بين تعدد الملزمين و اتساع مفهوم المدين

حمدي عنتر

باحث بسلك الدكتوراه

جامعة محمد الخامس بالرباط    كلية العلوم

القانونية والاقتصادية والاجتماعية – سلا

مقدمــــة

لكي تتمكن الدولة من تغطية أعبائها العامة، وتنفيذ أهدافها وبرامجها الاقتصادية والاجتماعية، والوصول إلى إشباع الحاجات العامة بمختلف أنواعها لابد أن تتوفر على إيرادات كافية لتغطى بها ميزانيتها العامة.

هذه الإيرادات أو المداخيل التي تكون في غالب الأحيان مشكلة في جزء كبير منها من الديون التي لفائدة الدولة على أشخاص إما طبيعيين أو معنويين خاصين أو عامين.

ويقصد بالدين العام هنا سائر الديون باستثناء الديون ذات الطابع التجاري التي لفائدة الدولة والجماعات الترابية وهيئاتها والمؤسسات العمومية، المعهود بقبضها إلى المحاسبين المكلفين بالتحصيل والتي مصدرها إما القانون والأنظمة السارية أو الأحكام والقرارات القضائية أو الاتفاقات.

أما الميزانية العامة فيراد بها مجموع العمليات المتعلقة بالمداخيل والنفقات المتوقعة أو المنجزة في إطار قانون المالية خلال فترة معينة، وتحدد الميزانية العامة مجمل المداخيل والنفقات، وتتكون المداخيل سنويا من موارد جبائية وأخرى غير جبائية وتحتل الموارد الجبائية المرتبة الأولى داخل الميزانية العامة.

ويأتي في مقدمة هذه الموارد الجبائية الحقوق والرسوم الجمركية وكذا الغرامات والإدانات النقدية الصادرة في مادتي الجمرك والصرف[1].

إذ يقصد بالحقوق والرسوم الجمركية تلك التي يتم فرضها على البضائع التي تمر عبر الحدود إما عند استيردادها[2] أو تصدريها أو بمناسبة إنتاج بضائع خاضعة للمكوس الداخلية المفروضة على بضائع مصنوعة محليا.

وخلافا للضرائب والرسوم، فإن الغرامات والإدانات النقدية التي تنشأ على أساس ارتكاب أشخاص القانون لمخالفات وجنح متعلقة بمادتي الجمرك والصرف وتنفرد الغرامات بكون استحقاقها وصيرورتها يتوقف إما على توافق إرادتها مع إرادة المخالف وديا عبر عقد صلح أو مراجعة القضاء لاستصدار حكم بالغرامة الجمركية.

ونظرا لأهمية الدين الجمركي، ودوره في الإنفاق العام وما يحققه من منافع عامة للمجتمع، فقد أحاطه المشرع بحماية خاصة، كما أن الفقه والقضاء أولياه العناية اللازمة، والكل في إطار نظرة شمولية تتوخى خلق توازن بين المصلحة العامة والمصلحة الخاصة.

إذن فهذه الدراسة ستنكب بالأساس على الإحاطة الكاملة بمسألة خصوصية المخاطبين بالدين الجمركي.

هكذا فلحماية الدين الجمركي، وضمان حق الدولة في استيفائه كاملا وفي الآجال المحددة له، فقد سن المشرع مجموعة من المقتضيات التشريعية والمتوزعة بين مدون الجمارك ومدونة تحصيل الديون العمومية، إذ لقد اتجهت مدونة الجمارك إلى توسيع دائرة الأشخاص الذين تتم متابعتهم لتحصيل الدين الجمركي والهدف من ذلك تعزيز منظومة الخزينة وتوسيع ضمانات تحصيل الدين الجمركي.وهكذا فإذا كان الملزم ا هو المعنى أساسا بأداء ما بذمته من ديون فإنه تمت إضافة الأغيار، إما بصفتهم مسؤولين شخصيا عن الأداء، وإما بصفتهم متضامنين.فمدونة الجمارك أشارت إلى مبدأ التضامن في أداء الرسوم والمكوس بين المصرح وموكل المصرح والكفيل[3].

وباعتبار الدين الجمركي دينا عموميا حسب المادة 2 من مدونة تحصيل الديون العمومية، فإنه تسري عليه مقتضيات هذه الأخيرة والتي وسعت من مسؤولية الأشخاص الذين يباشر التحصيل في حقهم سواء بصفة شخصية أو بصفة تضامنية[4].

