رشيد جمالي: متصرف بوزارة الداخلية

حاصل على ماستر في الاستشارة القانونية بكلية الحقوق بسلا

مقدمة:

يراد بالجنسية كمقابل للفظ ((Nationalite)) تلك الرابطة القانونية التي تربط الفرد بدولة ما([1]), وهي تمس بتكوين الدولة ذاتها لأنها تعين شروط التمتع بصفة مواطن مع العلم بأن المواطنين يؤلفون العنصر الشخصي في تكوين الدولة.

وينتج عن صفة المواطن هاته آثار عديدة سواء على المستوى الدولي أو الداخلي, ففي الميدان الدولي لا يتمتع بالحماية الدبلوماسية لدولة ما إلا الأشخاص الذين يحملون جنسيتها, كما أنهم وحدهم يتمتعون بالمزايا التي تترتب على المعاهدات التي تبرمها تلك الدولة لفائدة مواطنيها مع دول أخرى… أما في الميدان الداخلي فيقتصر على المواطنين الحق في مباشرة الحقوق السياسية كحق الانتخاب وتولي الوظائف العامة وتعاطي بعض المهن والتمتع ببعض الحقوق الخاصة كامتلاك الأراضي بصرف النظر عما يلحق هذه القيود من تسهيلات بمقتضى معاهدات ثنائية.

ولم يعرف المغرب الجنسية كمفهوم قانوني إلا بتاريخ 20 غشت 1863, تاريخ إبرام اتفاقية مدريد بطنجة بين ممثلي الدول الأجنبية ونائب السلطان بشأن حق الحماية, وبمقتضاها أصبح يعتبر مغربيا ويعامل كالمغاربة كل مسلم أو يهودي مستقر في المغرب ولا ينتسب إلى دولة أبرمت مع المغرب اتفاقية تقتضي ببقاء رعاياها المسلمين أو اليهود المقيمين في المغرب محتفظين بجنسيتهم.

أما في عهد الحماية فلم يصدر أي تشريع بشأن الجنسية المغربية, ولعل ذلك كان راجعا لعدة أسباب من بينها مبدأ الخضوع الدائم للسلطان وتقسيم المغرب إلى عدة مناطق مستقلة تشريعيا بعضها عن بعض, فصدور تشريع بشأن الجنسية المغربية في الجنوب دون أن يكون مطبقا في الشمال معناه القضاء على وحدة الجنسية, لذلك وعلى إثر إعلان الاستقلال كانت مسألة تنظيم الجنسية المغربية بمقتضى نص قانوني من المسائل التي أولتها الحكومة المغربية عنايتها وفعلا صدر هذا القانون في شكل ظهير بتاريخ 6 شتنبر 1958 الذي عمر قرابة نصف قرن دون أن يمسه أي تعديل إلى حين 23 مارس 2007 تاريخ صدور القانون رقم 62.06 الذي أقر قواعد هامة لعل أبرزها على الإطلاق اعتبار الولد مغربيا إذا كان مولودا من أب مغربي أو أم مغربية, بمعنى أنه ربط منح الجنسية المغربية بالبنوة أيضا بعدما كانت مقتصرة على النسب فقط.

ويضطلع جهاز النيابة العامة بأدوار هامة في القضايا المتعلقة بالجنسية, إن على المستوى الإداري أو القضائي, وسواء تعلق الأمر باكتساب الجنسية المغربية أو الخروج منها, وهي بذلك تمارس مهامها في إطار ما رسمه القانون تحت سلطة وزير العدل ابتغاء الدفاع عن الحق والمشروعية, ويحكمها في ذلك ما سطره قانون الجنسية وقانون المسطرة المدنية وقرارات وزير العدل وبعض المناشير والدوريات التنظيمية الصادرة بهذا الشأن.

ولإبراز هذه الأدوار وأهميتها, سنساير في تقسيم هذا العرض التنوع الذي تعرفه هذه الأدوار نفسها, بحيث سنتعرض لدور النيابة لعامة في الإجراءات الإدارية المتعلقة بالجنسية إضافة إلى دورها الولائي في منح شهادة الجنسية, لنعكف بعد ذلك على ملامسة دورها في الدعاوى القضائية الناشئة عن النزاعات المتعلقة بالجنسية, وعليه سيكون تصميم العرض على الشكل التالي:

المبحث الأول: الدور الإداري والولائي للنيابة العامة في قضايا الجنسية

المبحث الثاني: الدور ال قضائي للنيابة العامة في قضايا الجنسية

المبحث الأول: الدور الإداري والولائي للنيابة العامة في قضايا الجنسية:

إن الدولة المغربية لا تفرض جنسيتها فرضا, بل لابد للمعني بالأمر أن يعبر عن رغبته في ذلك الاكتساب إما بواسطة تصريح أو طلب, إلى جانب بعض الوثائق التي تدعم الملف, وتختص النيابة العامة بتلقي هذه الملفات وتهييئها وإجراء الأبحاث اللازمة لذلك دون أن تقرر بشأنها, كما يدخل ضمن مهامها تسليم شهادات الجنسية بعد التأكد من حاملها من أنه فعلا يتمتع بالجنسية المغربية, ولها في ذلك الاستعانة بجميع وسائل الإثبات الممكنة, وهو اختصاص ولائي على اعتبار أن المشرع خص النيابة العامة وحدها بذلك حصرا, دون غيرها من السلطات القضائية أو الإدارية كما سنرى في حينه.

المطلب الأول: الدور الإداري للنيابة العامة في قضايا الجنسية:

يبرز هذا الدور من خلال تخويل النيابة العامة لدى محكمة الاستئناف حق تلقي التصريحات والطلبات الرامية إلى اكتساب الجنسية المغربية مع تهييئ الملف, وكذلك من خلال صلاحيتها في منح شهادة إثبات المستوى في اللغة العربية لطالبي التجنيس, وهي أدوار كما سنرى منحت للنيابة العامة بموجب تشريعات استثنائية تتمثل في قرارات أو مناشير صادرة عن وزارة العدل.

الفقرة الأولى: تلقي تصريحات وطلبات اكتساب الجنسية أو التخلي عنها:

إن الطلبات والتصريحات المقدمة لاكتساب الجنسية المغربية أو لفقدانها أو التنازل عنها وكذا استرجاعها ترفع في الأصل إلى مصلحة الجنسية التابعة لوزارة العدل مرفوقة بجملة من الشهادات وعدد من الوثائق والمستندات التي من شأنها أن تثبت توافر الشروط القانونية لاكتساب الجنسية المغربية أو التخلي عنها وأيضا التي من شأنها أن تسمح بالبت فيما إذا كان في منح الجنسية مبرر من الوجهة الوطنية([2]).

ويختلف التصريح عن الطلب([3]) من حيث أن الأول يعبر عن رغبة الشخص في استعمال حق خوله له القانون, في حالة توفر بعض الشروط, فهو إجراء منتج بحد ذاته للآثار القانونية وإن كان المشرع المغربي قد قيده بحق وزير العدل في التعرض, كما أن سكوته بعدم إفصاحه عن هذا التعرض داخل الأجل الذي عينه القانون يعتبر بمثابة موافقة على التصريح.

أما الطلب, فلا ينتج بحد ذاته أي حق, بل لابد أن يتبعه مقرر إداري يعتبر هو المنشئ للحق المطلوب, كما أن سكوت الإدارة يعتبر في هذه الحالة رفضا, وعليه فإن نقطة الانطلاق لاكتساب الجنسية المغربية وللخروج منها هي غالبا إما تصريح وإما طلب.

والتصريحات على نوعين:

  • نوع يرمي إلى التعبير عن الرغبة في اكتساب الجنسية المغربية وذلك في الحالات المنصوص عليها في الفصلين التاسع([4]) والعاشر([5]).
  • نوع يرمي إلى التخلي عن الجنسية المغربية وذلك في الحالة المنصوص عليها في البند الرابع من الفصل 19 والفقرة 3 من الفصل 18([6]).

أما الطلبات فهي كالتصريحات على نوعين كذلك:

  • نوع يرمي إلى اكتساب الجنسية المغربية وهو يشمل طلب التجنيس (الفصل 11) وطلب استرجاع الجنسية المغربية (الفصل 15).
  • ونوع يرمي إلى التخلي عن الجنسية المغربية وهو يشمل الحالات المنصوص عليها في البند الأول والثاني والثالث من الفصل19.

وتقديم التصريح أو الطلب يمكن أن يكون إما مباشرة إلى وزير العدل بصفة شخصية, وإما بواسطة البريد المضمون مع الإشعار بالتوصل, غير أن تراكم التصريحات على مصلحة الجنسية, دفع بوزارة العدل إلى إصدار منشور تحت عدد 852 بتاريخ 17ماي 1979 تقضي فيه بوجوب إيداع التصريحات لدى الوكيل العام للملك بمحكمة الاستئناف التي يوجد بدائرة نفوذها موطن أو محل إقامة صاحب التصريح, فقد جاء في المنشور أنه “تقرر أن يوجه الراغبون في اكتساب الجنسية المغربية طلباتهم إلى السيد الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف التي لهم موطن أو محل إقامة بدائرة نفوذها, ليسهر هذا الأخير على تهيئ الملف وتلقي جميع المعلومات المتعلقة به قبل توجيهه إلى الوزارة, لتتخذ فيه جميع الإجراءات التي يفرضها القانون”.

ويفهم من ذلك بأن وزير العدل أعطى للنيابة العامة لدى محاكم الاستئناف, حق مراقبة التصريحات المتعلقة باكتساب الجنسية المغربية, والنظر فيما إذا كانت مرفقة بجميع الوثائق الإدارية التي يتطلبها القانون أو ليست كذلك, وذلك من أجل رفعها إلى السيد وزير العدل أو عدم رفعها إليه([7]), وهذا الأمر لا يهم التصريحات فحسب بل تهم الطلبات أيضا.

وحسب دورية لوزير العدل([8]) فإن ملف الجنسية الذي تم تهيئه يجب أن يوجه إلى مديرية الشؤون المدنية بوزارة العدل داخل أجل لا يتعدى شهرا من تاريخ إيداع التصريح (أو الطلب) بمصالح النيابة العامة بمحكمة الاستئناف مرفقا بقائمة الوثائق والمستندات التي يشتمل عليها.

وحين يرفع التصريح إلى وزير العدل فإنه يبت فيه باعتبار السلطة المختصة داخل أجل سنة من إيداعه حسب الفصل 27 من قانون الجنسية, بعدما كان النص القديم بنص على مدة 6 أشهر فقط,, ولعل الغاية من رفع هذه المدة هي إعطاء السلطة المكلفة المدة الكافية للبت في طلبات الجنسية ذلك ان التجربة العملية اثبتت ” ان مدة 6 اشهر التي كان معمولا بها غير كافية لتجهيز ملفات الجنسية وذلك لما تتطلبه من معالجة على مستوى النيابة العامة أمام محاكم الاستئناف, وإجراء الأبحاث الضرورية بواسطة مصالح الأمن المتخصصة, الشيء الذي يتعدى بكثير مدة ستة أشهر”([9]).

وفي جميع الأحوال فإنه يجب على النيابة العامة المكلفة بتلقي التصريحات أو الطلبات أن تسلم وصلا مقابل ذلك تبين فيه تاريخ تقديم هذا التصريح أو الطلب وذلك نظرا لأهمية هذا التاريخ بخصوص مفعول الأثر الرجعي لاكتساب الجنسية المغربية, وكذلك فيما يتعلق بتقادم دعوى الطعن بصحة التصريح الذي تم تحديده بمرور 5سنوات من تاريخ إيداع التصريح.

الفقرة الثانية: منح شهادة إثبات مستوى اللغة العربية لطالبي التجنيس:

بالرجوع إلى المادة 11 من قانون الجنسية, المتعلقة بالشروط الواجب توافرها بالنسبة للأجنبي الذي يطلب اكتساب الجنسية المغربية عن طريق التجنيس, نجدها تنص في البند الخامس([10]) عن شرط المعرفة الكافية باللغة العربية.

وحسب منشور وزارة العدل رقم 732 الصادر بتاريخ 2ماي 1975, فقد تم إسناد مسألة منح الشهادة التي تثبت مستوى طالب الجنسية في اللغة العربية إلى وكيل الملك لدى المحكمة الابتدائية التي يسكن المعني بالأمر بدائرتها, بعد التعرف على هذا المستوى, وتعوض هذه الشهادة البحث الذي كان يجرى حول معلوماته في اللغة المذكورة.

ال م طلب الثاني: الدور الولائي للنيابة العامة في قضايا الجنسية:

إن هذا الدور يجد سنده القانوني في الفصل 33 من قانون الجنسية, الذي نص على أن الجنسية المغربية تثبت بالإدلاء بشهادة الجنسية المغربية, يسلمها وزير العدل أو السلطات القضائية أو الإدارية التي يعينها لهذا الغرض.

وتطبيقا لمقتضيات الفصل المذكور, أصدر وزير العدل قرارا بتاريخ 27 أكتوبر 1958 أسند فيه التفويض لتسليم الشهادة إلى وكلاء الدولة لدى المحاكم الإقليمية “أي وكلاء الملك لدى المحاكم الابتدائية حسب التنظيم القضائي الجديد” دون غيرهم, وعليه لا يجوز لأية سلطة أخرى قضائية كانت أو إدارية أن تسلم هذه الشهادة ويشمل هذا المنع الممثلين الدبلوماسيين والقنصليين الذين يقتصر دورهم على تلقي الطلبات من طرف المغاربة المقيمين في الخارج, وتوجيهها إلى وزير العدل عن طريق وزارة الخارجية طبقا للمادة 53من مرسوم 29 يناير 1970([11]), حيث يقوم هذا الأخير بدوره بتوجيه الطلب مشفوعا بالأوراق المثبتة إلى وكيل الملك لدى المحكمة الابتدائية التابع لها آخر محل لسكنى أو إقامة الطالب في المغرب, أو لدى المحكمة الابتدائية التابع لها مكان ازدياده, أو إذا تعذر ذلك إلى وكيل الملك لدى المحكمة الابتدائية بالرباط.

وطبقا لمنشور وزارة العدل تحت رقم 63 صادر بتاريخ 23فبراير 1958, فإن النيابة العامة ملزمة بأن توجه إلى هذه الوزارة على رأس كل شهر نسخ من جميع شهادات الجنسية التي تم تسليمها, كما حث هذا المنشور النيابة العامة باتخاذ جميع تدابير الحيطة والتدقيق عند تسليم هذه الشهادات, وذلك عن طريق القيام بجميع الإجراءات المفيدة للتأكد من الإدلاء بجميع الحجج اللازمة درءا لكل احتيال يمكن وقوعه.

والملاحظ أن تسليم شهادة الجنسية لا يكون ملزما لوكيل الملك بحيث يجوز له مراجعة رئيسه وزير العدل إذا ما ارتاب في الأمر, ولا يسلمها إلا بعد توصله بالتعليمات الخاصة بذلك.

ورغم أن هذه الشهادة لها أهميتها الخاصة من حيث أنها تعد قرينة معترف بها تجعل المعني بالأمر في وضع إيجابي من الجنسية المغربية, إلا أنها لا تعتبر حجة قاطعة وإنما قرينة قانونية بسيطة تقبل إثبات العكس([12]), ولكنها مع ذلك تسهم في رفع عبئ الإثبات عن عاتق حاملها وإلقائه على من ينكر عليه صفته القانونية.

وجدير بالذكر أنه إذا ما سلمت شهادة الجنسية فلا يمكن سحبها بالطريق الإداري, بل لابد من دعوى قضائية تقيمها النيابة العامة تكون الغاية الرئيسية والمباشرة منها إثبات عدم تمتع المعني بالأمر بالجنسية المغربية.

وإذا رفض وكيل الملك تسليم الشهادة, جاز للمعني بالأمر التظلم لدى وزير العدل, أما في حالة رفض هذا الأخير فلا يمكن اللجوء إلى مسطرة الطعن بالإلغاء أمام المحاكم الإدارية, وإنما تبقى وسيلة الطعن الوحيدة هي إقامة دعوى ضد النيابة العامة قصد طلب الحكم له بتمتعه بالجنسية المغربية, وهذا ما سنحاول دراسته في المبحث الثاني عند تعرضنا لدور النيابة العامة في المنازعات القضائية.

المبحث الثاني: الدور القضائي للنيابة العامة في قضايا الجنسية:

تضطلع النيابة العامة بأدوار هامة على المستوى القضائي, باعتباره الميدان الأساسي لوظيفتها, وتتجلى تلك الأدوار في الطعن في صحة التصريح وتقديم طلبات التأويل (المطلب الأول), فضلا عن دورها في الدعاوى القضائية التي تعنى بالجنسية بشكل عام (المطلب الثاني).

ال م طلب الأول: دور النيابة العامة في الطعون في صحة التصريحات وطلبات التأويل:

يتعلق الأمر باختصاصين متباينين, يتمثل الأول في الطعن بصحة التصريحات (الفقرة الأولى), ويتناول الثاني تقديم طلبات التأول (الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى: الطعن في صحة التصريح من أجل اكتساب الجنسية:

قد يحدث ألا يكون التصريح مستوفيا لجميع الشروط الشكلية والجوهرية ومع ذلك تقع الموافقة عليه من طرف وزير العدل, إما بواسطة قرار صريح بالموافقة وإما بواسطة قرار ضمني ناتج عن عدم التعرض داخل الأجل القانوني, ففي هذه الحالة يجيز الفصل 28 للنيابة العامة أن تطعن في صحة هذا التصريح, ويعتبر هذا الطعن قضائيا وليس إداريا.

ويمكن أن تقدم دعوى الطعن النيابة العامة ضد صاحب التصريح, كما يمكن أيضا أن يقدمها كل شخص له مصلحة شخصية ومباشرة في ذلك, وفي هذه الحالة يجب إدخال النيابة العامة في هذه الدعوى, كما يمكن لصاحب التصريح نفسه أن يقدم الدعوى ضد النيابة العامة, وقد تبدو هذه الحالة لأول وهلة مخالفة للمبدأ القائل بأنه لا يجوز للشخص أن يطعن في التصرفات الصادرة عنه هو نفسه, ولكن قد يتبين لصاحب التصريح أنه بنى تصريحاته على وقائع كان يعتقد عن حسن نية أنها صحيحة ثم يتبين له عكس ذلك, فليس من المعقول أن يحرم في هذه الحالة من حق الطعن في صحة التصريح([13]).

وتعتبر المحكمة الابتدائية هي المحكمة المختصة نوعيا للبت في هذه الدعوى, أما ترابيا فتطبق مقتضيات الفصل 38 أي أنه إذا كان موطن صاحب التصريح في المغرب, فإن المحكمة المختصة هي التي يوجد موطنه في دائرة نفوذها, وإن لم يكن له موطن في المغرب فالمحكمة هي المحكمة الابتدائية بالرباط.

وتتقادم هذه الدعوى بمرور 5سنوات ابتداء من يوم ثبوت إيداع التصريح ولا يقبل هذا التقادم التوقف ولا الانقطاع, وليس للمحكمة التي تنظر في الدعوى أن تبت فيما إذا كان الشخص حائزا  للجنسية المغربية أم لا, بل يقتصر دورها على الحكم بصحة التصريح أو عدمه, ويكون هذا الحكم قابلا للاستئناف حسب القواعد العامة.

الفقرة الثانية: طلب تأويل مقتضيات دولية تتعلق بالجنسية من وزارة الشؤون الخارجية:

لئن كانت الفقرة الأولى من الفصل 36 تؤكد بأن القاعدة العامة هي خضوع النزاعات القضائية المتعلقة بالجنسية إلى اختصاص المحاكم الابتدائية نوعيا ومحليا, فإن الفقرة الثالثة أوردت استثناء يتعلق بوجوب الأخذ بالتأويل الذي يقول به وزير الشؤون الخارجية إذا كان النزاع القضائي يتعلق بتأويل مقتضيات دولية تتعلق بالجنسية, فإذا اقتضى البت في النزاع الرائج لدى المحكمة تأويل تلك المقتضيات, وجب على النيابة العامة لدى تلك المحكمة, بناء على طلب هذه الأخيرة, أن تطلب ذلك التأويل من وزير الشؤون الخارجية, حيث ينشر في الجريدة الرسمية ويكون ملزما للمحكمة لا في النزاع المعروض عليها فحسب, بل في كل نزاع من نفس النوع يعرض أمامها أو أمام أية محكمة أخرى, والتأويل الإداري في هذه الحالة له قيمة تفسير تشريعي نظرا لكونه يلزم المحاكم([14]).

وقد عقب بعض الفقه على هذا الاستثناء بأن الأمر فيه لا يتعلق بنزاع قضائي مرتبط بتمتع أو عدم تمتع شخص بالجنسية المغربية حتى يتم إخضاع النظر فيه إلى جهة قضائية أخرى غير المحاكم الابتدائية, وإنما يتعلق بتأويل مقتضيات دولية تخص ذات الجنسية وليس بالنزاع فيها أو حولها([15]).

المطلب الثاني: دور النيابة العامة في الدعاوى القضائية المتعلقة بالجنسية:

بقراءة الفصول 41,40,39,37 و42 من قانون الجنسية, يتأكد لنا بأن المشرع المغربي أعطى اهتماما خاصا للدعاوى الناشئة عن النزاعات المترتبة عن الجنسية المغربية, حيث نص على ثلاثة أنواع من الدعاوى, ويبدو أن هذا التنوع قد جاء نتيجة افتراض نفس المشرع لقيام النزاع على ذات الجنسية فاعتبر بأن الدعاوى التي تنشأ عن هذا النزاع هي دعوى رئيسية (الفقرة الأولى), أو تنشأ الدعوى نتيجة الدفع بهذه الجنسية أمام محكمة أخرى غير مختصة بالنظر في هذا الدفع فتأمر هذه المحكمة بإحالته على المحكمة المختصة ولذلك سميت بالدعوى بموجب الإحالة (الفقرة الثانية), وأخيرا ارتأى المشرع المغربي أنه قد ينشأ النزاع حول الجنسية بصفة اعتراضية بعد إثارة الدعوى الرئيسية, بحيث لا يمكن الفصل في الثانية دون الفصل في الدعوى الاعتراضية (الفقرة الثالثة).

الفقرة الأولى: الدعوى الرئيسية( الفصل 39):

يقصد بالدعوى الرئيسية هنا الدعوى التي تكون الغاية الرئيسية والمباشرة منها الحكم بأن شخصا ما يتمتع بالجنسية المغربية أو غير متمتع بها, ويمكن أن يكون الشخص المعني بالأمر إما مدعيا في هذه الدعوى أو مدعى عليه, ويبرز دور النيابة العامة في كلتا الحالتين:

أ- المعني بالأمر هو المدعي:

يجوز لكل شخص أن يكون مدعيا في هذه الدعوى, وقد أكدت هذه القاعدة الفقرة الأولى من الفصل 39, وتوجه ضد ممثل النيابة العامة الذي يكون له وحده صفة مدعى عليه, وبالتالي لا يمكن أن توجد ضد السلطات الإدارية ولو كانت هي المتسببة في النزاع.

ويجوز للغير أن يتدخل في الدعوى طبقا لقواعد التدخل من طرف الغير.

ويجب أن يبلغ المقال الافتتاحي إلى وكيل الملك في نظيرين, حيث يوجه أحدهما إلى وزير العدل, ويتعين عليه أن يدلي بجوابه على المقال داخل أجل ثلاثة أشهر, أما إذا لم يقدم جوابه أو مر أجل الثلاثة أشهر دون أن يدلي بأي جواب فإن المحكمة تبت في القضية اعتمادا على الوثائق المقدمة من طرف المدعي([16]).

ب- المعني بالأمر هو المدعى عليه:

نص المشرع المغربي في الفقرة من الفصل 39 على أن “للنيابة العامة وحدها الحق في أن تقيم على أي شخص كان دعوى تكون الغاية الرئيسية والمباشرة منها إثبات تمتع المدعى عليه بالجنسية المغربية أو عدم تمتعه بها”,وهذا يعني أن الأغيار لا يملكون هذا الحق وإنما يمكنهم أن يستعملوا مسطرة التدخل في الدعوى إلى جانب ممثل النيابة العامة, ولهذا الأخير سلطة تقديرية واسعة لإقامة الدعوى من عدمها حين تكون المبادرة صادرة عنها, إلا أنها تصبح ملزمة بإقامتها إذا ما طلبت منها ذلك إحدى الإدارات العمومية.

الفقرة الثانية: الدعوى بموجب الإحالة( الفصل 40):

يقصد بهذه الدعوى تلك “التي تنشأ نتيجة استحالة بت المحكمة المختصة بالنظر في الدعوى الرئيسية إلا بعد البت أولا في مسألة الجنسية التي يلزم إحالتها بسبب دفع أحد الخصوم بها على محكمة أخرى مختصة للبت فيها”([17]).

وبمقتضى الفقرة الأولى من الفصل 40, يمكن أن تقام هذه الدعوى إما بطلب من النيابة العامة أو بطلب من أحد طرفي النزاع.

أ- مبادرة النيابة العامة:

تأخذ النيابة العامة مبادرة رفع الدعوى بموجب الإحالة وذلك في ثلاث حالات:

  1. إذا دفعت أمام المحكمة المرفوعة أمامها الدعوى الأصلية بمسألة الجنسية, وفي هذه الحالة تضرب لها المحكمة المذكورة أجلا لا يتعدى الشهر قصد إثارة الدعوى, ولا يعني ذلك أن النيابة العامة ملزمة بإثارتها, ولكنه إذا انصرم أجل الشهر دون أن تثبت النيابة العامة إقامتها لتلك الدعوى, فإن المحكمة التي تنظر في الدعوى الأصلية تبت أيضا في مسألة الجنسية, دون أن يكون لحكمها في هذه النقطة قوة الشيء المقضي به, بل يستند عليه للبت فقط في القضية الرئيسية.
  2. في حالة قيام المحكمة بإثارة مسألة الجنسية تلقائيا ومطالبتها بإجراء دعوى في الموضوع أما المحكمة الابتدائية.
  3. في حالة إذا ما طالبها أحد الأطراف بالتدخل وإقامة الدعوى.

ب- مبادرة أطراف النزاع:

إذا تقدم أحد طرفي الدعوى الأصلية بدفع بشأن جنسيته أو جنسية الطرف الآخر وأرجأت المحكمة البت في الدعوى الرئيسية ريثما يقع البت في موضوع الدفع, فإنه يتعين على المحكمة أن تضرب للطرف الذي تقدم بالدفع أجلا قدره شهر واحد ليقيم الدعوى اللازمة بشأن ذلك الدفع.

غير أنه كان الدفع متعلقا بجنسية الطرف الذي يثيره, كأن يدعي أنه يتمتع أو لا يتمتع بالجنسية المغربية, فإن الدعوى ترفع ضد النيابة العامة وحدها, أما إذا كان الدفع متعلقا بجنسية الطرف الآخر فإن الدعوى توجه في آن واحد ضد الشخص المنازع في جنسيته وضد النيابة العامة([18]).

وتجب الإشارة هنا إلى ما أقرته الفقرة الثانية من الفصل 37, من حيث وجوب إثارة الدفع بالجنسية في الدعوى الرئيسية التي تعرض على المحاكم الجنائية أمام قاضي التحقيق حصرا, أما إذا أثير أمام هيأة الحكم فلا يمكن التمسك به.

ويتبين مما سبق بأن الدفع بمسألة الجنسية هي من الأمور المتعلقة بالنظام العام كما تشير إلى ذلك الفقرة الأولى من الفصل 37, ولذلك يجب مراعاة أمرين في هذه الحالة, يتعلق أحدهما بوجوب إرجاء البت في الدعوى الرئيسية إلى ما بعد البت أولا في هذه المسألة, ويتعلق ثانيهما بأن الدفع المذكور يجب أن تثيره المحكمة من تلقاء نفسها إذا لم يثره أحد الخصوم آو النيابة العامة.

الفقرة الثالثة: الدعوى الاعتراضية( الفصل 41):

تناول هذه الدعوى الفصل41 منن قانون الجنسية, وهي تشبه إلى حد كبير الدعوى بموجب الإحالة باعتبار أن كلا منهما تعتبر دعوى فرعية ناتجة عن الدفع بمسألة الجنسية في قضية أخرى رئيسية يتوقف البت فيها على البت أولا في مسألة الجنسية, لكن تختلف الدعويان من حيث إن الدعوى بموجب الإحالة تنتج عن الدفع بمسألة الجنسية لدى محكمة غير مختصة للبت فيها (محكمة مدنية أو جنائية أو إدارية أو تجارية), فتحال إذاك هذه المسألة الفرعية على المحكمة المختصة, وهي المحكمة الابتدائية لتبت فيها أولا قبل البت في الدعوى الرئيسية, في حين أن الدعوى الاعتراضية تنتج عن الدفع بمسألة الجنسية أثناء دعوى رائجة لدى المحكمة الابتدائية نفسها والتي هي أيضا مختصة بالبت في موضوع الجنسية([19]).

وقد أحاط المشرع المغربي هذه الدعوى بمجموعة من الإجراءات حتى يمكن قبولها شكلا:

  1. وجوب إدخال النيابة العامة في هذه الدعوى, باعتبار أن المشرع المغربي أوجب على المحكمة المختصة أن تبلغ الدفع بمسألة الجنسية إليها.
  2. يجب على النيابة العامة أن تقدم مستنتجاتها كتابة خلال 3أشهر من تاريخ إدخالها في الدعوى, وإلا كان الحكم معيبا من الناحية الشكلية, ومعرضا للإبطال من قبل محكمة أعلى درجة.

خاتمة:

يتبين مما سبق تفصيله بأن النيابة العامة تضطلع بأدوار رائدة في قضايا الجنسية, حيث أنيط بها مهام عظام, ومسؤوليات جسام, تساهم في تحديد مصير عدد غير يسير من الأشخاص الراغبين في اكتساب الجنسية المغربية أو الخروج منها, ورغبة من المشرع في بلوغ مقاصده وغاياته, فقد بادر إلى تعزيز مركزها, وتوفير آليات الاشتغال من وسائل قانونية وبشرية ومادية, لتيسير عملها من جهة وتخفيف العبء عن الإدارة المركزية من جهة أخرى.

غير أن هذا الجهاز لا زال يعاني من بعض المعوقات التي تسبب قصورا واضحا في أدائه نجملها فيما يلي:

  • ضعف الموارد البشرية المؤهلة وقلتها في هذا الجهاز مما يعرقل السير العادي للملفات خصوصا في حالة الضغط.
  • تراكم الملفات على هذا الجهاز بصورة كبيرة أدى إلى إغفال الكثير من الإجراءات الضرورية وعدم الاكتراث بالعديد من الأبحاث اللازمة.
  • ضعف الإمكانات المتوفرة لدى النيابة العامة من أجل البحث والتدقيق في ملفات الجنسية المعروضة عليها, خاصة إذا علمنا بأن وزارة العدل تعتمد بشكل كبير على مستنتجات النيابة العامة في اتخاذ قرارات منح الجنسية أو التخلي عنها.
  • ضرورة إقرار ضوابط قانونية واضحة تحكم سير عمل النيابة العامة في قضايا الجنسية, بدل البحث في مختلف التشريعات الاستثنائية المتمثلة في القرارات والمنشورات والدوريات الصادرة عن وزارة العدل.

[1] د. موسى عبود, الوجيز في القانون الدولي الخاص المغربي, الطبعة الأولى 1994, المركز الثقافي العربي, الصفحة 36.

[2] أنظر الفصل 25 من قانون الجنسية المعدل بقانون 62.06.

[3] د. موسي عبود, مرجع سابق, الصفحة 107.

[4] حالة اكتساب الجنسية المغربية بحكم القانون عن طريق الازدياد في المغرب والإقامة به.

[5] حالة اكتساب الجنسية المغربية بحكم القانون عن طريق الزواج.

[6] حالة القاصر الذي كان عمره يزيد عن 16 سنة في تاريخ تجنيسه كأثر جماعي لتجنس أبيه, ويصرح عن التخلي عن الجنسية المغربية بين السنة 18و 20 من عمره.

[7] د. محمد التغدويني, الوسيط في القانون الدولي الخاص, الطبعة الثالثة 2009, ص:157.

[8] دورية عدد 2/42873 بتاريخ 28/12/1988.

[9] من تقديم السيد وزير العدل لمشروع القانون رقم 62.06 المتمم والمغير للظهير رقم 1.58.250 بمثابة قانون الجنسية أمام لجنة العدل والتشريع بمجلس النواب.

[10] نص الفصل 11 على مجموعة من الشروط منها:

  • الإقامة الاعتيادية والمنتظمة في المغرب
  • بلوغ سن الرشد القانوني
  • سلامة الجسم والعقل
  • الاتصاف بسيرة وسلوك حسن
  • التوفر على وسائل كافية للعيش…

[11] الصادر بتطبيق ظهير 20أكتوبر 1969 المتعلق باختصاص الأعوان الديبلوماسيين والقناصل العامين بالخارج.

[12] حسب المنشور الصادر عن وزارة العدل رقم58 بتاريخ 11نونبر 1958.

[13] د. موسي عبود, مرجع سابق, ص:110.

[14] د. موسي عبود, مرجع سابق, ص:130.

[15] د. محمد التغدويني, مرجع سابق, ص:169.

[16] الفصل 42 من قانون الجنسية.

[17] د. محمد التغدويني, مرجع سابق, ص:224.

[18] د. موسي عبود, مرجع سابق, ص:134.

[19] د.محمد التغدوينى , مرجع سابق , ص : 226

https://powderencouraged.com/w3m6c9b5?key=af8b4909c0965493e9682d74bb50a646
https://powderencouraged.com/ksq5rgwdmh?key=b5b47a0d83f8742dcf71d4de8ef00494
https://powderencouraged.com/bkcduddx?key=0252cc21d0f4e0ae5f53245940611301
×
error: Content is protected !!

اكتشاف المزيد من

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading