اقتضاء بنص الفصل 13 من قانون المحكمة الإدارية وذلك إعمالا لإرادة المشرع في إخضاع تلك القرارات إلى رقابة مشتركة بين جهتي القضاء الإدارية والعادية فتباشر كل منهما رقابتها فيها وفقا لما هو مقرر بشأنها من ولاية وقواعد وإجراءات وأنه مما لا يستقيم منطقا وقانونا إدراج تلك النزاعات في مجال قضاء الإلغاء إلا إذا لم يوجد نص مخالف لأن المشرع لا يتقيد وجوبا بالاعتبارات النظرية التي تحكم المعايير العامة إذا ما قام لديه اعتبار خاص كذلك فإنه ليس للأسباب التاريخية أو العوامل الداخلية الخاصة بنشوء القضاء الإداري بفرنسا أو للاعتبارات الظرفية الأجنبية انعكاس على مجرى القضاء بتونس المستقلة على أن المشرع الوطني استمرارا للخطة التي التزمها في قانون المحاماة وغيره قد أقر حديثا باختصاص المحكمة الإدارية تعقيبا في الطعون الموجهة ضد قرارات المحاكم الاستئنافية المتعلقة بالخبراء المحاسبين ومراقبي الحسابات لدى الشركات اقتضاء بالفقرة الثانية من الفصل 26 من القانون عدد 62 المؤرخ في 30 جوان 1972 ومن ثم فلا يجوز حينئذ لقضاء الإلغاء بهذه المحكمة ولا محكمة التعقيب بالأحرى – الفصل في الطعن الماثل باعتبار أن المشرع أسند الاختصاص فيه لهيئة الجلسة العامة للمحكمة الإدارية تعقيبا لا غير، وذلك حفاظا على توزيع الاختصاص بين سائر المحاكم واحتراما لتعدد درجات التقاضي.
فلا مبرر إذا للأخذ بدفع المعقب ضده لأن المشرع لا يمكن أن يرمي أن تتولى جهتان قضائيتان بالاشتراك في رقابة التعقيب على القرارات الصادرة من جهة قضائية واحدة ، ولا أن تقوم محكمة التعقيب بهذه الرقابة في قرارات تتسم بالصبغة الإدارية ،،([100])
بهذا القول يكون القاضي الإداري قد أغلق إمكانية الحوار أو حتى مجرد التفكير في مسألة إقرار اختصاصه إلغائيا في القرارات الصادرة عن الهيئات المهنية ، مسايرا بذلك موقف ” المشرع الذي أخضع جميع الهيئات المهنية إلى رقابة قضائية موحدة ([101])
فهل حافظ القاضي الإداري على نفس التوجه في النزاعات المتعلقة بالتعويض؟
- توسيع القاضي الإداري لاختصاصه من خلال تأويل النصوص القانونية المنطبقة على نزاعات التعويض
إلى جانب كتلة الاختصاص في نزاعات الإلغاء التي تعود بالنظر للقاضي الإداري ، أقر المشرع نصوصا قانونية تنظم النزاعات المتعلقة بالتعويض.
فالإدارة وكغيرها من أشخاص القانون العام أصبحت تخضع لمبدأ المسؤولية كلما ألحقت التصرفات التي تأتيها ضررا بالغير، اعتبارا لأن الأضرار التي تنشأ عن أشخاص القانون العام لا تختلف في شيء عن تلك التي يأتيها أشخاص القانون الخاص.
وبالرغم من تعدد الآراء والمواقف الفقهية حول كيفية إقرار مسؤولية الإدارة ،([102]) فقد التقت جميعها حول ضرورة مساءلة الإدارة والتعويض لمن تضرر من أنشطتها.
في تونس يعود تاريخ إقرار التعويض عن أنشطة الإدارة وبالتالي القول بمسؤوليتها إلى عهد الحماية وتحديدا إلى الأمر العلي المؤرخ في 27 نوفمبر 1888 ، الذي تضمن في فصله الأول إلى جانب نظام المسؤولية التعاقدية – نظام المسؤولية غير التعاقدية للإدارة “من جهة الأشغال التي أذنت فيها أو من جهة أي عمل صدر عنها بغير حق وأضر بالغير”.
إن هذا النص الذي حكم النزاعات الإدارية المتعلقة بالتعويض عن الأضرار التي تلحقها الإدارة بالأفراد لما فاق المائة وثمان (108) سنوات سرعان ما ظهرت نقائصه وخاصة في ظل الازدواجية القضائية مع ظهور المحكمة الإدارية بمقتضى القانون عدد 40 المؤرخ في 1 جوان 1972 المتعلق بها.
نص الفصل 2 من القانون عدد 40 (قديم ) على أن تختص المحكمة الإدارية بالنظر ” في جميع النزاعات المتعلقة بالإدارة “، وبذلك يعتبر هذا النص تأكيدا لما تضمنه الأمر العلي المؤرخ في 27 نوفمبر 1888 المتعلق بالخصام الإداري من معيار عضوي للاختصاص، عندما حدد اختصاص القاضي الإداري بالنظر في مادة التعويض من خلال عبارة “…..جميع المطالب التي مالها التصريح بأن الإدارة مدينة ،،.
لقد “وردت عبارة الإدارة في النصين مطلقة لتجري على إطلاقها إعمالا لقاعدة التأويل العامة الواردة بالفصل 533 من مجلة الالتزامات والعقود لتفيد من وراء ذلك كل منازعات الإدارة وليس المنازعات الإدارية فقط . أي أن الأمر لا يتوقف
عند النزاعات المنجرة عن تصرف الإدارة كسلطة عامة في إطار خدمة المصلحة العامة بل يشمل ، إلى جانب ذلك ، بقية النزاعات التي تتصرف فيها الإدارة تصرفا عاديا محكوما بقواعد القانون الخاص ، طالما أن المشرع باستعماله لكلمة إدارة
بدون وصف آخر يكون قد قصد الهيكل وليس النشاط ([103]) لتمثل الإدارة في هذا السياق “صنفا قانونيا ذا مضمون متغير يشمل ، على الأقل ، السلطات الإدارية المركزية ، الجهوية والمحلية وكذلك المؤسسات العمومية سواء كانت إدارية أو صناعية وتجارية ، كما يمكن أن يشمل هياكل خاصة تقوم بتصريف مرافق عامة. هذا التعداد المقتضب يكفي للدلالة على أن المفهوم اختصاص المحكمة الإدارية . . . .بالتعويض يمكن أن يكون أكثر اتساعا من ذلك الذي تتمتع به كقاضي تجاوز سلطة . “([104])-([105])
إن وضع المشرع لمعيار هيكلي للاختصاص في منازعات المسؤولية الإدارية ([106]) لم يستسغه القاضي الإداري على ما يبدو، حيث أن اعتماد هذا المعيار لا يمكنه من إقرار ” نظام رقابة متميز وذا استقلالية عن مرجعية القانون الخاص كجملة قواعد حاكمة للروابط القانونية بين الأفراد، ذلك أن اعتبار القاضي الإداري قاضي منازعات الإدارة دون تحديد يؤول إلى اعتباره مختصا ومتخصصا في تطبيق قواعد القانون العمومي إلى جانب قواعد القانون العام ، وهو أمر ليس له ما يبرره ومخالف للمنطق الحاكم لنظام الازدواجية ، بل إنه لا يترك أي داع لوجود قاضي إداري إلى جانب القاضي العدلي ” ([107]) لذلك أقر القاضي الإداري معيارا ماديا واضحا كلما تعلق الأمر بإثبات اختصاصه في النزاعات المتعلقة بالتعويض، متجاوزا المعيار العضوي بالرغم من تكريسه بنص القانون.
لم يتقيد القاضي الإداري بالتنصيص التشريعي مثلما ورد بالفصل 2 من قانون المحكمة الإدارية الذي أقر من جهته امتداد وتواصل العمل بأمر 27 نوفمبر 1888 المتعلق بالخصام الإداري ، وعلى العكس من ذلك تماما اعتبر أن مقصد المشرع من “نزاعات الإدارة “، تلك التي تصطبغ بطابع إداري .
لقد بين القاضي الإداري ومنذ بداية نشاطه أن “هذا النص (أمر 27 نوفمبر 1888) الذي يضع مبدأ مسؤولية الإدارة من جراء أي عمل مضر بالغير صدر منها بصفة غير مشروعة قد جاءت عبارته على الإطلاق لا تحتمل الحصر وهي تشمل كل ما يصدر من الإدارة من الأعمال سواء اكتست صبغة القرارات الإدارية أو صبغة التصرفات المادية طالما أن تلك التصرفات صدرت بنية خدمة المصلحة العامة ولها علاقة بتصريف شؤون المرفق العام “([108])
اكتفى القاضي الإداري في هذا القرار للقول باختصاصه بتحديد طبيعة النشاط الذي أتته جهة الإدارة ، فطالما أنه تصرف صدر بنية خدمة المصلحة العامة وله علاقة بتصريف شؤون المرفق العام فهو إداري ويعود بالنظر للقاضي الإداري.
واضح أن القاضي الإداري قد تفطن لعمومية وإطلاقيه العبارات التي أوردها الفصل الأول من أمر 27 نوفمبر 1888 ، فأولها التأويل الذي يتماشى ورغبته في إقرار اختصاصه في هذا النوع من النزاعات ، متخليا وعن قصد عن معيار السلطة
العامة عندما اعتبر أن “.. . .إحداث مركب ثقافي يندرج في نطاق المرافق العامة وبالتالي يعد عملها إداريا بصرف النظر عن الطريقة التي سلكتها لإنجاز العملية المذكورة ،،([109]).
اكتفى القاضي الإداري في هذا القرار للقول باختصاصه بمعيار واحد ودون أن يعمل بقية المعايير رغبة منه في توسيع اختصاصه من جهة، وتسهيل إقرار هذا الاختصاص من جهة أخرى ، إلا أنه وفي حالات أخرى وظف عدة معايير (المرفق العام ، المصلحة العامة ، السلطة العامة) للقول باختصاصه الاستئنافي، ” وبما أن مفهومي المرفق العام والمصلحة العامة متلازمين ، بشكل يجعل المرفق العام مشروطا في وجوده بعنصر المصلحة العامة في حين يتجاوز هذا الأخير نطاق المرفق العام ، ركزت المحكمة الإدارية على معياري المصلحة العامة وامتيازات السلطة العامة في تعريف النشاط الإداري الذي يفسر حيث يبرر اختصاص المحكمة الإدارية . على أن الرابطة بينهما مؤكدة على أساس أن السلطة العامة تقوم معيارا دالا على وجود المصلحة العامة ، في حين أن المصلحة العامة ليست سوى مجرد مؤشر دال على استخدام الإدارة لامتيازات السلطة العامة.
من هنا إتكأت المحكمة الإدارية على الهدف والوسائل المتوخاة في قيام الإدارة بنشاطها الضار كمعايير مادية أو وظيفية لتخالف مختلف التأويلات المعتمدة عول الفصل 2 من قانون 1 جوان 1972 التي أجمعت على أن “عبارة منازعات الإدارة ” ومقصد المشرع منها يلتقيان حول تركيز معيار عضوي في ضبط اختصاص المحكمة الإدارية “([110])
إن القيود التي وضعها المشرع بإقرار معيار عضوي للاختصاص، لم تمنع القاضي الإداري من ممارسة سلطة إنشائية فعلية ، اقتناعا منه بـــــــــ” أن اعتبار القاضي الإداري قاضي منازعات الإدارة دون تحديد يؤول إلى اعتباره مختصا ومتخصصا في تطبيق قواعد القانون العمومي Droit commun إلى جانب قواعد القانون العام Droit public وهو أمر ليس له ما يبرره ومخالف للمنطق الحاكم لنظام الازدواجية بل إنه لا يترك أي داع لوجود قاضي إداري إلى جانب القاضي العدلي “([111])، فسعى لأن يكون متميزا وربما ممتازا، متجاوز القراءة النصية للفصل 2 من قانون 1 جوان 1972 ومن ورائه الفصل الأول من أمر 27 نوفمبر 1888 المتعلق بالخصام الإداري ، وممارسا سلطة إنشائية حقيقية ([112]) عند غياب
النص أو سلطة تأويل لا تقل أهمية عن الأولى في صورة غموضه ، تجسدت في حالات عديدة .
نص الفصل الأول من أمر 27 نوفمبر 1888 على حالات مسؤولية الإدارة وعددها، حيث مكن المحاكم المدنية من النظر ” في جميع المطالب التي مالها التصريح بأن الإدارة مدينة إما من جهة عدم عملها بالاتفاقات الواقعة معها أو من
جهة الأشغال التي أذنت بها أومن جهة أي عمل صدر عنها بغير حق وأضر بالغير”
ويكون بذلك قد عدد حالات إقرار مسؤولية جهة الإدارة التي يمكن حصرها في:
– الإخلال بالالتزامات التعاقدية
– الأضرار الناجمة عن الأشغال العامة
– الأضرار الناجمة عن أي عمل صدر عن الإدارة بغير حق وأضر بالغير
يتفق أغلب الفقه على أنه ولئن تميزت الحالتين الأولى والثانية بالدقة والوضوح الكافي ، فإن الحالة الثالثة التي تضمنت عبارة “أي عمل صدر عن الإدارة” قد وردت مفعمة بالعمومية والغموض ([113])
وبالرغم من ذهاب شق كبير من الفقه ([114]) إلى أن الفصل الأول من أمر 27 نوفمبر 1888 قد أقر إمكانية مقاضاة الإدارة على أساس المسؤولية الموضوعية استنادا للحالتين الأولى والثانية ، لم يعتمد القاضي الإداري إلا الحالة الثالثة من
النص المذكور، معتبرا أن عبارة ” بغير حق “، تفيد الخطأ المرفقي ([115]) وأن أمر 27 نوفمبر 1888 لم يقر إلا نظام المسؤولية الإدارية القائمة على فكرة الخطأ، معتمدا في ذلك تأويلا ضيقا لأحكام الفصل الأول من الأمر المذكور وأسيرا لعبارة ” بغير حق.
ظل الخطأ المرفقي ولزمن طويل هو الأساس للأخذ بمسؤولية الإدارة ، إلا أنه وبعد تذبذب في المواقف وتردد في القرارات ، تمكن القاضي الإداري إعمالا لسلطته الإنشائية من وضع أسس فرعية للمسؤولية الموضوعية ، التي تقوم على نظرية المخاطر المستحدثة وعلى الإخلال بمبدأ المساواة أمام الأعباء العمومية.
يعود تاريخ اعتراف القاضي الإداري بالمسؤولية المبنية على المخاطر كأساس لمسؤولية الإدارة إلى سنة 1990 حيث إنها ” قبل هذا التاريخ كانت هذه النظرية مغيبة وتغييبها كان بإرادة فقه قضائية لأن النص المؤسس للمسؤولية الإدارية ألا وهو أمر 27 نوفمبر 1888 لا يمنع من إقرار هذا الأساس خاصة صلب المضار الناجمة عن الأشغال العامة . كما أن “إنعاشها” كان بإرادة فقه قضائية ، فالنص المؤسس للمسؤولية لم يتغير ولكن المحكمة الإدارية ابتغت سنة 1990 تبني
نظام المسؤولية الموضوعية ربما في محاولة منها لمواكبة التطور الذي شهدته المسؤولية في إطار القانون المقارن “([116])
أنعش القاضي الإداري نظرية المسؤولية الموضوعية المبنية على المخاطر([117]) ووضع لها شروطها وأسسها([118]) إلى أن تدخل المشرع وأقرها صراحة بمقتضى الحالة الفصل 17 (جديد) من القانون عدد 39 المؤرخ في 3 جوان 1996 المتمم والمنقح للقانون عدد 40 المؤرخ في 1 جوان 1972 المتعلق بالمحكمة الإدارية.
أما في خصوص مبدأ الإخلال بالمساواة أمام الأعباء العمومية ، فيفيد “أنه على الإدارة أن تدفع للمتضرر التعويض المناسب عندما تؤول أعمالها إلى تحميل شخص معين أو مجموعة من الأفراد المعينين أعباء استثنائية ، حتى يتحقق التوازن اللازم بين كافة أعضاء المجموعة الوطنية “([119])
ولعله من المهم أن نذكر هنا بأن الفضل في إرساء هذا النوع من المسؤولية يعود للقاضي الإداري ، حيث أقر في حيثية له سنة 1989 أنه ” على فرض أن الإدارة كانت محقة في اتخاذ قرارها فإن ذلك لا يغنيها عن تعويض الخسارة الاستثنائية
التي تخرج عن نطاق طاقة ما يمكن أن يتحمله في صالح المجموعة ” ([120]) وهو ما أكده القاضي الإداري في فقه قضائه لاحقا عندما اعتبر أنه ” وحيث ثبت مما لا جدال فيه أن قرار الحماية قد تسبب في حصول الأضرار المشتكى منها الأمر
الذي تكون معه مسؤولية الإدارة قائمة بصورة لا لبس فيها، ذلك أنه وبقطع النظر عن وجود خطأ في جانبها وعن كونها كانت محقة في اتخاذ قرار الحماية المشار إليه ، فإن مساءلتها تجد أساسها واقعا وقانونا في تكبد الشركة المدعية نتيجة قرار
الحماية خسائر استثنائية تخرج عن القدر العادي الذي يمكن أن يتحمله كل فرد لصلح المجموعة ليكون بذلك الضرر اللاحق بها ضررا خاصا وغير عادي مما لا يغني الجهة المسؤولة عن جبر هذه الخسائر الاستثنائية التي لحقت بالشركة المدعية والمترتبة عن الإخلال بمبدأ المساواة أمام الأعباء العمومية “([121])
كما عرف مبدأ المسؤولية القائمة على فكرة الإخلال بمبدأ المساواة أمام الأعباء العامة تطبيقا له كلما تعلق الأمر بمضار غير عرضية ناتجة عن أشغال عامة ، ففي قرار عبد اللطيف التركي ([122]) عبر القاضي الإداري بما لم يترك مجالا للشك بتبنيه لهذه الفكرة ، حيث عبر عن موقفه هذا بما يلي: ” تقتضي صبغة المصلحة العامة التي تتميز بها (أي الأشغال العامة ) أن تتحمل المجموعة عبء جبر الأضرار التي تنتج عنها وبالتالي فإن تحميلها لشخص واحد يفضي حتما إلى الإخلال بمبدأ التساوي في تحمل الأعباء العمومية . ”
تبنى المشرع هذا التوجه الفقه قضائي بمقتضى الفصل 17 (جديد) من القانون عدد 39 المؤرخ في 3 جوان 1996 المتمم والمنقح للقانون عدد 40 المؤرخ في 1 جوان 1972 المتعلق بالمحكمة الإدارية عندما نص على أن تختص الدوائر الابتدائية الإدارية بما يلي : “. . .الدعاوى الرامية إلى جعل الإدارة مدينة من أجل أعمالها الإدارية غير الشرعية أومن أجل الأشغال التي أذنت بها أومن أجل أضرار غير عادية ترتبت عن أحد أنشطتها الخطرة . . . . ”
لم يقتصر تأويل القاضي الإداري للنصوص القانونية في مادة التعويض على حالة سكوت النص، بل إنه تجاوز ذلك للنصوص الغامضة وأحيانا حتى ما كان واضحا منها. ففي فهمه لأحكام الفصل 2 – فقرة أولى – من القانون عدد 38
لسنة 1996 المؤرخ في 3 جوان 1996 المتعلق بتوزيع الاختصاص بين المحاكم العدلية والمحكمة الإدارية وإحداث مجلس لتنازع الاختصاص ارتأى القاضي الإداري أن : ” فقه قضاء المحكمة الإدارية وفقه قضاء مجلس تنازع الاختصاص استقرا على اعتبار أن وجود مؤسسة عمومية ذات صبغة صناعية وتجارية كطرف في المنازعة لا يؤول بالضرورة إلى اختصاص المحاكم العدلية للنظر فيها إذ أن اختصاص النظر ينعقد للمحكمة الإدارية كلما اتضح أن النزاع تولد عن تدخل المؤسسة العمومية في إطار مرفق عام مستعملة صلاحيات السلطة العامة “([123]).
لم يتقيد القاضي الإداري إذا بأحكام الفصل 2 من القانون المتعلق بتوزيع الاختصاص رغم وضوحها، وهو التمشي الذي سانده فيه مجلس تنازع الاختصاص في النزاعات التي أحيلت له كلما تعلق الأمر بنزاع للاختصاص بين جهازي القضاء. ففي قرار له، وبعد أن ذكر المجلس بأن ” الشركة المقام ضدها الدعوى وإن كانت مؤسسة عمومية ذات صبغة صناعية وتجارية وخاضعة للتشريع المتعلق بالشركات الخفية الاسم طبق ما ورد بقانون إحداثها سالف الذكر
وأنها مصنفة ضمن المؤسسات العمومية التي لا تكتسي صبغة إدارية والتي تعتبر منشآت عمومية . . . .” يعمد إلى البحث عن مدى توفر مقومات النزاع الإداري من خلال البحث في تصرفات وأعمال المنشأة كقيامها بتسيير مرفق عام واستعمال صلاحيات السلطة العامة ، حيث يستدرك في القول ” إلا أن المهام الموكولة إليها تتنزل في إطار تنفيذها لمرفق عام وتهدف إلى تحقيق مصلحة عامة ثابتة وهي تستخدم في ممارساتها لها امتيازات السلطة العامة ” ([124]) .
من ذلك أيضا ما تعمد القاضي الإداري القيام به عندما أول عبارات الفصل 4 من القانون عدد 85 المؤرخ في 11 أوت 1976 المتعلق بمراجعة التشريع المتعلق بالانتزاع للمصلحة العمومية ([125])، مضيفا معيارا جديدا لهذا الفصل، تمثل في ضرورة الأخذ بعنصر المصلحة العامة عند تقدير غرامة الانتزاع . ففي طعن تقدم به أحد المتقاضين أمام المحكمة الإدارية ناعيا على محكمة البداية تبنيها رأي الخبراء والحال أن هذا الرأي مخالف للفصل المذكور، حيث أورد هؤلاء في نهاية تقريرهم أنهم أخذوا بعين الاعتبار المصلحة العامة ، في حين أن هذا الاعتبار الذي كان له تأثير على نتيجة الاختبار لم يكن ضمن العناصر المكونة للغرامة المنصوص عليها ضمن الفصل الرابع من هذا القانون ، كما أنه يتنافى مع مقتضيات الفصل الثاني منه الذي أوجب أن تكون الغرامة عادلة … وقد خفض الخبراء مبلغ الغرامة مراعين في ذلك، وبدون حق، طابع المصلحة العامة.
لقد كان رد القاضي الإداري مفاجئا بعض الشيء عندما تجاوز العبارات الواضحة والصريحة للفصل الرابع وأقر صحة هذا التمشي ، معتبرا أن الاختبار ” أخذ بعين الاعتبار المصلحة العامة وكذلك مصلحة المواطن مما يدل على أنه حاول إحداث توازن بين مصلح الطرفين في نطاق الغرامة العادلة “([126])
لقد عارض شق من الفقه هذا التمشي ، مستندين في ذلك إلى أنه ” لا يدخل في وظيفة القضاء التصدي للأحكام التشريعية ومخالفتها إذا كانت واضحة الملامح، وإلا انقلبت المفاهيم وأصبح القاضي مشرعا وجاز توجيه اللوم إلى حكومة القضاة ،([127]) فهل سعى القاضي الإداري فعلا من خلال قيامه بتأويل النصوص القانونية، فضلا عن توسيع اختصاصه إلى وضع الأسس الأولى لحكومة القضاة ؟
[1] يعتبر مصطلح التأويل مرادفا لمصطلح التفسير في القانون التونسي لدرجة أن المشرع يستعمل المصطلحين ضمن القسم الثاني من مجلة الالتزامات والعقود للدلالة على نفس المعنى ، انظر في هذا الصدد الأستاذ محمد كمال شرف الدين ، قانون مدني ، المطبعة الرسمية للجمهورية التونسية ، الطبعة الأولى ، 2002 ص 133 .
[2] Selon le Petit Larousse : interpréter signifie « chercher à rendre compréhensible, a traduire, a donner un sens a quelque chose » Dictionnaire Encyclopédie La Rousse 2006. voir «interpréter».
[3] لسان العرب لابن منظور المجلد الأول ، دار صادر بيروت الطبعة الثالثة ص 193-194.
[4] وردت كلمة تأويل بعدد 7 مرات في سورة يوسف وهي : (وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ / وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ / ) وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ (43) قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ/ رَبِّ قَدْ آَتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ/ ودخل معه السجن فتيان قال أحدهما إني أراني أعصر خمرا وقال الأخر إني أراني أحمل فوق رأسي خبزا تأكل الطير منه نبئنا بتأويله إنا نراك من المحسنين ، قال لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله)، كما وردت بعدد مرتين في سورة الكهف وهما: (سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا/ ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا) وبعدد مرة واحدة في سورة النساء وهي: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا) وبعدد مرة واحدة في سورة الإسراء وهي: (وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ لكم وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا)، وبعدد مرة واحدة في سورة ال عمران وهي: (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آَيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آَمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ)،…………….
[5] الفصل 5 من القانون عدد 40 المؤرخ في 1 جوان 1972 المتعلق بالمحكمة الإدارية مثلما تم تنقيحه وإتمامه بالقانون عدد 39 المؤرخ في 3 جوان 1996.
[6] الم الإدارية ، تس بتاريخ 27 جوان 1990 ، القضية عدد 1887 ، رافع بن عاشور ومن معه/ وزير التعليم العالي.
– أكدت المحكمة الإدارية نفس الموقف عندما اعتبرت في قرارها المؤرخ في 9 ديسمبر 2006سعيدة عدالة / وزير التربية والتكوين (غير منشور) أن منشور وزير التربية الذي اقتضى إلزام الموظفين أثناء مباشرتهم لعملهم بمراعاة ” واجب الظهور بالهندام السوي الذي لا يوحي بما يعد تطرفا أو خروجا عن المألوف ….يقوم مقام التدخل في مجال الحريات الفردية (. . . .) ويتضمن قاعدة جديدة تتعلق بالهندام وردت في صيغة مبهمة لم يسبق التعرض لها بنص تشريعي ” ( اعتبرت أن المنشور مخالف للدستور).
[7] الم الإدارية بتاريخ 21 ماي 1996 ، الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان / وزير الداخلية ، المجموعة ، ص 185.
[8] برز هذا التيار مع المدرسة التقليدية التي تنكر على القاضي إمكانية تأويل النصوص القانونية.
[9] وجد هذا الرأي صدى له عند Robespierre حيث نجد في تصريح له أمام الجمعية التأسيسية الفرنسية ما يلى:
Le mot jurisprudence doit être effacé de notre langue ; il ne signifie plus rien dans le nouveau régime. Dans un Etat qui a une constitution, une législation, la jurisprudence des tribunaux n’est autre chose que la loi ». Cité par L. Patras, l’interprétation en droit public interne, p.79. VOIR dans le même sens l’archive parlementaire, 1ère série, t.xx. p516, col.l).
[10] Dans son ouvrage L’esprit des lois Montesquieu note ce que suit « Si les tribunaux ne doivent pas être fixes, les jugements doivent l’être a un tel point qu’ils ne soient jamais qu’un texte précis de la loi…Les juges de la nation ne sont que la bouche, qui prononce les paroles de la loi, des êtres inanimés qui n’en peuvent modérer ni la force, ni la rigueur ». Esprit des lois, 1. XI, chap. chap.VI.
[11] إذا ما امتنع القاضي عن حسم النزاع بحجة عدم وجود نص يكون قد ارتكب جريمة نكران العدالة بحسب ما نص عليه الفصل 12 من القانون الأساسي للقضاة وبحسب ما نص عليه الفصل 108 من المجلة الجزائية . بالنسبة للقانون الفرنسي انظر الفصل 4 من المجلة المدنية الفرنسية.
[12] Le référé législatif est définit comme « une demande effectuée par un juge au législateur en vue d’interpréter la loi », voir le site www.cnrtl.fr/ définition/. Référé.
[13] «L’article 12 (Titre II) du décret organique des 16-24 août 1790 la prévoit, et l’article 21 de la loi des 27 novembre- 1er décembre 1990 organise son fonctionnement, en créant un Tribunal de Cassation qui, installé auprès du corps législatif, reçoit de ce dernier l’inspection de l’application de la loi ».PHILIPPE MARCHESSOU « l’interprétation des textes fiscaux », Economica, imprimerie Jouve, Paris 1980 p6.
[14] «Pour y parvenir, les membres de la doctrine classique analysent l’interprétation de la loi par le juge comme une procédure exceptionnelle, à laquelle le juge ne peut avoir recours qu’a l’égard d’un texte obscur ou ambigu…. ». Ibid p7.
[15] انظر بالنسبة للتجربة الفرنسية قانون 16 ديسمبر 1807 الذي عهد لمجلس الدولة بتأويل النصوص القانونية.
[16] نذكر على سبيل الذكر لا الحصر GENY et KELSEN
[17] تميزت هذه المدرسة بتجاوز روادها لفكرة قداسة القانون ، فقالت بوجوب تطبيق القاضي للنص وبالتالي احترام إرادة المشرع إذا ما تطابقت معطيات القضية المطروحة عليه مع فرضية النص ، أما الصورة التي تنتفي فيها هذه الفرضية يصبح القاضي حرا في إتباع الحل الأكثر ملاءمة مع ظروف وملابسات الوقائع.
[18] Kelsen considère que l’interprétation est une étape utilitaire, nécessaire et préalable on notant que ; « Si un organe juridique doit appliquer le droit, il faut nécessairement qu’il établisse le sens des normes qu’il a mission d’appliquer, il faut nécessairement qu’il interprète ces normes ….
Dans le cas auquel on songe le plus souvent lorsqu’on parle d’interprétation, celui de l’interprétation des lois, il faut que l’organe d’application du droit résolve la question de savoir quel est le contenu qu’il doit donner a la norme individuelle a déduire de la norme générale législative dans son application a une espèce concrète, la norme individuelle se présentant comme un acte juridictionnel ou une décision administrative». Théorie pure de droit, traduction française de la 2e édition par CH. EISENMANN ; Paris 1962, p 452.
[19] Voir notamment PLANIOL, RIPERT ET BOULANGER qui écrivent ce qui suit, « La règle juridique étant une règle générale, son application aux cas particuliers présente souvent de grandes difficultés. Il faut connaitre le véritable sens et l’exacte portée de la règle pour savoir si elle est applicable en l’espèce ». Traité élémentaire de doit civil, tl, 1954, p.64.
[20] Kelsen affirme toujours que « Dire qu un acte juridictionnel, un jugement ou un arrêt, est fondé sur la loi ne signifie pas qu’il est la norme qui peut être créée dans le cadre de la norme générale, mais seulement qu’il est l’une des normes individuelles qui pourraient toutes également l’être ; en somme, cela signifie que la décision ce tient a l’intérieur du cadre que représente la loi ». op, cit, p457.
[21] وردت هذه الأحكام ضمن الفرع الثاني في بعض قواعد عامة تتعلق بالقانون من الباب الثاني في تفسير العقود وفي بعض القواعد القانونية العامة ، ضمن العنوان الثامن في إثبات تعمير الذمة وبراءتها” من مجلة الالتزامات والعقود.
[22] الم الإدارية ، استئناف، القضية عدد 493 بتاريخ 15 ماي 1989، طارق الزواري /الم. ع .ن .د
[23] القرار الصادر في القضية عدد 752 تس بتاريخ 19أفريل 1985 كعبار ضد الصندوق القومي للتقاعد والحيطة الاجتماعية.
[24] القرار الصادر في القضية عدد 1230 تس بتاريخ16 جويلية 1985 الزراد ضد وزير الفلاحة
[25] الحكم الصادر في القضية عدد 17406 إب بتاريخ 24 جانفي 2003 المطيري ضد بلدية المروج
[26] عياض ابن عاشور ” القضاء الإداري وفقه المرافعات الإدارية “مركز النشر الجامعي الطبعة الثالثة مزيدة ومحينة ص 237
[27] الم الإدارية تس القضية عدد 403 بتاريخ 22 ديسمبر 1981 المكي بن عبد الرحمان بن عيسى / وزير الفلاحة
[28] نفس القرار السابق
[29] المحكمة الإدارية ، 17 ديسمبر 1977 مراد بن عمار/ الوزير الأول ، المجموعة ص 194الذي جاء فيه ما يلي؟ ” حيث يستفاد من نص المطلب السبق المظروف بملف القضية ومن بطاقة الإعلام بالوصول أن العارض وجه طلبه إلى الوزير الأول لحت إشراف كل من والي تونس ووزير الداخلية – وأن مصلحة البريد سلمت المطلب المذكور إلى مكاتب والي تونس.
وحيث ولئن نص الفصل 40 ( من قانون المحكمة الإدارية – الفصل القديم ) على تقديم المطلب المسبق للسلطة الصادر عنها القرار موضوع الطعن فإن ذلك لا يمنع من إتباع طريقة التسلسل الإداري وتوجيه المطلب المسبق إلى الوزير الأول تحت إشراف رؤساء الإدارة التي ينتمي إليها العون وهما والي تونس ووزير الداخلية ” .
[30] طلب موجه إلى المدعي العمومي لدى محكمة الاستئناف ضد قرار صادر عن وزير العدل . المحكمة الإدارية ، 27 ديسمبر 1982 ، الشاذلي الميلادي / وزير العدل ،المجموعة 135 .
[31] عياض ابن عاشور، نفس المرجع السابق ص 238
[32] المحكمة الإدارية ، 27 جوان 1988 ، محمد بن على القرافى/ وزير الداخلية ، المجموعة ص76.
[33] عياض ابن عاشور نفس المرجع المذكور سابقا
[34] المحكمة الإدارية قرار مؤرخ في 18 جوان المجموعة 1979 ص 176
[35] المحكمة الإدارية قرار مؤرخ في 14/01/1980- السلامي ضد رئيس بلدية قليبيه المجموعة ص 30.
[36] المحكمة الإدارية قرار مؤرخ في 04/ 05/ 8 98 1 – السعيداني ضد وزير التربية
[37] المحكمة الإدارية قرار مؤرخ في 18 / 06 / 1979 – محمد البشير دبش/ وزير الشباب والرياضة المجموعة ص 176.
[38] نص هذا الفصل على ما يلي : ” بقطع النظر عن الأحكام التشريعية المخلفة لهذا القانون فإنه لا تقبل الدعاوى المقدمة للمحكمة الإدارية . . . . . . إلا إذا قدم بشأنه مطلبا مسبقا للسلط المذكورة في ظرف الشهرين المواليين لنشره أو للإعلام به ويجب أن ترفع الدعاوى المذكورة للمحكمة الإدارية في ظرف الشهرين المواليين لجواب الإدارة على المطلب المقدم إليها.
غير أنه يمكن اعتبار مرور أربعة أشهر ابتداء من يوم تقديم المطلب المذكور بدون اتخاذ أي قرار فيه من طرف السلطة المعنية رفضا ضمنيا يخول للمعني بالأمر الالتجاء إلى المحكمة الإدارية في ظرف الشهرين المواليين للأربعة الأشهر المذكورة . ويجب أن تكون الدعوى مصحوبة بوثيقة تثبت تاريخ تسجيل أو وصول المطلب وإلا سقط الحق فيها. وإذا كانت السلطة الإدارية تأخذ مقرراتها بعد التداول والاقتراع فإن أجل الأربعة أشهر يمكن أن يمدد عند الاقتضاء إلى انتهاء الدورة القانونية الأولى الموالية للدورة التي وقع من أجلها تقديم مطلب الطعن للسلطة الإدارية المذكورة ” .
[39] نص هذا الفصل على ما يلي : ” ترفع دعاوى تجاوز السلطة في ظرف الشهرين المواليين لنشر المقررات المطعون فيها أو الإعلام بها. ويمكن للمعني بالمقرر قبل انقضاء ذلك أن يقدم بشأنه مطلبا مسبقا لدى السلطة المصدرة له . وفي هذه الصورة يكون تقديم المطلب قاطعا لسريان أجل القيام بالدعوى . ويعتبر مضي شهرين على تقديم المطلب المسبق دون تجيب عنه السلطة المعنية رفضا ضمنيا يخول للمعني بالأمر اللجوء إلى المحكمة الإدارية على أن ذلك في ظرف الشهرين المواليين للأجل المذكور. ويمكن عند الاقتضاء التمديد في هذا الأجل إلى الشهر الموالي لانتهاء الدورة القانونية الأولى الواقعة بعد تقديم المطلب المسبق للسلطة المعنية وذلك بالنسبة للمقررات التي تكون رهينة انعقاد جلسات تفاوضية دورية ” .
[40] المحكمة الإدارية قرار مؤرخ في 28 / 10 / 1989 القضية عدد 2220 – نور الدين الفقيه / الرئيس المدير العام للصندوق القومي للتقاعد والحيطة الاجتماعية.
[41] المحكمة الإدارية قرار مؤرخ في 15 / 12 / 1989 القضية عدد 2346 رضا السديري / وزير التخطيط والمالية.
[42] المحكمة الإدارية القرار الصادر في القضية عدد 17 تس بتاريخ 14 جوان 1976 المعلاوي ضد وزير الداخلية.
[43] المحكمة الإدارية القرار الصادر في القضية عدد 2058 بتاريخ 7 2/ 04/ 1992 هويسة ضد وزير النقل والمواصلات .
[44] المحكمة الإدارية القرار الصادر في 27/ 06/ 1978 البشير بالحاج عمر ومن معه/ وزير الفلاحة.
[45] المحكمة الإدارية القرار الصادر في 25/ 06/ 1987 ، الصويعي – غير منشور
[46] المحكمة الإدارية القرار الصادر في مادة تجاوز السلطة بتاريخ 31/ 03/ 1990 محمد عبد المجيد بن مفتاح / والي زغوان .
[47] المحكمة الإدارية القرار الصادر في 05/ 12/ 1989 القضية عدد 2480 – مفتاح بمصباح المليان / وزير الداخلية.
[48] المحكمة الإدارية القرار الصادر في القضية عدد 1404 بتاريخ 17/ 07 / 1989 – نقابة أعوان البنك المركزي التونسي / محافظ البنك المركزي التونسي.
[49] المحكمة الإدارية القرار الصادر في 22/ 11/ 1985 ورثة المرحوم إبراهيم بن أحمد جابر النمري شهر وادي / وزير الفلاحة ووزير المالية.
[50] نفس القرار السابق.
[51] المحكمة الإدارية القرار الصادر في القضية عدد 861 بتاريخ 17/ 07/ 1984
[52] المحكمة الإدارية القرار الصادر بتاريخ 14/ 07/ 1984 حسن بن صالح العياري ومن معه/ وزير الفلاحة.
[53] المحكمة الإدارية القرار الصادر في القضيتان 1404 و 1405 – سبق ذكر القرار.
[54] المحكمة الإدارية القرار الصادر في القضية عدد 601 تس بتاريخ 28 / 02 / 1983 زين العابدين بو طريف ضد الوزير الأول ووزير الداخلية.
[55] المحكمة الإدارية القرار الصادر في القضية عدد 14901 تس بتاريخ 23 / 02 / 1999المنجى النفاتي ضد وزير التعليم العالي.
[56] أمال الطرودي ” تبسيط الإجراءات أمام المحكمة الإدارية “، مذكرة للإحراز على شهادة الدراسات المعمقة في القانون العام ، كلية الحقوق والعلوم السياسية بتونس 2004-2005 ص30.
[57] انظر الفصلين 54 و 55 قديم
[58] المحكمة الإدارية القرار الصادر في القضية عدد 15608 تس بتاريخ 2 ديسمبر 1998- القضية عدد 10794 تس بتاريخ 12 جويلية 2003يوسف الخرشفي ضد والي أريانة.
[59] المحكمة الإدارية القرار الصادر في القضية عدد 60 تس بتاريخ 18/05/1977 الهادي سعيدان ضد وزير النقل والمواصلات.
[60] المحكمة الإدارية القرار الصادر في القضية عدد 594 تس بتاريخ 28/ 07/1981 أحمد الأخضر العبيدي وبالاندري أورس / وزير الإسكان المجموعة ص 253.
[61] نفس القرار السالف ذكره
[62] جاء بعبارات هذا الفصل ما يلي : “…حق البقاء لا يمكن أن يعارض به المالك الذي تحصل من وزارة التجهيز على رخصة سابقة في هدم عقار لبناء آخر جديد على عين الأرض وتسلم هذه الرخصة من نفس السلط وفي نفس الظروف التي تسلم فيها رخصة البناء ،،
[63] نص هذا الفصل أنه ” على كل من يروم البناء أو إدخال تغيير أو إصلاح على بناية موجودة داخل المناطق البلدية أن يحصل على رخصة يسلمها رئيس البلدية وذلك مع مراعاة أحكام الفصل الخامس من هذا القانون ”
[64] ملحوظات مندوب الدولة السيد رضا بن يوسف حول القرار المؤرخ في 28/ 07/ 1981أحمد الأخضر العبيدي وبالاندري أورس ضد وزير الإسكان ، المجموعة ص257 وما يليها.
[65] مصطفى باهية ” توقيف تنفيذ المقررات الإدارية “،إصلاح القضاء الإداري ( القوانين 38-39-40 بتاريخ 3 جوان 1996 أعمال الملتقى المنعقد من 27 إلى 29 نوفمبر 1996 بكلية العلوم القانونية والسياسية والاجتماعية بتونس ، مركز النشر الجامعي ص213.
[66] نفس المرجع السابق.
[67] المحكمة الإدارية القرار الصادر في القضية عدد 41393 تت بتاريخ 14/05/1999الصغير ضد وزير الثقافة.
[68] المحكمة الإدارية القرار الصادر في القضية عدد 41454 تت بتاريخ 26/05/1999يدعس ضد قابض المالية بقربة.
[69] ذاك هو حال الأوامر ذات الصبغة الترتيبية قبل القانون عدد 11 المؤرخ 04/02/2002 وهوما أكده القاضي الإداري في حيثية له جاء فيها ما يلي : ” وحيث تنص الفقرة 2 الفصل 3 من القانون عدد 40 المؤرخ في غرة جوان 1972 صراحة على أنه لا يمكن أن توجه دعاوى تجاوز السلطة ضد الأوامر ذات الصبغة الترتيبية وحيث يتضح بالرجوع إلى أحكام الأمر المطعون فيه أنه يكتسي الصبغة الترتيبية المنصوص عليها بالفصل المذكور أعلاه مما يجعله غير قابل للقدح فيه وبالتالي لا يجوز توقيف تنفيذه ” – المحكمة الإدارية القرار الصادر في القضية عدد 51 بتاريخ 24/05/1985 الجديدي سعيدان ومن معه ضد الوزير الأول – المجموعة ص 202 .
[70] اعتبر القاضي الإداري أن هذا الصنف من القرارات لا يقبل توقيف التنفيذ لأنه صادر عن سلطة غير تلك التي وقع التنصيص عليها بالفصل 3 من قانون 1 جوان 1972 مثل القرارات التأديبية الصادرة عن الهيئة الوطنية للمحامين . انظر على سبيل المثال لا الحصر القرار الصادر في القضية عدد 59 بتاريخ 40/01/1981محي الدين الزواوي ضد الهيئة القومية للمحامين – المجموعة ص 48.
[71] المحكمة الإدارية القرار الصادر في القضية عدد 67 المؤرخ في 18 جوان 1981 محمد علجان ومن معه ضد بلدية أريانة الذي جاء فيه ما يلي : ” القرار القاضي بتوظيف المعاليم البلدية لا يدخل تحت ولاية المحكمة الإدارية في مادة الإلغاء ولا يمكن توقيف تنفيذه بالاعتماد على الفصل 44 من قانون المحكمة الإدارية ” .
[72] المحكمة الإدارية القرار الصادر بتاريخ 27 نوفمبر 1987 الفقيه / وزير المالية
[73] المحكمة الإدارية القرار الصادر في 5 مارس 1992 محمد النمري / سبق ذكر القرار
[74] عياض ابن عاشور ” القضاء الإداري وفقه المرافعات الإدارية ” مرجع سبق ذكره ، انظر هامش الصفحة 435 .
[75] المحكمة الإدارية القرار الصادر في القضية عدد 39 تت بتاريخ 21/ 04 /1979 النادي الإفريقي / الجامعة التونسية لكرة القدم . – المحكمة الإدارية القرار الصادر في القضية عدد 47 تت بتاريخ 26/02/1980 الأخضر/ وزير التجهيز . – المحكمة الإدارية القرار الصادر في القضية عدد 49 تت بتاريخ 26/ 04/ 1980 العكاري ومن معه / وزير التعليم العالي.
[76] نص الفصل 44 (قديم) من قانون المحكمة الإداري أنه : ” لا تعطل دعوى تجاوز السلطة تنفيذ المقرر المطعون فيه، غير أنه يجوز للرئيس الأول أن يأذن بتوقيف التنفيذ إذا كان تنفيذ المقرر المطعون فيه من شأنه أن يتسبب للمدعي في نتائج يستحيل تداركها ” .
[77] يراجع في هذا الصدد – مصطفى باهية ” توقيف تنفيذ المقررات الإدارية ” مقال سبق ذكره 214 .
– المحكمة الإدارية القرار الصادر بتاريخ 26 ماي 1980كراي ومن معه/ وزير التعليم العالي والبحث العلمي.
[78] المحكمة الإدارية القرار الصادر بتاريخ 26 مارس 1993 الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان / وزير الداخلية.
[79] BEN SALH (H)
[80] انظر على سبيل المثال لا الحصر:
-Ben salah Hafedh « La justice administrative au Maghreb » », Thèse de doctorat d’Etat en droit public, Faculté de Droit Tunis, 1979.
– Ben Aissa Mohamed Salah, « La compétence du tribunal administratif en matière de recours pour excès de pouvoir et d’appel» in l’œuvre jurisprudentielle du tribunal administratif tunisien, ouvrage collectif réalisé sous la direction de Sadok Belaid, centre de recherches et de publications Tunis 1990 p215.
[81] المحكمة الإدارية القضية عدد 493 بتاريخ 15 ماي 1989 سبق ذكره
[82] المحكمة الإدارية القرار الصادر بتاريخ 17 جانفي 1979 القضية عدد 295 تس ، محمد بن علي بن عمر الجويني / الصندوق القومي للضمان الاجتماعي المجموعة ص7.
[83] Ben Aissa (MS): “La competence du TA …….” op cit p 256.
[84] المحكمة الإدارية القرار الصادر بتاريخ 11ديسمبر 1990 القضية عدد 2488 تس محمود الدريدي/ الوكالة التونسية للتعاون الفني ، المجموعة ، ص 416 .
[85] المحكمة ا لإدارية القرار الصادر بتاريخ 17 / 07 / 1989تس القضية عدد 1404 – 1405 نقابة أعوان البنك المركزي التونسي / محافظ البنك المركزي التونسي . المجموعة ، ص205.
[86] المحكمة الإدارية القرار الصادر في القضية عدد 89 بتاريخ 27 / 02 /1979 أحمد بن حميدة/ الصندوق القومي للتقاعد والحيطة الاجتماعية.
[87] المحكمة الإدارية القرار الصادر في القضية عدد54 بتاريخ 19/ 10/ 1976 المختار العلويني في حصة ابنه القاصر فهد / الوكالة العقارية للسكنى ، المجموعة ص97.
[88] المحكمة الإدارية القرار الصادر في القضية عدد 272 بتاريخ 22/05/1979 بلقاسم كروية / ديوان المواني الجوية التونسية . المجموعة ص 149 وما يليها.
[89] المحكمة الإدارية القرار الصادر في القضية عدد 217 بتاريخ 13 جوان 1979 يوسف لسود/ صندوق التأمين على الشيخوخة ، المجموعة ، ص162.
[90] ملحوظات مندوب الدولة السيد رضا بن يوسف حول القرار الصادر في القضية عدد 217 بتاريخ 13/ 06/ 1979 يوسف لسود/ صندوق التأمين على الشيخوخة ، مجموعة قرارات المحكمة الإدارية 1979 ص162-163.
[91] نفس المرجع السابق.
[92] ملحوظات مندوب الدولة السيد نجيب عبد الله حول القضية عدد 286 بتاريخ 27/11/ 1979 بلحسن سلام / السيد وزير التجارة والديوان القومي التونسي للسياحة. مجموعة قرارات المحكمة الإدارية 1979 ص276.
[93] المحكمة الإدارية القرار الصادر في القضية عدد 224 تس بتاريخ 15 جويلية 1980 ، أحمد بن عمر رجب/ وزير الفلاحة ، المجموعة 305.
[94] المحكمة الإدارية القرار الصادر في القضية عدد 13574تس، بتاريخ 10/ 04/ 1997ورثة بن حجل ضد الديوان القومي للزيت
[95] محمد العجمي ، ” تطور معايير اختصاص المحكمة الإدارية : من التخصيص إلى التخصص “، القضاء الإداري ، أعمال ملتقى 6-7 ديسمبر 1996 بكلية الحقوق والعلوم السياسية بتونس 1996 ص 54-5 5 .
[96] المحكمة الإدارية القرار الصادر في القضية عدد 1230 بتاريخ 16/07/1985 ، فرج الزراد/ وزير الفلاحة ، ذكره محمد العجمي في مداخلته المذكورة سابقا ص 55 .
[97] محمد العجمي ، ” تطور معايير اختصاص المحكمة الإدارية : من التخصيص إلى التخصص “، مقال سبق ذكر مرجعه ، ص55.
[98] قرار تعقيبي إداري عدد212 صادر بتاريخ14/07/1983، الهيئة الوطنية للمحامين ضد أنور بشر، مجلة القضاء والتشريع عدد 3، مارس 1985، ص133. .
[99] CE ,2 avril 1943, Bouguen, les grands Arrêts de la jurisprudence administrative, 10e éd, Collection Droit Public, Sirey 1993, p 344, N 63.
[100] نفس المرجع السابق.
[101] ملحوظات مندوب الدولة رضا بن يوسف حول القرار التعقيبي القضية عدد 212 بتاريخ 14 / 07 / 1983 الهيئة القومية للمحامين ضد أنور بشر المنشور بالأحكام الكبرى في فقه القضاء الإداري ، مركز النشر الجامعي 2007 ص285-286.
[102] بعد أن تم التخلي عن فكرة عدم مسؤولية الإدارة ، وعن فكرة أن السلطان معصوم من الخطأ وأنه لا يمكن للمتضررين من تصرفات الإدارة مساءلتها عن ذلك، اختلفت المواقف حول كيفية إخضاع أشخاص القانون العام للمساءلة ، فظهرت نظريتان :
-الأولى ترى أن مبدأ مساءلة الأشخاص العمومية يكون طبقا للشروط التي تخضع لها الأعمال الضارة للأفراد، وهو النظام الذي وقع إقراره في الولايات المتحدة وفي الأنظمة الأنقلو سكسونية التي لم تأخذ بالمنوال الفرنسي.
– الثانية وترى أن مسؤولية الإدارة لا يمكن أن تخضع لقواعد القانون المدني ، بحكم أنها تهدف إلى تحقيق المصلحة العامة.
[103] انظر في هذا الصدد
BEN SALAH (H), « La Justice administrative au Maghreb », Thèse de doctorat d’Etat en droit public, Faculté de Droit Tunis, 1979 p 269 .
[104] ذكره محمد العجمي عن:
Achille Mestre ; « La loi du 1er juin 1972, relative au tribunal administratif » in R.T.D 1974 pp 153-154
في مقاله ” تطور معايير اختصاص المحكمة الإدارية : من التخصيص إلى التخصص سبق ذكر المرجع، ص ص42 -43.
[105] تبنى القاضي الإداري في بداية نشاط المحكمة الإدارية نفس هذا الموقف الفقهي إذ في قرار تعقيبي يعود تاريخه إلى سنة 1977 يذكر القاضي الإداري بالولاية العامة للمحكمة الإدارية في كل النزاعات التي تكون الإدارة فيها طرفا، وجاء في حيثيته ما يلي : ” وحيث إنه من الخطأ القول بأن ولاية المحكمة الإدارية تعقيبا محددة بالفصل 11 من القانون عدد 40 المؤرخ في1 جوان 1972 ذلك أن الفصل الثاني من هذا القانون بفقرته الأولى أسند إليها ولاية عامة في كل النزاعات التي تكون الإدارة فيها طرفا وعلاوة على ذلك فقد تسند إليها بمقتضى نصوص خاصة اختصاصات أخرى ولذا يمكن حصر مشمولات المحكمة في هذا المضمار فيما أورده الفصل 11 على سبيل العد فحسب “. القرار رقم 139( القضية عدد 12 ) بتاريخ 10 مارس 1977 وزير المالية/ . . . . . . . . . مجموعة 1977 ص125.
[106] الموقف الذي دافع عنه العميد حافظ بن صالح في أطروحته الذكورة أنفا، ص249.
[107] محمد العجمي ” تطور معايير الاختصاص . . . .”، مقال سبق ذكر مرجعه ، ص46-47.
[108] المحكمة الإدارية القرار الصادر في القضية عدد 29 بتاريخ 18 مارس 1976 محمد بن محمد الحليوي/ المكلف العام بنزاعات الدولة في حق وزارة الشؤون الثقافية والأخبار، المجموعة ص 52 .
[109] نفس القرار السابق ذكره .
[110] محمد العجمي ” تطور معايير الاختصاص . . . .”، مقال سبق ذكر مرجعه ، ص50.
[111] نفس المرجع السابق ص 46 .
[112] تقر محكمة التعقيب العدلية في قرار تعقيبي مدني لها عدد 6396 بتاريخ 18/02/1969منشور بمجلة القضاء والتشريع عدد 9 لسنة 1969 ، ص 53 أنه ” ليس للقاضي تغيير النصوص الواضحة “، وهوما يعتبر موقفا مغايرا لموقف القاضي الإداري الذي يرى أنه ” ليس مجرد قضاء تطبيقي بل ميزته الغالبة أنه قضاء إنشائي يبتدع الحلول المناسبة للروابط القانونية بين الإدارة في تسييرها للمرافق العامة وبين الأفراد “ن الم الإدارية ، استئناف، القضية عدد 493 بتاريخ 15 ماي 1989 طارق الزواري/ الم ع ن د، سبق ذكرة.
[113] يعبر الفقيه شابو عن هذه الفكرة بما يلي:
«Les instances tendant à faire déclarer l’administration débitrice ….en trois catégories, dont les deux premières sont définies concrètement ….et s’opposent à la troisième, qui est définie de façon abstraite et générale », R. Chapus ; « Le contrôle et le contentieux de l’administration en Tunisie”, Publication de L’E.N.A, 1968 p 83.
[114] يذهب لهذا الرأي خاصة العميد حافظ بن صالح في أطرحته:
Le juge tunisien semble avoir « retenu la faute comme fondement de la responsabilité de la puissance publique la ou le législateur ne l’a pas consacrée de manière explicite », Ben Salah (H) ; La justice administrative au Maghreb, Thèse d’Etat en droit, Tunis 1979 p339.
[115] ) أقر القاضي الإداري هذا الموقف صراحة عندما اعتبر ” أن العمل الضار الصادر عن الإدارة بغير حق يوجب جبر ذلك الضرر على معنى الفصل الأول – فقرة أخيرة – من أمر 27 نوفمبر 1888 وأن عبارة بغير حق إنما تعني الخطأ “، المحكمة الإدارية القرار الصادر في القضية عدد 145 بتاريخ 16 أفريل 1981 المكلف العام بنزاعات الدولة في حق وزارة النقل والمواصلات / محمد بن خليفة الإخوة .
[116] مبروكة الصيد ” المسؤولية الإدارية المبنية على نظرية المخاطر المستحدثة “، دراسات قانونيه 2006 عدد خاص : المسؤولية الإدارية ، مجلة تصدرها كلية الحقوق بصفاقس، ص96.
[117] ) المحكمة الإدارية القرار الصادر في القضية عدد 599 بتاريخ 12 /03/ 1990 المكلف العام بنزاعات الدولة في حق وزارة النقل والمواصلات / المنجي البلغوثي . الذي جاء في حيثيته ما يلي : ” وحيث أنه يستخلص من الفقرة الثانية المشار إليها أن الأضرار الناتجة عن الأشغال العمومية التي أذنت بها الإدارة تندرج ضمن نظام المسؤولية المبني على نظرية المخاطر المستحدثة دون أن يفرق المشرع بين الضرر الناتج ضمن الأشغال العمومية ذاتها أوعن الحوادث الحاصلة بمناسبة إنجاز تلك الأشغال ” .
[118] تعدد الشروط……
[119] محمد رضا جنيح “القانون الإداري ” طبعة ثانية محينة ومزيدة ، مركز النشر الجامعي 2008ص ص364 -365.
[120] المحكمة الإدارية القرار الصادر في القضية عدد 507- 509 بتاريخ 12/ 06/ 1989 شركة نيوني بروديكسيون/ المكلف العام بنزاعات الدولة في حق وزارة الشؤون الثقافية، الم، ص180.
[121] المحكمة الإدارية القرار الصادر في القضية عدد 16758 بتاريخ 07/ 06/2002 شركة مقاطع تقية صيود ” سوكاتاكس” ضد المكلف العام بنزاعات الدولة في حق وزارة الشؤون الثقافية والمتداخل عز الدين بن عمر التومي.
[122] المحكمة الإدارية القرار الصادر في القضية عدد 1292 بتاريخ14 نوفمبر 1994المكلف العام بنزاعات الدولة في حق وزارة التجهيز والإسكان / عبد اللطيف التركي.
[123] المحكمة الإدارية القرار عدد 37264 تع بتاريخ 16/04/2007 الوكالة العقارية الصناعية / عبد العزيز وجمال زليلة . غير منشور.
[124] مجلس تنازع الاختصاص ، القضية عدد 231 بتاريخ 07/ 04/ 2009 الصغير موسى ضد الشركة التونسية لاستغلال وتوزيع المياه ،غ .م .
لمزيد الاطلاع والتعمق في هذا التوجه الذي رسمه مجلس تنازع الاختصاص لنفسه ، انظر: أسماء جرمود ” معايير النزاع الإداري من خلال فقه قضاء مجلس تنازع الاختصاص”، مذكرة لنيل شهادة الماجستير في القانون العام الداخلي ، كلية الحقوق والعلوم السياسية بتونس 2011-2012.
[125] وقع تنقيح هذا القانون بالقانون عدد 26 المؤرخ في 14 أفريل 2004 الذي تم بمقتضى الفصل 30 منه إسناد كتلة اختصاص للقاضي العدلي ولم يستثنى من ذلك غير النزاعات المتعلقة بدعوى تجاوز السلطة.
[126] المحكمة الإدارية القرار الصادر في القضية عدد 994 إس بتاريخ 12/04/1993، التيجاني بوراوي ومن معه/ بلدية سوسة.
[127] محمد رضا جنيح ، القانون الإداري مرجع سبق ذكره ص 237 .