إذن وتأسيسا عىلى ماسبق ذكره يمكن طرح الاشكالية الرئيسية التى ستكون موضوع تحليل في هذه المساهمة.

أين تكمن خصوصية المخاطبين بالدين الجمركي مع باقي الضرائب الأخرى

هل لخصوصية توسيع قاعدة المخاطبين بالدين الجمركي فعالية وضمان لاستخلاص الدين الجمركي. وتبعا لذلك سنتحدث عن الأشخاص الملزمون بالأداء والمنصوص عليهم في مدونة الجمارك (المبحث الأول) فيما سنتطرق إلى توسيع مفهوم المدين ومبدأ التضامن في مدونة تحصيل الديون العمومية (المبحث الثاني

المبحث الأول : حماية الدين الجمركي عبر توسيع مفهوم الملزم وإقرار قاعدة التضامن

إن المجال الجمركي بصفة عامة والدين الجمركي على وجه الخصوص يشكل استثناء وله خصوصية تميزه عن الضرائب الأخرى لا على مستوى الدين نفسه ولا على مستوى الأشخاص المخاطبين به ولا على الضمانات والإجراءات فإذا كان الملزم في الضرائب المباشرة هو الملزم القانوني بأداء الضريبة المباشرة كالضريبة على الدخل أو الضريبة على الشركات ولا يمكن إحلال أي أحد مكان الملزم القانوني والفعلي بتلك الضريبة، فإن الوضع يختلف تماما في مجال الديون الجمركية.

إذ يختلف الملزم في المادة الجمركية حسبما إذا كان الأمر يتعلق بالضرائب والرسوم أو بالغرامات حيث تبنى المشرع مفهوما موسعا للملزم وعززه بقاعدة التضامن في الأداء (المطلب الأول) مع توسيع المسؤولية الجنائية لتشمل أشخاص متعددين ملزمين بأداء الغرامات الجمركية (المطلب الثاني).

المطلب الأول : التضامن في أداء الرسوم بين الملزمين

خول المشرع في الفصل 87 من مدونة الجمارك صفة الملزم[5] بالأداء للرسوم الجمركية وغيرها من الرسوم والمكوس المستحقة الأداء عند الاستيراد والتصدير لبضائع أو مواد أو سلع, للمصرح بالجمرك وموكل هذا التصريح والكفيل.

1-المصرح بالجمرك :

المصرح بالجمرك قد يكون مالكا للبضائع المودعة بالجمرك، أو المعشر المقبول بالجمرك[6]، أو كل شخص ذاتي أو معنوي يقدم تصريحا مفصلا بعد الحصول على إذن من الإدارة، باستخلاص البضائع من الجمرك لفائدة الغير بمناسبة صناعته أو تجارته والملاحظ أن المشرع الجمركي المغربي اعتبر بمثابة مالكين للبضائع أيضا “الناقلون والحائرون والمسافرون وسكان الحدود فيما يخص البضائع والأشياء والمواد التي ينقلونها أو يحوزنها والمصرح بالجمرك سواء أكان مالكا للبضاعة أو المعشر، يلتزم بأداء[7] الرسوم والمكوس الجمركية، حيث يأتي المصرح بالبضاعة في المرتبة الأولى للمسؤولية عن أداء الرسوم والمكوس الجمركية.

لذلك فقد ذهب اتجاه قضائي أن من أدلى بتصريح يتعلق بالاستهلاك أو التصدير أو الإيداع أو العبور يعد تجاه الإدارة المالك الوحيد للبضاعة، والملزم بأداء الرسوم والحقوق المتوجبة عليها، لهذا اعتبر أن مستورد البضاعة ليس مدينا بالتضامن مع المصرح فيما يخص الرسوم الجمركية إذا أثبت المستورد أنه لا تربطه أية علاقة قانونية بإدارة الجمارك وبالتالي ليست وضعيته كالوكيل أو الكفيل الذين يعتبرون ملتزمين بشكل تضامن مع المصرح في أداء الدين الجمركي[8].

2 –موكل المصرح :

قد يخول المصرح سواء أكان مالكا للبضاعة، أو الشخص المأذون له، صلاحية تقديم تصريح مفصل بالجمرك لفائدة الوكيل العامل في خدمته نيابة عنه.

بمقتضى توكيل خاص يمنحه بمقتضاه جل السلطات لتعشير البضائع من الجمرك وفي هذا الصدد نصادف المخلصين الجمركيين العاملين لدى المعشرون المقبولين يقومون بتقديم تصاريح مفصلة وأداء الحقوق الجمركية المستحقة.

كما قد نصادف موكل مالك البضائع الذي قد يكون شخصا طبيعيا أو معنويا يقوم بتخليص البضائع لفائدة موكله وتحت مراقبته[9]، ويترتب على صفة موكل المصرح بالجمرك أثران رئيسيان.

-الأثر الأول : إن موكل المصرح بالجمرك يعتبر مدينا متضامن مع المصرح الرئيسي بالبضاعة –سواء أكان مالك البضاعة أو معشرا مقبولا بإدارة الجمارك، بأداء مبلغ الدين، وهذا الالتزام التضامني في أداء الرسوم والحقوق الجمركية، يخول لإدارة الجمارك متابعة المصرح لاستخلاص دينها[10].

إن كل من المصرح وموكل المصرح وكذا الكفيل هم ملزمون بالتضامن لأداء الرسوم والمكوس الجمركية المستحقة لإدارة الجمارك والضرائب غير المباشرة وبالتالي فإن حلول أجل الدين بالنسبة لأحدهم يسري مفعوله عليهم جميعا فعلاوة على توسيع دائرة الملزمين على النحو المتقدم بيانه، سن الفصل 88 من مدونة الجمارك قاعدة إضافية مؤداها جعل الملزمين يرسم ضرائب ورسوم معينة مدينين على وجه التضامن.

وتنطوي هذه القاعدة حسب بعض الفقه على مزايا قانونية وعملية :

-توسيع قاعدة الأموال المشكلة لضمان الخزينة ومضاعفة حظوظ استخلاص الدين الجمركي.

-تساوي المدين المتضامن مع المدين الرئيسي في المديونية بصورة تسوغ للمحاسب العمومي توجيه المطالبات ضدهما بالتوازي أو اختيار أحدهما دون الآخر سيما إذا كان التنفيذ ضد أمواله يتسم بالسهولة واليسر ويوفر عناء مساطر أخرى معروفة بطولها وتعقدها.

-تجريد المدين المتضامن من إمكانية التمسك بتوزيع الإجراءات وتوزيع عبء الاستخلاص بين المدينين حيث يخول القانون استخلاص مبلغ الدين كاملا من أحد المدينين رغم ما قد تكون عليه ذمة الآخرين[11].

ويعتبر الالتزام بالتضامن في أداء الديون الجمركية من النظام العام لا يجوز للأطراف الاتفاق على مخالفته نظرا لارتباطه بالمصلحة العامة المتمثلة في ضمان حقوق الخزينة العامة للدولة.

ويظل القابض الجمركي للتحصيل المعنى باستيفاء الحقوق والرسوم الجمركية له الحق في المطالبة المباشرة بأداء الحقوق للملزم الأصلي أو الوكيل أو الكفيل إلا أنه هناك سؤال يطرح في مسألة متابعة الأغيار وهو هل يتعين على القابض إثبات أولا أن متابعته للملزم الأصلي كانت دون نتيجة، وذلك قبل أن يقوم بمتابعة الملزمين الآخرين في غير الحالات التي يكون فيها التضامن؟

بالرجوع إلى نصوص مدونة التحصيل نلاحظ أن المشرع لم يلزم القابض[12] بمتابعة شخص قبل غيره، بل إن ما يفهم أنه خير القابض في متابعة الشخص الذي يبدو أكثر ملاءة وضمانة لتحصيل الدين الجمركي وترك المجال له لاستعمال سلطته التقديرية في هذا الإطار خاصة باعتبار أن مبلغ الدين يجب أن يدخل خزينة الدول في آجال معينة[13].

المطلب الثاني : توسيع المسؤولية في الغرامات الجمركية وتكريس مبدأ التضامن

الفقرة الأولى :توسيع المسؤولية في الغرامات الجمركية

تتميز المادة الجمركية في شقها التنازلي بتوسيع المسؤولية الجنائية لتشمل إلى جانب الفاعل الرئيسي الشركاء والمتواطئين وفق الحالات المنصوص عليها في القانون الجنائي مع إدخال حالات في حكم التواطئ بمقتضى الفصل 241 من مدونة الجمارك وهي :

-التحريض على ارتكاب الغش، أو تسهيل ارتكابه بأية وسيلة من الوسائل.

-شراء أو حيازة بضائع ارتكب الغش بشأنها.

موقعو التصريحات فيما يتعلق بالمخالفات والجنح الملاحظة في التصريحات.

-المؤتمنون عن عمل مستخدميهم فيما يخص التعليمات الجمركية المنجزة بتعليمات منهم.

-المتعمدون في حالة عدم تنفيذ الالتزامات من طرفه.

-مالك البضائع عن فعل مستخدميهم.

-مالك وسائل النقل عن فعل مستخدميهم إلا في حالة ثبوت المسؤولية الشخصية للمستخدم.

يتحصل مما سبق أن المشرع وسع مفهوم المسؤولية في المادة الجمركية لتشمل مرتكب الفعل أو الامتناع عن الفعل ومعه الشريك والمتواطئ مع اقتران ذلك بإقرار قاعدة التضامن فيما بينهم في الغرامة الجمركية المستحقة وفق المستفاد من الفصل 216 والفقرة 2 من الفصل 207 من مدونة الجمارك وهي ذاتها القاعدة المستفادة من الفصل 99 من ق ل ع[14].

ويضاف إلى أحكام الفصل 215 من مدونة الجمارك والفصل 14 من ظهير 30 غشت 1949 نصت على إمكانية مراكمة العقوبات المالية عن ارتكاب المخالفين في آن واحد، فعال خارقا لقانوني الجمرك والصرف إذ يؤكد بعض الفقه[15] أن خروج المادة الجمركية عن مبدأ تفريد المسؤولية وامتدادها لشمول الغير، وفق المبين فيما سلف، يقدم ضمانات إضافية للاستخلاص من خلال توسيع دائرة الأموال المنفذ عليها إلى جانب توسيع نطاق البضائع ووسائل النقل المحجوزة تمهيدا لنقل ملكيتها لإدارة الجمارك بموجب أحكام قضائية.

الفقرة الثانية :تكريس مبدأ التضامن.

تقدم قاعدة التضامن مزايا أكثر من القاعدة السابقة لأنها توسع مفهوم الضمان العام لدين الخزينة بتوسيع دائرة الأموال المشكلة لضمان الخزينة غير الحكم بالغرامات في مواجهة المشاركين والمتواطئين في مخالفة أو جنحة جمركية وفق ما يقرره الفصل 216 من مدونة الجمارك.

ونفس القاعدة يكرسها الفصل 231 من نفس القانون التي أتت بالمبدأ بشكل أكثر وضوحا بتنصيصها على أن جميع الأشخاص المحكوم عليهم من أجل ذات الغش أو من أجل جنح أو مخالفات جمركية مرتبطة، يلزمون على وجه التضامن.

كما أن الفقرة الثانية من الفصل 217 من مدونة الجمارك المقننة لحالة متعلقة بمتابعة مجموعة من الأشخاص من أجل جنح ومخالفات جمركية، تنص على أنه إذا حدث أن أحد المتابعين أو بعضهم تصالح مع إدارة الجمارك وأدى مبلغا معينا برسم الغرامة التصالحية، فإن المحكمة ملزمة بالقضاء بمجموعة الغرامات المستحقة دون إسقاط نصيب المتصالح أو المتصالحين.

غير أن المشرع أكد في المقطع الأخير من ذات الفصل أن التحصيل يتم على أساس مجموع المبلغ المحكوم به مع خصم وإسقاط المبالغ موضوع الصلح، ويتفرع عن مبدأ التضامن قاعدتين أساسيتين منصوص عليهما في الفصل 166 من ق ل ع.

-إمكانية إجبار واحد من المدينين المتضامنين بأداء المبلغ كليا أو جزئيا من غير المساس بالقاعدة الموالية.

-عدم جواز استيفائه إلا مرة واحدة.

وينبني على ذلك أن التضامن يفسر بفكرتين أساسيتين وهما :

-وحدة الدين إزاء المدينين المتضامنين، ومفاد ذلك أن الدين لا يقبل التشطير أو الانقسام، بشكل يسوغ للدائن أن يوجه المطالبات إليهم بالتوازن أو يكتفي بالمطالبة عن المبلغ كاملا غير منقوصا إزاء وحدة منهم فقط.

-تعدد الروابط بمعنى استقلال رابطة كل مدين متضامن إزاء الدائن لهذه الأخير علاقة قانونية إزاء كل مدين متضامن على حدة.

فقد يكتفي الدائن بقطع التقادم في مواجهة واحد منهم مع إهمال القطع بالنسبة مدينين متضامنين مع الأول برسم نقص الدين.

فينقضي الدين في مواجهة هؤلاء مع بقاء حق المطالبة قائمة في حق المدين الذي قطع التقادم في مواجهته، وذلك عملا بمقتضى الفقرة 2 من الفصل 175 من ق ل ع.

المبحث الثاني : توسيع مفهوم المدين كضمانة  لاستخلاص الدين الجمركي

سعيا من طرف المشرع المغربي إلى إقامة نظام قانوني شامل ومتكامل، يوفر للدولة ضمانات أوسع من أجل تدجين حقوقها المالية وتأمين استخلاص ديونها العمومية في الآجال المقررة لها سلفا، نجده قد نص في صلب م. ت. د.ع على تأمينات أخرى متمثلة في استفادة الدين الجمركي من توسيع مفهوم المدين وإقرار تضامن الأغيار وكذا الأغيار الحائزين وذلك لأن أطراف التنفيذ في هذه الحالة لا تنحصر في طالب التنفيذ والمنفذ ضده، بل إن الأمر يتطلب إشراك عدة أغيار في إجراءاته.

إذ يرى جانب من الفقه أن هذه الضمانات ترتكز بالأساس على إدماج ذمة أو أكثر إلى ذمة المدين الأصلي حيث يصبح للدائن أكثر من مدين واحد وبمعنى آخر فهذه التأمينات تقوم على تعدد المسؤولين عن الالتزام بفائدة الدائن.

وهذا ما جعل المشرع المغربي ينص على مجموعة من الأشخاص[16]، وحملهم على وجه التضامن كلما أخلوا بالتزاماتهم مسؤولية سداد الديون الجمركية المترتبة في ذمة المدينين الأصليين والإحاطة بمسألة توسيع مفهوم المدين بالدين الجمركي في م.ت.د.ع.

سوف نتطرق إلى تضامن الأغيار في المطلب الأول فيما سنقف في المطلب الثاني على التزامات الأغيار الحائزين.

المطلب الأول : تضامن الأغيار

يعد التضامن في الأداء الجمركي بمثابة ضمان شخص وهذا التأمين حسب بعض الفقه[17] يقتضي ضم ذمة أو أكثر إلى ذمة المدين الأصلي في المسؤولية عن الوفاء بحق الدائن، إلا أن هذه المسؤولية لا تقوم بناء على ما يعرف في القانون المدني بعقد الكفالة وإنما هي مسؤولية أو التزام أساسه القانون ونعني بذلك الفصول من 93 إلى 99 من م ت د ع.

وهكذا يمكن القول بأن التضامن في الوفاء بالدين الجمركي من خلال توسيع مفهوم المدين هو بمثابة التزام نص عليه القانون، بمقتضاه يخول للمحاسب على المكلف بالتحصيل متابعة الغير، عوضا عن المدين الأصلي في حالة ما إذا امتنع هذا الغير عن سداد دينه العمومي.

وتأتي المسؤولية التضامنية للأغيار كنتيجة لقيام واقعة قانونية كالوفاة أو سبب منح الموطن الجبائي أو سبب تصرف قانوني كالتفويت لأصل تجاري أو لمجموع أموال أو الإدماج لشركة في أخرى أو انفصال الواحدة عن الأخرى أو تحويل شكلها القانوني.

وبذلك يمكن القول حسب م ت دع، بأن هؤلاء الأغيار المتضامنين عن أداء الدين الجمركي هم كالآتي :

-ورثة المدين الأصلي الفصل 93[18].

-الأشخاص الذين يمنحون للمدين المقر الجبائي، الفصل 93[19].

-المستفيدون من عملية تفويت أصل تجاري أو شركة إنتاجية الفصلين 94 – 96.

-العدول والموثقون المحررون لعقود التفويت كالبيع مثلا الفصل 95.

-الشركات الضامنة والمنبثقة عن الإدماج والانفصال أو التحويل الفصل 97.

-مديرو أو متصرفو أو مسيرو الشركات بسبب أعمالهم التدليسية التي أدت إلى تعذر استخلاص ديون الدولة الضريبية الفصل 98.[20]

-مالك الأصل التجاري الذي يكون مسؤولا على وجه التضامن مع المشغل الفصل 99.

المطلب الثاني : إلتزامات الاغيار الحائزين

إن رغبة المشرع المغربي في تقوية وتعزيز الضمانات المؤدية إلى استخلاص الدين الجمركي كانت وراء إقراره لنوع ثان من المدينين شخصيا، ألا وهي التزامات الأغيار الحائزين[21]، كما أن القضاء هو الآخر كرس هذا المقتضى

التشريعي في العديد من اجتهاداته.

والمقصود بالغير هنا هو ما دون الملزم الحقيقي الذي يحوز بين يديه أمواله منقولة تعود للملزم، سواء كان شخصيا أو معنويا[22]، وهذا النوع من الضمانات يؤدي هو الآخر إلى إقرار المسؤولية القضائية للغير، الذي يكون واقعيا خارجا عن الواقعة المنشئة للدين الجمركي (الفقرة الأولى) كما أجاز المشرع المغربي للمحاسب المكلف بالتحصيل مطالبة هذا الغير غير الآلية المعروفة بالإشعار للغير الحائزة لأموال المدين الأصلي بسداد ديونه كما يبقى هذا الالتزام التضامني في الأداء الجبائي للبعض من هؤلاء الأغيار قائما حتى في حالة غياب توصلهم بالإشعار (الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى : توسيع مفهوم المدين إلى الأغيار الحائزين

ألزمت المادة 100 من المدونة بعض الأشخاص الحائزين لأموال المدين بأداء الضرائب والرسوم الواجبة في حقه، وذلك قبل[23] تسليم هذه الأموال إلى ورثته أو الدائنين الآخرين أو الأشخاص الذين لهم الحق في الحصول على المبالغ المحروسة أو المودعة، وقد حددت المادة أعلاه هؤلاء الأشخاص في المصنفين القضائيين الموثقين الحراس وكذا مصفى الشركات المنحلة وغيرهم من المؤتمنين على الأموال[24].

وقد أتت الفقرة الثانية من نفس المادة لتضيف إلى هذه الفئة من الأشخاص فئة أخرى تتمثل في كتاب الضبط والأعوان القضائيين والمحامين فيما يخص الأموال الناتجة عن عمليات التفويتات والحراسة القضائية المودعة لديهم، حيث بدورهم يجب عليهم أن لا يسلموا الأموال إلى مستحقيها إلا بعد إثبات أداء الضرائب والرسوم الواجبة على الأشخاص الذين يمتلكون تلك الأموال ويتعين على الأشخاص أعلاه أن يقودوا الرسوم والديون الجمركية التي قد يدين بها الأشخاص المؤتمن على أموالهم قبل تسليمها لهم، ويكون الأداء إجباريا حتى مع وجود تعرض سواء من قبل المدين نفسه أو من قبل غيره من الدائنين الآخرين.

الفقرة الثانية : الاشعار للغير الحائز كضمانة ناجعة لاستخلاص الدين الجمركي.

لم يكتف المشرع المغربي بتوسيع مفهوم المدين وإلزام الأغيار الحائزين على أداء الدين باعتبارهم مدينين متضامنين مع المدين الأصلي وإنما اعتبارا لتركيس جميع ضمانات استخلاص الدين الجمركي مكن قباض الجمارك بمسطرة الإشعار للغير الحائز[25] كآلية لتفعيل الاستخلاص الجمركي.

قد يجد القابض نفسه أحيانا مضطر إلى سلوك مسطرة الإشعار للغير الحائز بينما يتبين له أن المدين الأصلي مالك المبالغ المالية الموجودة بحوزة الغير، يرفض أداء ديونه العمومية طواعية وهذه المسطرة الجبرية لم تعمل م ت د ع على تنزيمها بشكل دقيق ومفصل إذا لم تحدد شكل الإنذار بمثابة عجز والبيانات القانونية الواجب توافرها فيه كما أنها لم تبين الأجل الذي يجب فيه على الح.


[1] -صنف المشرع الحقوق والرسوم الجمركية والغرامات والإدانات النقدية الصادرة في مادتي الجمرك والصرف ضمن قائمة الديون العمومية الواقعة تحت الحصر في المادة 2 من مدونة تسجيل الديون العمومية.

[2] -رسم الاستيراد أو ما يسمى بالحقوق الجمركية الواردة في التعريفة الجمركية وتختلف نسبة الرسم حسب نوع البضاعة ومصدرها ومنشئها.

-المكوس الداخلية على الاستهلاك المفروضة على منتوجات مصنوعة محليا.

-الرسم شبه الجبائي على الخمور والجعة.

-الرسم شبه الجبائي على الاستيراد.

-إتاوات عن استعمال النظام المعلوماتي لإدارة الجمارك.

[3] -الفصل.98.. من مدونة الجمارك.

[4] -محمد اعريف، المساطر الإدارية في تحصيل الديون، بحث لنيل دبلوم الماستر تدبير الشأن العام، جامعة محمد الخامس، أكدال، كلية الحقوق، الرباط، 2010، ص 44.

[5] -على مستوى مفهوم الملزم نميز بين :

-الملزم الفعلي بالأداء : حيث يتحمل الملزم الذي قام بإجراءات التقليص أداء الرسوم الجمركية وهو الذي يتولى القيام بإجراءات التخليص الجمركي والإشراف على إجراءات التصريح الجمركي بخصوص مواصفات البضاعة والترقيم والصنف وبالتالي هو المسؤول عن الأداء.

-الملزم القانوني المالك للبضاعة الذي يقوم بعملية الاستيراد والتصدير من إلى التراب الوطني.

[6] -يعتبر بمثابة معشر كل شخص ذاتي أو معنوي يزاول مهنة القيام لفائدة الغير بالإجراءات الجمركية المتعلق بالتصريح هذه المهنة منظمة بالفصول من 67 إلى 73 من مدونة الجمارك وكذا الفصول من 9 إلى 27 من مرسوم التطبيقي لمدونة الجمارك والضرائب غير المباشرة.

[7] -الفصلين 67 و68 الأشخاص المؤهلين لتقديم تصريح مفصل للبضائع.

[8] -حكم صادر عن المحكمة الإدارية بالدار البيضاء رقم 170 في ملف ع 125/9/2010، غير منشور.

[9] -رضوان بن قدور، مسطرة الحجز آلية لتحصيل الدين الجمركي، بين مقتضيات الفعالية والضمان، رسالة لنيل دبلوم الماستر في المقاولة والقانون، جامعة ابن زعتر، كلية الحقوق، 2013/2014.

[10] -فؤاد أنور، التخليص الجمركي للبضائع في التشريع المغربي، أطروحة لنيل الدكتوراه في القانون الخاص.

[11] -سعيد أوالعربي، تحصيل الديون الجمركية، دراسة قانونية وقضائية، أطروحة لنيل الدكتوراه شعبة القانون العام، كلية الحقوق، أكدال الرباط، 2015، ص 70.

[12] -عبد الغني صعيري، الاستخلاص الجمركي للبضائع وتحرير التجارة الخارجية، رسالة لنيل دبلوم الماستر في القانون الخاص، تخصص قانون الأعمال والمقاولات، كلية الحقوق، السويسي، جامعة محمد الخامس، 2010، ص 62.

[13] -وقد يجد القابض نفسه أمام مدينين بالتضامن، أحدهما يتوفر (المدين الرئيسي) على أموال عقارية يستغرق التنفيذ عليها وقتا طويلا، ويستلزم إجراءات معقدة في حين أن المدين المتضامن معه يتوفر على سيولة نقدية، ومثل هذه الحالة قد يقدر فيها المحاسب العمومي أنه من الأجدى عدم التيه في مساطر الحجز العقاري والتوجه رأسا في التحصيل الجبري إلى المدين المتضامن والتنفيذ على المبالغ النقدية في ظرف قياسي لا يتعدى أسبوع بدلا من الحجز التنفيذي العقاري الذي قد يستهلك مساطره شهورا أو سنوات.

[14] -الفصل 99 من ق ل ع “إذا وقع الضرر من أشخاص مشددين عملوا متواطئين، كان كل منهم مسؤولا بالتضامن عن النتائج دون تمييز بين من كان منهم أو شريكا أو فاعلا أصليا..”.

[15] -سعيد أولعربي، م س، ص 73.

[16] -الفصول 93 إلى 99 س م ت د ع.

[17] -سعيد المرتضى، الحماية القانونية لديون الدولة الجبائية بالمغرب، أطروحة لنيل الدكتوراه، في الحقوق، جامعة محمد الخامس، أكدال 2011، ص 166.

[18] -أي أن خواتم الإيرادات وسندات التحصيل قابلة للتنفيذ أيضا في حق ذوي حقوق المدينين وذوي الحقوق الخلف العام أي كل من يخلف الشخص الذي في ذمته المالية أو جزء منها باعتبارها كثلة من المال كالوارث أو الموصى له بذمة مشاعة من التركة.

إن الغامض يتعين عليه أن يتخذ كافة التدابير التي تحفظ للخزينة ديونها على الهالك، فبداية وقبل تقسيم التركة لا تتم المتابعة إلا في مواجهة تركة الهالك، وإن تم تقسيم التركة فإن ذوي الحقوق ملزمون بأداء ديون الهالك في حدود الأموال التي ورثوها وفي حدود نستبهم في الإرث.

[19] -يشترط لمتابعة الشخص صاحب المحل إضافة إلى الشروط العامة المتعلقة باستحقاق الدين العمومي وقانونية المتابعة.

-موافقة الشخص الذي اتخذ المدين موطنه الجبائي لديه.

-أن تتم متابعة المدين أولا دون جدوى.

[20] مسؤولين بالتضامن عند توفر شروط من بينها

وقوع أعمال تدليس مثبت قانونيا تسببت في تعذر تحصيل تلك الضرائب و توابعها

الا يكون هؤلاء الديرون و المتصرفون و المسيرون ملزمون بأداء ديون الشركة تطبيقا لإحكام أخرى

ضرورة إثارة هده المسؤولية بمبادرة من الخازن العام للمملكة الذي يقيم دعوى لهدا الغرض أمام المحكمة الابتدائية ضد هؤلاء المسؤولين أعلاه

[21] -الفصول من 100 إلى 104 من م ت د ع.

[22] -المفصودة بالغير هنا ما دون الملزم بالدين الجمركي من موكل المصرح والكفيل ومأذون الأغيار المتعاقدين المنصوص عليهم في الفصل 93 إلى 99 من المدونة.

[23] -سعيد المرتضى، م س، ص 187.

[24] -تضم هذه الفئة كل من المصنفين القضائيين والموثقين والحراس ومصغى الشركات المنحلة أو الخاضعة للتصفية القضائية وتطلق صفة الغير الحائز في مفهوم مادة التحصيل على كل من يتوفر ولاء سبب من الأسباب القانونية على أموال نقدية تعود أو يمكن أن تؤول إلى الملزم بالدين العمومي يشترط لقيام مفهوم الغير الحائز توفير الشروط التالية :

-توفر المحجوز لديه على سلطة مستقلة من المال المنفذ عليه.

[25] أحدثت مؤسسة الإشعار للغير الحائز بمقتضى أحكام المواد من 100الى 104 من مدونة تحصيل الديون العمومية كإجراء يمكن للمحاسب العمومي سلكه لاستخلاص دين مبنى على سند تنفيذي ولم يتصدى المشرع لتحديد مدلول الإشعار للغير الحائز تاركا الأمر للقضاء و الفقه وقد عرفته دورية الخزينة العامة بأنه مسطرة تسمح بالتعرض بين يدي الغير الحائز على مبالغ تحضي بامتياز وتعود ملكيتها للملزم بالدين العمومي ,

وعرفه بعض الفقه على انه تصرف قانوني وصيغة مسطرية تمكن المحاسب العمومي استنادا إلى طلب بسيط  يجبر الغير الحائز من تسليم المبالغ المودعة لديه آو المدين بها إزاء الملزم ,ودلك ابتغاء استخلاص الديون العالقة بذمة هدا الأخير

فالإشعار للغير الحائز يحول التحصيل الجبري من عملية ثنائية طرفيها الدائن و المدين إلى علاقة قانونية ثلاثية تضم هدين الآخرين  إلى جانب الغير الحائز الذي له مركز القانوني في العملية ويتم إقحامه بإرجاع التنفيذ بين يديه نظرا لحيازته لأموال المدين رغم كونه في حكم الغير عن العلاقة الثنائية السالفة ذكره

https://powderencouraged.com/w3m6c9b5?key=af8b4909c0965493e9682d74bb50a646
https://powderencouraged.com/ksq5rgwdmh?key=b5b47a0d83f8742dcf71d4de8ef00494
https://powderencouraged.com/bkcduddx?key=0252cc21d0f4e0ae5f53245940611301
×
error: Content is protected !!

اكتشاف المزيد من

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading