الجنائية في القانون الجزائري والمصري
نصر الدين العايب [(*)]
لقد حرصت معظم الشرائع المتحضرة على وضع نظام إشكالات التنفيذ في الأحكام الجنائية كوسيلة لا غنى عنها لجسن سير العدالة الجنائية في مرحلة من أهم المراحل وهي مرحلة تنفيذ الأحكام، ولقد اعتمد المشرع الجنائي في كل من الجزائر ومصر نظام الأشكال في تنفيذ الحكم الجنائي من خلال ما تضمنته التشريعات بين البلدين من نصوص تبين الأحكام العامة للأشكال في التنفيذ.
بالنسبة للمشرع الجزائري فقد وزع القواعد الإجرائية المتعلقة بالتنفيذ العقابي بين قانون الإجراءات الجزائية 1 الذي تضمن نصوصاً متفرقة، وكذلك قانون تنظيم السجون 2. وقد استخدم المشرع الجزائري مصطلح إشكالات التنفيذ صراحة في قانون الإجراءات الجزائية في المواد 371 المتعلقة بتنفيذ حكم الإدانة بالمصاريف، والمدة 596 المتعلقة بالنزاع الحاصل بشأن هوية المحكوم عليه، بنصه على أن الفصل في هذه النزاعات والصعوبات يتم وفقاً للقواعد المقررة في مادة إشكالات التنفيذ، وعالج الأحكام المتعلقة بالأشكال في التنفيذ تحت تسمية النزاعات العارضة في المادة 14 من قانون تنظيم السجون.
أما بالنسبة للمشرع المصري فقد تنازل الأحكام والقواعد المتعلقة بالأشكال في التنفيذ في أربع مواد من المادة 524 حتى 527 من قانون الإجراءات الجنائية.
لكن على الرغم من التقنين التشريعي لإشكالات التنفيذ في الأحكام الجزائية سواء في الجزائر أو مصر، إلا أن هذه النصوص جاءت قليلة وقاصرة على إيجاد الحلول لكل المشكلات النظرية والعلمية التي يثيرها هذا الموضوع، مما جعله يعرف جدلاً فقهياً وقضائياً في تحديد مفاهيمه وضبط قواعده.
تهدف هذه الدراسة بشكل أساسي إلى تسليط الضوء على موضوع الاختصاص بنظر دعوى الأشكال في تنفيذ الأحكام الجنائية في القانون الجزائرية، مقارنة بما ذهب إليه المشرع المصري الذي يعتبر من التشريعات السباقة إلى سن أحكام تتعلق بإشكالات تنفيذ الحكم الجنائي.
والإشكالية التي نريد الإجابة عليها هي ما هي الإجراءات المتعلقة برفع دعوى الأشكال وما هي الجهة المختصة بالفصل فيه في كل من التشريع الجزائري والمصري؟
وللإجابة عن هذه الإشكالية قسمنا دراستنا إلى مبحثين على النحو التالي:
المبحث الأول: إجراءات رفع دعوى الأشكال.
المبحث الثاني: الجهة المختصة بنظر دعوى الأشكال.
المبحث الأول: إجراءات رفع دعوى الأشكال:
لابد لدعوى الأشكال من توافر شروط معينة لقبولها ولتكتسب صفة القانونية والشرعية في رفعها، فضلاً عما يترتب من آثار بمجرد قبولها.
المطلب الأول: شروط قبول دعوى الأشكال:
لا تختلف دعوى الأشكال في التنفيذ عن غيرها من الدعاوي، إذ لا بد لها من توافر شروط لقبولها وقد قسم الفقهاء هذه الشروط إلى شروط موضوعية، وأخرى شكلية، وسنتناول كل منها على النحو الآتي:
أولاً: الشروط الموضوعية:
تعتبر دعوى الأشكال في التنفيذ كأي دعوى، فهي تستلزم توافر شرطان هما: الصفة، والمصلحة وسنتناول كل منهما بالشرح على النحو الآتي:
الصفة: لقد حدد المشرع الجزائري الأشخاص الذين يحق لهم رفع الأشكال صراحة في المادة 14 الفقرة الثانية من قانون تنظيم السجون، حيث نص فيها على أنه: “ويرفع هذا الطلب من النائب العام، أو وكيل الجمهورية، أو قاضي تطبيق العقوبات، أو المحكوم عليه أو محاميه”. وسنتناول كل واحد منهم على النحو التالي:
- النيابة العامة: للنائب العام على مستوى المجلس القضائي، إذا كانت الجهة المختصة هي الغرفة الجزائية، أو غرفة الاتهام، أو وكيل الجمهورية، إذا كانت الجهة المختصة هي المحكمة، أن يرفع النزاع العارض من تلقاء نفسه، ودون طلب من المحكوم عليه.
- قاضي تطبيق العقوبات: يمكن رفع الطلب من قاضي تطبيق العقوبات فيما يخص الإشكالات التي تطرأ أثناء تنفيذ العقوبة، بخصوص المسائل التي تعرض عليه من قبل إدارة السجن 3 ومنح قاضي تطبيق العقوبات الحق في رفع الطلب هو من باب الحرص على تدارك ما قد يشوب الأحكام من أخطاء، بما له من الاطلاع واسع على ملفات الاحتباس، واحتكاك بالمحبوسين 4.
- المحكوم عليه: وهذا بديهي باعتبار الإشكال في التنفيذ حق شخصي للمحكوم عليه، يستعمله بحسب ما يبدو له من مصلحة.
- المحامي: للمحامي الصفة في رفع طلب الإشكال في التنفيذ، وهذا ما نصت عليه الفقرة الثانية من المادة أعلاه 5. وبالرجوع إلى المادة 4 الفقرة الأولى من قانون تنظيم مهنة المحاماة 6، نجدها تنص على أن للمحامي أن يقوم بأي طعن، وأن يتنازل أو يعترف بحق من الحقوق، ثم أضافت في الفقرة الخامسة أو يعفي من تقديم أي سند توكيل، وعليه تكون وكالته وكالة قانونية عامة ومعنى ذلك لا يشترط في المحامي توكيل خاص برفع الإشكال.
أما بالنسبة للوضع في التشريع المصري فيرفع الأشكال من المحكوم عليه، عملاً بالمادة 524 من قانون الإجراءات الجنائية. ويتجه الفقه المصري إلى أنه كما يجوز الاستشكال من الأصيل، يجوز أيضاً من الوكيل 7، وليس من الضروري أن يكون الوكيل محامياً، إنما يشترط أن يكون التوكيل مخولا لتقديم الأشكال في التنفيذ، وإلا كان الأشكال غير مقبول، لرفعه من غير صفة، فإذا كانت الوكالة عامة ورفع المحامي الإشكال يكون خارجاً عن حدود الوكالة 8، فقد قضى في ذلك بأن عدم تقديم الحاضر عن المستشكل سنداً لرفع الإشكال إذا ادعى صفة الوكالة عن المحكوم عليه، ومن ثم يكون إشكاله من غير ذي صفة، ويتعين القضاء بعدم قبوله 9.
وثار التساؤل في الفقه المصري هل يجوز للنيابة العامة الاستشكال في تنفيذ الأحكام الجنائية، وقد سكت القانون عن إعطائها هذا الحق؟، والرأي الغالب فقها يذهب إلى أن الشارع لم يخول النيابة العامة حق الإشكال في تنفيذ الحكم وتفسيره وذلك أنه قد عهد إليها بتنفيذ الأحكام الصادرة في الدعوى الجنائية، مما يعني أنه ألزمها بذلك الأمر، الذي لا يتسق مع الاعتراف لها بصفة الإشكال في التنفيذ، بالإضافة إلى ذلك فقد ألزمها الشارع في بعض الحالات، وخولها في حالات أخرى السلطة التقديرية في الإرجاء، مما لا يدع وجها لتخويلها صفة الإشكال في التنفيذ 10، كما أن الشارع خول النيابة العامة عند الاقتضاء، وقبل تقديم النزاع إلى المحاكم، أن توقف تنفيذ الحكم مؤقتاً مما يجعلها في غنى عن الأشكال في تنفيذه 11، كما قيل تأييدا لهذا الرأي أن المشرع لم يمنح النيابة العامة الحق في رفع الإشكال من تلقاء نفسها، وأمام صراحة النص، فالقول بغير ذلك يحمل النص أكثر مما يحتمل، ولو كان المشرع يقصد إعطاء النيابة العامة هذا الحق لنص المشرع على ذلك صراحة 12.
غير أن الصعوبة التي تطرح بصدد الصفة في رفع الإشكال، إذا كان المستشكل ليس هو المحكوم عليه. فلو طبقنا حرفيا نص المادة 14 من قانون تنظيم السجون الجزائري، أو نص المادة 525 من قانون الإجراءات الجنائية المصري، لرفض الإشكال لانعدام الصفة، إلا أن الفقه يتجه إلى أنه يجوز رفع الإشكال من الغير إذا حصل نزاع في شخصية المحكوم عليه، وهو ما نص المشرع الجزائري في المادة 596 من قانون الإجراءات الجزائية، والمشرع المصري في المادة 526 من قانون الإجراءات الجنائية، فيجوز رفع الإشكال من قبله ما دام التنفيذ حقاً من حقوقه بالرغم من أن المشرع لم يقر له صراحة بذلك 13.
وقد قضت محكمة النقض المصرية في هذا الشأن بأن: “الإشكال المرفوع من الغير الذي يطلب فيه وقف تنفيذ الحكم المستشكل فيه، يشترط لقبوله موضوعاً أن يكون الحكم بالاستمرار في التنفيذ يتعارض مع حقوق الغير الذي يتعارض التنفيذ، ولما كان تنفيذ عقوبة الغلق على العين المؤجرة لا يتعارض مع حقوق المؤجر، وكان المطعون ضده لم يقدم إلى محكمة الموضوع ما يفيد أن عقد الإيجار قد انقضى، وأصبحت حيازة العين المحكوم بغلقها خالصة له، بحيث يكون التنفيذ ماس بهذه الحيازة، فإن الحكم المطعون فيه إذا قضى خلاف ذلك يكون قد اخطأ في تطبيق القانون 14.
كما أن النزاع الذي يثور من غير المحكوم عليه حول الأموال المطلوب التنفيذ عليها حسب ما نصت عليه المادة 527 قانون الإجراءات الجنائية المصري هو في الغالب نزاع سببه أن التنفيذ يتم على غير المحكوم عليه وبالتالي يدخل ضمن نطاق الإشكال في تنفيذ الحكم الجنائي، على الرغم من أن المشرع جعل الاختصاص بنظره استثناءاً للمحكمة المدنية، طبقاً لما هو مقرر في قانون المرافعات 15.
ب- المصلحة في الإشكال:
يشترط في كل من يستعمل الدعوى القضائية أن تكون له مصلحة، ويعبر عن هذا أن المصلحة مناط الدعوى، فلا دعوى بغير مصلحة، وكأي دعوى أخرى توجب دعوى الإشكال أن يكون للمستشكل مصلحة جدية من وراء إشكاله، وتوافر أو انعدام المصلحة مسألة تقديرية لمحكمة الموضوع، فهي التي تقدر في ضوء طلبات المستشكل، وفي ضوء الحكم المستشكل فيه، وفي ضوء كافة الوقائع والظروف مدى توافرها من عدمه 16، هذا بالنسبة للأفراد، أما بالنسبة للنيابة العامة، فالمصلحة تكون متوافرة مطلقاً بطريق الفرض الذي لا يقبل إثبات العكس، إذ هي تدافع بها على حقوق الدولة كتنظيم قانوني قبل من اعتدى على هذا التنظيم 17.
ويجب توافر المصلحة وقت رفع الأشكال، ولا أهمية لزوالها أثناء النظر فيه، إذ العبرة في توافر شروط قبول الدعوى هي بوقت رفعها، ولا عبرة بما قد يطرأ بعد ذلك، ولما كان الهدف من الإشكال هو توقي التعسف أو الخطأ في التنفيذ، يشترط لقبوله أن يكون هناك نزاعاً في التنفيذ، بمعنى ألا يكون التنفيذ قد تم بالفعل 18.
ثانياً: الشروط الشكلية:
يتجه الفقه إلى أنه طالما لم ينص المشرع على مواعيد معينة لرفع دعوى الإشكال، لذلك فإنه يمكن تقديم الإشكال في التنفيذ في أي وقت طالما توافرت المصلحة، وهو ما عليه الحال بالنسبة للمشرع الجزائري والمصري حيث لم ينص كل منهما على مواعيد معينة لرفع الإشكال، وعليه فإن الشروط الشكلية لقبول دعوى الإشكال تنحصر في الكيفية التي يتعين أن تقدم بها هذه الدعوى إلى المحكمة 19.
لقد نص المشرع الجزائري على إجراءات رفع الطلبات المتضمنة إشكالات تنفيذ الأحكام الجزائية في المادة 14 من قانون تنظيم السجون، حيث نص في الفقرة الأولى على أنه: “ويرفع هذا الطلب من النائب العام، أو وكيل الجمهورية، أو من قاضي تطبيق العقوبات، أو المحكوم عليه، أو محاميه”، ثم أضاف في الفقرة الثانية أنه: “وفي حالة رفع الطلب من قاضي تطبيق العقوبات، أو المحكوم عليه، يرسل الطلب إلى النائب العام أو وكيل الجمهورية للإطلاع عليه، وتقديم التماساته المكتوبة في غضون 8 أيام”.
وعليه فقد قرر المشرع الجزائري أن يرفع الإشكال عن طريق طلب يقدم إلى الجهة المختصة، غير أنه لم يوضح كيفية تسجيل الطلب، وبالتالي وأمام سكوت النصوص التشريعية فإنه لا مناص من تطبيق المبادئ العامة الواردة في قانون الإجراءات الجزائية، وعليه لابد من التفرقة بين الحالات التالية:
- إذا قدمت النيابة العامة الطلب: فهنا على النيابة تكليف المحكوم عليه بالحضور مباشرة أمام الجهة القضائية المختصة، وفقاً لإجراءات المادة 333، 334 من قانون الإجراءات الجزائية، أما إذا تعلق الأمر بغرفة الاتهام فتتبع القواعد واجبة الإتباع أمام هذه الأخيرة، وهذا بتهيئة ملف القضية خلال 05 أيام، وإعلان الخصوم بتاريخ الجلسة بكتاب موصي عليه طبقاً للمادة 183 من قانون الإجراءات الجزائية، لتقديم مذكراتهم وإيداعها لدى قلم كتابة الغرفة حسب نص المادة 182 الفقرة الثالثة من نفس القانون.
- إذا كان الطلب مقدماً من قاضي تطبيق العقوبات أو المحكوم عليه أو محاميه: هنا يودع الطلب المشتمل على تحديد نوع الإشكال أو النزاع لدى قلم كتابة الجهة المختصة ويحدد له تاريخ الجلسة، وتوجب المادة 14 من قانون تنظيم السجون في هذه الحالة إرسال الطلب إلى النائب العام أو وكيل الجمهورية للإطلاع وتقديم التماساته المكتوبة في غضون 8 أيام.
كما تجدر الملاحظة أنه كما يمكن للمحكوم عليه تقديم الإشكال للجهة المختصة يمكن أيضاً للغير أن يقدم الإشكال بنفسه مباشرة إلى الجهة المختصة، ذلك أن المادة 596 من قانون الإجراءات الجزائية نصت على أن يتبع في طرح النزاع المتعلق بشخصية المحكوم عليه نفس الإجراءات المتعلقة بإشكالات التنفيذ.
أما بالنسبة للمشرع المصري فقد تضمن أحكام مخالفة، فقد بينت المادة 525 من قانون الإجراءات الجنائية كيفية رع الإشكال أمام المحكمة فنصت على أنه: “يقدم النزاع إلى المحكمة بواسطة النيابة العامة على وجه السرعة ويعلن ذوو الشأن بالجلسة التي تحدد لنظره”.
وعليه فالقانون المصري اشترط صراحة أن يقدم النزاع إلى المحكمة بواسطة النيابة العامة، وبالتالي يجب أن يقدم ذوو الشأن الطلب إلى النيابة العامة، التي تتولى تقديمه للمحكمة، وهذا التحديد لإجراءات رفع الإشكال أمر فلا يحل محله إجراء آخر، فلا يقبل الإشكال إذا قدمه المستشكل إلى المحكمة عن طريق قلم كتابتها مباشرة، ولا يقبل إذا رفع لدى المحضر، أو ممثل السلطة العامة أثناء إجراء التنفيذ 20.
كما يلاحظ أن المادة 526 من نفس القانون قد بينت أنه يلزم تقديم النزاع بواسطة النيابة العامة، سواء أكان الإشكال مرفوعاً من المحكوم عليه، أو من غيره، إذا حصل نزاع في شخصية المحكوم عليه، وليس للنيابة العامة سلطة تقديرية في تحويل الإشكال إلى المحكمة من عدمه بل إنه يتعين عليها إحالة الإشكال في جميع الأحوال، حتى لو رأت أن الإشكال غير جدي أو غير مقبول شكلاً 21.
إذا توافرت الشروط سابقة الذكر، ورفع الطلب المتضمن الإشكال في التنفيذ وفقاً للإجراءات المنصوص عليها، فإنه يترتب على مجرد قبوله آثار معينة، وهو ما سنتناوله في المطلب الثاني.
المطلب الثاني: آثار قبول دعوى الإشكال:
يترتب على على مجرد اتصال المحكمة المختصة بالدعوى وقبوله آثر معينة، وقد لخصها الفقه في أثرين هما: توقف سلطة النيابة العامة بخصوص التنفيذ، وحق المحكمة في وقف تنفيذ الحكم 22. وسنتناول كل منهما بالتفصيل على النحو الآتي:
أولا: توقف سلطة النيابة العامة بخصوص التنفيذ:
تعتبر النيابة العامة السلطة المكلفة بتنفيذ الأحكام الجزائية، وهذا ما نصت عليه المادة 10 من قانون تنظيم السجون الجزائري، حيث جاء فيها أنه: “تختص النيابة العامة دون سواها بمتابعة تنفيذ الأحكام الجزائية “، وتقابلها المادة 462 من قانون الإجراءات الجنائي المصري، التي جاء فيها أنه: “على النيابة العامة أن تبادر إلى تنفيذ الأحكام الواجبة التنفيذ الصادرة في الدعوى الجنائية”، غير أن الفقه يجمع على أنه بمجرد دخول النزاع في حوزة المحكمة، تكون هذه الأخيرة هي صاحبة القرار بخصوص التنفيذ من عدمه وبالتالي تتحول النيابة العامة إلى خصم، ولا يكون لها غير تقديم طلبات إلى المحكمة بما تراه، دون أن يكون لها الحق في إصدار قرارات بهذا الخصوص 23.
ثانيا: وقف تنفيذ الحكم مؤقتاً:
إن مجرد رفع الإشكال ليس من شأنه إيقافه تنفيذ الحكم، وهو ما يعتبر عنه بـــ: انتفاء الأثر الموقف لرفع الإشكال، إذ السلطة المخولة للجهة القضائية في ذلك تعني أن التنفيذ يستمر على الرغم من رفع الإشكال، ولها السلطة التقديرية في تقرير الإيقاف، ولها أن تقرره من تلقاء نفسها، وتستهدي الجهة القضائية باعتبارين في استعمال هذه السلطة هما: احتمال إلغاء الحكم المستشكل فيه بناء على الطعن والضرر الذي يصعب جبره إذا استمر التنفيذ، كما أن الأمر بوقف التنفيذ مؤقتاً لا يجوز قوة الشيء المحكوم فيه، ويجوز للجهة القضائية العدول عنه في أي وقت أثناء تناول الإشكال أمامها، كما أنه لا يقيدها عند الفصل في موضوع الإشكال، أي أنه لا يحول بلينها وبين القضاء برفضه والاستمرار في التنفيذ 24.
لقد نص المشرع الجزائري على سلطة الجهة القضائية في إيقاف التنفيذ في المادة 14 الفقرة السادسة من قانون تنظيم السجون، حيث جاء فيها أنه “يجوز للجهة القضائية أن تأمر بوقف الحكم أو باتخاذ كل تدبير تراه لازما ريثما تفصل في النزاع، وذلك ما لم يكن المحكوم عليه محبوساً. أما المشرع المصري فقد نص على ذلك في المادة 525 من قانون الإجراءات الجنائية على أنه: “… ولها في كل الأحوال أن تأمر بوقف التنفيذ حتى يفصل في النزاع”.
وعليه عكس المشرع المصري، فقد اشترط المشرع الجزائري أن لا يكون المحكوم عليه محبوساً حتى تتمكن الجهة المختصة أن تأمر بوقف التنفيذ، فوفقا لهذه الصياغة فإن المشرع قد قصر السلطة في إيقاف التنفيذ على العقوبات السالبة للحرية فقط، رغم أنه هناك أحكام يجب الأمر بوقف تنفيذها كلما استشكل فيه، كالحكم بالإعدام، إذ أن الاستمرار في التنفيذ يسبب أضرار يستحيل تداركها، إذا استمر التنفيذ ثم اتضح أن الحكم غير جائز التنفيذ، كما أن المشرع الجزائري أجاز للجهة القضائية المختصة أن تأمر باتخاذ كل تدبير تراه لازماً، دون أن يحدد ماهية هذه التدابير.
هذه هي أهم الآثار التي تترتب على قبول الإشكال إذا توافرت شروط قبوله، غير أن توافر الشروط وحدها لا يكفي لترتب تلك الآثار، فلا بد من رفع رفع الإشكال إلى الجهة المختصة والمحددة قانوناً، وهذا ما سنتناوله في المبحث الثاني.
المبحث الثاني: الجهة المختصة بنظر دعوى الإشكال:
لا يكفي توافر تلك الشروط لتكون دعوى الإشكال مقبولة، فلا بد من رفعها أمام الجهات القضائية المخولة قانوناً. ولقد وضع كل من المشرع الجزائري والمصري قاعدة عامة في تحديد الاختصاص كما وضع استثناءات عن القاعدة وسوف نقسم دراستنا لهذا المبحث إلى مطلبين نتناول في الأول القاعدة في تحديد الاختصاص، أما المطلب الثاني نتناول الاستثناءات عن القاعدة على النحو التالي:
المطلب الأول: القاعدة في تحديد الاختصاص:
نص المشرع الجزائري في المادة 14 الفقرة الثانية من قانون تنظيم السجون على أن: “ترفع النزاعات العارضة المتعلقة بتنفيذ الأحكام الجزائية بموجب طلب أمام الجهة القضائية التي أصدرت الحكم أو القرار”، وبذلك يكون المشرع الجزائري قد جعل الاختصاص العام بنظر الإشكال في تنفيذ الأحكام للجهة القضائية التي أصدرت الحكم أو القرار في القضايا الجزائية كمبدأ عام. وعلة هذا المبدأ أن المحكمة التي أصدرت الحكم هي الأقدر على فهمه وتفسيره، ومن ثم هي الأقدر على الفصل في الإشكال في تنفيذه.
وتطبيقاً للقاعدة، فإن الجهة المختصة بالفصل في إشكالات التنفيذ بخصوص الأحكام الجزائية عامة هي الجهة القضائية التي أصدرت الحكم من نفس الدرجة، بغض النظر عن القاضي الذي أصدره، غير أنه يجوز تطبيق قاعدة من يملك الكل يملك الجزء، ومن ثمة جاز لمحكمة الجنح النظر في إشكالات التنفيذ المتعلقة بالمخالفات 25.
أما بالنسبة للمشرع المصري، فقد كانت المادة 524 الفقرة الأولى من قانون الإجراءات الجنائية قبل تعديله بالقانون رقم 170 لسنة 1981 تنص على أن: “كل إشكال من المحكوم عليه في التنفيذ يرفع إلى المحكمة التي أصدرت الحكم …” وعليه يلاحظ أن المشرع المصري قد وضع مبدأ عاماً في هذه المادة، هو مبدأ اختصاص المحكمة التي أصدرت الحكم بنظر الإشكال في التنفيذ 26.
غير أنه بصدور القانون 170 لسنة 1981 أدخل المشرع المصري تعديلاً على المادة 524 من قانون الإجراءات الجنائية حيث أصبحت تنص على أن: كل إشكال من المحكوم عليه في التنفيذ يرفع إلى محكمة الجنايات إذا كان الحكم صادراً منها، وإلى محكمة الجنح المستأنفة فيما عدا ذلك، وينعقد الاختصاص في الحالتين للمحكمة التي تختص محلياً بنظر الدعوى المستشكل في تنفيذ الحكم الصادر فيها”، وبذلك يكون المشرع المصري قد جعل الاختصاص العام بنظر الإشكال في تنفيذ الحكم الجنائي لمحكمة الجنح المستأنفة، إذ تختص هذه الأخيرة بنظر الإشكال في تنفيذ أي حكم لم يجعل المشرع الاختصاص بنظرة لمحكمة أخرى.
ويلاحظ أن التعديل الذي أدخل على نص المادة 524 من قانون الإجراءات الجنائية، أغفل المبدأ العام، وهو اختصاص المحكمة التي أصدرت الحكم بنظر الإشكال في التنفيذ 27. وقد تعرض هذا التعديل من المشرع المصري للنقد، ذلك أن جعل محكمة الجنح المستأنفة مختصة بنظر الإشكال في حكم لم يصدر منها، هو محل نظر من حيث السياسة التشريعية، فهو يؤدي إلى حرمان المستشكل في كل الحالات من الطعن بالاستئناف في الحكم الصادر في الإشكال 28.
كما أن قواعد الاختصاص السابقة تطبق أيضاً سواء كان الإشكال مرفوعاً من المحكوم عليه، أو من الغير. وتطبق سواء تعلق الإشكال بتنفيذ العقوبات بالمعنى الحقيقي أو تعلق بتنفيذ الإكراه البدني 29، وقد نص المشرع الجزائري على ذلك صراحة في المادة 371 من قانون الإجراءات الجزائية، حيث جاء فيها أنه: “تصفي المصاريف، والرسوم بالحكم، ويجوز لكل ذي مصلحة في حالة وجود قرار بتطبيق المواد 367 وما يليها أو وجود صعوبات في تنفيذ حكم الإدانة بالمصاريف والرسوم، أن يرفع الأمر إلى الجهة القضائية التي أصدرت الحكم في الموضوع، وذلك وفقاً للقواعد المقررة في مادة إشكالات التنفيذ لكي تستكمل حكمها في هذه النقطة”.
وقد جاء في إحدى قرارات المحكمة العليا أنه: “إذا كان يتعين على كل جهة قضائية جزائية أن تحدد مدة الإكراه البدني فإن إغفال الفصل فيه لا يؤثر على سلامة القرار، إذ يمكن بمقتضى المادة 371 من قانون الإجراءات الجزائية لكل ذي مصلحة في حالة عدم تحديد مدة الإكراه البدني أن يرفع الأمر إلى الجهة القضائية التي أصدرت الحكم في الموضوع لتستكمل حكمها في هذه النقطة 30.
المطلب الثاني: الاستثناءات الواردة على القاعدة في تحديد الاختصاص:
لقد وضع كل من المشرع الجزائري، والمصري استثناءات عن القاعدة السابقة في تحديد الاختصاص، حيث جعل المشرع الجزائري الاختصاص لجهة أخرى غير الجهة التي أصدرت الحكم أو القرار كما تقضي القاعدة، أما المشرع المصري فقد جعل الاختصاص لغير محكمة الجنح المستأنفة باعتبارها صاحبة الاختصاص العام كما تقتضي القاعدة بعد التعديل، وأهم هذه الاستثناءات التي وردت في التشريع الجزائري والمصري هي:
أولاً: الإشكال في تنفيذ الأحكام الصادرة عن محكمة الجنايات:
نص المشرع الجزائري في المادة 14 الفقرة الرابعة من قانون تنظيم السجون على أنه: “تختص غرفة الاتهام بتصحيح الأخطاء المادية والفصل في الطلبات العارضة المتعلقة بتنفيذ الأحكام الصادرة عن محكمة الجنايات”. وعليه فقد استثنى المشرع الجزائري من القاعدة العامة التي تجعل الاختصاص للجهة القضائية التي تصدر الحكم أو القرار، الأحكام التي تصدر من المحاكم الجنائية، إذ يؤول الفصل في النزاعات العارضة المتعلقة بها إلى غرفة الاتهام 31، وذلك نظراً لكون محكمة الجنايات ليست في انعقاد مستمر وليس من المستطاع إعادة انعقادها بعد انتهاء الدورة الجنائية 32. وقد جاء في إحدى قرارات المحكمة العليا أنه: “وحيث أنه اختصاص غرفة الاتهام للفصل في النزاعات العارضة المتعلقة بتنفيذ الأحكام الصادرة عن محكمة الجنايات يعد استثناء للقاعدة التي تمنح هذا الاختصاص للجهة القضائية التي أصدرت الحكم في القضايا الجزائية 33.
أما بالنسبة للمشرع المصري فقد كانت المادة 524 الفقرة الثانية من قانون الإجراءات الجنائية قبل تعديله بالقانون رقم 170 لسنة 1981 تنص على أنه: “ومع ذلك إذا كان النزاع خاصاً بتنفيذ حكم صادر من محكمة الجنايات يرفع إلى محكمة الجنح المستأنفة، منعقدة في غرفة مشورة، بالمحكمة الابتدائية”، وبذلك يكون المشرع المصري قد أورد استثناءا على القاعدة قبل التعديل، والتي كانت تقضي باختصاص المحكمة التي أصدرت الحكم، وهو اختصاص محكمة الجنح المستأنفة منعقدة في غرفة مشورة، بالمحكمة الابتدائية بنظر الإشكال في تنفيذ الحكم الصادر من محكمة الجنايات.
أما بعد التعديل فقد أصبحت المادة 524 من قانون الإجراءات الجنائية تنص على أن: “كل إشكال من المحكوم عليه في التنفيذ يرفع إلى محكمة الجنايات إذا كان الحكم صادرا منها”، وبالتالي تكون محكمة الجنايات هي المحكمة ذات الاختصاص الاستثنائي في هذا المجال.
وقد انتقد هذا التعديل الذي أورده المشرع المصري، وذلك لأنه يصطدم بمشكلة معروفة، وهي أن محكمة الجنايات ليس لها وجود متصل ومستمر، وإنما تنعقد في أدوار، وبالتالي لم يضع المشرع حلا فيما إذا ثار الإشكال بين أدوار الانعقاد، وهو ما يتعارض ورغبة المشرع المصري في نظر الإشكال على وجه السرعة إذا قرر في المادة 525 من قانون الإجراءات الجنائية أن: ” يقدم النزاع إلى المحكمة بواسطة النيابة العامة على وجه السرعة”، وهو الأمر الذي قد لا يتحقق في هذه الحالة 34.
وعليه فإن المشرع الجزائري بإسناده الاختصاص لغرفة الاتهام، قد تجنب النقد الموجه إلى النص المصري، وأوجد حلا للصعوبة التي تثور عند حدوث الإشكال في غير أدوار انعقاد محكمة الجنايات.
ثانيا: الاختصاص ببعض حالات النزاع حول شخصية المحكوم عليه:
يدخل النزاع في شخصية المحكوم عليه ضمن الإشكال في التنفيذ في القانون الجزائري، وقد نص المشرع الجزائري على ذلك في المادة 596 الفقرة الأولى من قانون الإجراءات الجزائية، حيث جاء فيها: “إذا حدث بعد هروب متابع تم إمساكه أو حصل في أية حالة أخرى أن كانت هوية المحكوم عليه محل نزاع يفصل في هذا النزاع وفق القواعد المقررة في مادة إشكالات التنفيذ غير أن الجلسة تكون علنية”، ثم أضاف في الفقرة الثانية من نفس المادة أنه: “فإذا ثار النزاع في ذلك أثناء سير وبمناسبة متابعة جديدة قام بحسمه المجلس القضائي أو المحكمة المطروحة أمامها المتابعة”.
وعليه يمكن القول أن المشرع خرج عن القاعدة في تحديد الاختصاص، التي تقضي باختصاص الجهة القضائية التي أصدرت الحكم أو القرار، وذلك في المادة 596 من قانون الإجراءات الجزائية، حيث جعل الاختصاص بإشكالات التنفيذ المتعلقة بالنزاع حول شخصية المحكوم عليه إذا ثارت أثناء سير وبمناسبة متابعة جديدة للمجلس القضائي أو المحكمة المطروح أمامها المتابعة.
أما المشرع المصري فقد نص في المادة 526 قانون الإجراءات الجنائية، على أنه: “إذا حصل نزاع في شخصية المحكوم عليه، يفضل في ذلك النزاع بالكيفية والأوضاع المقررة في المادتين السابقتين”، وعليه فلم يخرج عن القاعدة في مثل هذه الحالة كما هو الشأن في القانون الجزائري.
ثالثًا: اختصاص المحكمة المدنية بالإشكال في تنفيذ الأحكام المالية إذا ثار نزاع من غير المتهم بخصوص الأموال المطلوب التنفيذ عليها في التشريع المصري
نص المشرع المصري في المادة 527 من قانون الإجراءات الجنائية على أنه” “في حالة تنفيذ الأحكام المالية على أموال المحكوم عليه، إذا قام نزاع من غير المتهم بشأن الأموال المطلوب التنفيذ عليها، يرفع الأمر إلى المحكمة المدنية، طبقاً لما هو مقرر في قانون المرافعات”. وبهذا النص استثنى المشرع المصري بعض الأحكام الجنائية من القاعدة العامة السابقة، وجعل الإشكال في تنفيذها من اختصاص المحكمة المدنية طبقاً لما هو مقرر في قانون المرافعات.
ولقد راع المشرع في ذلك أن النزاع الذي يثور في مثل هذه الحالات يكون نزاعاً مدنياً يتعلق في الغالب بملكية صاحب المال ومدى جواز التنفيذ على هذا المال، والمحكمة المدنية أقدر من غيرها على نظر هذه المسائل 35، غير أن المحكمة المدنية تختص على سبيل الاستثناء بنظر الإشكال في تنفيذ الحكم الجنائي، وذلك بشروط هي:
1 – أن يكون الإشكال مرفوعاً من غير المتهم:
وهذا الشرط واضح من نص المادة 527 من قانون الإجراءات الجنائية التي تشترط لاختصاص للمحكمة المدنية في هذا المقام أن تكون المنازعة مرفوعة من غير المتهم، بشأن الأموال المطلوب التنفيذ عليها 36.
2 – أن يكون الحكم مالياً:
ويقصد بالأحكام المالية حسب ما استقر عليه قضاء محكمة النقض المصرية، وفق مفهوم نص المادة 527 من قانون الإجراءات الجنائية هي: “الحكام الصادرة بالغرامة، أو ما يجب رده، أو التعويضات والمصاريف ومما يراد تحصيله عن طريق التنفيذ على أموال المحكوم عليه، وهو التنفيذ الذي ينتهي إلى بيع الأموال المنفذ عليها للحصول منها على قيمة الأموال المحكوم بها” 37، وتحديد مضمون الحكم المالي على النحو السابق يرى الفقه في مصر أنه يعني أمرين هما:
3 – أن يكون الإشكال منصباً على الأموال المطلوب التنفيذ عليها:
اشترطت المادة 527 من قانون الإجراءات الجنائية لاختصاص المحكمة المدنية بالإشكال المرفوع من غير المتهم في تنفيذ الأحكام المالية، أن يقوم النزاع بشأن الأموال المطلوب التنفيذ عليها، فلا يكفي لاختصاص القضاء المدني أن يكون المستشكل هو غير المتهم، بل يجب أن يكون سبب الإشكال متعلق بالأموال المطلوب التنفيذ عليها، كأن يدعي الغير ملكية هذه الأموال مثلاً، أن يكون في التنفيذ عليها إضرار بحقوقه المتعلقة بها، أما إذا كان الإشكال يتعلق بالحكم نفسه، من حيث مضمونه، أو من حيث قابليته للتنفيذ فإنه يرفع إلى المحكمة الجنائية 38.
بالنسبة للوضع في التشريع الجزائري لم ينص على حكم مماثل رغم إمكانية حدوث ذلك، فبالرجوع إلى المادة 597 الفقرة الثانية من قانون الإجراءات الجزائية نجدها تنص على أنه: “ويعتبر مستخرج الحكم بالغرامة سنداً يسوغ بمقتضاه متابعة استخلاص الأداة بكافة الطرق القانونية…”، وعبارة كافة الطرق القانونية عبارة شاملة يدخل ضمنها طرق التنفيذ المدنية الجبرية 39، ذلك أن الغرامة من يوم الحكم بها تعتبر دينا في ذمة المحكوم عليه اتجاه الخزينة.
رابعاً: الاختصاص بالإشكال في التنفيذ بالأحكام الصادرة عن محكمة الإحداث في التشريع المصري:
تنص المادة 134 من قانون الطفل رقم 12 لسنة 1996 المصري على أن: يختص رئيس محكمة الأحداث التي يجري التنفيذ في دائرتها دون غيره بالفصل في جميع المنازعات، وإصدار القرارات والأوامر المتعلقة بتنفيذ الأحكام الصادرة على أن يتقيد الفصل في الإشكال في التنفيذ بالقواعد المنصوص عليها في قانون الإجراءات الجنائية”.
وفقاً للقاعدة العامة في تحديد الاختصاص بنظر الإشكال في التنفيذ تختص محكمة الجنح المستأنفة بنظر الإشكال في التنفيذ الصادرة من محكمة الأحداث، على أساس أن محكمة الجنح المستأنفة هي صاحبة الاختصاص العام، لكن المشرع خرج صراحة على هذا الأصل العام إذا كان الحكم صادراً عن محكمة الأحداث على حدث، حيث قرر في هذه الحالة اختصاص رئيس محكمة الأحداث التي يجري التنفيذ في دائرتها، حتى ولو لم تكن أصدرت الحكم المستشكل في تنفيذه 40، كما أن لرئيس محكمة الأحداث التي يجري التنفيذ في دائرتها اختصاصاً شاملاً لكافة الأحكام الصادرة على الحدث، سواء كانت صادرة من محكمة الأحداث أو من الدائرة الاستئنافية وسواء أكانت صادرة في جناية أو جنحة 41.
بالنسبة للتشريع الجزائري لا يوجد نص يحدد الجهة المختصة بإشكالات التنفيذ عن الأحكام الصادرة ضد الأحداث صراحة، وعليه لابد من الرجوع إلى القاعدة العامة في تحديد الاختصاص فلا استثناء إلا بنص صريح، وهذا ما يعاب على المشرع الجزائري حيث كان من الأفضل أن يستثنى إشكالات تنفيذ الأحكام الجزائية المتعلقة بالأحداث من القاعدة العامة مثلما فعل المشرع المصري، وإفرادها بأحكام خاصة تتماشى مع خصوصية قضاء الأحداث.
الخاتمة:
يمكن القول أن دعوى الإشكال كغيرها من الدعاوي، لابد لها من توافر شروط موضوعية وأخرى شكلية وقد رأينا كيف أن المشرع الجزائري وسع من دائرة الأشخاص الذين يحق لهم رفع الإشكال في التنفيذ وذلك بمنحه هذا الحق لكل من المحكوم عليه، أو محاميه، أو قاضي تطبيق العقوبات أو النيابة العامة فيما قد يلتبس عليها أثناء تطبيق الأحكام، أما المشرع المصري فقد قصر هذا الحق للمحكوم عليه فقط. غير أنه يؤخذ على كل من المشرع الجزائري والمصري أنه لم يشيران إلى الإشكال المقدم من الغير، رغم إمكانية حدوث ذلك، خاصة إذا تعلق النزاع بشخصية المحكوم عليه.
كما أن المشرع الجزائري منح لكل الأطراف التي يحق لها رفع الإشكال في التنفيذ، تقديم الطلب مباشرة إلى الجهة القضائية المختصة، عكس المشرع المصري الذي استلزم تقديم الإشكال من المحكوم عليه إلى النيابة العامة التي تقوم بتقديمه إلى الجهة القضائية المختصة.
وقد لاحظنا أن كل من المشرع الجزائري والمصري وضع قاعدة عامة لتحديد الجهة القضائية المختصة، ثم وضع استثناء لتلك القاعدة وقد أصاب المشرع الجزائري بإسناده الاختصاص بنظر الإشكال إلى الجهة القضائية التي أصدرت الحكم أو القرار، أو لغرفة الاتهام، إذا تعلق الأمر بالأحكام الصادرة عن محكمة الجنايات، حيث أنه بذلك تجنب النقد الذي تلقاه المشرع المصري الذي منح الاختصاص بنظر الإشكال لكل من محكمة الجنح المستأنفة كقاعدة عامة، أو لمحكمة الجنايات إذا كان الحكم صادراً منها، غير أنه يؤخذ على المشرع الجزائري أنه لم يشر إلى الاختصاص بإشكالات تنفيذ الأحكام المتعلقة بالأحداث وكذلك الاختصاص بنظر بالإشكال في تنفيذ الأحكام المالية مثلما هو الشأن في التشريع المصري.
الهوامش:
1 – الأمر رقم 66 – 155 المؤرخ في 8 يونيو 1966، المتضمن قانون الإجراءات الجزائية، المعدل والمتمم.
2 – الأمر رقم 05 – 04 المؤرخ في 7 فبراير 2005 المتضمن قانون تنظيم السجون وإعادة الإدماج الاجتماعي للمحبوسين.
3 – على جروه، الموسوعة في الإجراءات الجزائية، الجزء الثالث في المحاكمة، دون دار نشر، ص716 .
4 – الطاهر بريك، فلسفة النظام العقابي في الجزائر وحقوق السجين، دار الهدى، الجزائر، 2009، ص34 .
5 – قبل تعديل الأمر 72 – 02 المتضمن قانون تنظيم السجون وإعادة تربية المساجين بالقانون رقم 05 – 04 المتضمن قانون تنظيم السجون، لم يكن ينص على المحامي في الأطراف التي يحق لها رفع طلب الإشكال، فقد كانت المادة 9 ف 2 من الأمر 72 -02 الملغي تنص على أنه: “ويمكن أن يرفع الطلب لهذه الجهة القضائية من طرف، القاضي المكلف بتطبيق الأحكام الجزائية، أو من المحكوم عليه”.
6 – قانون رقم 91 – 04 مؤرخ في 8 يناير سنة 1991 يتضمن قانون تنظيم مهنة المحاماة.
7 – يستوي في من الوكيل أن تكون وكالته اتفاقية أو قانونية، ومن أمثلة الوكالة القانونية ما نصت عليه المادة 130 من قانون الطفل من أن: كل إجراء مما يوجب القانون إعلانه إلى الطفل وكل حكم يصدر في شأنه يبلغ إلى أحد والديه، أو من له الولاية عليه، أو إلى المسئول عنه، ولكل من هؤلاء أن يباشر لمصلحة الطفل طرق الطعن المقررة في القانون، انظر في ذلك إبراهيم حامد الطنطاوي، إشكالات التنفيذ في المواد الجنائية، دار النهضة العربية، 2002، ص 130.
8 – أحمد عبد الظاهر الطيب، إشكالات التنفيذ في المواد الجنائية، الطبعة الرابعة، دار الكتب القانونية 2005، ص 269 .
9 – حكم محكمة جنايات القاهرة، جلسة 15 أكتوبر 1975، من القضية رقم 433 لسنة 83، جنايات عين شمس كلي، أشار إليه أحمد عبد الظاهر الطيب المرجع السابق، ص 270.
10 – مصطفى مجدي هرجه، المشكلات العملية في إشكالات التنفيذ الجنائية، الطبعة الثالثة، دار محمود للنشر والتوزيع، 1995. ص10 .
11 – نصت على ذلك المادة 525 الفقرة الثانية من قانون الإجراءات الجنائية المصري، حيث جاء فيها: “وللنيابة العامة عند الاقتضاء وقبل تقديم النزاع إلى المحكمة أن توقف تنفيذ الحكم مؤقتاً”.
12 – محمد جمعة عبد القادر، الطعن في الأحكام الجنائية والعسكرية والتظلم من قرارات القبض والاعتقال وإشكالات التنفيذ، الشركة المتحدة للطباعة والتوزيع ص287 .
13 – محمد جمعة عبد القادر، المرجع نفسه، ص 287 .
14 – نقض في الطعن 788 لسنة 48 ق جلسة 10/03/1975 السنة 30، عن إبراهيم سيد أحمد إشكالات التنفيذ في الأحكام الجنائية فقها وقضاء، دار الكتب القانونية، 2005، ص 57.
15 – محمود كبيش الإشكالات في تنفيذ الأحكام الجنائية، الطبعة الأولى، دار الفكر العربي، القاهرة، 1990، ص79 .
16 – فرج علواني هليل، علواني في التعليق على قانون الإجراءات الجنائية، الجزء الثاني، دار المطبوعات الجامعية، ص 2566 .
17 – إيهاب عبد المطلب إشكالات التنفيذ وطلب إعادة النظر في ضوء الفقه والقضاء، الطبعة الأولى المرصد القومي للإصدارات القانونية، 2009، ص 104- 105.
18 – أحمد عبد الظاهر الطيب، المرجع السابق، ص 271 .
19 – محمود كبيش، المرجع السابق، ص 137 .
20 – محمود كبيش، المرجع السابق، ص 138 .
21 – مصطفى مجدي هرجة، إشكالات التنفيذ المدنية والجنائية في ضوء الفقه والقضاء، دار محمود للنشر والتوزيع، ص 38.
22 – علواني فرج هليل، المرجع السابق ص 2557.
23 – محمود كبيش، المرجع السابق، ص141 .
24 – مصطفى مجدي هرجة، إشكالات التنفيذ المدنية والجنائية، المرجع السابق، ص 45.
25 – علي جروه، المرجع السابق، ص 717 .
26 – محمود كبيش، المرجع السابق، ص 94.
27 – بعض التشريعات التي تأخذ بنظام قاضي التنفيذ فإن قاضي التنفيذ هو الذي يختص بإشكالات التنفيذ، وهذا ما اتجه مشروع قانون الإجراءات الجنائية المصري إلى الأخذ به، حيث نصت المادة 390 منه على أن يختص قاضي التنفيذ دون غيره في جميع المنازعات المتعلقة بالتنفيذ والتدابير وإصلاح جميع الأحكام والقرارات والأوامر وبالإفراج تحت شرط وإلغائه، وبالفصل في إشكالات التنفيذ وطلبات رد الاعتبار. انظر في ذلك إيهاب عبد المطلب، المرجع السابق، ص 17 – 18.
28 – راجع هذه الانتقادات وغيرها، إبراهيم حامد الطنطاوي، المرجع السابق، ص 91 – 96.
29 – محمود كبيش، المرجع السابق، ص 96 .
30 – قرار بتاريخ 12/01/1988، المجلة القضائية للمحكمة العليا، العدد 4، 1990، ص 288.
31 – تنص المادة 176 من قانون الإجراءات الجزائية الجزائري على أن تشكل في كل مجلس قضائي غرفة اتهام واحدة على الأقل ويعين رئيسه ومستشارها لمدة ثلاث سنوات بقرار من وزير العدل، ويناط بها عدة مهام بصفتها درجة ثانية للتحقيق، منها نظر القضايا الجنائية التي لا يمكن لمحكمة الجنايات الفصل فيها، قبل أن تصدر غرفة الاتهام رأيها فيها كما تتولى الرقابة على إجراءات التحقيق وتصحيح ما قد يعتريها من عيوب، وكذلك تمديد الحبس المؤقت، وتختص كذلك بمراقبة أعمال الشرطة القضائية كما تفصل في طلبات رد الاعتبار القضائي، وتنظر في تنازع الاختصاص بين القضاة.
32 – حكيمة بوركبة، النزاعات المتعلقة بتنفيذ الأحكام الجزائية، الاجتهاد القضائي للغرفة الجنائية، عدد خاص، المحكمة العليا قسم الوثائق، 2003، ص 155 .
33 – قرار بتاريخ 27/06/2000، ملف رقم 251843، المجلة القضائية للمحكمة العليا، العدد 1، 2001، ص 327.
34 – محمود كبيش، المرجع السابق، ص 93 .
35 – محمود كبيش، المرجع السابق، ص 114 .
36 – محمود سامي قرني، المرجع السابق، ص 41 .
37 – نقض مدني 14/06/1956، مجموعة أحكام النقض، س 7، ص718.
38 – أحمد عبد الظاهر الطيب، المرجع السابق، ص 154 .
39 – جاء في المادة 10 ف2 من ق ت س ج أنه: “غير أنه تقوم مصالح الضرائب أو إدارة الأملاك الوطنية بناء على طلب النائب العام أو وكيل الجمهورية بتحصيل الغرامات ومصادرة الأموال وملاحقة المحكوم عليهم بها”.
40 – فرج علواني هليل، المرجع السابق، ص 2561 .
41 – يذهب رأي في الفقه المصري إلى أنه كان ينبغي على المشرع التفرقة بين ما إذا كان الحكم صادراً على الحدث بعقوبة أم كان صادرا بتدبير احترازي، ففي الحالة الأولى يكون الاختصاص بنظر الإشكال في الحكم طبقاً للقواعد العامة، أما في الحالة الثانية فيكون لرئيس محكمة الأحداث باعتبار أنه يحق له تعديل التدبير وفق حالة الحدث أثناء التنفيذ. أحمد عبد الظاهر الطيب، المرجع السابق، ص 175، وإبراهيم حامد الطنطاوي، المرجع السابق، ص 109.
[(*)] باحث دكتوراه -جامعة باجي مختار- عنابة- الجزائر.


