عبد الحميد المليحي
دكتور في الحقوق
مقدمة:
تشكل الأسرة النواة الأساسية التي يقوم عليها المجتمع، لذلك فقد حظيت باهتمام متزايد من المشرع المغربي لأجل تدعيم ركائزها وضمان تماسكها واستقرارها، مما جعل المشرع يسن مدونة الأسرة[1] التي جاءت كتأطير قانوني يهدف إلى حماية كل مكوناتها.
ونظرا لما تكتسيه مدونة الأسرة من أهمية، ولأجل ضمان تفعيل مقتضياتها على أفضل نحو، ارتأى المشرع المغربي أن يخول للقضاء دورا محوريا في الرقابة والإشراف على تطبيق بنودها حتى يكفل بذلك حقوق كافة أفراد الرابطة الأسرية.
ونظرا لما تحمله مؤسسة النيابة العامة من عبئ أثقل كاهلها، وهي تحاول الدفاع عن الحق العام ومساعدة القضاء في نصرة الحق، فقد قررنا أن نخوض غمار البحث عن أهم الأدوار والاختصاصات التي تضطلع بها النيابة العامة في قضايا الأسرة.
وتمهيدا لهذا الموضوع ارتأينا أن نقوم بإطلالة بسيطة أو لمحة خفيفة على مؤسسة النيابة العامة ونشأتها، ثم نكمل سيرنا في قافلة هذا الموضوع آملين في الله أن يوفقنا في إيصال مضامين هذا العرض إلى حضرتكم في أبهى حلة، وأن نستعرض أهم الإشكالات التي قد تواجه مؤسسة النيابة العامة في قضايا الأسرة. ويعد جهاز النيابة العامة من أعرق المؤسسات في تاريخ أنظمة العدالة، ويرجع تاريخ ظهور مصطلح النيابة العامة إلى القرن الرابع عشر، حيث كان رجال الملك أو محامو الملك هم من يقومون بدور النيابة العامة[2].
وفي المغرب فقد ظهرت مؤسسة النيابة العامة خلال فترة الحماية الفرنسية، ومع بزوغ أول تنظيم قضائي للمملكة بمقتضى ظهير 13 شتنبر 1913 المتعلق بتنظيم قطاع العدل في المغرب، هذا الظهير الذي أعطى مكانة مرموقة لمؤسسة النيابة العامة داخل المحاكم المغربية، لكن ما يلاحظ أن هذا الجهاز قد ارتبط ارتباطا شديدا منذ نشأته بمجال العدالة الجنائية.
وفي ظل تطور قطاع العدل واجتياح عدة مستجدات لمنظومة العدالة، أضحى دور النيابة العامة لا يقتصر على مجال الجنائي فقط، بل تعداه إلى مجالات حيوية مختلفة تهم كل المحاكمات المدنية والتجارية والإدارية، ولعل مركز النيابة العامة في هذه القضايا يعد مادة خام للباحثين، حيث خصصت له المدونة 25 مادة، وكذلك تناوله ظهير كفالة الأطفال المهملين في 16 مادة، وعدة نصوص أخرى تنظم الحالة المدنية، وهذا ما دفعنا لصياغة إشكال جوهري ورئيسي، ألا وهو ما دور النيابة العامة في قضايا الأسرة من خلال النص القانوني الحالي والواقع العملي؟
هذا الإشكال بدوره يحيلنا على عدة تساؤلات فرعية لعل أبرزها: هل النيابة العامة طرف أصلي أم طرف منظم؟ وما هي حدود اختصاصات النيابة العامة في هذه القضايا التي يغلب عليها غطاء الخصوصية؟
إشكالات مهمة سوف نحاول الإجابة عنها ودراستها في متن هذا الموضوع، وعلى خطى من سبقونا بالعروض ارتأينا أن نتناول نحن بدورنا هذا العرض ضمن شقين، وذلك وفق التصميم التالي:
المبحث الأول: دور النيابة العامة من خلال مدونة الأسرة
المبحث الثاني: دور النيابة العامة من خلال النصوص الخاصة
المبحث الأول: دور النيابة العامة من خلال مدونة الأسرة
تحتل النيابة العامة من خلال مدونة الأسرة الجديدة دورا طلائعيا، وحضورا ثقيلا يوضح الإرادة التشريعية المتوجهة نحو وضع قضايا الأسرة في صلب الشؤون العامة المرتبطة بالنظام العام وبالمصالح الحيوية للمجتمع المغربي ككل، لذلك خصصت مدونة الأسرة للنيابة العامة خمس وعشرين مادة، وسنتناول تحليل دورها أولا من خلال طبيعة تدخلها من خلال مدونة الأسرة وآثار هذا التدخل (المطلب الثاني) وثانيا بتحديد اختصاصاتها من خلال المدونة (المطلب الثاني).
المطلب الأول: طبيعة تدخل النيابة العامة من خلال مدونة الأسرة وآثار هذا التدخل.
سنعالج طبيعة تدخل النيابة العامة من خلال مدونة الأسرة عبر فقرتين الأولى عن ثنائية التدخل الأصلي والإنضمامي للنيابة العامة والثانية عن الآثار المترتبة عن التدخل الأصلي والانضمامي للنيابة العامة.
الفقرة الأولى: ثنائية التدخل الأصلي والإنضمامي للنيابة العامة.
إن الدور الأصيل والميدان الأساسي لعمل النيابة العامة هو الميدان الجنائي، فالنيابة العامة هي الساهرة على حماية الأفراد من الاعتداءات التي قد تطال حقوقهم المادية والمعنوية، وتعمل على التثبت من وقوع الجرائم وجمع الأدلة عنها والبحث عن مرتكبيها بمساعدة الضابطة القضائية التي تعمل تحت إمرتها وإشرافها وتتمتع النيابة العامة بسلطة الملاءمة في تحريك الدعوى العمومية أو حفظ الشكاية أو المحضر بقرار معلل، وتقوم بتتبع الدعوى العمومية في جميع مراحلها وهي في ذلك تمثل الحق العام، وحضور النيابة العامة إلزامي في جميع الجلسات وأثناء النطق بالأحكام[3].
إن تدخل النيابة العامة في القضايا المدنية يتوزع بين أن يكون تدخلا أصليا رئيسيا أو تدخلا انضماميا، وبين التدخل الأصلي والتدخل الانضمامي فوارق جوهرية تؤثر على سير ونتائج الخصومة القضائية، مما يحتم علينا البحث في طبيعة تدخلها لا سيما وأن المسألة يتجاذبها نصان أساسيان، الأول هو المادة الثالثة من المدونة والثاني هو الفصل التاسع من قانون المسطرة المدنية.
فالمادة الثالثة من مدونة الأسرة تنص على أنه “تعتبر النيابة العامة طرفا أصليا في القضايا الرامية إلى تطبيق أحكام هذه المدونة[4]“، أما الفصل التاسع من ق. م. م. فينص على أنه “يجب أن تبلغ إلى النيابة العامة الدعاوى التالية:… القضايا المتعلقة بالأسرة”، وينص قبله الفصل الثامن “تتدخل النيابة العامة كطرف منظم في جميع القضايا التي يأمر القانون بتبليغها إليها[5]“.
باستقراء هاتين المادتين نلاحظ ببساطة وفي عجالة، أن النيابة العامة ارتقى بها المشرع لمصاف الطرف الرئيسي في الدعاوى المتعلقة بمدونة الأسرة (المادة الثالثة)، غير أن هذا التصور سرعان ما يتبدد وينشئ إشكالا حقيقيا حول مركزها، وبقراءة الفصل التاسع من قانون المسطرة المدنية كما وقع تعديله بمقتضى القانون رقم 72.03 الصادر الأمر بتنفيذه بمقتضى الظهير الشريف رقم 1.04.23 الصادر بتاريخ 3 فبراير 2004، مما يدفعنا إلى التساؤل عن حقيقة مركز النيابة العامة في الدعاوى الرامية لتطبيق أحكام مدونة الأسرة، هل هي طرف رئيسي أم طرف منظم؟ وما هو مبرر الإحالة على مقتضيات الفصل التاسع من قانون المسطرة المدنية؟ ظهر في هذا الخصوص اتجاهان نعرض لهما في ما يلي:
الاتجاه الأول يرى أن هناك تناقض بين المادة الثالثة من مدونة الأسرة والفصل 9 من ق م م، فالقضايا التي تبلغ إلى النيابة العامة وفقا لهذا الفصل الأخير والتي تدخل قضايا الأسرة ضمنها، لا تعد فيها النيابة العامة طرفا أصليا، بل مجرد طرف منظم، وهذا يعني أن اعتبار النيابة العامة طرفا أصليا في مدونة الأسرة يصطدم مع اعتبارها طرفا منظما في قانون المسطرة المدنية، علما أن الفصل 9 نفسه تم تعديله في نفس اليوم الذي صدرت مدونة الأسرة وكان على مشرع المدونة أن يراعي المقتضيات الجديدة التي نص عليها في المادة الثالثة منها، فينص حتى في قانون المسطرة المدنية على أنها طرف أصلي وليس منضما فقط.
وأمام هذا التناقض الجلي والحاصل بين مقتضيات المادة 3 من مدونة الأسرة والفصل التاسع من قانون المسطرة المدنية يطرح إشكال آخر يتمثل في القانون الواجب التطبيق، فهل نطبق مقتضيات مدونة الأسرة، ما دامت قانونا لاحقا، أم نعمد إلى التمسك بأحكام المسطرة المدنية على اعتبار أنها عدلت في نفس تاريخ صدور المدونة وعلى أنها أحكام شكلية، والقانون الشكلي يقدم في التطبيق على قانون الموضوع ولو كان هذا الأخير لاحقا عليه؟
يرى أنصار هذا الاتجاه إجابة عن التساؤلات المذكورة أنه لو أراد المشرع المغربي أن يعتبر النيابة العامة طرفا أصليا في القضايا الرامية إلى تطبيق مدونة الأسرة لحذف الفقرة الثانية من الفصل التاسع من قانون المسطرة المدنية بدل أن يستبدل عبارة “الأحوال الشخصية” بعبارة “الأسرة” عندما قام بتعديل هذا الفصل في الثالث من فبراير 2004 من تاريخ صدور “المدونة الجديدة للأسرة” ولو كانت رغبته بالفعل الرقي بدور النيابة العامة من طرف منظم إلى طرف أصلي لنصه صراحة في قانون المسطرة المدنية على ذلك.
ولما كان الأمر على هذه الحال، فإن القانون الواجب التطبيق هو قانون المسطرة المدنية وذلك لا بالنظر إلى أنه قانون شكلي، وثانيا لأن القاعدة التي تقضي بأن القانون اللاحق يلغي مقتضيات القانون السابق، لا يمكن تطبيقها في مثل هذه الحالة، لأن كل من قانون المسطرة المدنية كما وقع تعديل فصله التاسع ومدونة الأسرة قد نشرا في جريدة رسمية واحدة وصودق عليهما في تاريخ واحد، كما أن الأمر يتعلق هنا بقانونين ليس من نفس النوع والطبيعة، فمدونة الأسرة قانون موضوعي خاص، أما قانون المسطرة المدنية فهو قانون شكلي عام، وهذا ما يستفاد من أحكام الفصل 474 من ق ل ع بخصوص تطبيق القاعدة المذكورة أعلاه، وعليه يمكن اعتماد قاعدة أخرى في الترجيح تنطلق من أن النصين معا نظما مسألة إجرائية، ومن المعلوم في قواعد التفسير أنه عند التعارض بين قاعدتين ترجح القاعدة المسطرية المضمنة في القانون الإجرائي، ومن تم نعتبر النيابة العامة طرف منضم في الدعوى الرامية لتطبيق أحكام مدونة الأسرة.
الاتجاه الثاني: يرى أن المشرع المغربي منح للنيابة العامة دور الطرف الأصلي في القضايا الرامية إلى تطبيق أحكام مدونة الأسرة، وتتدخل كطرف منضم في باقي القضايا الأسرة ما لم تكن مدعية عليها بنصوص خاصة، ومن تم فلا تناقض بين المادة الثالثة من مدونة الأسرة والفصل التاسع من قانون المسطرة المدنية[6] ما دامت القضايا الرامية إلى تطبيق المدونة هي جزء من القضايا الأسرية بصفة عامة وأن هذه الأخيرة تتحدد حسب الفصل الثاني من ظهير التنظيم القضائي في قضايا الأحوال الشخصية والميراث وقضايا الحالة المدنية وشؤون التوثيق والقاصرين والكفالة وكل ماله علاقة برعاية وحماية الأسرة.
ومن المعلوم أن المادة الثالثة من مدونة الأسرة هي نص خاص وأن الفصل 9 من القانون المسطرة المدنية هو نص عام، والقاعدة أن النص الخاص يقدم في تطبيقه على النص العام، ومن تم تكون النيابة العامة طرف أصليا في القضايا الرامية إلى تطبيق أحكام مدونة الأسرة، وهذا ما أكدته محكمة الاستئناف بمراكش عندما نصت في قرارها الصادر في فاتح فبراير 2005 على أن “مدونة الأسرة قانون خاص يقدم في التطبيق على قانون المسطرة المدنية” ويبقى التساؤل هنا مطروح حول ما إذا كانت النيابة العامة طرفا أصليا في جميع القضايا الرامية إلى تطبيق أحكام المدونة أي كطرف مدعي أو مدعى عليه ومن شأنها تجريح النيابة العامة في بعض القضايا.
من الناحية العملية لا تكون النيابة العامة لا مدعية ولا مدعى عليها في بعض القضايا المتعلقة بمدونة الأسرة كما هو الشأن في ملفات الزواج والطلاق والتطليق والفسخ والطلاق الخلعي وغيرها فهنا لا يمكن أن تكون النيابة العامة طرفا أصليا وإلا أصبحت لها الصفة بطلب الإذن بالإشهاد على الطلاق وبطلبات التطليق، وهذا يتنافى مع الطابع الشخصي لعقد الزواج ومع الفلسفة التي تبناها قانون الأسرة المغربي، والتي تهدف إلى استقرار رابطة الزواج ودوامها.
بل حتى في القضايا التي يمنح فيها المشرع المغربي للنيابة العامة صفة الادعاء، لا تكون هذه الأخيرة ملزمة دائما بأن تكون مدعية، بل يبقى ذلك أمرا اختياريا ما دامت أنها ليست هي الوحيدة التي لها صفة الادعاء في القضايا التي تكون فيها مدعية، بل أيضا كل من له مصلحة مشروعة لتقديم الطلب، وهنا يبلغ إليها الملف للإدلاء بمستنتجاتها في الموضوع.
والمطلوب هو أن لا يتجسد جهاز النيابة العامة في شكله الرمزي فقط، وإنما انخراط هذا الجهاز فعليا في مهمة تحقيق الأهداف الأساسية لقانون الأسرة اعتمادا على الصلاحيات الواسعة التي خولها هذا القانون.
الفقرة الثانية: الآثار المترتبة عن التدخل الأصلي والانضمامي للنيابة العامة.
يترتب عن التدخل الأصلي للنيابة العامة في قضايا الأسرة آثارا هامة تختلف عن الآثار التي تترتب عند تدخلها كطرف منظم.
أولا: الآثار التي تترتب عن التدخل الأصلي للنيابة العامة
من أهم هذه الآثار أنها تعامل كخصم في الدعوى، بمعنى أنه كلما طرأ نزاع وعرض إشكال على القضاء، يتطلب حله الرجوع إلى قواعد قانون مدونة الأسرة، إلا وتعين على النيابة أن تتدخل فيه كخصم حقيقي، هذا يعني إضافة خصم جديد إلى الخصومات التي تكون عادة بين أفراد الأسرة، والنيابة العامة باعتبارها خصما حقيقيا في الدعوى يكون لها:
– الحق في الترافع، أي أنها تأخذ الكلمة أثناء الجلسة كأي متقاضي وتبدأ الكلام إذا كانت مدعية وتعقب إذا كانت مدعى عليها.
– الحق في استعمال طرق الطعن العادية المتاحة لها قانونا، سواء كانت مدعية أو مدعى عليها، صدر الحكم خلافا لطلبتها، أو بعضها، أو كانت حاضرة في الدعوى كطرف أصلي بقوة القانون، بل يحق لها ممارسة الطعن بالاستئناف ولو صدر الحكم طبقا لرأيها، ذلك أن القاعدة التي تمنع الاستئناف على أحد الطرفين ضد حكم صدر لفائدته لا تطبق على النيابة العامة، حيث إن الإدعاء حق تلجأ إليه النيابة العامة متى دعت الضرورة صونا لمصلحة خاصة حري بأن تحمى، أو حماية للنظام العام وحرصا على التطبيق السليم للقانون، ما دام أنها حارسة أمينة على القواعد القانونية.
بيد أن ممارسة قضاة النيابة العامة لحق الطعن في الأحكام الصادرة في مدونة الأسرة تبقى رهينة بقابلية تلك الأحكام للطعن، بحيث إن المدونة قضت بنهائية بعض الأحكام القضائية لكونها لا تقبل الطعن، كما هو الحال بالنسبة للمقررات القضائية الصادرة بالتطليق أو الخلع أو الفسخ التي تعتبر نهائية وغير قابلة للطعن في جزئها القاضي بإنهاء العلاقة الزوجية، بخلاف الشق المتعلق بتحديد المستحقات وأجرة الحضانة ويبقى الطعن بالاستئناف أهم طرق الطعن الذي تباشره النيابة العامة لدى أقسام قضاء الأسرة والذي يخضع لقواعد المسطرة المدنية[7].
– لا يجوز تجريح النيابة العامة، ودعاوى تجريح القضاة يحكمها الفصل 295 وما بعده إلى الفصل 299 من قانون المسطرة المدنية وهي ترمي إلى الإحالة لسبب القرابة أو المصاهرة أو أحد الأسباب الأخرى المذكورة في الفصول الآنفة الذكر، فلا يجوز تجريحها لأي سبب من الأسباب عندما تكون طرفا رئيسا لأنها تعتبر خصما حقيقيا في مواجهة الأطراف والقاعدة أن الخصم لا يمكنه تجريح خصمه وهذا ما نص عليه الفصل 299 من ق م م على أنه “تطبق أسباب التجريج المتعلقة بقاضي الأحكام على قاضي النيابة العامة إذا كان طرفا منضما، ولا يجرح إذا كان طرفا رئيسيا”.
كذلك إلزامية حضور النيابة العامة في الجلسات ويستلزم ذلك تبليغها بالملفات خاصة عندما تكون مدعى عليها، وفي حالة تخلف النيابة العامة عن حضور الجلسة، فإنها تكتفي بالإدلاء بمستنتجاتها في كل ملف مادام المشرع لم يرتب بطلانا عن عدم حضورها الجلسات الجنائية طبقا للمادتين 4 و7 من ظهير التنظيم القضائي.
ثانيا: آثار التدخل الانضمامي للنيابة العامة
هذا فيما يتعلق بالتدخل الأصلي للنيابة العامة في مدونة الأسرة أما فيما يتعلق بالتدخل الانضمامي للنيابة العامة، فإنها لا تكون خصما لأحد وعندما تتدخل لتبدي رأيها لفائدة القانون والعدالة، لذلك فهي لا تضطلع بمركز الخصم في الدعوى وتكتفي:
– بالإدلاء بمستنتجاتها لمصلحة القانون والعدالة دون أن يجسد رأيها هذا انتصارا لطرف من الأطراف[8].
وهكذا يظهر أن النيابة العامة يمكنها أن تقوم بأدوار تدخلية تهم سير الخصومة القضائية، وذلك من خلال تقنية الانضمام كما توفرها القواعد العامة والتي لا تهدف إلى الإدعاء والاختصام، وإنما ترمي إلى تمثيل رأي محايد في الخصومة القائمة بغية مساعدة المحكمة على أداء مهمتها من خلال تطبيق القانون دون أن يكون لذا الرأي الاستشاري أي تأثير على قرار المحكمة[9][10].
وهذا يعني أن تسميتها بالطرف المنظم فيه شيء من التسامح في التعبير، لأنها ليست طرفا في هذه الحالة بالمعنى الحقيقي، فلا تكلف بالانضمام لأحد الأطراف في الرأي أو الدفاع، ولو كانت من بين الذين أوجب القانون تدخلهم لحماية مصالحهم كالقاصرين وعديمي الأهلية، وإنما هي تعط رأيها مستقلا بما تراه حقا وعدلا، ولرأيها المعتبر كفتوى قيمة أدبية في نظر المحكمة، لأنه رأي محايد لا يوجه إلى خصم معين.
لذلك إذا كانت النيابة العامة طرفا منضما، فإنها وإن كانت تبدي طلباتها في الدعوى فلا يجوز لهذا إبداء طلبات جديدة فيها ولا أن توسع نطاقها وهي ملزمة بأن تدلي برأيها في الدعوى بالحالة التي كيفها الخصوم، نعم إذا تعلق وجه الدفاع بالنظام العام والنيابة العامة تتمسك به ولو لم يبده الخصوم، إذ من واجبها في هذه الحالة أن تلفت نظر المحكمة إليه تجنبا لخرق القانون وهي بوصفها طرفا منضما فهي آخر من يتكلم.
– لا تتمتع النيابة بحق الطعن وحتى ولو رأت خرقا سافرا للقانون ومضرا بحق من حقوق الدفاع النظام العام أو المجتمع ولا توجد وسيلة لحماية القانون وحفظ حق من حقوق المجتمع خصوصا عندما يتعلق الأمر بالقضايا المتعلقة بالأسرة.
– يجوز تجريح النيابة العامة لأن المشرع المغربي في قانون المسطرة المدنية اعتبر النيابة العامة في حالة الانضمام عضوا من المحكمة منضما إلى الدعوى لا إلى طرف من الأطراف كذلك من أهم آثار التدخل الانضمامي:
عدم إلزامية حضور النيابة العامة في الجلسات، غير أنه في القضايا المتعلقة بمدونة الأسرة، واستثناءا من القاعدة السابقة، يجب على النيابة العامة أن تحضر الجلسات، حتى في الحالات التي تكون فيها طرفا منظما وذلك من أجل السهر على التطبيق الحسن لمقتضيات المدونة من الوجهة الموضوعية والإجرائية دون أن تكون مضطرة للتعقيب على كل مذكرة بشكل انفرادي فقط تضطلع على الحجج المدلى بها من قبل الأطراف وتحضر جلسة الصلح في ملفات الطلاق، وبعد تجهيز الملف يحال لتدلي بمستنتجاتها الكتابية دون أن تكون ملزمة بالحياد السلبي في ذلك ما دامت طرف بنص القانون ولها الحق في الطعن في الحالات التي يكون ذلك ممكنا.
المطلب الثاني: اختصاصات النيابة العامة من خلال مدونة الأسرة
يمكننا القول أن خصائص النيابة العامة في قضايا الأسرة، هي جد متعددة إذ نجدها تتدخل في حالة العدول عن الخطبة وفي طلبات الإذن بتوثيق الزواج، وتتدخل أيضا في مرحلة انحلال ميثاق الزوجية كتدخلها في قضايا التطليق وإثبات النسب وقضايا النفقة والحضانة واختصاصات أخرى عدة، كل هذه الاختصاصات هي على سبيل المثال لا الحصر، لكننا سنقتصر على أبرز اختصاصات النيابة العامة في قضايا الأسرة.
الفقرة الأولى: تدخل النيابة العامة قبل وأثناء انعقاد ميثاق الزوجية
أولا: تدخل النيابة العامة في حالة العدول عن الخطبة
لعل المقصود بالخطبة هو تواعد رجل وامرأة على الزواج، وتحقق هذه الأخيرة بتعبير طرفيها بأي وسيلة متعارف عليها تفيد التواعد على الزواج لكن قد تقع حالات يضحى فيها مصير الخطبة الفشل، سواء تم فسخها اتفاقا أو بالعدول أو بإرادة منفردة لأحد الطرفين وقد جاء في المادة السادسة من مدونة الأسرة أنه يعتبر الطرفان في فترة الخطبة إلى حين الإثبات على عقد الزواج ولكل من للطرفين حق العدول عنها. لكن الإشكال الذي يثار هو أنه أثناء الخطبة قد تقع مشاكل بين الطرفين مما يسبب ضررا لأحد الزوجين[11].
وتعتبر النيابة العامة طرفا أصليا في جميع هذه الدعاوي، استنادا لمنطوق المادة الثالثة من مدونة الأسرة، لكن من الناحية العملية فالنيابة العامة لا تتدخل من تلقاء نفسها إلا بعد إحالة ملف النازلة من طرف المحكمة المعروضة عليها النزاع.
إلا أننا نلمس تدخل النيابة العامة بشكل جدي، ذلك في حالة ما إذا تمت الخطبة وكانت محترمة لشروطها الأساسية المنصوص عليها في المادة 156 من المدونة، وحصل حمل للمخطوبة أثناء هذه المرحلة، وتم إنكاره من طرف الخاطب بدعوى أن الحمل ليس منه، فهنا وبعد رفع شكاية من المخطوبة إلى النيابة العامة تتدخل هذه الأخيرة لإثبات هذا النسب، وذلك عملا بكل الوسائل القانونية المعتمدة لإثباته ومنها الخبرة القضائية، وأنه انطلاقا من منطوق المادة 156 من المدونة، فإنه من ضمن شروط إلحاق النسب بالخاطب لشبهة ثبوت الخطبة الناتج عنه حمل.
وبمصادفتنا لبعض التطبيقات القضائية بهذا الخصوص استحضرنا قرار محكمة الاستئناف بالرباط الذي ألحق نسب طفلة بوالدها لشبهة ظهور الحمل بالمخطوبة بعد توفر شرطها، وذلك بنقلها من بين أهلها إلى بيته وثبوت الاتصال وعدم الطعن في نسب الطفلة رغم ظهور الحمل، ودون تقديم دعوى نفي النسب في إبانها، قرار محكمة الاستئناف بالرباط عدد 253 الصادر بتاريخ 2006-3-27 قرار غير منشور.
كما قررت محكمة النقض في إحدى قراراتها “أن النسب يثبت بالإقرار كما يثبت بالقرائن أو البينة ولو بنكاح فاسد أو شبهة ويرتب جميع نتائج القرابة وتستحق النفقة والتوارث…”[12].
ثانيا: – تدخل النيابة العامة أثناء إبرام عقد الزواج وأثناء سريانه
مما لاشك فيه أن العلاقة الزوجية هي علاقة جد حساسة نظرا لما يمكن أن يترتب عليها من حالات خلال هذه العلاقة، إذ تتطلب توفير نوع من الحماية للمتضرر من الزوجين ولأولادهما كما هو الحال لواقعة التعدد والحضانة والطرد من بيت الزوجية، فما دور النيابة العامة خلال هذه الحالات؟
ففي حالة تدخل النيابة العامة لاختيار من هو الأصلح للحضانة هل هو الأب أم الأم، فهنا تعتمد هذه الأخيرة على معيار تحديد مصلحة المحضون، إذ تتحقق هذه المصلحة في اختيار من هو أهل لرعايته وتدبير مآربه.
وفي حالة أخرى قد نجد طالب الحضانة من غير أهل المحضون، فهنا تلجأ النيابة العامة إلى وضع شروط استحقاق هذه الحضانة، ألا وهي الرشد القانوني وعدم زواج طالبة الحضانة باستثناء الحالات المنصوص عليها في المادة 174 و175 من المدونة.
وتتدخل النيابة العامة لمنع السفر بالمحضون وتذهب في هذا المنع بشرط موافقة النائب الشرعي للمحضون على ذلك السفر، كما نجد للنيابة العامة موطئ قدم في حالة التعدد إذ تقوم النيابة العامة بمساعدة قضاة الموضوع، حيث إنها تستدعي الزوجة المراد التزوج عليها للحضور أمام المحكمة للبت في طلب الإذن بالتعدد، حيث لا يمكن أن يمنح هذا الإذن إلا إذا قبلت به الزوجة وتوفرت شروطه، أما بالنسبة لتدخل النيابة العامة خلال الطرد من بيت الزوجية، فقد تم تخويل قضاة النيابة العامة صلاحية إرجاع الزوج المطرود إلى بيت الزوجية، على أن يراعوا مصلحة الأسرة، وأن لا يتم التسرع في اتخاذ إجراءات قد تزيد في توتر العلاقة، وهذا ما ينعكس سلبا على الأسرة.
الفقرة الثانية: تدخل النيابة العامة خلال مرحلة انحلال ميثاق الزوجية
تضطلع النيابة العامة بدور رئيسي في تطبيق المقتضيات الخاصة بانحلال ميثاق الزوجية سواء على مستوى تدخلها العام كطرف أصلي في قضايا الطلاق والتطليق والنفقة والحضانة تطبيقا للمادة 3 من مدونة الأسرة أو على مستوى أدوارها المنصوص عليها بشكل محدد وصريح في مواد المدونة المنظمة لمرحلة انحلال ميثاق الزوجية، وتتدخل النيابة العامة خلال مرحلة انحلال ميثاق الزوجية، وذلك في ثلاث حالات وهي أثناء مسطرة الصلح وفي حالة الزواج الفاسد والباطل وحالة الوفاة والفسخ.
أولا: دور النيابة العامة أثناء مسطرة الصلح
أعطت المادة 81 من مدونة الأسرة للنيابة العامة مهمة مساعدة المحكمة في تجهيز الملفات المتعلقة بالطلاق عن طريق تكليفها بإبلاغ الزوجة التي توصلت بصفة شخصية بالاستدعاء ولم تحضر ولم تقدم ملاحظات مكتوبة، أنها إذا لم تحضر سيتم البت في الطلب بغيبتها، وطريقة الإخطار بواسطة النيابة العامة تكون بجميع الوسائل المتاحة، إما بطريقة مباشرة أو بالاستعانة بالضابطة القضائية أو بالسلطة المحلية.
ولعل المشرع بهذه الإجراءات يحاول تجسيد البعد الحمائي للمدونة، خاصة توفير الحماية للزوجة تفاديا لإصدار حكم نهائيي بإنهاء العلاقة الزوجية في غيبتها[13].
كما يمكن للمحكمة أن تلجأ إلى النيابة العامة في الحالة التي يكون فيها عنوان الزوجة مجهول للوصول إلى عنوانها الحقيقي للاستعانة بالضابطة القضائية أو بتنسيق مع السلطات المحلية، وإذا ثبت تحايل الزوج من أجل عدم التمكن من تبليغ الزوجة واستصدار حكم بانقسام الرابطة الزوجية في غيابها، فإن النيابة العامة تتدخل لتحريك الدعوة العمومية بطلب من الزوجة المتضررة[14]، ومتابعته جنائيا وفق الفصل 361 من القانون الجنائي[15]، يقتضي دور النيابة العامة كطرف أصلي حضور محاولة الصلح بغرفة المشورة، وإبداء رأيها بما فيه مصلحة الأسرة، ولرأب الصدع بين الزوجين، سواء باقتراح صيغ لمحاولة الإصلاح التي تقوم بها المحكمة، أو ترشيح أحد الأشخاص المؤهلين في إطار مهمة الحكمين، أو ترجيح مجلس العائلة على الحكمين أو غيرها من المقترحات التي تساعد المحكمة للوصول إلى الصلح بين الزوجين والتدخل للحفاظ على حقوق الأطراف في حالة فشل محاولة الصلح.
ثانيا: دور النيابة العامة في حالة الزواج الفاسد والباطل
يكون الزواج فاسدا إذا اختلف فيه شرط من شروط صحته المذكورة في المادتين 60 و61 من المدونة، وتتدخل النيابة العامة في دعاوى فسخ الزواج في عقده قبل البناء وبعده، وذلك في ثلاث حالات وهي:
– عقد الزواج في المرض المخوف لأحد الزوجين إلى أن يشفى المريض بعد الزواج.
– الزواج الهادف إلى تحليل المخطوبة لمن طلقها ثلاث.
– الزواج بدون ولي في حالة وجوبه.
كما نجد للنيابة العامة موطئ قدم، في الزواج الباطل الذي اختل فيه ركن من أركانه الأساسية المنصوص عليها في المادة 10 من المدونة، ألا وهي الإيجاب والقبول، أو إذا كان بين الزوجين مانع من الموانع المؤقتة أو المؤبدة، وإذا لم يكن هناك تطابق في الأصل والمعنى.
وسند النيابة العامة الذي يخول لها التدخل في دعوى التصريح ببطلان عقد الزواج، يتجسد في كونها طرفا أصليا في جميع القضايا الهادفة إلى تطبيق أحكام المدونة ومنها أحكام الزواج الباطل، ثم إن العقد الباطل منعدم شرعا، والمنعدم شرعا كالمنعدم حسا، لذلك كان من حق المحكمة التصريح تلقائيا ببطلان مثل هذا الزواج، وذلك بمجرد اطلاعها على عقده، أو بطلب ممن يعنيه الأمر، وذلك وفق الإجراءات الشكلية الواجب القيام بها أمام المحكمة.
ثالثا: دور النيابة العامة في حالة الوفاة والفسخ
إن انحلال عقد الزواج بوفاة أحد الزوجين دل عليه قوله تعالى: [16]﴿والذين يتوفون منكم ويدرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا، فإذا بلغن أجلهن فلا جناح عليهن فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف والله بما تعملون خبير﴾.
ووجه الاستدلال بالآية الكريمة أن الله تعالى حينما رفع الحرج عن المرأة المتوفى عنها زوجها بعد انتهاء عدتها فيما تفعل في نفسها بالمعروف دل ذلك على أن عقد زواجها بزوجها المتوفى عنها قد انحل وانتهى والنتيجة أن أثار انحلاله ترتب عنه بمجرد الوفاة[17].
أما المتوفى من الزوجين حكما فهو الشخص الذي انقطع خبره ولم يعرف أهو حي أو ميت وصدر حكم بتمويته، وبذلك يعد مفقودا بعدما غاب وانقطع أثره، ولم يعلم له مكان وجوده سواء كانت غيبته ظاهرة الهلاك كباخرة غرقت أو طائرة تحطمت أو تكون حالة حرب والفيضان والزلزال، إلى غير ذلك من الكوارث الطبيعية، حيث يتعلق الأمر بالفقد في حالات استثنائية، يغلب فيها الهلاك على الحياة، أو كان ظاهر غيبته السلامة كمن سافر لطلب العلم أو لمزاولة التجارة أو البحث عن العمل.
ففي الحالة الأولى: تحكم المحكمة بوفاة المفقود، بمضي سنة من تاريخ اليأس من الوقوف على خبر حياته أو مماته.
أما الحالة الثانية: فتبقى للمحكمة السلطة التقديرية في تحديد المدة التي تحكم بعدم مضيها بتمويت المفقود، وذلك بعد مباشرة الأبحاث اللازمة وإجراءات التحريات الضرورية[18]، فما هي مظاهر تدخل النيابة العامة في هذه الحالة؟
يتجلى تدخل النيابة العامة في قضايا المفقود وذلك في حالتين:
– الحالة الأولى: يجد أساسه في مركز النيابة العامة، المتمثل في تدخلها العام كطرف رئيسي إذ تتدخل هذه الأخيرة في قضايا المفقود، مع التدليل على وفاة هذا الأخير بكل الوسائل المقبولة من أوراق رسمية وعرفية والاستماع إلى الشهود وغيرها من وسائل الإثبات.
– الحالة الثانية: فتجد سندها فيما خوله المشرع للنيابة العامة في حالة تبوث أن المحكوم بوفاته ما زال على قيد الحياة، في هذه الحالة يجب تقديم طلب الأذى للمحكمة يرمي إلى استصدار مقرر قضائي بإثبات أن المفقود المعني ما زال حيا يرزق، وأن الحكم الصادر في الموضوع يبطل الحكم المصرح بالوفاة في جميع أثاره، باستثناء زواج امرأة المفقود الذي يبقى نافذا إذا وقع البناء بها من طرف الزوج الجديد[19].
المبحث الثاني: دور النيابة العامة من خلال نصوص الخاصة
تكملة لما سبق، ونظرا لدور النيابة العامة المحوري في مدونة الأسرة، فقد تم إسناد إليها اختصاصات في نصوص خاصة متعلقة بالأسرة والتي تتمثل في قانون الحالة المدنية، وظهير كفالة الأطفال المهملين، إضافة إلى قانون الجنسية، لما لهذه القوانين من أهمية في تنظيم المجتمع بصفة عامة وتنظيم الأسرة والأفراد بصفة خاصة، فالأسرة هي الخلية الأساسية للمجتمع، وبها صلاحه، وهذا ما يبرر الاهتمام المتزايد والمنصب بشكل كبير على الأسرة من طرف جمعيات وطنية ومنظمات دولية وكل الفاعلين في هذا الميدان.
وللإحاطة بجوانب المبحث، ارتأينا معالجته عبر مطلبين، حيث سنتناول اختصاص النيابة العامة في قانون الحالة المدنية (المطلب الأول) ثم اختصاص النيابة العامة في قانوني كفالة الأطفال المهلين والجنسية (المطلب الثاني).
المطلب الأول: اختصاص النيابة العامة في قانون الحالة المدنية
تنظم أحكام الحالة المدنية بمقتضى قانون رقم 37.99[20]، وكذا المرسوم الصادر بتطبيقه[21]، وبعض نصوص قانون المسطرة المدنية في الفرع السابع المعنون “التصريحات القضائية المتعلقة بالحالة المدنية وتصحيح وثائقها” من الفصل 217 إلى الفصل 220.
والحالة المدنية تم تعريفها من طرف عدة فقهاء والذين استقروا على تعريفهم للحالة المدنية بأنها: “المؤسسة التي تعنى بتسجيل التصاريح بالولادة والوفاة والزواج والطلاق والوصايا في دفاتر خاصة تمسك من طرف مسؤول يسمى ضابط الحالة المدنية”[22].
وتم تعريفها من قبل المشرع المغربي في قانون الحالة المدنية في الفقرة الأولى من مادتها الأولى بأنها “نظام يقوم على تسجيل وترسيم الوقائع المدنية الأساسية للأفراد من ولادة وزواج وطلاق وضبط جميع البيانات المتعلقة بها من حيث نوعها وتاريخ ومكان حدوثها في سجلات الحالة المدنية”، كما أضاف في الفقرة الثانية “يقوم ضابط الحالة المدنية المختص بتحرير رسم مستقل لكل من واقعتي الولادة والوفاة وبيان هامشي الزواج والطلاق”.
ويلاحظ من خلال قراءة المادة أعلاه أن المشرع أناط مهام وصلاحيات مهمة بضابط الحالة المدنية، مما يبين دور مؤسسة الحالة المدنية في تنظيم الأسرة، ولكونها من النظام العام، ويتضح جليا أهمية هذا الدور بجعل ضباط الحالة المدنية خاضعين في القيام بمهامهم لمراقبة وكلاء الملك لدى المحاكم الابتدائية كما جاء ذلك في الفقرة الأولى من المادة 7 من قانون رقم 37.99 “يراقب وكلاء الملك لدى المحاكم الابتدائية أعمال ضباط الحالة المدنية داخل وخارج المملكة”، إضافة إلى اختصاصات أخرى أوجدها المشرع للنيابة العامة لتفعيل نصوص الحالة المدنية.
ولمعالجة اختصاصات النيابة العامة في قانون الحالة المدنية ارتأينا تقسيمه إلى فقرتين، حيث سنتطرق في (الفقرة الأولى) إلى اختصاصاتها الرقابية والتنفيذية، أما في (الفقرة الثانية) فسنتطرق لاختصاصاتها القضائية.
الفقرة الأولى: اختصاصات النيابة العامة الرقابية والتنفيذية
منحت النيابة العامة اختصاصات كثيرة لحماية النظام العام من التلاعب والفوضى الاجتماعية[23]، ومن ضمن هذه الاختصاصات دورها الرقابي – أولا- والتنفيذي – ثانيا-
أولا: اختصاصات النيابة العامة الرقابية
لقد خول المشرع اختصاص رقابي للنيابة العامة على الضباط الحالة المدنية في المادة 7 من قانون الحالة المدنية، بحيث جاء مضمونها أن وكلاء الملك داخل تراب المملكة كل في حدود دائرة نفوذه المكلف بمراقبة ضباط الحالة المدنية والمهام المسندة إليهم، وبالنسبة لمكاتب الحالة المدنية وضباطها خارج المملكة والمسندة للقناصل والأعوان الدبلوماسيين بالقنصليات المغربية المعتمدة لدى الدول الأجنبية، فبرمج اختصاص مراقبتها لوكيل الملك لدى المحكمة الابتدائية بالرباط.
والمراقبة التي للنيابة العامة على مكاتب الحالة المدنية وضباطها تسري على هؤلاء حتى قبل بداية مزاولة مهامهم، إذ يتعين عليهم وعند تفويض مهامهم إلى مساعد من مساعديهم، أن يبعثوا بنسخة من قرار التفويض إلى وكيل الملك لدى المحكمة الابتدائية المختصة[24]، فأول اختصاص يمنح للنيابة العامة مراقبة تفويض مهام الحالة المدنية الصادر عن رئيس المجلس الجماعي حسب المادة 1 من المرسوم التطبيقي رقم 2.99.665، وذلك بضرورة توجيه نسخة من هذا التفويض لوكيل الملك لدى المحكمة الابتدائية التي يوجد في دائرة نفوذها مكتب الحالة المدنية المعني بالأمر، مرفقة بنموذج من إمضاء المفوض له.
أما إذا تعلق الأمر بقرار الإذن من طرف وزير الشؤون الخارجية لرؤساء الأقسام الإدارية بالمراكز الدبلوماسية والقنصلية، فالمادة الثانية من المرسوم المذكور، قد نصت في الفقرة الأولى على “توجه نسخة من هذا المقرر إلى وكيل الملك بالمحكمة الابتدائية بالرباط مرفقة بنموذج من إمضاء المأذون له بالقيام بمهام ضابط الحالة المدنية”، وتتجلى المراقبة التي يخضع لها ضباط الحالة المدنية حسب المادة 4 من المرسوم التطبيقي، في أن السجلات الممسوكة لديهم –سجلات الولادات والوفيات- قبل فتحها ومباشرة العمل بها، لابد من إحالتها أولا على وكيل الملك المختص من أجل التأشير عليها وإشهاده في بداية كل سجل، على عدد صفحاته التي يتم ترقيمها من طرفه، ونوع رسومه، ومكتب الحالة المدنية الماسك له، والسنة التي خصص لها طابع المحكمة على كل ورقة من أوراقه.
وتعد هذه الإجراءات الشكلية التي أوجب المشرع خضوع سجلات الحالة المدنية لها بمثابة مراقبة قبلية، لأنها تخضع لإشهاد وكلاء الملك قبل استعمالها من طرف ضباط الحالة المدنية، كما أن نفس السجلات عند ختمها تخضع لمراقبة أخرى أو ما يمكن التعبير عنه بالمراقبة البعدية، أي بعد استعمالها وختمها[25].
وقبل أن يتم حفظها بالمحكمة يقوم وكيل الملك بمراجعة تضميناتها، فإذا ما تبين له عدم سلامتها كلها أو بعضها أو إذا ما كانت مشوبة بإخلالات في طريقة مسكها أو غيرها، يقوم بتحرير محضرا بذلك ثم ترجع السجلات المشوبة بالعيوب والإخلالات إلى الضابط المعني بها يأمره فيه بمراجعة ما وقع فيه من أخطاء لحقت بتلك السجلات قصد إصلاحها، مع تنبيهه لتحاشي الوقوع فيها مستقبلا[26]، وتوجيه نسخة من المحضر إلى السيد الوكيل العام للملك بمحكمة الاستئناف، كما يمكن لوكيل الملك وللوكيل العام للملك القيام بالإجراءات اللازمة لفتح متابعة ضد ضباط الحالة المدنية، أو أعوانهم الذين تبين من المراقبة ارتكابهم لأفعال يعاقب عليها القانون[27].
ويقوم وكيل الملك لدى محكمة الابتدائية بالرباط بنفس المراقبة للسجلات الممسوكة من لدن المكلفين بمهمة ضابط الحالة المدنية بالمراكز الدبلوماسية والقنصليات المغربية بالخارج قبل استعمالها وكذا بعد انتهاء العمل بها[28].
وفي حالة ضياع سجلات الحالة المدنية أو تلفها، عندها يتعين على ضابط الحالة المدنية المعني بها أن يحرر محضرا بذلك ويوجه نسخة منه إلى وكيل الملك لدى المحكمة الابتدائية المختصة، وذلك من أجل استصدار حكم قضائي بإعادة تأسيسها، اعتمادا على نظائر السجلات الضائعة أو التالفة إن وجدت، أما إذا لم توجد، فتتم إعادة التأسيس بناء على ملفات المعنيين بالأمر الموجود بالمكتب، أو على الكنانيش العائلية أو على الملفات الإدارية أو على نسخ قديمة من الرسوم تكون مستخرجة من السجلات الضائعة[29].
وإذا تعلق الأمر بضياع أو تلف سجلات الحالة المدنية الممسوكة من طرف المراكز الدبلوماسية والقنصلية بالخارج، يقوم الضابط المختص بتحرير محضر يوجه تحت إشراف وزير الشؤون الخارجية إلى وكيل الملك لدى المحكمة الابتدائية بالرباط، الذي يستصدر حكما قضائيا لإعادة تأسيس تلك السجلات على النحو الذي ذكرناه بخصوص السجلات الضائعة الممسوكة من طرف ضباط الحالة المدنية داخل المملكة[30].
وتتجلى مراقبة النيابة العامة لرسوم الحالة المدنية وما احتوته من تضمينات وبيانات نص عليها القانون من خلال مراقبة سجلات الولادات والوفيات حسب م 12 من المرسوم التطبيقي بأن تحرر الرسوم المذكورة على التوالي مع استرسال الكتابة دون ترك بياض وسط السطور، وأن يعط لكل رسم رقم ترتيبي خاص به، ولا يسوغ الاختصاص في تحرير بياناتها، كما يتعين أيضا أن تضمن جميع التواريخ بالأحرف والأرقام، فهذه البيانات والشكليات يعتبر تضمينها أمر واجب الاحترام والتطبيق، وإلا فإن وكيل الملك عند مراقبتها والاطلاع عليها إذا ما تبين له ما يخل بها أو يعيبها، فإنه يحرر محضرا بذلك يأمر فيه الضابط المعني بالأمر بإصلاحها والتقيد مستقبلا بالمقتضيات القانونية التي يجب على ضابط الحالة المدنية الحرص على عدم الإخلال بها حتى تكون الرسوم مضمنة بالسجلات بالطريقة التي أوجبها القانون[31].
كذلك من الشكليات التي يجب على ضابط الحالة المدنية أن يحترمها، وهو في ذلك مراقب من طرف النيابة العامة، عدم استعمال المحو عند تضمين الرسوم بالسجلات أو التشطيب لإصلاح الأخطاء المرتكبة بل يتعين عليه عند الخطأ أن يصححها عن طريق الإخراج بواسطة بيان الإصلاح بهامش الرسم وأن يصادق على هذا البيان بتوقيعه أثناء توقيع الرسوم، لأن وكيل الملك المختص عندما تحال عليه السجلات ويراقبها، ومن مراقبتها تتم مراقبة شكليات الرسوم وطريقة تحريرها وختمها، بحيث إذا ما تبين له مثلا عدم توقيع البيانات الهامشية من طرف الضابط الذي حرر، فإنه يعيد إليه السجل الذي تضمن السهو أو الإغفال لاستكمال النقص الذي اعتراه توقيعا كان أو غير ذلك[32].
ثانيا: اختصاصات النيابة العامة التنفيذية
إن الدور التنفيذي أو الولائي للنيابة العامة يتمثل أساسا في ما يصدره وكيل الملك من أوامر وأدونات قصد مطابقة حقيقة الواقع لما هو مدون بالسجلات أو مستخرج منها عن طريق الرسوم بإصلاح الأخطاء المادية أو تنقيح رسوم الحالة المدنية أو تسليم نسخ منها أو التصريح بالولادة أو الوفاة أو التصريح بالولادة بالنسبة للمولود المجهول الأبوين والمتخلى عنه والمولود المكفول.
فبالنسبة للولادات غير الشرعية كما هو الأمر بالنسبة للمولود المجهول الأبوين والذي يقع العثور عليه، فإن المشرع في المادة 16 من ق ح م، أعطى لوكيل الملك الحق في التصريح بولادته إما بناء على طلب السلطة المحلية، أو من طرف من يعنيه الأمر، وذلك بعد أن يعزز طلب التصريح به بمحضر تنجزه الشرطة القضائية أو الدرك الملكي حسب الاختصاص تحت إشراف وكيل الملك المختص، وبشهادة طبية تحدد عمر المولود على وجه التقريب ويختار له إسم شخصي وعائلي، وأسماء أبوين أو إسم أب إذا كان معروف الأم، ويشير ضابط الحالة المدنية بطرة رسم ولادته إلى أن أسماء الأبوين أو الأب حسب الحالة قد اختيرت له طبقا لأحكام القانون[33]، وعندما يتلقى ضابط الحالة المدنية تصريحا بولادة من هذا النوع، فإنه يتعين عليه أن يبلغ وكيل الملك بهذه الولادة داخل أجل 3 أيام من تاريخ التصريح بها، أما فيما يخص إصلاح الخطأ المادي فالمشرع أعطى لوكيل الملك صلاحية الإذن بإصلاح الأخطاء المادية بناء على طلب المعني بالأمر بعد التأشير عليه من طرف ضابط الحالة المدنية للمكتب المسجل به الرسم، ويبت وكيل الملك داخل أجل 15 يوما من تاريخ توصله به بالقبول أو الرفض، وإذا انتهى الأجل المذكور اعتبر ذلك بمثابة رفض للإذن ويمكن آنذاك لمن يعنيه الأمر تقدم طلب بذلك إلى رئيس المحكمة الابتدائية وذلك حسب المادة 38 من قانون الحالة المدنية.
وبالنسبة لإصلاح الأخطاء المادية الواردة برسوم الحالة المدنية المسجلة بسفارات وقنصليات المملكة المغربية بالخارج، فإن وكيل الملك لدى المحكمة بالرباط هو المختص بمنح الإذن أو رفضه بقرار معلل، وذلك حسب الفقرة الثانية من المادة 39 من قانون الحالة المدنية، وإذا رفض وكيل الملك إعطاء الإذن يحق لمن يعنيه الأمر تقديم طلب بذلك إلى رئيس المحكمة الابتدائية[34].
إلا أنه بالرجوع إلى الناحية العملية نجد أن هذا المقتضى يطرح صعوبات، بحيث إنه يصعب التمييز بين الأخطاء الجوهرية والتي أناطها المشرع بالاختصاص إلى المحكمة الابتدائية والخطأ المادي الذي أوكله المشرع لوكيل الملك، خاصة وأن هناك تداخل بينهما، ويزداد الأمر صعوبة عندما يتقدم شخص بطلب إصلاح رسم ولادته وهو خطأ جوهري وإضافة الإسم الشخصي خطأ مادي، فهل ستبت المحكمة في الطلب الرامي إلى إصلاح الخطأ الجوهري؟ وتصرح بعدم الاختصاص بالبت في طلب إصلاح الخطأ المادي؟ أم أنها تعتبر نفسها مختصة وتبت في الطلب برمته؟
وفي هذا الصدد يجب ذكر الإجراءات التي يسلكها المعني بالأمر في تقديم الطلب إلى النيابة العامة لمنح الإذن بهذا الإصلاح، حيث يتقدم صاحب المصلحة أو من يعنيه الرسم المشوب بالخطأ المادي، بطلب مؤشر عليه من طرف ضابط الحالة المدنية الماسك للسجل المضمن به الرسم المذكور، إلى وكيل الملك لدى المحكمة الابتدائية التي يقع الضابط بدائرة نفوذها، يطلب من خلاله أن يصدر إذنا إلى الضابط المذكور بإصلاح الخطأ المادي الذي يعتبر الرسم، حيث تتم دراسة الطلب ومقارنة مضمونه بالوثائق المرفقة به والتي تعززه، فإذا رأى وكيل الملك ما يبرر الاستجابة إلى طلبه، فإنه يوافق عليه ثم يواجه إذنا وذلك إلى الضابط بمكتب الحالة المدنية تحت إشراف عامل العمالة أو الإقليم والمفتش الإقليمي لمكاتب الحالة المدنية قصد إصلاح الخطأ المطلوب[35].
وبخصوص تضمين بيانات الزواج وانحلال ميثاقه والتي يتولاها ضابط الحالة المدنية بطلب رسم ولادة كل من الزوجين فور توصله بنسخة من عقد الزواج أو وثيقة الطلاق أو الخلع أو التطليق أو الرجعة أو المراجعة، فإنه يتعين على ضابط الحالة المدنية الذي قام بهذا التضمين، أن يحيل على وكيل الملك المختص نسخة من تلك البيانات ليضمنها في نظير السجل المحفوظ بالمحكمة، ويحيل عليه كذلك ولنفس الغاية الإعلام بوفاة أحد الزوجين[36]، وعلى الرغم من إضفاء القوة الثبوتية على رسوم الحالة المدنية فإن القواعد الشرعية هي وحدها التي تثبت النسب من عدمه، حيث أكد قرار محكمة النقض رقم 8740 بتاريخ 9/5/2007 “التسجيل بالحالة المدنية لا يعتبر حجة قاطعة على ثبوت النسب”.
كذلك هناك من الصلاحيات الموكولة لضباط الحالة المدنية والتي لا يمكنهم الإقدام عليها إلا باستصدار إذن من وكيل الملك لدى المحكمة التي يعمل بدائرة نفوذها، منها ما تطرقت له المادة 32 من ق ح م بخصوص تسليم نسخ رسوم الحالة المدنية المتعلقة بالولادة أو الوفاة، أو إذا تعلق الأمر بتسليم البطاقة الشخصية للحالة المدنية من غير الأشخاص المذكورين على سبيل الحصر في المادة 33 من نفس القانون.
الفقرة الثانية: اختصاصات النيابة العامة القضائية
للنيابة العامة دور أكثر فعالية في القضايا التي ترفع للمحكمة سواء من أجل استصدار الأحكام التصريحية أو التنقيحية وغيرها من القضايا الأخرى التي لها ارتباط بالحالة المدنية، لأنها تكون طرفا فيها بصفتها مدعية أو مدعى عليها إلى حين صدور الحكم فيها وصيرورته نهائيا، حيث تتولى الإجراءات مع ضابط الحالة المدنية قصد تضمين الحكم بطلب الرسم المضمن بالسجل الممسوك لديه.
قبل الخوض في اختصاصات النيابة العامة التي أوكلها إليها المشرع، يجب التطرق أولا إلى صفة النيابة العامة في قضايا الحالة المدنية، وقد احتد نقاش فقهي حول صفتها لما لارتباط هذه القضايا بالنظام العام، فقد عمد الاتجاه الأول إلى أن النيابة العامة لا تكون طرفا أصليا إلا إذا كانت مدعية، مستندين على أحكام الفصل 217 من قانون المسطرة المدنية “يمكن لكل شخص له مصلحة مشروعة أو للنيابة العامة أن يطلب من المحكمة الابتدائية إصدار تصريح قضائي بازدياد أو بوفاة لم يسبق تقييده بدفاتر الحالة المدنية”.
وهناك رأي آخر يذهب إلى أن النيابة العامة تعتبر طرفا أصليا ما دامت مدعية أو مدعى عليها في مجال الحالة المدنية، لأن الطلب القضائي لا يعقل أن يكون بدون مطلوب ولا وجود لمطلوب إلا النيابة العامة، فهي المدعي والمدعى عليه والمطلوبة باعتبارها ممثلة المجتمع[37]، وهو الاتجاه الذي سلكه القضاء المغربي الذي يعتبر النيابة العامة طرفا رئيسيا دائما مدعية ومدعى عليها لأجل مراقبة تطبيق القانون وعدم الإخلال بمقتضياته، خاصة فيما يتعلق بالأمور التي لها صلة بالنظام العام، وقد أكد ذلك القرار الصادر عن المجلس الأعلى –سابقا- رقم 1033 الصادر بتاريخ 17 أبريل 1989 ملف عدد 86/4711 والذي جاء فيه “دعوى الحالة المدنية توجه من النيابة العامة وعليها ولا توجه ضد ضباط الحالة المدنية”[38].
وفي قرار آخر للمجلس الأعلى –سابقا- رقم 2748 بتاريخ 12 يوليوز 2001 ملف مدني رقم 1578/3/2/2000 جاء فيه “حقا يتضح من الاطلاع على وثائق الملف والقرار المطعون فيه صحة ما نعته الطاعنة (النيابة العامة) وذلك الفصل 10 من ق م م يجعل حضور النيابة العامة في قضايا الحالة المدنية طرفا أصليا، لأن الحالة المدنية من النظام العام، وأناط المشرع بالنيابة العامة مهمة مراقبتها، ورغم ذلك فإن القرار لم يشر إلى حضور النيابة العامة في الجلسة ولا إسم من يمثله مما يكون معه قد خرق مقتضيات الفصل 10 ق م م”[39].
فيما ذهب رأي ثالث إلى اعتبار النيابة العامة في قضايا الحالة المدنية لها دور مزدوج أي تملك الصفتين معا وعليها اختيار أي منهما تريد سلكه، وسنده في هذا القول الفقرة الثانية من الفصل 218 من قانون المسطرة المدنية، والذي لم يكتف بإلزام المحكمة بتبليغ النيابة العامة المقال وإذا لم تكن هي التي رفعته لتكون لها الصفة الانضمامية، وإنما أضاف “لتبدي رأيها بمستنتجات كتابية” والتي تقتضي أن المشرع قد أوكل للنيابة العامة أمر اتخاذ أي مسلك من المسلكين تريد التواجد به في الدعوى، إما طرفا رئيسيا مدعى عليه أو طرفا منظما، لأن إبداء الرأي في أمر يقتضي اتخاذ موقف معين[40].
وعمليا تبادر كتابات الضبط بالمحاكم عند وضع المقالات المقدمة من الأغيار إلى تسجيل النيابة العامة كطرف مدعى عليه، كما أن غالبية النيابات العامة تبادر إلى استئناف الأحكام التي تصدر خلافا لملتمساتها الكتابية، وأن محاكم الاستئناف تقبل هذا الاستئناف بالرغم من أن الدعوى لم تقدم من طرفها[41]، وهذا راجع إلى استقرار العمل القضائي، حيث ذهب قرار المجلس الأعلى –سابقا- في الملف المدني عدد 52483 الصادر بتاريخ 15/4/1981 “التزام النيابة العامة بحضور الجلسات في الحالة التي تتقدم فيها بالطلب إلى المحكمة وتقديم المستنتجات الكتابية في حالة تقديمه من طرف الأغيار، وإلا كان الأمر الصادر عن المحكمة عرضة للنقض”[42].
وبالرجوع إلى مقتضيات الفصل 217 من ق. م. م. يمكن للنيابة العامة أن تطلب من المحكمة الابتدائية إصدار تصريح قضائي بازدياد أو وفاة من لم يسبق التصريح به لدى ضابط الحالة المدنية داخل الأجل القانوني الذي حدده المشرع في ثلاثين يوما من تاريخ وقوع الازدياد أو الوفاة، وعدم التصريح بالواقعتين داخل الأجل المذكور لا يعوضه إلا حكم في الموضوع.
ودعاوى الحالة المدنية إما تصريحية تتعلق بالتصريح بالازدياد أو الوفاة أو بالإلغاء (أولا)، وإما تنقيحية تتعلق بطلبات إضافة بيانات أو إصلاح بيانات أو تغيير بيانات (ثانيا).
أولا: دور النيابة العامة في الدعاوى التصريحية
حسب مواد قانون الحالة المدنية فالدعوى التصريحية تتعلق إما باستصدار أحكام تصريحية بالازدياد بالنسبة للمغاربة الذين لم يسبق تسجيلهم بالحالة المدنية أو لم يقع التصريح بولادتهم لدى ضابط الحالة المدنية داخل الأجل القانوني، وكذا الأجانب الذين ازدادوا فوق التراب المغربي ولم يتم التصريح بازديادهم كذلك داخل الأجل القانوني، وإما باستصدار أحكام تصريحية بوفاة نفس الأشخاص المذكورين الذين لم يتم التصريح بوفاتهم من طرف ذويهم داخل أجل ثلاثين يوما[43]، أو استصدار أحكام تصريحية بإلغاء التصاريح المضاعفة أو المكررة، والإبقاء على واحد منها فقط حسب المادة 19 من قانون 37.99.
ولعل المشرع عندما أعطى الاختصاص في إثبات الازدياد والوفاة للمحكمة بعد انصرام أجل ثلاثين يوما، أراد أن ينضبط الناس في معاملاتهم مع مصلحة الحالة المدنية من جهة، ولكون التصريح عقب الولادة أو الوفاة وفي الآجال القريبة يكون أقرب إلى الحقيقة ومطبق للواقع[44].
والإجراءات التي تقوم بها النيابة العامة في هذا الصدد:
– عندما تكون طرفا أصليا أي مدعية، فإنها تبادر إلى نشر الدعوى على المحكمة بعد أن تستجمع وثائق الملف المثبتة والمعززة للطلب موضوع الدعوى، فتتقدم بملتمساتها إلى السيد رئيس المحكمة ضمن وثائق الملف الذي تحيله على كتابة ضبط المحكمة من أجل تعيين جلسة للنظر فيه ومناقشته والنطق بالحكم فيه بحضورها بجلسة علنية.
– أما عندما تكون منضما في الدعوى ففي هذه الحالة يتم نشرها على المحكمة من طرف الأغيار ذوي المصلحة، والنيابة العامة يقع إخبارها من طرف المحكمة التي تحيل عليها ملف القضية للاطلاع على وثائقه وإبداء رأيها فيه بتقديم مستنتجات بواسطة ملتمس كتابي مع حضورها مناقشة القضية في جلسة علنية.
ثانيا: دور النيابة العامة في الدعاوى التنقيحية
الدعاوى التنقيحية بمختلف صورها يكون سبقها وقوع خطأ أثناء تضمين البيانات التي يجب أن يشتمل عليها رسم الولادة أو الوفاة.
يمكن تصور الدعاوى التنقيحية في ثلاثة أنواع:
– فإما أن تتعلق بطلب إضافة بيان أو أكثر أغفل تضمينه بالرسم المتعلق به على الرغم من كون المصرح به قد وثقت بالوثائق الرسمية، أو إن إغفال تضمين هذا البيان كان بسبب عدم التصريح به في حينه.
– أو تتعلق بطلب إصلاح بيان أو أكثر تم تضمينه بالرسم وتبين بعد ذلك أن هذا التضمين وقع مخالفا للواقع أو على خلاف ما تم التصريح به وما تبث بالوثائق المعززة.
– أو تتعلق بطلب تغيير بيان أو أكثر إذا اشتمل الرسم على إحدى البيانات الممنوعة قانونا تضمينها به.
وحتى يتم تطهير الرسم من الخطأ الذي يشتمل عليه لابد من استصدار حكم تنقيحي بذلك بطلب يقدم أمام المحكمة المختصة بإضافة أو إصلاح أو تغيير بيان أو أكثر من بيانات الرسم من طرف كل من له مصلحة وكذا من طرف النيابة العامة.
ثالثا: دور النيابة العامة بعد البت في دعاوى الحالة المدنية
بعد صدور الحكم في الدعوى تتم إحالة الملفات المحكومة عليها لتقرر بغض النظر عما يراه باقي الأطراف في الدعوى، ما إذا كان حكم المحكمة صادف الصواب أو جانبه[45].
فإذا صادف الصواب، فإنها بعد الاطلاع عليها ترجعها إلى كتابة ضبط المحكمة التي إذا لم يطعن بالاستئناف أو التعرض أحد الأطراف ممن يعنيهم أمر الحكم فيها وأصبحت نهائية، فإن وكيل الملك بعد توصله من كتابة ضبط المحكمة بالنسخة الأصلية التنفيذية للحكم النهائي، يسجله بسجل خاص ويصدر تعليماته إلى ضابط الحالة المدنية المختص قصد تضمين منطوق الحكم بالسجل العام للحالة المدنية بطرة الرسم المتعلق به لتطهيره من العيب الذي ألم به[46]، وذلك إما بتنقيحه بإضافة البيان الذي ينقصه أو تغييره أو إصلاحه، وإما بتأسيس رسم ولادة أو وفاة بالنسبة لمن لم يسبق التصريح بولادتهم أو وفاتهم إذا تعلق منطوق الحكم بتصريح بالولادة أو الوفاة، أو بالتشطيب على الرسم المضاعف إذا تعلق الأمر بحكم تصريحي بالإلغاء[47].
أما بالنسبة الأحكام التي ترى النيابة العامة أنها قد جانبت الصواب، فإنها تصرح باستئنافها لدى كتابة ضبط المحكمة وبالتالي تتقدم بتقرير استئنافي تبين فيه أوجه استئنافها إلى محكمة الاستئناف التي يحال عليها الملف للنظر فيه من جديد، ويكون للوكيل العام للملك بمحكمة الاستئناف نفس الدور المخول قانونا لوكيل الملك بالمحكمة الابتدائية ونفس الصلاحيات من حيث التدخل وحضور الجلسة والطعن بالنقض عند الاقتضاء.
وبعد صيرورة الأحكام المطعون فيها نهائية ترجع إلى السيد وكيل الملك لدى المحكمة الابتدائية التي أصدرتها قصد تنفيذها وسلوك نفس المسطرة المذكورة سابقا من أجل تضمينها من قبل ضابط الحالة المدنية المختص بالسجل العام للحالة المدنية[48].
المطلب الثاني: اختصاصات النيابة العامة من خلال قانوني كفالة الطفل المهمل والجنسية
بغض النظر عما للنيابة العامة من دور أساسي وحيوي في تفعيل المقتضيات التي أتت بها مدونة الأسرة، فإنها تلعب دورا محوريا أيضا في بعض القوانين الأخرى المتعلقة بالأسرة والمتمثلة في قانون كفالة الطفل المهمل وفي قانون الجنسية وذلك لما لهذه القوانين من أهمية قصوى في تنظيم الأسرة، ويتوزع تدخل النيابة العامة في ظل هذه القوانين حول ما هو قضائي وما هو إداري أو ولائي، بحيث غالبا ما تكون مدعية أو مدعى عليها، وذلك لكون أغلب الدعاوى المرفوعة تتعلق بالنظام العام، هذا بالإضافة إلى اطلاعها بدور إداري، وذلك إما لتخفيف العبء على الجهات الإدارية الأخرى أو لتسهيل المأمورية على المواطنين.
بالإضافة إلى تمتع النيابة العامة بدور فعال في حماية الأطفال المهملين، وذلك بتدخلها في المسائل المتعلقة بالجنسية باعتبار هذه الأخيرة رمزا للسيادة، والصلة التي تجمع الفرد بوطنه.
إذن ما هي الحالات التي تتدخل فيها النيابة العامة في قانون كفالة الأطفال المهملين (الفقرة الأولى) وقانون الجنسية (الفقرة الثانية).
الفقرة الأولى: اختصاص النيابة العامة من خلال قانون الكفالة
أصبح موضوع الطفل يحظى باهتمام بليغ على المستوى الدولي، وقد توج هذا الاهتمام بإبرام مجموعة من الاتفاقيات خاصة منها اتفاقية الطفل لسنة 1989، وسعيا من المغرب لمواكبة التطور التشريعي في هذا المجال انضم بدوره كطرف في اتفاقية الطفل، حيث صادق عليها سنة 1993، بل إن عناية المغرب بهذا العنصر أساسي وكطرف ضعيف وهو الطفل في المجتمع، تجسدت في إصدار المشرع المغربي لقوانين أكثر ملاءمة كما التزم.
ولعل أهم ما يكرس هذا التوجه للمشرع في هذا المضمار إصداره للقانون رقم 15.11 المتعلق بكفالة الأطفال المهملين[49]، والذي جاء بحماية واسعة النطاق للطفل المهمل من حيث رعايته وتربيته وحمايته والنفقة عليه[50].
وحرصا على التطبيق الأحسن لمقتضيات هذا القانون حول النيابة العامة وصلاحية التدخل من خلال مجموعة من مواده سواء فيما يتعلق بالتصريح بكون الطفل مهملا أو بإسناد الكفالة أو باستمرارها أو إلغائها.
وأول اختصاص تطلع به النيابة العامة في هذا الصدد تحملها بمسؤولية القيام بالأبحاث اللازمة للتحقق من توفر العناصر التي يستلزمها القانون لإثبات كون أن الطفل مهملا، وذلك بعد تلقيها لإشعار بوجود طفل في إحدى الحالات المنصوص عليها في المادة الأولى من قانون رقم 15.01[51] وحرصا على مصالح الطفل المعثور عليه وصيانة لحقوقه، فالنيابة العامة سواء باعتبارها جهازا قضائيا، أو كمؤسسة أحدثت لحماية المجتمع ككل وحماية الحق تحديدا، فإنها وبخصوص إحدى فئات هذا المجتمع ومنهم الأطفال المهملين، وتعتبر النيابة العامة طرفا أساسيا في حماية الأطفال المهملين وضمانا لحقوقهم، ونجدها تلعب عدة أدوار أساسية بداية من التصريح بالإهمال إلى حين التصريح من قبل المحكمة المختصة ثم تدخلها كذلك أثناء تنفيذ الكفالة وانتهائها[52].
إن التصريح بالإهمال إجراء مسطري تقوم به النيابة العامة بداية من الإيداع المؤقت إلى حين التصريح بالإهمال، فالنيابة العامة بمجرد تلقي خبر كون الطفل مهملا والمعثور عليه يوجد بدائرة نفوذها فإنها تأمر بإيداعه مؤقتا بإحدى المؤسسات أو المراكز المذكورة في المادة 8 من قانون كفالة الطفل المهمل، كالمؤسسات الصحية والمراكز الاجتماعية الخاصة بالطفولة.
وما دام القانون لم يحدد صراحة الأشخاص الذين يلقى عليهم عبء هذا الإشعار، فإنه استنادا للقواعد العامة التي تعتمد عليها النيابة العامة في القيام بمهامها، فيمكن لأي شخص وجد طفلا يرى أنه تتوفر فيه شروط إحدى الحالات المبررة لاعتباره مهملا، أن يشعر وكيل الملك إما مباشرة أو بواسطة الضابطة القضائية، كما يتعين على مصالح الشرطة أو الدرك أو السلطات المحلية أن تقوم بهذه المهمة بعدما يتم تبليغها بالعثور على طفل مهمل في إطار المادة 3 من قانون كفالة الطفل المهمل.
ويقوم الوكيل العام للملك بعدما يتلقى هذا الإشعار وقبل رفع الطلب إلى المحكمة بإجراء الأبحاث اللازمة في الموضوع للتأكد من توفر العناصر الكافية لإثبات كون الطفل مهملا وتقديمها إلى المحكمة لتعزيز الطلب وفقا لنموذج خاص.
فالنيابة العامة تقوم بإيداع الطفل موضوع طلب التصريح بالإهمال، ومن البديهي أن هذا الإيداع هو غير الإيداع المنصوص عليه في المادة الرابعة إذ أن الإيداع الأول يرتبط بصدور الحكم بالكفالة، وهذا الأمر أو الحكم بإسناد الكفالة الذي يبقى من اختصاص القاضي المكلف بشؤون القاصرين إعمالا للمادة 14 من نفس القانون الذي يستجيب لكل طلب إما صادر عن شخص أو جهة معينة ترغب في الكفالة بناء على المادة 9[53].
وبمقتضى المادة 18 فإن الأمر الصادر عن الكفالة ينفذ داخل أجل خمسة عشر يوما من تاريخ صدوره بإنجاز محضر يتضمن على الخصوص تسليم الطفل المكفول إلى الجهة الكافلة، كما يتم هذا التسليم بحضور النيابة العامة والسلطة المحلية والمساعدة الاجتماعية.
ولا يقتصر دور النيابة العامة في هذا الإطار على التحري وجمع المعلومات لقاضي شؤون القاصرين، وإنما خول لها إلى جانب الجهات الأخرى باتخاذ المبادرة في اقتراح التدابير التي من شأنها أن تقوي مركز المكفول وتحمي شخصه ومستقبله، وبالموازاة مع ذلك تجنبه أي خطر قد يمسه ومن تم تخويل النيابة العامة اقتراح إلغاء الكفالة عند وجود اعتبارات جدية تستلزم ذلك.
وخلاصة القول، فإن منح الصلاحية للنيابة العامة للتدخل في إطار قانون كفالة الأطفال المهملين لا يخرج عن الخلفية العامة التي يتبناها المشرع والرامية بالدرجة الأولى إلى حين تطبيق القانون، ويبقى للنيابة العامة دورها الأصيل في المجال الزجري فيما يتعلق برعاية الطفل المكفول، وذلك بتطبيق مقتضيات القانون الجنائي[54].
الفقرة الثانية: اختصاصات النيابة العامة في قضايا الجنسية
على غرار الدور المنوط بالنيابة العامة في باقي القضايا المتعلقة بالأسرة، فهي تضطلع بدور مهم في قضايا الجنسية المنظمة بظهير 6 شتنبر1998، ويتوزع دورها في هذا القانون بين ما هو قضائي وولائي، والذي يتجلى في مسألة الطعن في التصريحات الصادرة بالموافقة الصريحة عن الطلبات التي يقدمها الأفراد لاكتساب الجنسية المغربية أو التنازل عنها أو فقدانها أو استرجاعها، وذلك في حالة المنازعة في هذه التصريحات[55].
ويتم هذا الطعن أمام المحكمة الابتدائية المتواجدة بدائرة نفوذها موطن صاحب التصريح، وفي هذه الحالة تكون النيابة العامة هي المدعية والطاعنة، والمعني بالأمر هو المدعى عليه. وعموما يتولى المعني بالأمر مهمة رفع الدعوى والطعن في صحة التصريح،حيث النيابة العامة تكون هي المدعى عليها، ودائما في إطار اختصاصها القضائي تتمتع النيابة العامة بحق مباشرة الدعوى ضد أي شخص، يكون الهدف الأساسي منها هو إثبات تمتعه بالجنسية المغربية أو نفيها عنه، كما يكون وكيل الملك ملزما أيضا في حالة ما إذا طلبت منه إحدى الإدارات العمومية ذلك.
هذا بالإضافة إلى تمتع النيابة العامة بصفة المدعى عليه، عندما يتعلق الأمر برفع دعوى إثبات الجنسية أو نفيها من طرف شخص ما، هذا الأخير ملزم برفع هذه الدعوى أمام المحكمة الابتدائية ضد ممثل النيابة العامة[56].
وفي حالة إثارة مسألة الجنسية بصفة عارضة أمام المحكمة الابتدائية المعروض عليها النزاع، فإنه يكون من الواجب تدخل النيابة العامة فيها والاستماع إلى مستنتجاتها الكتابية، هذا ويمكن للنيابة العامة التدخل في حالة ما إذا كان النزاع معروضا على المحكمة الزجرية مثلا ورأت بأن هناك مسألة متعلقة بالجنسية عن طريق الدفع بما يمكنها من حق إقامة دعوى أمام الابتدائية للبت في هذه المسألة داخل أجل شهر، وبعد ذلك تعود المحكمة الأولى أي المحكمة الزجرية للنظر في النزاع الأصلي[57].
وفي حالة ما إذا أثير هذا الدفع من أحد الأطراف المتنازعين في الدعوى الأصلية، فإن المحكمة تأجل البت فيها وتكلف المعني بالأمر بتقديم دعوى الجنسية أمام المحكمة الابتدائية، وتوجه هذه الأخيرة ضد المنازع في جنسيته والنيابة العامة في آن واحد.
أما بالنسبة للدور الولائي للنيابة العامة في مجال الجنسية فيتجلى فيما يقضي به الفصل 33 من قانون الجنسية من خلال شهادة الجنسية التي تسلم من طرف وزير العدل أو السلطات القضائية أو الإدارية المعنية من طرفه لهذا الغرض، وتم تفعيل هذا الفصل بصدور قرار وزاري في 27 أكتوبر 1958.
وأسند لوكلاء الملك لدى المحاكم الإقليمية على وجه الحصر مهمة تسليم هذه الشهادة للأشخاص الذين يثبتون تمتعهم بالجنسية المغربية، وبعد إلغاء هذه المحاكم أصبح هذا الدور منوط بوكلاء الملك لدى المحاكم الابتدائية بمقتضى نفس القرار.
وفيما يخص مسألة طلبات اكتساب الجنسية فقد أصبحت هذه الأخيرة موجهة إلى وكيل للملك لدى محكمة الاستئناف المتواجدة بدائرة نفوذها موطن ومحل إقامة طالب الجنسية، بعدما كانت هذه الأخيرة موجهة إلى وزير العدل مباشرة وذلك بمقتضى المنشور المؤرخ في 2 ماي 1975.
خاتمة:
وانطلاقا مما سبق ذكره توصلنا إلى أنه لا يمكن إنكار الدور المحوري الذي تلعبه مؤسسة النيابة العامة في الدفاع عن الحق العام وحقوق الأسرة بصفة خاصة.
وبناءا على هذا القول، وجب على المشرع الإسراع بتفعيل عدة مقترحات منها تأمين حصول القضاة على مؤهلات مهنية، وكذا الرفع من وتيرة إنشاء مقرات لائقة لأقسام قضاء الأسرة بمختلف محاكم المملكة.
ونظرا لكثافة الأدوار التي تقوم بها النيابة العامة في جميع قضايا الأسرة، يتعين تزويدها بالإمكانيات المادية والبشرية لأن التنصيص على هذه الأدوار دون توفير آليات العمل يؤدي إلى الاقتصار على حضور النيابة العامة العضوي في تشكيلة هيأة المحكمة دون حضورها الوظيفي الفعلي الذي يتطلب دراسة الملفات دراسة شاملة حتى تستوعب معطياتها وظروفها وملابساتها، مما يجعل مستنتجات النيابة العامة غالبا ما تتضمن تطبيق القانون أو إسناد النظر إلى المحكمة.
[1] – ظهير شريف رقم 1.04.22 صادر في 12 ذي الحجة 1424، موافق ل 3 فبراير 2004 بتنفيذ القانون رقم: 70.03 بمثابة مدونة الأسرة، منشور بالجريدة الرسمية عدد 5184 بتاريخ 09-1 فبراير 2004. ص:418
[2] –محمد عبد المحسن البقالي: قضاء النيابة العامة في ظل أحكام مدونة الأسرة، الطبعة الأولى، 2014، ص: 2.
[3] – سفيان أدريوش: دور النيابة العامة في مدونة الأسرة، مجلة القضاء والقانون، السنة الثالثة والثلاثون، العدد 150المملكة المغربية وزارة العدل،ص 138.
[4] – النيابة العامة طرف أصلي في جميع القضايا الرامية إلى تطبيق أحكام مدونة الأسرة لذلك من الطبيعي توجيه الدعوى في مواجهتها، قرار صادر عن محكمة الإستئناف بالجديدة بتاريخ 26/6/07 تحت عدد 451 في الملف عدد 323/07 منشور بمجلة الملف عدد12 ص 249 وما يليها.
– العبرة بحضور النيابة العامة في قضايا الأسرة هي لمستنتجاتها المكتوبة لا لشخوصها، قرار صادر عن المجلس الأعلى بتاريخ 20/4/10 تحت عدد 217 في الملف عدد 45/09 منشور بمجلة المرافعة عدد 20ص 319 وما يليها.أنظر كتاب محمد بفقير: مدونة الأسرة والعمل القضائي المغربي، منشورات دراسات قضائية سلسلة القانون والعمل القضائي المغربيين طبعة ثانية 2011 ص14.
[5] – وتدخل النيابة العامة في القضايا المدنية منظم بمقتضى الفصل 6 وما يليه إلى الفصل 10 من ظهير 28/9/74 المتعلق بالمسطرة المدنية، إذ ينص الفصل 6 عل أنه ” يمكن للنيابة العامة أن تكون طرفا رئيسيا أو تتدخل كطرف منضم وتمثل الاغيار في الحالة التي ينص عليها القانون”.سفيان أدريوش: المرجع السابق، ص 138.
[6] – فالنيابة العامة قد تكون طرفا رئيسيا وقد تكون طرفا منضما،وقبل التطرق إلى طبيعة تدخل النيابة العامة في قضايا مدونة الأسرة وكذا إلى طبيعة تدخل النيابة العامة في قضايا مدونة الأسرة وكذا إلى صفتها أثناء تدخلها، نشيرأن لكل تدخل خصائصه كالأتي :
1) تدخل النيابة العامة كطرف أصلي ينطوي على دور إيجابي لها في القضايا المدنية، فهي تعتبر واحدا من الخصوم، لها أن تبسط حجمها وللخصوم التعقيب على أرائها ولها نفس الحق، وعندما تتدخل النيابة العامة كطرف منضم فإنها تكتفي بإبداء رأيها لفائدة القانون دون ان يجسد رأيها انتصارا لرأي طرف من الأطراف ويجب ان يكون ذلك في حدود النزاع المعروض على المحكمة.
2) يحق للنيابة العامة استعمال كافة طرق الطعن ما عدا التعرض عندما تكون طرفا رئيسا في القضايا المدنية ولا يحق لها ذلك عندما تكون طرفا رئيسيا في القضايا المدنية، ولا يحق لها ذلك عندما تكون طرفا منضما(الفصل 8 من ق م م )، وتمارس النيابة العامة كطرف رئيسي حقها في الطعن في حدود القواعد العامة المرتبطة بذلك، كما أنه يجب تبليغ الأحكام لها ولا يغني حضورها عن ذلك.
3) حضور النيابة العامة إلزامي في الجلسات المدنية عندما تكون طرفا رئيسيا، وهو اختياري عندما يكون تدخلها انضمامي ) الفصل 10 من ق.م.م).
4) لا يجوز تجريح قضاة النيابة العامة عندما تكون طرف رئيسا لأنها تعتبر خصما حقيقيا في مواجهة الأطراف إذا كانت طرفا منضما فإنه يجوز للخصوم تجريحها لأي سبب من الأسباب المنصوص عليها في الفصل 295 من قانون المسطرة المدنية، وذلك طبقا للفصل 299 من القانون المذكور
والأصل في تدخل النيابة العامة أنه انضمامي، وحدد المشرع المغربي القضايا التي تتدخل فيها النيابة العامة كطرف منظم وهي:
– القضايا التي تطلب النيابة العامة التدخل فيها بعد اطلاعها على الملف.
– القضايا التي تحال من طرف القضاة تلقائيا على النيابة العامة لإبداء رأيها والإدلاء بمستنتجاتها.
– القضايا التي يأمر القانون بتبليغها إلى النيابة العامة والمحددة بعضها في الفصل 9 من ق.م.م، والتبليغ قد يكون في الجلسة وهنا تقدم النيابة العامة مستنتجاتها شفويا أو تلتمس تأخير الملف لجلسة أخرى قريبة للإدلاء بمستنتجاتها، وقد يكون عن طريق إحالة الملف من المحكمة على النيابة العامة بثلاثة أيام قبل الجلسة على الأقل، ويجب الإشارة في الحكم إلى مستنتجات النيابة العامة تحت طائلة البطلان.أنظر الأستاذ سفيان أدريوش، م.س، ص139.
[7] – محمد عبد المحسن البقالي: قضاء النيابة العامة في ظل أحكام المدونة، مرجع سابق، ص: 41.
[8] -عدنان العشعاش، الطبيعة القانونية لتدخل القضاء في مدونة الأسرة، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة، بكلية الحقوق بطنجة، السنة الجامعية 2007-2008، ص: 158-175.
[9] -عبد القادر قرموش، الدور القضائي الجديد في قانون الأسرة المغربي، نشر المعرفة الرباط، ص: 221.
[10] -عدنان العشعاش، مرجع سابق، ص: 178.
[11] – محمد بوفقير: مدونة الأسرة والعمل الفضائي المغربي، الطبعة الثالثة، 2014، ص: 17.
[12]– قرار محكمة النقض عدد 435 الصادر في 2006/09/22 غير منشور.
[13]– أحمد البنوضي: دور النيابة العامة في قضايا الأسرة، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة في القانون الخاص كلية الحقوق، طنجة سنة 2005-2006، ص: 32.
[14] – يجب أن تكون شكاية الزوجة المتضررة واضحة ودقيقة من حيث وقائعها والفصول القانونية المراد تطبيقها حتى يتضح للنيابة العامة ما إذا كان الأمر يتعلق بشكاية عادية أم أنها واردة في إطار تطبيق المقتضيات الزجرية الواردة في مدونة الأسرة، كما أنه يجب على النيابة العامة أن تتوخى الدقة إن هي ارتأت متابعة الزوج لإدلائه بعنوان غير صحيح أو باسم الزوجة مشوب بتحريف، وذلك بالإشارة في قرار المتابعة إلى المادة 43 من مدونة الأسرة والفصل 361 من القانون الجنائي، على اعتبار أن المادة المذكورة منظمة لأركان الجريمة والفصل المذكور يعاقب عليها، وعدم الاكتفاء بالفصل 361 من القانون الجنائي حتى لا تختلط الجريمة المذكورة أعلاه مع جريمة الإدلاء ببيانات غير صحيحة أو عن طريق انتحال اسم كاذب والتي لا تشكل الشكاية شرطا أساسيا وحاسما لتحريك المتابعة من أجلها. ونشير إلى أن العقوبة المنصوص عليها بالفصل 361 من القانون الجنائي تتراوح ما بين 3 أشهر و3 سنوات وغرامة مالية ما بين 200 إلى 300 درهم.أنظر سفيان أدريوش: م.س ص،151.
[15]-عبد المجيد عمور: النيابة العامة مهمتها لدى المحاكم، مجلة القضاء والقانون عدد 15، السنة الثانية 1959، ص: 3.
[16]– سورة البقرة، الآية 234.
[17]– محمد عبد المحسن البقالي الحسني، مرجع سابق، ص: 97.
[18]– محمد عبد المحسن البقالي، نفس المرجع السابق، ص: 96.
[19]– محمد عبد المحسن البقالي الحسني، نفسه، ص: 98.
[20]– ظهير شريف رقم 1.02.139 الصادر في 25 رجب 1423 الموافق لـ 3 أكتوبر 2002 بتنفيذ قانون رقم 37.99 المتعلقة بالحالة المدنية، منشور بالجريدة الرسمية عدد 5054 بتاريخ 2 رمضان 1432 الموافق لـ 7 نوفمبر 2002، ص: 3150.
[21]– مرسوم رقم 2.99.665 الصادر في 2 شعبان 1423 الموافق لـ 9 أكتوبر 2002، منشور بالجريدة الرسمية عدد 5054 بتاريخ 7 نونبر 2002، ص:.
[22]– بنسعيد نور الدين: في شروح قانون الحالة المدنية الجديد رقم 37.99، سلسلة مراجع قانونية، العدد الأول، مطبعة النجاح، الدار البيضاء، الطبعة الأولى 2005، ص: 14..
[23]– بنسعيد نور الدين: في شروح قانون الحالة المدنية الجديد رقم 37.99، سلسلة مراجع قانونية، العدد الأول، مطبعة النجاح، الدار البيضاء، الطبعة الأولى 2005، ص: 14.
[24]– بنسعيد نور الدين، مرجع سابق، ص: 66.
[25]– والتي جاءت بها المادة 6 من المرسوم التطبيقي “يوجه ضابط الحالة المدنية خلال الشهر الموالي لنهاية السنة الميلادية نظيرا عن كل سجل من السجلات الممسوكة لديه بعد مراقبتها وحصرها إلى عامل العمالة أو الإقليم ليقوم المفتش الإقليمي للحالة المدنية بمراقبتها وتحرير تقرير مفصل عن وضعية الرسوم يحيله رفقة نظائر السجلات إلى وكيل الملك لدى المحكمة الابتدائية المختصة محليا”.
[26]– بنسعيد نور الدين، مرجع سابق، ص: 68.
[27]– نعيمة ضوفار: مستجدات ظهير الحالة المدنية المؤرخ في 3 أكتوبر 2002، الأيام الدراسية حول مدونة الأسرة، سلسلة الندوات واللقاءات والأيام الدراسية، العدد 5، شتنبر 2004، ص: 177.
[28]– محمد الصخري: تدخل النيابة العامة في قضاء الأسرة، الأيام الدراسية حول مدونة الأسرة، سلسلة الندوات واللقاءات والأيام الدراسية، العدد 5، شتنبر 2004، ص: 98.
[29]– بنسعيد نور الدين: مرجع سابق، ص: 70.
[30]– المادة 15 من قانون الحالة المدنية.
[31]– بنسعيد نور الدين: نفس المرجع، ص: 71.
[32]– بنسعيد نور الدين: نفسه ص : 71.
[33]– نعيمة ضوفار: مرجع سابق، ص: 185.
[34]– البنوضي أحمد: مرجع سابق، ص: 75.
[35]– نعيمة ضوفار: مرجع سابق، ص: 179.
[36]– بنسعيد نور الدين: مرجع سابق، ص: 80.
[37]– بوزيان محمد، ص: 40.
[38]– البنوضي أحمد: دور النيابة العامة في قضايا الأسرة، مرجع سابق، ص: 20.
[39]– قرار أورده البنوضي أحمد: مرجع سابق، ص: 21.
[40]– الزمالك عبد الكريم: ازدواجية دور النيابة العامة في قضايا الحالة المدنية وأثره عمليا، مجلة المحاكم المغربية، عدد 50، 1987، ص: 12.
[41]– الزمالك عبد الكريم، نفس المرجع، ص: 13.
[42]– قرار أورده بنسعيد نور الدين، في شروح قانون الحالة المدنية الجديد رقم 37.99، مرجع سابق، ص: 87.
[43]– البنوضي أحمد، دور النيابة العامة في قضايا الأسرة، مرجع سابق، صك 61.
[44]– بنسعيد نور الدين: مرجع سابق، ص: 89.
[45]– بنسعيد نور الدين: مرجع سابق، ص: 91.
[46]– المادة 41 من قانون الحالة المدنية “يوجه الحكم الصادر بالتصحيح أو الإذن به من طرف وكيل الملك إلى ضابط الحالة المدنية الذي يقوم بتضمين ملخصه في طرة الرسم المصحح”.
[47]– بنسعيد نور الدين، مرجع سابق، ص: 92.
[48]– بنسعيد نور الدين، نفسه ص: 92.
[49]– كما تم تغييره وتتميمه بمقتضى قانون 62.06 الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.07.80 بتاريخ 3 ربيع الأول 1428 مقابل 23 مارس 2007.
[50]– أحمد عبد المحسن البقالي: مرجع سابق، ص: 38.
[51]– محمد عبد المحسن البقالي الحسني: مرجع سابق، ص: 38.
[52]– محمد بوزيان، مرجع سابق ص: 96.
[53]– محمد الصخيي: تدخل النيابة العامة في قضاء الأسرة، المعهد العالي للقضاء الأيام الدراسية حول مدونة الأسرة العدد 5، شتنبر 2004، ص: 100.
[54]– سفيان الدرويش: دور النيابة العامة في قضاء الأسرة، مجلة رسالة الدفاع، ص: 69.
[55]– محمد بوزيان: مرجع سابق، ص: 98.
[56]– سفيان درويش: مرجع سابق، ص: 106.
[57]– محمد بوزيان: دور النيابة العامة أمام المحاكم المدنية، مرجع سابق، ص: 126.


