دراسة تحليلية نقدية في ضوء مقتضيات القانون الجديد لنظام التحفيظ العقاري ومستجدات مدونة الأوقاف

 

الأستاذ عمر السكتاني

أستاذ باحث، خريج دار الحديث الحسنية

يؤدى نظام التحفيظ العقاري وظيفة مهمة في حماية الملكية العقارية وضمان حماية الدائنين، كما يشكل لبنة أساسية لانطلاق المشاريع الاقتصادية والاجتماعية وأرضية صلبة لممارسة الأنشطة التجارية، ونقطة للالتقاء بين الملكية العقارية والملكية التجارية، ورغم الحيثيات التي نشأ فيها هذا النظام فإنه سيوفر على المستوى الموضوعي والشكلي مجموعة من المبادئ التي يمكن أن تقدمها أحدث الأنظمة العقارية اليوم في مجال تحقيق الملكية وتوفير ضمانات قوية لفائدة الدائنين والبنوك ومختلف الفاعلين الاقتصاديين والمنعشين العقاريين.

وإذا كان الواقع يثبت الحاجة الملحة لهذا النظام وضرورة تعزيزه بمجموعة من الآليات والقواعد الموضوعية والإجرائية التي تضمن له النجاعة والحماية الكافية لمختلف المراكز القانونية، فإن هناك مجموعة من الصعوبات التي ظلت تواجهه على مستوى التطبيق. ومن اهم هذه الصعوبات تنوع وازدواجية النظام العقاري وتنازع النصوص القانونية وصعوبة التوفيق بينها، إذ هناك الأملاك العامة والأملاك الخاصة والأراضي السلالية والأراضي المسترجعة وأراضي الكيش، بالإضافة إلى أملاك الأحباس أو الأوقاف. هذه الأخيرة التي تثير أكثر من إشكال خلال جريان مساطر التحفيظ العقاري، خاصة على مستوى تصفية الوقف الواقع على العقار وطبيعة المستندات والوثائق المعتمد عليها في إثبات الحبس وإيداع مطالب التحفيظ، وإشكالية التسجيل والحوز في الوقف الواقع على العقار المحفظ، وتحفيظ الوقف ومدى خضوعه لقاعدة التطهير والتملك النهائي.

من هذا المنطلق كان لزاما على المشرع إعادة النظر في المرجعية القانونية المنظمة للعقار بما يساهم في خلق الانسجام بين مختلف الأنظمة القانونية وتحقيق الاستقرار في مجال الملكية العقارية، وهو ما تجلى من خلال القانون الجديد رقم 07-14 المتعلق بالتحفيظ العقاري والقانون رقم 08-39 المتعلق بمدونة الحقوق العينية، بالإضافة إلى القانون المتعلق بمدونة الأوقاف الصادر بمقتضى الظهير الشريف رقم 1.09.236 بتاريخ 8 ربيع الأول 1431 (23 فبراير2010 )، والذى جاء بمجموعة من المقتضيات الجديدة في مجال تنظيم الوقف وحماية الرصيد الوقفي، سواء تعلق الأمر بالوقف العام الذى خصصت منفعته لوجوه البر والإحسان وتحقيق منفعة عامة أم بالوقف المعقب الذى يقصد به ما أوقفه الواقف من أمواله على أولاده وأولادهم ما تناسلوا أو على شخص أو أشخاص معينين ما تناسلوا، أو بالوقف المشترك الذى تخصص منفعته على جهة عامة وعلى شخص بذاته أو عليه وعلى عقبه ([1])، بالإضافة إلى تحديد طبيعته القانونية باعتباره لا يعد وسيلة من وسائل نقل الملكية وإنما يعطي للموقوف عليه الحق في الانتفاع بالموقوف فقط دون حق الرقبة الذى يبقى للواقف طبقا لأحكام المذهب المالكي.

وتتميز الأوقاف بمجموعة من الخصوصيات من أهمها

  • الأملاك الوقفية غير قابلة للتصرف فيها.
  • الأملاك الوقفية غير قابلة للحجز.
  • الأملاك الوقفية لا تكتسب بالتقادم.
  • الوقف العام يتمتع بالشخصية المعنوية.
  • الوقف العام غير قابل للنزع ولا للتخصيص.

لذلك، فإن الإشكال الذي يصادفنا في هذا الصدد هو كيف يمكن التوفيق بين خصوصيات المادة الوقفية وبين القواعد العامة لنظام التحفيظ العقاري، وهو ما سنحاول التطرق إليه من خلال إبراز دور مسطرة التحفيظ في توفير حماية ناجعة للأملاك الوقفية (الفقرة الأولى) قبل أن نتطرق إلى دراسة نطاق هذه الحماية بعد تأسيس الرسم العقاري ومدى خضوع الوقف لمبدأ التطهير (الفقرة الثانية)

المبحث الأول: أليات ونطاق حماية الوقف خلال سريان مسطرة التحفيظ

تحتل الأملاك الوقفية مكانة بارزة على مستوى مسطرة التحفيظ العقاري بالنظر لخصوصية الأحكام المنظمة للوقف وخضوعه للعديد من المقتضيات التي تقتضيها طبيعته كعمل يندرج في إطار أعمال التبرعات التي تعطي للموقوف عليه الحق في الانتفاع بالموقوف فقط دون ملكية العين الموقوفة التي تبقى للواقف وفقا لأحكام المذهب المالكي ومقتضيات القانون المغربي، حيث إحاطة المشرع بمجموعة من الامتيازات كالإعفاء من صوائر إيداع مطلب التحفيظ عندما يتعلق الأمر بتحفيظ الأملاك الحبسية العمومية وعدم القابلية للتفويت أو التقادم وإجبارية التحفيظ عند معاوضة العقارات المحبسة تحبيسا عموميا (المادة 72 من مدونة الأوقاف) وهكذا متى كان العقار المحبس أو المقايض به غير محفظ فإنه يلزم وقبل إتمام المقايضة تحفيظ هذا العقار بطلب من وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية أو بطلب من صاحب العقار المقايض به، وتجد هذه الخصوصيات مبررها في كون الوقف يشكل مصدرا من مصادر قوة المجتمع الإسلامي ومظهرا من مظاهر الرعاية الاجتماعية من خلال ما يضطلع به من وظائف في المجتمع، الأمر الذى يقتضي البحث عن مدى تجاوب قانون التحفيظ العقاري مع خصوصيات وأهداف المادة الوقفية.

وبصفة عامة فإن حماية الوقف تتم إما بإيداع مطلب التحفيظ وما يقتضيه من عمليات الإشهار والتحديد وتثبيت حدود العقار (الفقرة الأولى) وإما عن طريق سلوك مسطرة التعرض في مواجهة مطالب التحفيظ المقدمة من الغير والشاملة لبعض هذه العقارات الحبسية (الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى: خصوصيات الوقف في مسطرة التحفيظ

كثير هي الإشكالات التي يثيرها الوقف على مستوى مسطرة التحفيظ باعتبارها أداة ناجعة في تثبيت الوضعية القانونية للأوقاف العامة والخاصة أو المعقبة وحمايتها من الترامي والاعتداء عن طريق تقديم مطلب للتحفيظ من طرف الجهة المؤهلة لذلك قانونا، ومن أبرز هذه الإشكاليات تحديد من له الحق أو الصفة في تقديم مطلب التحفيظ بالإضافة إلى تحديد خصوصية الإجراءات المتعلقة بالوقف المنصب على عقارات في طور التحفيظ.

  1. من له الصفة في تقديم مطلب تحفيظ العقارات الموقوفة

لقد اختلف الفقه القانوني حول تحديد من له الصفة في تقديم مطلب التحفيظ في اسمه، حيث ذهب جانب من الفقه إلى تأييد إمكانية تقديم مطلب التحفيظ من طرف الواقف مستندا في ذلك إلى موقف المذهب المالكي الذى يعتبر العقار الموقوف باقيا على ملك الواقف بعد التحبيس ([2]) (1)، غير أن هذا الرأي يبقى محل نظر لاسيما وان المحبس لا يمكنه التصرف فيه خلال حياته بعد حبسه، لذلك ذهب جانب أخر من الفقه إلى ضرورة تقديم مطلب التحفيظ من طرف المستفيدين، في حين ذهب اتجاه أخر إلى ضرورة تقديم مطلب التحفيظ من طرف ناظر الأوقاف تطبيقا لمقتضيات المرسوم رقم 265008 الصادر بتاريخ 29 رمضان 1384 هـ ( 2 فبراير 1965 ) والذى تم بموجبه تعميم نظام التحفيظ العقاري على جميع العقارات الحبسية، حيث نص في فصله الأول على أن “المقتضيات التشريعية والتنظيمية المتعلقة بنظام التحفيظ العقاري ولاسيما الظهير الشريف المشار إليه أعلاه المؤرخ في 09رمضان 1331 (12 غشت1913 ) تطبق على العقارات الحبسية الكائنة في أنحاء البلاد غير الجاري عليها هذا النظام.

وبناء على ما ذكر يمكن أن يطلب تحفيظ أي عقار حبسي كيفما كان موقعه بإيعاز من وزير الأوقاف أو نظار الأوقاف المفوض إليهم في هذا الصدد”.

وهذا الرأي الأخير بدوره يبقى محل نظر إذا علمنا أن ناظر الأوقاف لا يملك أي حق عيني على العقار الموقوف، كل ما في الأمر أن القانون أناط به سلطة الإدارة وتسيير المال الموقوف والمحافظة عليه بتكليف من السلطة الحكومية المكلفة بالأوقاف ([3]) (1)، وهذا الغموض كان له الأثر البالغ على مستوى العمل الإداري بالمحافظة العقارية، حيث أدى هذا الخلط في التأويل إلى تحفيظ بعض العقارات الموقوفة، إما في اسم ناظر الأوقاف بصفته ممثلا للنظارة التي يراسها واحيانا بصفته المالك، كما تم تحفيظ عدد من العقارات في اسم وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية في حين أن هذه الأخيرة ليست إلا قطاعا حكوميا مكلفا بإدارة هذه الأوقاف، بل إن بعضها تم تحفيظه في اسم أحباس مدينة من المدن أو في اسم نظارات الأوقاف، علما بأن هذه الأخيرة ليس لها أي حق على العقارات الحبسية، وهذا الغموض والتناقض في التأويل ليس امرأ نظريا وإنما يحمل في طياته مجموعة من الآثار الخطيرة على حماية الوقف خاصة وان التحفيظ يقوم على مبدإ التطهير، وهو الأمر الذي قد يترتب عليه ضياع العديد من العقارات الحبسية، لذلك فإننا نعتقد بأنه يجب التمييز على الأقل في إطار القانون الحالي بين الأوقاف المعقبة والأوقاف العامة، فالأولى تحفظ في اسم المستفيدين من الوقف أما الثانية فيجب تحفيظها في اسم الوقف العام. سندنا في ذلك أن الناظر عندما يقدم مطلب تحفيظ أي عقار حبسي فإنما يقوم بذلك بمقتضى نيابته القانونية عن الوقف العام الذي يتمتع بشخصية معنوية مستقلة تخوله صلاحية اكتساب الحقوق والتحمل بالالتزامات ([4])، لذلك نعتقد بأن مدونة الأوقاف الجديدة كانت على صواب عندما نصت في المادة 50 على انه:

((…. يتمتع الوقف العام بالشخصية الاعتبارية منذ إنشائه، وتتولى إدارة الأوقاف تدبير شؤونه وفقا لأحكام هذه المدونة وتعتبر ممثله القانوني «، وهو الأمر نفسه الذي يمكن استنباطه أيضا من مقتضيات المادة 54من مدونة الأوقاف التي نصت على ما يلي: ” إن الرسوم العقارية المؤسسة لفائدة الغير لا تمنع المحكمة من النظر في كل دعوى ترمي إلى إثبات صفة الوقف العام لعقار محفظ، شريطة أن ترفع الدعوى في مواجهة جميع ذوي الحقوق المقيدين… “

غير أننا نعتقد بأن الشخصية المعنوية لا تقتصر على الوقف العام وإنما تشمل حتى الوقف المعقب، ومهما كان الأمر فإن الاعتراف للوقف بالشخصية المعنوية تترتب عليه مجموعة من النتائج من أهمها:

  1. أن للوقف باعتباره شخصا معنويا ذمته المالية المستقلة عن ذمة ناظر الوقف أو متوليه، وعن ذمة الواقف، والموقوف عليهم، فمال الوقف وجميع حقوقه والتزاماته خاص به وان ذمته لا تنشغل بذمة غيره مهما كان، وتكون هي المالكة -اعتباريا-لجميع حقوقه وأمواله، وان دائني الواقف، أو الناظر أو الموقوف عليه ليس لهم حق على ذمة الوقف، كما أن ديونه لا يطالب بها غير الوقف نفسه، كما انه لا تقع المقاصة بين ديون الوقف وديون هؤلاء.
  2. وأن للوقف باعتباره شخصا معنويا أهلية مدنية في كسب الحقوق واستعمالها في الحدود التي رسمها له القانون.
  3. وان له كذلك حق التقاضي ورفع الدعاوى على الغير، كما للآخرين الحق في رفع الدعوى عليه باعتباره شخصا معنويا.
  4. يمثله في كل ذلك ناظر الوقف أو الشخص الذي يحدده صك الوقف أو القضاء أو إدارة الوقف حسب النظام الأساسي له، وان هذا الشخص عليه ما على الوكيل للشخص الطبيعي من الحقوق والواجبات والمسؤوليات.

ب -الوثائق والمستندات المدعمة لمطالب تحفيظ العقارات الموقوفة

لقد وضع المشرع مجموعة من المقتضيات القانونية التي من شأنها تعزيز قرينة الملكية لفائدة طالب التحفيظ، ومن بين هذه المقتضيات ضرورة تدعيم مطلب التحفيظ بالحجج والوثائق والمستندات الكافية، حيث ينص الفصل 13 من ظهير 12 غشت 1913 بشأن التحفيظ العقاري كما تم تعديله وتتميمه بالقانون رقم”:07-14

“يقدم طالب التحفيظ تصريحا للمحافظ على الأملاك العقارية مقابل وصل يسلم له فورا، مطلبا موقعا من طرفه أو ممن ينوب عنه بوكالة صحيحة، يتضمن لزوما:

8 -اصل التملك…..

” كما ينص الفصل 14من نفس الظهير على ما يلي:

“يقدم طالب التحفيظ مع مطلبه أصول أو نسخ رسمية للرسوم والعقود والوثائق التي من شأنها أن تعرف بحق الملكية وبالحقوق العينية المترتبة على الملك”، وهو نفس الأمر الذى سبق تأكيده بمقتضى دورية المحافظ العام الصادرة بتاريخ12 /5/ 2010تحت عدد 005656 التي دعا من خلالها المحافظين العقاريين إلى إعطاء أهمية قصوى لكفاية العقود والسندات المدعمة لمطالب التحفيظ وان تتوفر فيها الشروط الشكلية والجوهرية المتطلبة قانونا وارتباطها بالعقار المطلوب تحفيظه، وهنا يثار الإشكال حول طبيعة الوثائق والمستندات المدعمة لمطالب تحفيظ العقارات الحبسية وموقف المحافظين على الأملاك العقارية من هذه الوثائق والمستندات.

بداية لابد من التأكيد على أن إيداع مطلب التحفيظ من طرف المحبس عليهم يقتضي الإدلاء بما يفيد ملكية المحبس لما حبس وتعيين الملك المحبس تعيينا واضحا ودقيقا بالإضافة إلى الإدلاء بما يفيد التحبيس حسب ما ذهب إليه قرار المجلس الأعلى عدد 1099 الصادر بتاريخ 05/ 04/ 2006 ([5]) الذى جاء فيه: “إن على من يدعي أن عقارا محبسا عليه إثبات وجود التحبيس وملكية المحبس، وان رسم إثبات الحبس المدلى به من الطالبة عدد 321 بتاريخ 29 / 9/ 1988 هو عبارة عن لفيف شهد شهوده بكون مجموعة من الأملاك المذكورة بالرسم هي حبسية، ولم يشر إلى المحبس ولا سند تملكه للعقارات موضوع التحبيس رغم كون شهادتهم تفيد القطع والجزم… وان الحدود الواردة بإشهاد نائب الجماعة مختلفة عن حدود المدعى فيه حسبما ورد في تعليلات القرار مما تكون معه محكمة الاستئناف قد طبقت القانون الواجب التطبيق في دعاوى الملكية وما بالوسيلتين على غير أساس “. وهو المبدأ نفسه الذي تم تأكيده بمقتضى قرار المجلس الأعلى عدد 2832 الصادر بتاريخ 27 /09 / 2006 ([6]) والذي جاء فيه: “… انه لا يقضى للقائم بالحبس إلا بعد إثبات التحبيس، وملكية المحبس لما حبسه يوم التحبيس، لاحتمال أن يكون حبس غير ملكه، فإثبات ملكية المحبس لما حبسه شرط لاستحقاق الحبس، ويتم الإشهاد عليه في رسم الحبس باعتبار الإشهاد لازم في التبرعات من حيث هي وفي كل ما كان من غير عوض…. ” ويلاحظ من خلال هذه القرارات القضائية أن المجلس الأعلى يولي اهتماما كبيرا لمسألة ارتباط سند التحبيس بملكية العقار من طرف المحبس احترازا لاحتمال أن يكون حبس غير ملكه، وهنا يثار الإشكال حول كيفية إثبات ملكية المحبس لما حبسه والإشهاد عليه وحيازته؟

لقد جرى العمل سابقا على تطبيق القواعد المنصوص عليها في الفقه الإسلامي وذلك إعمالا لمقتضيات الفصل 75 من ظهير 2 يونيو 1915 المطبق على العقارات المحفظة الذي كان يحيل على قواعد الفقه الإسلامي، وهو الأمر الذي أدى إلى كثير من الخلط والاختلاف على مستوى التطبيق سواء من طرف المحافظين العقاريين أو من طرف العمل القضائي ومواقف الفقه، وانقسم هذا الاختلاف إلى اتجاهين متضاربين أحدهما ينادى بضرورة حصر وسائل إثبات الوقف في رسم التحبيس والآخر يتبنى مبدا حرية إثبات الوقف.

فالاتجاه الأول يشترط لإثبات الحبس ضرورة الإدلاء برسم التحبيس وان يكون هذا الأخير مستجمعا لكافة أركانه وشروطه التي حددها الفقهاء، ومن اهم هذه الشروط ملكية المحبس لما حبس يوم التحبيس، تعيين الملك المحبس بدقة وبحدود واضحة، حيازة الموقوف عن الواقف، الإشهاد على الحبس من طرف عدلين في رسم يخاطب عليه القاضي، ومعنى ذلك أن الوسائل الأخرى غير رسم التحبيس تبقى غير كافية في الإثبات كالحوالات الحبسية وشهادة السماع والشهادات اللفيفية وغيرها.

أما الاتجاه الثاني: فإنه يذهب إلى ضرورة توسيع نطاق الإثبات في مجال الوقف وإمكانية الاعتماد على كل وسائل الإثبات المسموح بها شرعا بما فيها الشهادات اللفيفية وشهادة السماع والحوالات الحبسية ورسم تصفح كناش الأحباس، وفي هذا السياق جاء في قرار صادر عن المجلس الأعلى – محكمة النقض حاليا- تحت عدد 848 بتاريخ 17 /3 / 2004 انه” بمقتضى قواعد الفقه المعمول به، يكفي في ملكية الأحباس أن يشهدوا بمعرفتهم للملك اسما وموقعا وبأنه حبس على جهة معينة وانه يحاز بما تحاز به الأحباس ويحترم بحرمتها، ولا يشترط فيه شروط الملك المعتبرة شرعا الواجب توفرها في سائر الملكيات الخاصة… ([7]) كما جاء في قرار آخر تحت عدد 3431صادر بتاريخ 2003/12/3 ([8])”أن شهادة السماع يعمل بها في الحبس، ويكفي فيها قول شهودها بأننا نسمع من الثقاة وغيرهم منذ عشرين سنة أن الشيء حبس على جهة معينة، واننا نعلم انه يحترم بحرمة الأحباس عملا بقول صاحب التحفة:

وحبس ما حاز من السنينا           عليه ما يناهز العشرينا….. “

المبدأ نفسه أيضا أكده القرار عدد 485 الصادر بتاريخ 22/05/2008 الذى جاء فيه أن “… ادعاء المستأنف للحيازة الطويلة الأمد يبقى غير منتج في النازلة على اعتبار أن الأملاك الحبسية لا تكتسب بالحيازة الطويلة الأمد و لو استوفت كل شروطها في حين يبقى رسم الحوالة الحبسية المستدل به… له حجيته وبالتالي عامل في النزاع … ([9])، ولعل هذا التوجه القضائي هو الذى سار على منواله العمل الإداري بالمحافظة العقارية حسب ما يستفاد من دورية المحافظ العام عدد 014085 الصادرة بتاريخ 2009/11/24 التي أكدت على إمكانية إيداع مطالب التحفيظ استنادا إلى شهادة السماع الفاشي التي يشهد فيها شهودها بأنهم مازالوا يسمعون عن الثقات منذ عشرين سنة بأن ملكا معينا قد حبس على فلان وانه يحترم بحرمة الأحباس.

يبدو من خلال عرض موقف الفقه والقضاء من طبيعة الحجج اللازمة لإثبات الحبس غياب مرجعية واحدة وواضحة يمكن الاعتماد عليها في نطاق التطبيق، فين الفقه والقانون يبقى التعارض مطروحا لاسيما وان ضبط المتون والفروع الفقهية يعتبر من أكثر الأمور تعقيدا على مستوى التأويل والاستنباط والتنزيل وذلك لغياب التكوين الفقهي الكافي وعدم الإلمام باليات الاستنباط والتنزيل والترجيح، ولعل هذا الأمر يعتبر من الأسباب المباشرة لتضارب الاجتهاد القضائي والفقهي، ولتجاوز هذا الوضع كان لزاما على المشرع المغربي التدخل عن طريق إصدار مدونة للأوقاف تراعي في نفس الوقت المرجعية الفقهية من جهة والاجتهاد الذى يراعي مقاصد الشريعة ومتغيرات الحياة الاجتماعية ([10])، حيث نصت هذه المدونة في المادة 48على انه: “يمكن إثبات الوقف بجميع وسائل الإثبات، وتعتبر الحوالات الحبسية حجة على أن الأملاك المضمنة بها موقوفة إلى أن يثبت العكس. .. “

ونعتقد أن هذا الموقف الذي سار على منواله المشرع المغربي يستحق التأييد لأنه يؤدى إلى حماية العديد من العقارات الحبسية من الاعتداء والترامي عليها وترتيبا لذلك فإن تحفيظ أي عقار من هذا النوع يتوقف فقط على الإدلاء بسند التحبيس مهما كان نوعه وطبيعته شريطة تحقق الشروط التالية:

  1. أن يكون سند التحبيس المعتمد عليه في مطلب التحفيظ محررا وثابت التاريخ.
  2. أن يكون الوقف صادرا عن محبس مسلم.
  3. أن يكون المحبس مالكا للعقار عند إنشاء عقد التحبيس.
  4. أن يكون العقار المحبس معينا بمقتضى سند التحبيس تحديدا دقيقا ونافيا لكل جهالة.
  5. أن تكون الجهة المستفيدة قد حازت العقار المحبس.

ج -خصوصيات الوقف المنصب على عقارات في طور التحفيظ:

قد ينصب الوقف على عقارات في طور التحفيظ وفي هذه الحالة يتعين البحث عن القنوات القانونية التي يمكن سلوكها من اجل ضمان الحماية القانونية للأوقاف في مواجهة الأثر المنشئ لنظام التحفيظ العقاري.

وهذه الحماية تجد مبرراتها القانونية في كون مسطرة التحفيظ العقاري تقوم على مبدا الإشهار ومبدأ تسلسل التقييدات الذي تتفرع عنه قاعدة أساسية وهي قاعدة الأسبق قيدا أسبق حقا بالإضافة إلى حماية الغير حسن النية ضمانا لمبدأ الشرعية.

وانسجاما مع هذه المبادئ القاطعة التي يقوم عليها نظام التحفيظ العقاري كان لزاما على المشرع إيجاد آليات لحماية كل من ترتب له حق على عقار في طور التحفيظ تتراوح بين مسطرة الخلاصة الإصلاحية المنصوص عليها في الفصل 83من ظهير التحفيظ العقاري ومسطرة الإيداع في إطار الفصل 84من نفس الظهير، ولكل مسطرة خصوصياتها وإيجابياتها وشروط ممارستها.

فبالنسبة لمسطرة الخلاصة الإصلاحية يمكن للجهة المكلفة بالإشراف على الأوقاف أو للمستفيد من الوقف بناء على مقتضيات الفصل 83 ظ ت أن يطلب من السيد المحافظ على الأملاك العقارية أن يعمل على أن تتابع مسطرة التحفيظ في اسم من يخوله القانون ذلك حيث يكتسب صفة طالب التحفيظ في حدود الحق المعترف له به عن طريق نشر خلاصة إصلاحية بالجريدة الرسمية بعد إيداع الوثائق المثبتة للحق بالمحافظة العقارية، ومن ابرز خصوصيات هذه المسطرة أنها تؤدي إلى فتح اجل جديد للتعرض مدته شهرين من تاريخ نشر الإعلان الجديد عن انتهاء التحديد، غير انه في هذه الحالة لا تقبل التعرضات إلا في حدود الحق المعترف به من جديد وفق الخلاصة الإصلاحية، وبالإضافة إلى ذلك فإن طالب الخلاصة الإصلاحية يكون ملزما بأداء الرسوم الخاصة بنشر الخلاصة الإصلاحية وكذا رسوم الإعلان الجديد عن انتهاء التحديد.

أما مسطرة الإيداع المنصوص عليها في إطار الفصل 84 من ظ ت ع فتقوم على أساس إشهار الحق من اجل ترتيبه والاحتجاج به في مواجهة الغير عن طريق إيداع الوثائق اللازمة لذلك بالمحافظة العقارية حيث يقيد هذا الإيداع في سجل خاص يدعى سجل التعرضات ويحتفظ برتبته عند تأسيس الرسم العقاري.

الفقرة الثانية: حماية الوقف عن طريق سلوك مسطرة التعرض:

يعتبر التعرض من اهم الآليات المقررة لحماية الأشخاص المتضررة من جراء مسطرة التحفيظ، بمقتضاه يحق لكل شخص أن ينازع إما في حق ملكية طالب التحفيظ أو في مدى هذا الحق وإما في حدود العقار.

وبناء على ذلك يمكن للمستفيدين من الوقف أو للجهة المشرفة على الأوقاف والمحافظة عليها التعرض على مطالب التحفيظ التي تمس بعقارات الأحباس داخل اجل التعرض المحدد في اجل شهرين ابتداء من تاريخ نشر الإعلان عن انتهاء التحديد في الجريدة الرسمية، غير انه يمكن استثناء للمحافظ على الأملاك العقارية قبول التعرضات المقدمة خارج الأجل من طرف الجهة المكلفة بتدبير شؤون الأوقاف ولو لم يكن مطلب التحفيظ مثقلا بأي تعرض، غير أن استعمال هذه الإمكانية يتوقف على إقناع المحافظ بالمبررات والأسباب الاستثنائية التي حالت دون تقديم التعرض داخل الأجل وكذا تقديم الوثائق والحجج المدعمة لطلب التعرض، وفي حالة رفض التعرض المقدم خارج الأجل من طرف المحافظ فإن قراره في هذه الحالة يكون نهائيا غير قابل لأى طريق من طرق الطعن ( الفصل 29 ظ ت ع ).

وتأسيسا على ذلك يمكن القول بأن القانون الجديد حاول إيجاد مجموعة من الحلول الممكنة لمختلف الثغرات التي كانت موجودة في ظل القانون السابق كما أعطى للمحافظ صلاحيات واسعة في قبول التعرض من عدمه دون أن تشاركه في ذلك أية جهة أخرى خلافا للقانون السابق الذى كان يعطي لوكيل الملك إمكانية قبول التعرضات خارج الأجل وما نتج عنها من آثار سلبية من خلال تداخل صلاحيات كل من وكيل الملك والمحافظ على الأملاك العقارية، الأمر الذى ينعكس سلبا على مسطرة التحفيظ كما أن صلاحيات محكمة التحفيظ تقتصر على البت في موضوع التعرض من حيث صحته من عدمه دون أن تكون لها صلاحية مناقشة شكليات التعرض من حيث تقديمه خارج الأجل من عدمه ولا تملك صلاحية تغيير نطاق هذا التعرض أو قبول إدخال الغير في الدعوى وذلك انسجاما مع مقتضيات المادة 3 ق م م التي تنص على انه لا يمكن للمحكمة أن تقضي إلا في حدود طلبات الأطراف، هذه الطلبات التي تقدم وجوبا في شكل مقال افتتاحي أمام المحافظ حيث يقوم باستخلاص الرسوم القضائية قبل إحالة الملف على المحكمة المختصة، جاء في قرار للمجلس الأعلى تحت عدد 485 بتاريخ 22/5/ 2008: “.. . حيث إنه بخصوص… مخالفة الحكم المستأنف للقانون لكون التعرض قدم خارج أجله القانوني، هو سبب يبقى غير مؤسس، لأن محكمة التحفيظ لا تنظر في شكليات التعرض من حيث تقديمه داخل الأجل القانوني أو خارجه، لأن امر ذلك يدخل في اختصاص المحافظ على الأملاك العقارية، وان نظرها يقتصر على البت في موضوع التعرض من حيث صحته وعدمه فقط” ([11]).

وبناء على ذلك، فإن المحكمة لا يمكنها النظر في التعرضات إلا ضمن الحدود التي قدمت فيها إلى المحافظة العقارية، وكما أحالها المحافظ على كتابة الضبط سواء من حيث الحقوق المطالب بها أو من حيث الوثائق والمستندات المدلى بها، ويترتب على ذلك انه يجب على الجهة المشرفة على الأوقاف العامة والأوقاف المعقبة تقديم الحجج والوثائق المدعمة للتعرضات المقدمة من طرفها ضد مطالب التحفيظ قبل انصرام الشهر الموالي لانتهاء اجل التعرض تحت طائلة اعتبار التعرض لا غيا وعديم الأثر تطبيقا لمقتضيات الفصل 32من قانون التحفيظ العقاري، وفي هذا السياق لابد من الإشارة إلى ملاحظة أساسية وهي أن المحافظ ليست له صلاحية تقدير مدى صحة وكفاية الحجج المدلى بها تدعيما للتعرض أم لا وإنما هذا العمل يدخل في اختصاص محكمة التحفيظ التي تملك سلطات واسعة في مجال تقدير الحجج والمستندات المدعمة للتعرضات المحالة عليها، وهكذا جاء في القرار رقم 485 الصادر بتاريخ 22/5/ 2008 المشار إليه أعلاه ما يلي: “… إنه من الثابت من أوراق الملف أن المتعرضة استندت في تعرضها على الحوالة الحبسية…. وحيث انه فضلا عما ذكر فإن رسم الشراء المستدل به من طرف المستأنف أسس على رسم مخارجه وهذا لا يعد سندا للملكية، ورسم الشراء المؤسس عليه لا يفيد هو الأخر الملك، كما أن ادعاء المستأنف للحيازة الطويلة الأمد يبقى غير منتج في النازلة على اعتبار أن الأملاك الحبسية لا تكتسب بالحيازة الطويلة الأمد ولو استوفت كل شروطها الشرعية، في حين يبقى رسم الحوالة الحبسية المستدل به من طرف المتعرض له حجيته، وبالتالي عامل في النزاع والحكم المستأنف بقضائه بصحة التعرض يكون قد صادف الصواب الأمر الذي يتوجب معه تأييده “.

وحتى لا تضيع حقوق الأحباس يجب على السلطة المشرفة على الأوقاف أن تأخذ كثيرا من الاحتياط من اجل التدخل في مسطرة التحفيظ في الوقت المناسب عن طريق التعرض داخل الأجل القانوني، وإذا كانت هناك مجموعة من الآليات التي تساعدها على ذلك سواء تعلق الأمر بالجريدة الرسمية أو عن طريق عمليات الإشهار الواسعة التي تتم بمصالح المحافظة العقارية والجماعات ومكاتب السلطة المحلية والمحاكم الابتدائية فإننا نعتقد انه يجب إدخال بعض المقتضيات القانونية التي تسمح بإخبار الجهات المشرفة على الأوقاف بكل مطالب التحفيظ التي يتم إيداعها لدى المحافظة العقارية، وهي إمكانية يمكن أن تساهم في حماية الأملاك الوقفية من الترامي من جهة وفي الحفاظ على اهم ثروة وطنية في بلادنا لما تقوم به من دور أساسي في التنمية الاقتصادية والاجتماعية، لكن كثيرا ما يقوم طالب التحفيظ بوقف العقار موضوع مطلب التحفيظ وبعد وفاته يسرع الورثة إلى إيداع رسم الإراثة وترتيب مجموعة من التصرفات القانونية على العقار وقد كانت هذه الوضعية تثيرا كثيرا من الخطورة في ظل القانون السابق للتحفيظ العقاري وهو ما عمل المشرع على تداركه بمقتضى القانون الجديد من خلال الفصل 24 الذى أجاز إمكانية التدخل في مسطرة التحفيظ عن طريق التعرض في حالة المنازعة في حق وقع الإعلان عنه طبقا للفصل 84، ونعتقد أن هذا المقتضى الذى جاء به المشرع كان صائبا لأنه سيضع حدا لكثير من الأوضاع التي كان يترتب عليها ضياع حق الملكية حيث كان يختفي كل من اكتسب حقا على العقار في طور التحفيظ وراء الفصل 84ولا يظهر إلا حين اتخاذ قرار التحفيظ وتأسيس الرسم العقاري، وبناء على ذلك يمكن للجهة المستفيدة من الوقف التعرض على جميع الحقوق التي تمس بالوقف والمعلن عنها في إطار الفصل 84 من ظهير التحفيظ.

المبحث الثاني: أليات ونطاق حماية الوقف بعد تأسيس الرسم العقاري

إذا كان الحبس ملكا ممنوعا من التمليك والإرث والهبة ونحوهما طالما انه خصص للغرض الذى حبس من أجله ([12])، فهو بذلك يكتسب الحقوق ويتحمل بالالتزامات حيث تكون له شخصية معنوية مستقلة ولعل ذلك ما جعل المشرع يخول لوزارة الأوقاف ممثلة في نظارة الأحباس الصفة في المحافظة على الحبس وإن كان معقبا والتعرض على تحفيظه كملك خاص، غير انه رغم هذا الإشراف والمراقبة فإنه كثيرا ما يتم الترامي على العقارات المحبسة من طرف الغير الذى قد يتأتى له تحفيظ العقار في اسمه الأمر الذى يثير إشكالية مدى خضوع الوقف لمبدأ التطهير الناتج عن تحفيظ العقار، كما انه قد يكون محلا لبعض التصرفات القانونية وهنا يتعين تحديد المقتضيات القانونية التي يجب احترامها من طرف المحافظين العقاريين ضمانا لحماية الوقف.

لذلك، سوف نتطرق أولا إلى تحديد مدى خضوع الوقف لمبدأ التطهير الناتج عن تحفيظ العقار (الفقرة الأولى)، وثانيا إلى إشكالية الحوز والتسجيل بالنسبة للوقف الواقع على العقار المحفظ والإشكاليات التي تثيرها مختلف التصرفات الجارية عليه (الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى: تحفيظ الوقف ومدى خضوعه لقاعدة التطهير والتملك النهائي

يجب الإشارة في البداية إلى أن تحفيظ العقارات الموقوفة في اسم الجهة المستفيدة يؤدى إلى تطهير العقار من كل الحقوق والتحملات غير المطالب بها خلال مسطرة التحفيظ حيث يعتبر الرسم العقاري نقطة الانطلاق الوحيدة للحقوق والتكاليف العقارية الكائنة على العقار وقت تحفيظه دون ما عداها من الحقوق غير المسجلة تطبيقا لمقتضيات الفصلين 1 و 26 من ظهير التحفيظ العقاري الصادر بتاريخ  09رمضان 133112) غشت1913 ) كما وقع تعديله وتتميه بالقانون رقم 14/7.

وبناء على، ذلك فمتى تم تحفيظ العقار الموقوف في اسم الجهة المستفيدة من الوقف فإن قرار التحفيظ المتخذ من طرف المحافظ على الملكية العقارية يعتبر قرارا نهائيا غير قابل لأى طعن كيفما كان نوعه، وإذا كانت هذه القاعدة من القواعد القطعية التي يقوم عليها نظام التحفيظ العقاري فإنه أحيانا يتم التطاول والترامي على العقارات المحبسة وبالتالي الإسراع إلى إيداع مطالب للتحفيظ والاستفادة من مسطرة الإشهار من اجل الحصول على رسم عقاري نهائي واستغلال نظام التحفيظ لإضفاء الشرعية على أوضاع غير حقيقية على حساب المصلحة العليا للمجتمع، لذلك ثار الإشكال على مستوى الفقه والقضاء حول مدى خضوع الوقف لمبدا التطهير الناتج عن تحفيظ العقار، ولعل ما عمق من هذا الإشكال هو التناقض الحاصل بين مقتضيات نظام التحفيظ العقاري والقواعد المنظمة للوقف والتي تعود في كثير من أحكامها إلى أحكام الفقه الإسلامي، ولتوضيح جوانب هذا الإشكال يكون من اللازم التمييز بين مرحلتين مرحلة ما قبل صدور مدونة الأوقاف بتاريخ 23 فبراير 2010، ومرحلة ما بعد صدور هذه المدونة.

قبل صدور مدونة الأوقاف ذهب جانب من الفقه إلى التمسك بعمومية مقتضيات الفصلين 2 و 62 من ظهير التحفيظ العقاري 12غشت 1913 ولا شك أن هذا الاتجاه الفقهي تترتب عليه نتائج خطيرة على صيانة الوقف خاصة في شقه العام، لأنه بدون هذه الحماية سيتأثر الاقتصاد الوطني سلبا فضلا عن الانعكاسات الخطيرة على استقرار المجتمع الذى يرتبط مصير فئات عريضة منه بوضعية الأوقاف ([13])، لذلك ذهب جانب أخر من الفقه إلى استثناء العقارات الحبسية من قاعدة التطهير والتملك النهائي مستندا في ذلك على مجموعة من الاعتبارات التي تتصل من جهة بالمصلحة العامة ومن جهة أخرى بطبيعة الوقف وخصائصه الذاتية والتي من بينها عدم القابلية للتقادم والتفويت وبالتالي خروجه من دائرة التعامل الخاص ([14])، بل إن قاعدة التطهير حسب هذا الاتجاه الفقهي تتناقض كليا مع ما هو مقرر فقها من أن الحبس لا يعجز ولا يحاز عليه ([15])، فقاعدة عدم تعجيز الوقف تعني انه متى قامت الحجة على الوقف فإنه ينتزع ممن هو تحت يده مهما طالت مدة حيازته له لأن “الحبس لا يحاز عليه ” لأنه يتعلق بحق الله تعالى وحق الغائب ([16]) حيث ينفرد بمجموعة من الخصوصيات كعدم قابليته للتفويت وعدم إمكان اكتساب ملكيته عن طريق التقادم ([17])، ويبدو أن هذا الاتجاه هو الذى استقر عليه القضاء المغربي – رغم التضارب الذى عرفه في بداية الأمر- حيث جاء في قرار للمجلس الأعلى – محكمة النقض حاليا – بتاريخ 20/2/2008 “.. . إن الحبس لا يطهر بالتحفيظ، فيمكن للجهة المحبس عليها… أن ترفع الدعوى بشأن الحبس ولو كان في طور التحفيظ، بل حتى ولو حصل تحفيظه لأن ثبوت حبسيته يبطل تحفيظ. . .” ([18]). فمن خلال هذا القرار يمكن القول بأن القضاء المغربي يسير في اتجاه تكريس نسبية قاعدة التطهير في مواجهة الأحباس خاصة عندما رتب على ذلك بطلان عملية التحفيظ برمتها، ولا شك أن هذا القرار يعتبر قرارا جريئا لأنه حاول تفسير الصفة النهائية بالرسم العقاري من خلال مراعاة الخصوصيات التي ينفرد بها الوقف، وهو نفس المبدأ الذى سبق وان كرسه المجلس الأعلى من خلال قراره الصادر بتاريخ 13/10/1983 حينما قرر عدم إمكانية الاحتجاج بالتطهير الناتج عن تحفيظ العقار تجاه حقوق محبسة لأن العقارات المعقبة يتلوها في ذلك مثل العقارات الحبسية العامة غير قابلة للتصرف إلا بإذن جلالة الملك عملا بمقتضيات الفصل الثامن من ظهير 13 يناير 1918 المتعلق بضبط مراقبة الأحباس المعقبة، مما يجعل تحفيظ العقار في اسم الغير باطلا ([19])، وهو نفس التوجه الذى سبق أن كرسته محكمة الاستئناف بطنجة في قرارها الصادر بتاريخ 13 /11 /1983 ([20])، عندما قررت عدم إمكانية الاحتجاج بالتطهير الناتج عن تحفيظ العقار تجاه الحقوق المحبسة لأن العقارات الحبسية مثلها في ذلك مثل العقارات الحبسية العامة لا يمكن التصرف فيها إلا بإذن من جلاله الملك عملا بمقتضيات الفصل الثامن من ظهير13يناير 1918 حول مراقبة الأحباس المعقبة حيث انتهت المحكمة إلى اعتبار تحفيظ العقار موضوع النزاع تحفيظا باطلا، ونعتقد أن هذا التوجه الذى كرسه القضاء المغربي كان صائبا حينما سوى بين الوقف العام والوقف المعقب من حيث الأثر المتمثل في بطلان التحفيظ الذى يمس بحقوق الأوقاف ويترتب على ذلك انه في حالة ما إذا تجاوز مالك ارض على ارض محبسة مجاورة وحصل على قرار لتحفيظ أرضه مضافا إليه الجزء المتجاوز عليه من الأرض الموقوفة فإن قاعدة التطهير واكتساب رسم التملك الصفة النهائية لا تطبق في هذه الحالة، ولعل ما يدعم هذا الاتجاه هو خصوصيات الحماية المقررة للأوقاف في نظام التحفيظ العقاري وإلزام طالب التحفيظ بالتصريح في مطلب التحفيظ بأن الملك المراد تحفيظه ليس جماعيا ولا حبسيا ولا غابويا، وهذا الالتزام يدل دلالة قوية على تحمل طالب التحفيظ مسؤولية عدم الإقرار بحبسية العقار المراد تحفيظه، وفي نفس الاتجاه ومن اجل الحيلولة دون إعداد بعض المحتلين لرسوم الاستمرار والتملك لعقارات الأحباس يستلزم السادة العدول الإدلاء بشهادات تثبت أن تلك العقارات ليست أملاكا حبسية ([21])، فالوقف يلعب دورا كبيرا في إرساء أسس التضامن والتكافل الاجتماعي بين المسلمين حيث يعتبر من أعمال التبرعات التي حث الشارع على فعلها وندب للقيام بها وذلك بالإنفاق في وجوه البر والخير لما له من أهمية على المستويين الاجتماعي والاقتصادي والمساهمة في متطلبات التنمية المحلية وتحقيق أهداف التعمير وكذا إيجاد عقارات للاستثمار الزراعي وخدمة المصلحة العامة كبناء المساجد والمستشفيات والإدارات وغيرها من المرافق التي تعود بالنفع العام على الأفراد داخل المجتمع، وانسجاما مع هذه الأهمية الاقتصادية والاجتماعية للوقف نصت في المادة 54من مدونة الأوقاف على ما يلي:

“إن الرسوم العقارية المؤسسة لفائدة الغير لا تمنع المحكمة من النظر في كل دعوى ترمي إلى إثبات صفة الوقف العام لعقار محفظ، شريطة أن ترفع الدعوى في مواجهة جميع ذوي الحقوق المقيدين.

وإذا ثبت أن العقار المذكور موقوف وقفا عاما، بناء على الحكم القضائي الصادر بذلك والحائز لقوة الشيء المقضي به، فإن المحافظ يشطب على كل تسجيل سابق، ويقيد العقار بالرسم العقاري المتعلق به في اسم الأوقاف العامة “.

إن هذا النص يستدعي إبداء ملاحظتين أساسيتين:

1-يلاحظ أن المشرع قد ميز بين الوقف المعقب والوقف العام حينما استثنى هذا الأخير من قاعدة التطهير، ونعتقد أن هذا التمييز ليس له ما يبرره وكان الأولى أن يشمل المشرع بعطفه أيضا الوقف المعقب لاشتراكهما في العلة كما أن الحبس المعقب ينقلب إلى وقف عام إذا انقطع نسل المعقب عليه الأمر الذي يقتضي استثناءه من قاعدة التطهير والحجية المطلقة.

2 -إن الاستفادة من مقتضيات هذا النص تقتضي تقديم مقال افتتاحي للدعوى أمام المحكمة المختصة في مواجهة جميع ذوي الحقوق المقيدين تطبيقا لقاعدة نسبية الأحكام وانتظار صدور حكم في الموضوع حائز لقوة الشيء المقضي به، وهي مرتبة يصل إليها إذا أصبح غير قابل لا للتعرض ولا للاستئناف وإن ظل قابلا لطرق الطعن غير العادية ([22]).

ويثير هذا الأمر إشكالا حول الأثر الموقف للتنفيذ الناتج عن الطعن بالنقض تطبيقا لمقتضيات المادة 361 ق م م، والحقيقة أن هذا الأمر أثار خلافا كبيرا بين القضاء الذى يتمسك بالمفهوم الضيق لعبارة “التحفيظ العقاري ” وحصره في نطاق الأحكام الصادرة في مسطرة التحفيظ، وبين موقف المحافظة العقارية التي عدلت عن هذا التفسير بمقتضى الدورية رقم 324الصادرة بتاريخ 20/1/ 1995 بعدما تبين بأن هذا المفهوم الضيق يثير كثيرا من المشاكل والصعوبات التي تمس استقرار المعاملات والثقة في نظام التحفيظ والقضاء على السواء خاصة إذا لم يساير هذا قرار محكمة النقض القرار الاستئنافي، وبناء على يجب في حالة صدور أحكام تقضي بصحة الوقف العام فيجب إرفاقها بشهادة عدم الطعن بالاستئناف أو بشهادة عدم الطعن بالنقض إذا تعلق الأمر بقرارات استئنافية.

الفقرة الثانية: آثار الوقف الواقع على العقار المحفظ ومدى خضوعه لقاعدة التقييد بالسجل العقاري والإشكالات الناتجة عن تصفية الوقف

تعتبر قاعدة تسجيل الحقوق العينية في الرسم العقاري من اهم المبادئ التي يقوم عليها نظام التحفيظ العقاري المبني على الإشهار الذى يرمي إلى استقرار المعاملات من خلال القوة الثبوتية التي تتمتع بها الحقوق العينية المقيدة وحجيتها بين المتعاقدين والأغيار، حيث يعتبر الشخص المقيد بالرسم العقاري هو صاحب الملك ويمكنه التصرف فيه بجميع أنوع التصرف تطبيقا لمقتضيات الفصلين 65 و66 من قانون التحفيظ العقاري اللذين يكرسان لمفهوم الأثر المنشئ للتقييد حيث ربط المشرع نشوء الحق بتاريخ التقييد بالرسم العقاري ([23])، غير أن إعمال هذه القاعدة بخصوص العقارات الموقوفة أثار نقاشا كبيرا من طرف الفقه والقضاء، ومضمون هذا النقاش يتجلى في كون الوقف يعتبر من عقود التبرعات التي يشترط لقيامها تطبيقا لأحكام الفقه المالكي توافر الحوز والإشهاد عليه والمعاينة خلافا لقواعد التحفيظ العقاري التي تقتضي ضرورة التقييد وإشهار سند التحبيس بالرسم العقاري ومن تاريخ هذا التقييد يعتبر الوقف موجودا وثابتا قانونا ومنتجا لآثاره بين طرفيه وتجاه الغير، لذلك طرح الإشكال في أوساط الفقه والقضاء حول مدى كفاية الحوز الفعلي والإشهاد عليه للقول بصحة الوقف الواقع على العقار المحفظ أم لابد من تقييده بالرسم العقاري؟ وهل الحوز القانوني يغني عن الحوز الفعلي؟

أولا: موقف الفقه

لقد انقسم الفقه بالنسبة لهذا الإشكال إلى اتجاهين:

اتجاه أول يرى بأن التسجيل وحده يكفي لصحة التبرع وانه يغني عن الحوز الفعلي للمتبرع به من طرف المتبرع له، ويستند هذا الاتجاه إلى مقتضيات الفصلين 66 و67 من ظهير التحفيظ العقاري ([24])، أما الاتجاه الثاني فيذهب إلى وجوب التفرقة بين الحوز الفعلي والحوز القانوني وان أحدهما لا يغني عن الآخر، فالحوز الفعلي يعتبر شرطا فقهيا لصحة تمام التبرع والتسجيل ضروري لاعتبار وجود السند قانونا وإنتاج آثاره بين المتعاقدين وتجاه الغير، ويترتب على ذلك أن الحوز القانوني لا يغني عن الحوز الفعلي الذى اشترطه الفقهاء ([25])، ويساير هذا الاتجاه الثاني موقف الفقه المالكي الذى يشترط قبض وحيازة الحبس من طرف الموقوف عليه أو من ينوب عنه ببينة تشهد بأن المال المحبس قد خرج من سلفه الواقف قبل موته أو مرضه أو إفلاسه ([26]).

ثانيا: موقف القضاء

لقد تضاربت مواقف قضاء الموضوع حول ضرورة توافر الحوز الفعلي إلى جانب الحوز القانوني والقول بكفاية التقييد في الرسم العقاري، فالبعض كان يكتفي بعملية التقييد والبعض الآخر كان يستلزم ضرورة توافر الحوز الفعلي إلى جانب الحوز القانوني أما بالنسبة لموقف المجلس الأعلى – محكمة النقض – فإنه يعتبر أحيانا بأن تقييد سند التبرع بالرسم العقاري يغني عن الحوز الفعلي شريطة أن يتم التسجيل قبل حدوث المانع من وفاة المتبرع أو إفلاسه استنادا إلى قواعد الفقه الإسلامي، ويترتب على هذا الموقف القضائي انه متى وقع المانع قبل التقييد فإن عقد التبرع يكون باطلا وغير منتج لأى اثر، كما ذهب أحيانا أخرى إلى تأكيد كفاية الحوز الفعلي معتبرا أن “عقد التحبيس متى استوفى شروطه المعتبرة فقها وتوثيقا كان صحيحا وثابتا، ومنتجا لأثره وفقا لقصد المحبس، وتسجيله في الرسم العقاري يجب أن يتم ولو عارض ورثة المحبس في ذلك بعد وفاته ” ([27]) كما جاء في قرار أخر صادر بتاريخ 13/2/ 2002 انه ” بمقتضى الفصل 57 من ظهير 2 /6 /1915 فإن تدبير الأملاك المحبسة يبقى خاضعا لضوابط الشريعة الإسلامية وبالتالي فالعبرة لنفاذ التحبيس بالحيازة المادية للعقار المحبس وليس بتقييد وثيقة التحبيس بالرسم العقاري “. ([28]) ويترتب على ذلك انه عندما يتمثل المال الموقوف في عقار محفظ يكون على المحافظ العقاري تحت طائلة مسؤوليته إلا يقيد أي وقف إلا بعد التحقق من ثبوت الحوز بمعاينة البينة. وأمام هذا الاختلاف الفقهي والقضائي تدخل المشرع بمقتضى مدونة الأوقاف حيث نص في المادة 23 على ما يلي:

“يشترط لصحة الوقف شرطان:

-الإشهاد على الوقف

-حوز المال الموقوف قبل حصول المانع… ” ولتحديد طبيعة الحوز المطلوب لصحة الوقف نصت المادة 26 من مدونة الأوقاف على أن:

“الحوز هو رفع يد الواقف عن المال الموقوف ووضعه تحت يد الموقوف عليه.

يصح الوقف بمعاينة البينة، أو بتسجيل الوقف في الرسم العقاري أو بكل تصرف يجريه الموقوف عليه في المال الموقوف… “

كما جاء في المادة31: “يشترط لصحة وقف شخص محل سكناه إفراغه، إما بمعاينة البينة لذلك، أو بكل ما يفيد الإفراغ حكما “.

فمن خلال هذه النصوص يمكن القول بأن المشرع حاول التوفيق بين كل الآراء الفقهية السابقة حيث سوى بين الحوز الفعلي والحوز القانوني تفاديا لما أدى إليه التأويل السابق من أثار سلبية على استقرار المعاملات وبالتالي تحقيق الانسجام بين قواعد التحفيظ العقاري وخصوصيات المادة الوقفية من غير مخالفة لقواعد الفقه الإسلامي الذى يعتبر المنبع المباشر لنظام الوقف بالمغرب حسب ما جاء في ديباجة مدونة الأوقاف، ورغم وجاهة هذا الموقف التشريعي فإننا نعتقد أن الحوز في العقار المحفظ حوز فعلي وقانوني وإذا اختل احدهما فلا اثر للوقف، لأن انتقال الملكية في العقار المحفظ لا يقف عند ثبوت معاينة الحوز قبل المانع فقط، بل يلزم فيه كذلك حوز آخر هو الحوز القانوني الذى يتم في التسجيل في الرسم العقاري عملا بمقتضيات الفصلين 66 و77 من ظهير التحفيظ العقاري ومن ثم فإن الوقف إذا اختل فيه الحوز الفعلي استحال فيه الحوز القانوني، ومن الثابت في الأحكام الشرعية ضرورة معاينة الحوز في العطية قبل حصول المانع وإلا بطلت لتعلق حق الغير بها من ورثة ودائنين، وحتى تصح هذه المعاينة وتسرى عليهم وجب أن تثبت من شخص محايد لا أن ينعقد بها مجرد إقرار بين المعطي والمعطى له، والشخص المحايد هم العدول والموثقون أصلا واستثناءا اللفيف والشهادة أمام القاضي بعد أداء اليمين والمعاينات القضائية والقرائن القضائية والقرائن القوية المنضبطة التي يتبناها القاضي، فالحكمة من الحوز المادي أو الفعلي هي قطع الطريق أمام تصرفات الشخص في أمواله طول حياته تصرفا مستترا يلحق الضرر بالورثة والدائنين، جاء في الذخيرة: “القبض إنما اشترط عندنا لنفي التهمة لئلا ينتفع الإنسان بمال طول عمره، ويخرجه عن ورثته عند الموت “([29]). وحتى يكون الكل على بينة وعلم من التبرع الحاصل بخلاف التسجيل وحده فهو لا يحقق هذا الغرض الشرعي.

ومهما كان فإن تقييد الوقف بالرسم العقاري تترتب عليه مجموعة من الآثار سواء بين طرفيه أو في مواجهة الغير، كما يمكن أن يكون محلا لبعض الأعمال والتصرفات القانونية، حيث تجرى على الأموال الموقوفة وقفا عاما جميع التصرفات القانونية الهادفة إلى الحفاظ عليها وتنمية مداخيلها بما يلائم طبيعتها ويحقق مصلحة ظاهرة للوقف سواء عن طريق المعاوضة أو الكراء، ولا يجوز بيعها حيث يقول الإمام مالك ” لا يباع العقار المحبس ولو خرب وبقاء أحباس السلف دائرة دليل على منع ذلك”([30]). وتفاديا لما كان يثيره الوقف من مشاكل فقد تدخل المشرع بتنظيمه بما يضمن استمراريته في أداء الغاية التي وجد من أجلها، ومن هذه المقتضيات منع إنشاء أي حق من الحقوق العرفية من زينة أو جلسة أو جزاء أو مفتاح أو استئجار أو عرف أو حلاوة أو غيرها على أي ملك من أملاك الأوقاف العامة (المادة103)، كما نص المشرع على انقضاء هذه الحقوق العرفية في الحالات التالية:

– هلاك البناءات أو المنشآت أو الأغراس المقامة على هذه الأملاك والعائدة إلى صاحب الحق العرفي.

– عدم أداء صاحب الحق العرفي الوجيبة الكرائية لمدة سنتين متواليتين

– تصفية هذه الحقوق عن طريق شراء إدارة الأوقاف للحق العرفي لفائدة الغير أو شراء صاحب الحق العرفي لرقبة الملك الوقفي أو عن طريق بيع الرقبة والحق العرفي معا عن بالمزاد في حالة تعذر التصفية بالطريقتين السابقتين، وفي كافة الأحوال تنقضي بمرور عشرين سنة من تاريخ دخول مدونة الأوقاف حيز التنفيذ، وفي هذه الحالة يتعين على صاحب المصلحة أن يتقدم بطلب إلى السيد المحافظ من اجل التشطيب على تلك الحقوق من الرسم العقاري، غير انه كثيرا ما ينصب الوقف على حصة مشاعة في العقار حيث يثار الإشكال حول مدى جواز ممارسة الشفعة عندما يبيع احد الشركاء حصته في العقار ذاته، وللجواب على هذا الإشكال يميز الفقه بين الواقف والموقوف عليه.

بالنسبة للواقف ذهب بعض الفقه([31])إلى انه يمكن للواقف أن يشفع ما بيع من العقار الذى كان شريكا فيه بحصته التي أوقفها، شريطة أن تتم الشفعة لمصلحة هذه الحصة على أساس انه المالك الأصلي لها، في حين يرى جانب أخر من الفقه ([32])انه لا يمكنه أن يشفع ما بيع من ذلك العقار لان ما حبسه يخرج عن ملكه وبالتالي لم يعد شريكا في العقار، وأمام سكوت المشرع عن هذه المسألة نعتقد انه يجب الأخذ بالاتجاه الأول الذى يقضي بجواز ممارسة الشفعة من الواقف إذا كان في ذلك مصلحة للحصة الموقوفة كالزيادة في غلته ونفعه أو إبعاد شريك جديد غير مرغوب فيه.

أما بالنسبة للموقوف عليهم فإننا نعتقد بأنه لا يجوز له ممارسة الشفعة بالنسبة للحصة المبيعة لأنهم ليس شركاء في الرقبة مع البائع وإنما يملكون المنفعة فقط، والشفعة لا تكون إلا للشريك في الأصل ولا عبرة بشركة المنفعة.

إلى جانب إشكالية الشفعة ثار النقاش في أوساط الفقه حول مدى إمكانية تصفية الوقف المعقب الواقع على العقار المحفظ، وإذا كان الفقه الإسلامي يمنع منعا كليا تصفية الأوقاف المعقبة سواء عن طريق البيع أو القسمة، غير أن الواقع قد يعرف بعض الحالات التي تتضاءل فيها مردودية الوقف بسبب زيادة عدد الموقوف عليهم من الأعقاب مع مضي الزمن وجمود وعدم تنمية العقارات الموقوفة وتطوير مداخيلها وكثرة النزاعات والخصومات بين المستفيدين لذلك وتفاديا لهذه الصعوبات والإكراهات الاقتصادية والاجتماعية فقد أجاز المشرع بمقتضى مدونة الأوقاف إمكانية تصفية الأوقاف المعقبة في الحالات الآتية:

– إذا انقطع نفع المال الموقوف أو قل نفعه إلى حد كبير؟

– إذا أصبح المال الموقوف في حالة يتعذر معها الانتفاع به؟

– إذا أصبح عائده لا يغطي نفقاته والواجبات المفروضة عليه؟

– إذا كثر المستفيدون وقل نصيب كل واحد منهم.

وإذا كان العقار المحفظ تحكمه مجموعة من المبادئ التي يتأسس عليها نظام التقييدات ككل واهمها الأثر التأسيسي والقوة الثبوتية للتقييدات، فإنه تبعا لذلك ينبغي أن تنطلق كل مقررات التصفية من واقع الرسم العقاري غير هذا الأمر يثير كثيرا من الصعوبات نتيجة عدم تطابق الوضعية الواقعية للعقار مع وضعيته التي يعكسها الرسم العقاري حيث اثبت الواقع بأن كثيرا من مقررات التصفية لا تعرف طريقها إلى التطبيق والسبب في اعتقادنا يعود إلى عدم تحيين الرسوم العقارية وعدم اشتراط وثيقة شهادة المحافظة العقارية المثبتة للوضعية القانونية للعقار الموقوف محل التصفية ضمن الوثائق المنصوص عليها في المادة 124 من مدونة الأوقاف، فضلا عن عدم مراعاة بعض التشريعات المنظمة للعقار المحفظ خاصة تلك المتعلقة بمراقبة العمليات العقارية، كالقانون رقم 90/25 المتعلق بالتجزئات العقارية والمجموعات السكنية وتقسيم العقارات الأمر الذى يترتب عليه استحالة تطبيق مقررات التصفية([33])

وبناء على ذلك، يمكن القول بأن المشرع قد حاول إيجاد مجموعة من الحلول التشريعية لحماية الوقف عن طريق مدونة الأوقاف وضمان أداء وظائفه الاجتماعية والاقتصادية، انسجاما مع الخصوصيات التي ينفرد بها بالمقارنة مع باقي الأنظمة العقارية، حيث يعتبر الوقف من المؤسسات التي أسهمت إسهاما كبيرا في بناء الحضارة الإسلامية وتمويل العديد من المرافق الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والدينية بالمغرب. لذلك خصه المشرع بمجموعة من الامتيازات في مجال التحفيظ العقاري، سواء أثناء مسطرة التحفيظ أو خلال مسطرة التقييدات تفاديا لكل محاولة للترامي على الأملاك الوقفية، غير أن الممارسة اثبتت الكثير من الصعوبات التي تقف في وجه تحفيظ العقارات الموقوفة خاصة في شقها الخاص أو المعقب نتيجة لتكاثر الأعقاب وكثرة النزاعات. ويبقى الحل بيد القضاء باعتباره الجهة المؤهلة قانونا لتنزيل النصوص وتحقيق العدالة التي نطمح إليها جميعا الذي يجب عليه الأخذ بمقاصد التشريع عند تفسير النصوص.


[1] الإمام مالك، المدونة الكبرى، رواية الإمام سحنون عن الإمام عبد الرحمان بن القاسم، ج 4، دار الفكر، بيروت، ص: 342.

– محمد بن يوسف الكافي، إحكام الأحكام على تحفة الحكام، دار الكتب العلمية -بيروت، ص 216.

– ابن قدامة، المغني، ج 8، ص: 233. ابن عبد البر، الكافي، ج 2، ص: 304-302 .

[2] لقد اتفق الفقهاء جميعا على أن منفعة الوقف هي للموقوف عليهم في حين وقع الخلاف حول العين الموقوفة (الأصل الموقوف)، ويمكن تصنيف أقوالهم إلى ذلك إلى ثلاثة أراء:

الرأي الأول: يذهب إلى القول بزوال ملكية الوقف للعين الموقوفة وانتقال ملكيتها للموقوف عليه. وهو قول الشافعية في المشهور من مذهبهم، ومذهب الحنابلة إذا كان الوقف لآدمي معين كزيد وعمرو أو جمع محصور كأولاد فلان، أو علان، وهو قول عند الإمامة.

الرأي الثاني: ويذهب هذا الإتجاه إلى القول بزوال ملكية الواقف للعين الموقوفة دون انتقال ملكيتها للموقوف عليه، بل هي في حكم ملك الله تعالى، وهو رأي الصاحبيين في المذهب الحنفي (وهو المفتى به)، والأظهر في مذهب الشافعية، وهو قول الحنابلة إذا كان الوقف على مسجد ونحوه كمدرسة، ورباط، وقنطرة، وفقراء، وغزاة، وما أشبه ذلك.

الرأي الثالث: عدم زوال ملكية الواقف للعين الموقوفة، بل تظل ملكيتها له. وهو مذهب المالكية في غير المسجد، حيث يقول القرافي: (…أما أصل ملكه فهل يسقط أو هو باق على ملك الواقف؟ وهو ظاهر المذهب لأن مالكا -رحمه الله-أوجب الزكاة في الحائط الموقوف على غير المعين نحو الفقراء…) وهو رأي أبي حنيفة، وقول للحنابلة، والإمامة. ولكل رأي من هذه الآراء أدلته ليس هذا البحث محل بسطها. انظر في هذا السياق: ابن قدامة، المغني، ج 8، ص 186، أبو زهرة، محاضرات في الوقف، ص. 99.

[3] عبد الرزاق الصبيحي، الحماية المدنية للوقف العام. 

[4] إن الوقف يتمتع بالشخصية الاعتبارية التي تستند إلى ما سبق الإشارة إليه في كلام أهل العلم حول ملكية الوقف، وتحديدا إلى القول القائل بخروج ملكية الوقف عن الواقف وعدم دخولها في ملكية الموقوف عليه. ومعنى هذا أن للوقف وجودا مستقلا عن ذمة الواقف والموقوف عليه، ولهذا أجاز جمهور الفقهاء على سبيل المثال الاستدانة على الوقف. ورفض ذلك الحنفية وإن رجعوا إلى القول به بطريق المصلحة. فقد جاء في الدر المختار: لا تجوز الاستدانة على الوقف إلا إذا احتيج إليها لمصلحة الوقف، كتعمير، وشراء بذور، فيجوز بشرطين: إذن القاضي، وأن لا تتيسر إجارة العين والصرف من أجرتها، للتوسع أكثر، انظر: الدر المختار ج .4 ص.489

[5] قرار المجلس الأعلى عدد 1099 بتاريخ 05/04/ 2006، ملف مدني عدد 4085 1/3/ 2004، المنازعات الوقفية من خلال اجتهادات المجلس الأعلى ومحاكم الاستئناف والمحاكم الابتدائية، سلسلة “دليل العمل القضائي ” دار الفكر العربي، ط 1، ص. 130 وما يليها. 

[6] قرار المجلس الأعلى عدد 2832 الصادر بتاريخ 27/09/2006، ملف مدني عدد 2217 -1/3/2005، م.س، ص: 136 وما يليها.

[7] قرار المجلس الأعلى عدد 848، بتاريخ 17/3/ 2004، ملف مدني عدد 2275 -1 /1 / 2003، م.س، ص 116: وما يليها.

[8] قرار المجلس الأعلى عدد 3441، بتاريخ 3/12/2008، ملف مدني عدد 2180-1/1/2003، م.س 120 وما يليها.

[9] قرار المجلس الأعلى عدد 485، بتاريخ 22/5/2008، ملف شرعي عدد 36/7/8، م.س، ص: 125 ومايليها.

[10] حول دور مقاصد الشريعة في استنباط الأحكام انظر، الشاطبي، الموافقات، انظر أيضا علم مقاصد الشريعة وواجب التجديد مجلة الإحياء، العدد 36 مايو 2012، ص. 72 وما يليها.

[11] قرار محكمة الاستئناف بطنجة رقم 485، بتاريخ 22/ 5/ 2008، ملف شرعي عدد 36/07/8، م.س، ص :125 وما يليها.

[12] محمد بن صالح الصوفي، الحقوق العينية العرفية الإسلامية، دراسة مقارنة بين الفقه الإسلامي والقانون المغربي، دار القلم للطباعة والنشر والتوزيع الرباط، الطبعة الأولى 2002، ص. 348.

[13] عبد الرزاق الصبيحي، مرجع سابق، ص 16.

[14] محمد الكشبور، التطهير الناتج عن تحفيظ العقار، ص.36-39.

المختار بن أحمد العطار، التحفيظ العقاري في ضوء القانون المغربي، 1429 هـ-2008، ص86.

[15] محمد التأويل، إثبات الحبس في الفقه الإسلامي-ندوة الإثبات، في المادة الحبسية المنظمة بوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالرباط بتاريخ-28 .2005/29

[16] المهدي الوزاني، النوازل الجديدة الكبرى فيما لأهل فاس وغيرهم من البدو والقرى، منشورات وزارة الأوقاف، 82، ص .362

[17] محمد الكشبور، بيع العقار بين الرضائية والشكل، ص. 118 وما يليها..

[18] قرار عدد 688 صادر بتاريخ 2008/02/20 ملف مدني عدد 1162 -01/03/2006، المنازعات الوقفية من خلال اجتهادات المجلس الأعلى ومحاكم الاستئناف والمحاكم الابتدائية، دار الفكر العربي -الطبعة الأولى 2011، ص 163 وما يليها.

[19] قرار عدد 363 صادر بتاريخ 13 /10 /1983 ملف شرعي عدد 358/82/02.

[20] قرار 382/ 82 صادر بتاريخ 13 /11/ 1983، غير منشور.

[21] د. أحمد أجعون، تدبير الأملاك الحبسية، أنظر ندوة الأملاك الحبسية التي نظمها مركز الدراسات القانونية والمدنية والعقارية بكلية الحقوق بمراكش يومي 11-10 فبراير 2006، ط 1، المطبعة والوراقة الوطنية، ص 166.

[22] د. إدريس العلوي العبدلاوي، القانون القضائي الخاص، ج 2، ص187وما يليها.

[23] محمد خيري، قضايا التحفيظ العقاري في التشريع المغربي، الطبعة الخامسة 2009، ص 8 وما يليها

[24] محمد القدوري، شرط الحوز في التبرعات في الفقه المالكي، مجلة الإشعاع عدد 14ص. 52.

[25] محمد القدروي، م.س ص. 52،

[26] يقول الإمام أبو عبد الله محمد التاودي: “…فإن لم يحز حتى مات المحبس أو فلس أو مرض بطل…”

[27] قرار مجلس الأعلى عدد 579 المؤرخ في 13/02/2002 ملف مدني 4054- 01/09/95، المنازعات الوقفية من خلال اجتهادات المجلس الأعلى ومحاكم الاستئناف والمحاكم الابتدائية سلسلة “دليل العمل القضائي “، ص 183 وما يليها.

[28] قرار منشور بمجلة القصر عدد 2/ماي 2002، ص :119 وما بعدها.

[29] القرافي، الذخيرة، ج 6، تحقيق سعيد محمد أعراب، دار الغرب الإسلامي، ط 1، 1994، ص 228.

[30] الصادق عبد الرحمان الغرياني، مدونة الفقه المالكي وأدلته، مؤسسة الريان للطباعة والنشر والتوزيع، ط1 2002، ص 202.

[31] محمد مهدي الجم، التحفيظ العقاري في المغرب، دار الثقافة للنشر والتوزيع، الدار البيضاء، 1996، ص 137. 32.

[32] محمد بن معجوز، أحكام الشفعة في الفقه الإسلامي والتقنين المغربي، مطبعة النجاح الجديدة، 1993، ص 66.

[33] محمد بونبات، تصفية الوقف المعقب على العقار في ضوء الإكراهات الاقتصادية والاجتماعية، ندوة الأملاك الحبسية بكلية الحقوق بمراكش، يومي 15 و11 فبراير 2006، ص. 60 وما يليها.

https://powderencouraged.com/w3m6c9b5?key=af8b4909c0965493e9682d74bb50a646
https://powderencouraged.com/ksq5rgwdmh?key=b5b47a0d83f8742dcf71d4de8ef00494
https://powderencouraged.com/bkcduddx?key=0252cc21d0f4e0ae5f53245940611301
×
error: Content is protected !!

اكتشاف المزيد من

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading