بدر الدين بنعودة: حاصل على الإجازة في القانون

الخاص من: الكلية المتعددة التخصصات بتازة

تقديم:

نظم المشرع المغربي الدعوى في قانون المسطرة المدنية وحدد كيفية وشروط رفعها؛ وذلك وفق فصول خاصة منظمه لها في هذا القانون- قانون المسطرة المدنية-، ورغم أن الدعوى تختلف باختلاف الموضوع الذي ترمي إليه، إلا أنه وجب احترام عدة شروط شكلية و أخرى موضوعية حتى تقبل هاته الدعوى، وتأسيسا عليه، سأعالج هذا الموضوع وفق المنهجية التالية:

المبحث الأول: مفهوم الدعوى وأنواعها.

المطلب الأول: مدلول الدعوى.

المطلب الثاني: أنواع الدعوى.

المبحث الثاني: شروط الدعوى.

المطلب الأول: الشروط الموضوعية.

المطلب الثاني: الشروط الشكلية.

ال مب حث الأول: مفهوم الدعوى وأنواعها:

اختلف الفقه حول تعريف الدعوى[(*)] حيث إن مسألة التعاريف هي مسألة فقهية لا قانونية، فبعض الفقه اعتبرها وسيلة توصل إلى الحق، بينما يرى الفقه الآخر أنها الحق نفسه. كما أن للدعوى تقسيمات؛ حيث نجد الدعاوى الشخصية والدعاوى العينية…. وعليه، أتساءل: ما هو مفهوم الدعوى وما هي أنواعها وشروطها؟

المطلب الأول: مدلول الدعوى:

بالرجوع إلى قانون المسطرة المدنية، لم يبين المشرع المغربي مفهوم الدعوى لكن بالرجوع إلى الفقه نجد بأنه أعطى لها تعاريف تختلف من فريق إلى آخر. فهناك من عرفها على أنها “سلطة يملكها شخص بمقتضى القانون يحصل بواسطتها من القضاء على تقرير أو حماية الحق الذي يدعيه، أو بتعبير آخر: الدعوى حق الشخص في أن يطلب من القضاء حماية أو تقرير من يدعيه” ([1]).

وهناك من عرف الدعوى على أنها وسيلة إلزام الدولة بإقامة العدل ممن طلب منها ([2]). أو يمكن تعريفها على أنها وسيلة قانونية قررها القانون للأشخاص يلجؤون إليها عندما يدعون مساس الغير بحقوقهم، وذلك أمام القضاء بصفته المكلف بالنظر في كل الدعاوى الق تعرض أمامه بسبب الخلافات الق تنشأ بين الأفراد ([3]).

المطلب الثاني: أنواع الدعاوى:

تنقسم الدعوى إلى عدة أقسام وذلك لأهمية هذا التقسيم في معرفة اختصاص المحاكم وكذا “صبغة وسمة الحق موضوع الدعوى” ([4]) وبناء عليه، ما هي تقسيمات وأنواع الدعوى؟

الفقرة الأولى: الدعاوى العينية والدعاوى الشخصية:

  1. الدعاوى العينية: وهي دعاوى تهدف إلى المطالبة بحق عيني، والحق العيني هو: “سلطة مباشرة لشخص على شيء معين تمكنه من استخلاص حقه من ذلك الشيء مباشرة ودون وساطة أحد، كما يكون له أن يحتج  بذلك الحق ضد الكافة. وهذا يعني أن الحق العيني لا يحتوي إلا على عنصرين هما صاحب الحق، وموضوع الحق ([5])”.
  2. الدعاوى الشخصي: هي كل دعوى تهدف إلى حماية حق شخصي، هذا الأخير “هو رابطة قانونية بين شخصين بمقتضاها يلتزم أحدهما وهو المدين تجاه الآخر الذي هو الدائن، بأن يؤدى له مبلغا من النقود أو بأن يقوم لصالح ذلك الدائن بعمل معين ([6])”. 

الفقرة الثانية: الدعاوى العقارية والدعاوى المنقولة:

  1. الدعاوى العقارية: هي التي يكون موضوعها عقارا؛ وقد انقسم الفقهاء المسلمون في تحديد معنى هذا الأخير، يرى غير المالكية من حنفية وشافعية وحنابلة أن العقار هو كل شيء لا يمكن نقله من مكانه أبدا وهذا يعنى أن كلمة العقار لا تنطبق إلا على الأرض. في حين يرى المالكية أن العقار هو كل شيء لا يمكن نقله أبدا، أو لا يمكن نقله إلا بتغيير هيأته، وهذا يعنى أن كلمة عقار كما تطلق على الأرض تطلق أيضا على الأشجار والبناء وما يتصل بها مما لا يمكن نقله إلا بتغيير هيأته ([7]).
  2. الدعاوى المنقولة: هي كل الدعاوى التي تنصب على المنقولات دون سواها، والمنقول هو كل شيء ينقل من مكان لآخر دون إحداث تغيير في هيأته.

الفقرة الثالثة: الدعاوى الحيازية ودعاوى الاستحقاق:

  1. الدعاوى الحيازية: هي كل دعوى تهدف إلى حماية الشخص الحائز لها، والحيازة كما هي معرفة في المادة 239 من قانون رقم 39.08 المتعلق بمدونة الحقوق العينية “هي السيطرة الفعلية على الملك بنية اكتسابه”.

2) دعاوى الاستحقاق: هي كل الدعاوى التي يكون موضوعها حماية حق الملكية[(*] سواء أكان

عقارا أم ملكية حق عيني مرتبط به.

المطلب الثاني: شروط الدعوى:

لابد لرفع أية دعوى أمام القضاء أن تتوفر فيها شروط لكي تكون الدعوى مقبولة قانونا وهاته الشروط إما أن تكون موضوعية (المطلب الأول) أو شروط شكلية (المطلب الثاني).

المطلب الأول: الشروط الموضوعية:

المقصود بالشروط الموضوعية للدعوى ما هو منصوص عليه في الفصل الأول من قانون المسطرة المدنية والذي ينص على أنه:” لا يصح التقاضي إلا ممن له الصفة والأهلية والمصلحة لإثبات حقوقه….” وبناء عليه، يتبين من خلال هذا الفصل أنه يجب أن تتوفر ثلاث شروط للتقاضي وهي: الصفة والأهلية والمصلحة. وسأفسر المقصود بكل واحدة منها من خلال ثلاث فقرات.

الفقرة الأولى: الصفة:

الصفة هي “ولاية مباشرة الدعوى، وهي الصفة التي يتحلى بها صاحب الحق في إجراءات الخصومة يستمدها المدعي من كونه صاحب الحق أو خلفا له أو نائبه القانوني. ([8]).

وبالرجوع إلى الفصل 515 من قانون المسطرة المدنية نجده ينص على أن الدعوى ترفع ضد:

  1. الدولة في شخص الوزير الأول[(*)] وله أن يكلف بتمثيله الوزير المختص عند الاقتضاء.
  2. الخزينة العامة في شخص الخازن العام.
  3. الجماعات المحلية [(*)]في شخص العامل بالنسبة للعمالات والأقاليم، وفي شخص رئيس المجلس الجماعي بالنسبة للجماعات.
  4. المؤسسات العمومية، في شخص ممثلها القانوني.
  5. مديرية الضرائب في شخص مدير الضرائب فيما يختص النزاعات المتعلقة بالقضايا الجنائية التي تدخل ضمن اختصاصاتها.

وبالتالي، يستشف من هذين الفصلين أن الدعوى يمكن أن ترفع ضد أشخاص كيفما كان نوعهم (طبيعيين أو معنويين) شريطة تحديد الصفة لأن هاته الأخيرة تعد شرطا جوهريا وضروريا في الدعوى.

الفقرة الثانية: الأهلية:

يحدد سن الأهلية في القانون في سن 18 سنة شمسية كاملة (المادة 209 من مدونة الأسرة).وتنقسم الأهلية إلى قسمين: أهلية أداء وأهلية وجوب كما نصت على ذلك مدونة الأسرة وذلك في المادة 206 منها؛ أهلية الأداء هي صلاحية الشخص لممارسة حقوقه الشخصية والمالية ونفاذ تصرفاته. أما أهلية الوجوب فهي صلاحية الشخص لاكتساب الحقوق وتحمل الواجبات التي حددها القانون، وهى ملازمة له طول حياته ولا يمكن حرمانه منها. إلا أن الدكتور مأمون الكزبري يرى أن أهلية الوجوب: “تبدأ قبل ذلك للجنين في حدود معينة”([9]). لكن ما يهمنا هنا هي أهلية الأداء لأنها هي المقصودة في الفصل الأول من قانون المسطرة المدنية ([10]).

وعليه، فالدعوى يجب أن تقدم من الشخص البالغ سن الرشد وأن تكون أهليته كاملة، هذا كقاعدة، وبما أن لكل قاعدة استثناء، فالاستثناء من هاته القاعدة هي أنه يمكن أن ترفع الدعوى من طرف القاصر أو ناقص الأهلية وذلك وفق الشروط التالية:

لقد نصت المادة 211 من مدونة الأسرة على أنه: “يخضع فاقدو الأهلية و ناقصوها بحسب الأحوال لأحكام الولاية أو الوصاية أو التقديم بالشروط ووفقا للقواعد المقررة في هذه المدونة”. كما حددت كل من المواد 229 و 230و231 المقصود بالنائب الشرعي وكذا صاحب النيابة.

الفقرة الثالثة : المصلحة:

يقال إنه لا دعوى بدون مصلحة. وبالتالي تعتبر المصلحة شرطا أساسيا لقيام الدعوى بانعدامها تنعدم الدعوى؛ وحيث إن المصلحة هي التي تحدد الأسباب والدوافع لرفع الدعوى يجب أن تتوفر في المصلحة ثلاث شروط:

  1. أن تكون مصلحة قانونية: والمقصود هنا أن تكون المصلحة مبنية على حق يطالب به الرافع للدعوى ([11]) وأن تكون مشروعة إذ لا عبرة برفع دعوى لأجل تحقيق مصلحة غير مشروعة كرفع دعوى من أجل مطالبة القاتل بالإرث لأن هنا القاتل عمدا لا يرث ويعامل بنقيض قصده.
  2. أن تكون المصلحة قائمة وحالة: أي أن تكون مصلحة المطالب بالحق موجودة حين رفع الدعوى وذلك مثلا برفع دعوى للمطالبة بالحكم الإفراغ، فهنا مصلحة المدعي هي إفراغ المحل من طرف المدعى عليه، فالمصلحة هنا قائمة بجكم أن المحل المراد استرجاعه فيه مصلحة للمدعي لكون هذا الأخير مثلا يقطن في محل للكراء في حين أن له محل في ملكيته، هذا من جهة، و من جهة أخرى فالمصلحة هنا حالة لا تقيل التأجيل.
  3. أن تكون شخصية ومباشرة: فعلى المدعي إثبات أن له مصلحة شخصية في الدعوى وليس مصلحة شخص آخر ما لم يكن نائبا عنه.

المطلب الثاني: الشروط الشكلية للدعوى:

يقصد بالشروط الشكلية تلك البيانات الإلزامية التي يجب أن تتوفر في موضوع طلب الدعوى، فبالرجوع إلى الفصلين 31 و32 من قانون المسطرة المدنية نجد الشروط أو البيانات الإلزامية لرفع الدعوى؛ ينص الفصل 31 على أن الدعوى يجب أن ترفع بمقال مكتوب أي مقال افتتاحي للدعوى، ويبين الفصل 31 على أن المقال الافتتاحي يجب أن يكون مكتوبا وموقعا من طرف المدعي ووكيله. وهنا تجدر الإشارة على أن المشرع أعطى إمكانية أن يدلي المدعي شفويا بتصريح أمام أحد أعوان كتابة الضبط المحلفين ويحررونه في محضر يوقع عليه المدعي أو يشار على أنه لا يمكنه التوقيع، لكن التصريح الشفوي له انتقادات وأتفق مع الدكتور عبد الكريم الطالب حينما يقول على أن “رفع الدعوى بواسطة تصريح شفوي محفوف يبعض المخاطر أهمها عدم الموضوعية أو الدقة في ترجمة التصريحات التي أدلى بها المعني بالأمر شخصيا أمام كاتب للضبط”. واستثناءا للفصل 31 في مسألة المقال المكتوب نجد الفصل 45 من قانون المسطرة المدنية الذي ينص على أن تكون المسطرة شفوية في القضايا التالية:

  •     القضايا إلى تختص فيها المحاكم الابتدائية فيها ابتدائيا وانتهائيا.
  •     قضايا النفقة والطلاق والتطليق.
  •     القضايا الاجتماعية.
  •     قضايا استيفاء ومراجعة وجيبه الكراء.
  •   قضايا الحالة المدنية.

وبالرجوع إلى قانون رقم 42.10 المتعلق بتنظيم قضاء القرب وبالضبط في الفصل السادس منه ينص على أنه” تكون المساطر أمام أقسام قضاء القرب شفوية ومجانية… “. وبالتالي فبالإضافة إلى الفصل 45 من قانون المسطرة المدنية نجد حتى المساطر المتعلقة في قانون قضاء القرب هي شفوية غير مكتوبة.

إضافة إلى ما ذكر توجد بيانات إضافية أخرى يجب أن يتوفر عليها المقال الافتتاحي أو المحضر وهي:

  •    التعريف بأطراف الدعوى: وذلك بتضمين أسمائهم العائلية والشخصية وصفة أو مهنة وموطن أو محل إقامة المدعى عليه والمدعي، وفي الحالة التي يكون فيها وكيل للمدعي أو المدعى عليه فإن المقال يجب أن يتضمن اسم وصفة وموطن الوكيل كذلك، هذا إذا كان الطرفان أشخاص ذاتيين أما إذا كان أحد الأطراف شركة فيجب أن يتضمن المقال أسم الشركة وكذا نوعها ومركزها؛ والمقصود بنوع الشركة إما مثلا شركة ذات المسؤولية المحدودة S.A.R.L أو شركة المساهمة S.A…الخ.
  •   – يجب أن يتضمن المقال كذلك لموضع الدعوى وكذا الوقائع والوسائل المثارة ويجب أيضا إذا كان ينوي المدعي استعمال المستندات أن يرفقها بالمحضر وأن يتسلم وصل من طرف كاتب للضبط يبين فيه المستندات المرفقة ونوعها، فإذ لم يتضمن المقال أو المحضر إحدى البيانات الإلزامية المنصوص عليها في الفصلين 31 و32 فإن الدعوى لا تقبل وتطلب المحكمة إعادة تصحيح المسطرة.

إن كل متضرر يلجأ إلى القضاء لإنصافه وذلك برفع دعوى أمام المحكمة المختصة للنظر في قضيته، وبالتالي فالقضاء يعد لبنة أساسية لبناء دولة ديمقراطية دولة الحق والمؤسسات في إطار القضاء في خدمة المواطن.


[(*)](*) يراجع د عبد الكريم الطالب، الشرح العملى لقانون المسطرة المدنية، مطبوعات المعرفة مراكش، طبعة أبريل 2009، ص144.

[1] عمر أبو الطيب، الدعوى العمومية، دراسة تأصيلية وتحليلية ومقارنة لأحكام الدعوى العمومية، ط 1/1995 شركة بابل للنشر والتوزيع الرباط، ص 113.

[2] عمر أبو الطيب، م، س، ص 144.

[3] عبد الكريم الطالب، م، س، ص 146.    

[4] د. عبد الكريم الطالب، م. س، ص، .147

[5] محمد بن معجوز، الحقوق العينية في الفقه الإسلامي والتقنين المغربي، مطبعة النجاح الجديدة الدار البيضاء، طبعة 1429/ 2008 ص 22

[6] محمد بن معجوز، م، س، ص 21- 22.

[7]محمد بن معجوز، م. س، ص23

[(*](*) حق الملكية هو حق دستوري يضمنه الدستور من خلال الفصل 35، الدستور الجديد للمملكة المغربية الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم: 1.11.91 بتاريخ 29 يوليوز 2011 والمنشور بالجريدة الرسمية عدد 5964 بتاريخ 30 يوليوز 2011ص 33 وما بعدها.

[8] د، عبد الكريم الطالب، م. س، ص 157، نقلا عن، موسى عبود، ومحمد السماحي، المختصر في المسطرة المدنية والتنظيم القضائي 121   

[(*)]طبقا للدستور الجديد للمملكة المغربية لسنة 2011 عدل اسم الوزير الأول برئيس الحكومة.

[(*)].هذا المصطلح لم يعد له وجود في ظل دستور 2011 وغير بمصطلح الجماعات الترابية.

[9] مأمون الكز برى ، نظرية الالتزامات في ضوء قانون الالتزامات والعقود المغربى، الجزء ، مصادر الالتزامات ، بيروت 1972، ص 135

[10] د، عبد الكريم الطالب ، م.س، ص 166.

[11] عبد الكريم الطالب، م.س، ص 166.

https://powderencouraged.com/w3m6c9b5?key=af8b4909c0965493e9682d74bb50a646
https://powderencouraged.com/ksq5rgwdmh?key=b5b47a0d83f8742dcf71d4de8ef00494
https://powderencouraged.com/bkcduddx?key=0252cc21d0f4e0ae5f53245940611301
×
error: Content is protected !!

اكتشاف المزيد من

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading