الحسين الحايلة

طالب باحث بسلك الدكتوراه

جامعة محمد الخامس الرباط

 

الأصل أن يقوم المدين بالوفاء اختيارا، فهو بهذا الوفاء يستجيب لعنصر المديونية في الالتزام، أما إذا امتنع فان القابض يستعين بعنصر المسؤولية فيحصل على الأداء رغم إرادة المدين[1].

فالأداء الذي يقوم به المدين اختيارا يسمى بالتنفيذ الاختياري، ويعتبر اختياريا ولو قام به المدين مدفوعا بالخوف من قهره على الوفاء بواسطة ما أعده التنظيم القانوني من وسائل طالما أن التنفيذ تم دون أن يتحرك عنصر المسؤولية في الالتزام[2].

لكن بعد استنفاذ الآجال المحددة للتحصيل الرضائي وفشل إدارة التحصيل في استخلاص ديونها بالطرق الرضائية، يكون القابض آنذاك مضطرا بحكم القانون إلى اتخاذ مختلف التدابير و الإجراءات الجبرية قصد الضغط على المدين لأداء ديونه الضريبية.

وتختلف درجات التحصيل الجبري من حيث أنواعها وآجالها، وكذلك من حيث الآثار التي تنتجها على الملزم والإدارة على حد سواء.

ويعتبر الإنذار القانوني[3] من ابرز هذه الإجراءات إن لم نقل أهمها على الإطلاق، فالإنذار هو أول درجة من درجات التحصيل الجبري للديون العمومية، يمارسه القابض وجوبا قبل اللجوء إلى الحجز والبيع والإكراه البدني، وفق ضوابط قانونية محددة ،ويمكن أن يضع حدا لعملية التحصيل الجبري في حالة الأداء.

ونظرا لما لهذا الإجراء من تأثير مباشر على الذمة المالية للملزم فقد حرص المشرع المغربي – على غرار باقي التشريعات المقارنة – على إحاطته بمجموعة من الضوابط القانونية أثناء مباشرته تحت طائلة بطلانه وبطلان الإجراءات اللاحقة عليه .

فهل صياغة هذه الضوابط تسعف والحالة هذه في اللجوء إلى هذا الإجراء دون أن يكون محل منازعة بعدية ?

إذا كانت فعالية أي إجراء لا تكمن في النتائج المحصل عليها فقط بقدر ما تكمن في مشروعية هذا الإجراء في حد ذاته فالجواب سيكون بالطبع لا وذلك لأن المشرع المغربي أهمل أثناء صياغته للمقتضيات القانونية المنظمة للإنذار ما هو أهم من تحقيق النتائج والفعالية ألا وهي المشروعية لكونه لم يتعرض إلى الشكليات و البيانات الأساسية التي يجب أن يتضمنها هذا الإجراء و التي من شأنها أن تفيد المدين في معرفة طبيعة و تفاصيل الدين المطالب به، ناهيك عن كون إجراءات التبليغ التي افردها له تتميز بكثير من التعقيد و المحاباة اتجاه الإدارة الشيء الذي يطرح عدة إشكاليات قانونية ترتبط أحيانا بإشكاليات عملية  .

لكن وحيث أن التجربة القانونية علمتنا أنه مهما كان المشرع دقيقا في صياغته للنصوص القانونية فلا يمكن أن يلامس جميع الإشكالات التي تطرح على الصعيد العملي، فان التساؤل الذي يطرح نفسه بشدة في هذا الإطار هو إلى أي حد استطاع القاضي الإداري باعتباره قاضي مشروعية سد الثغرات ورفع اللبس القانوني المرتبط بهذا الإجراء وما مدى انعكاس ذلك على امتيازات إدارة التحصيل وضمانات الملزم الضريبي.

إن الإجابة على هذا التساؤل يجب أن تتم في اعتقادنا من خلال خطة بحث تجمع بين رصد أهم الإشكاليات والثغرات التي تحد من فعالية هذا الإجراء سواء على مستوى شكلياته ( الفرع الأول) أو على مستوى طرق وإجراءات تبليغه ( الفرع الثاني) وآثاره ( الفرع الثالث).

الفرع الأول: رقابة القاضي الإداري على شكليات الإنذار

يشترط في الإنذار الضريبي  حتى يكون منتجا لآثاره ومؤثرا في المركز القانوني للملزم أن يتضمن جميع البيانات التي تمكن المدين من التعرف على طبيعة و تفاصيل الدين المطالب من جهة، وما قد يترتب عنه من إجراءات جبرية من جهة أخرى.

وتشكل هذه المسالة إشكالا كبيرا بحيث لم ينص المشرع على هذه البيانات ولا على طبيعتها باستثناء ما ورد في المادة 38 من المدونة الذي يفيد أن” التحصيل الجبري يشمل مجموع المبالغ المستحقة الواجبة على نفس المدين” دون التعرض إلى ماهية هذه الديون أو تفاصيلها أو المكان المخصص لأدائها أو الحقوق والضمانات المخولة له وكذا الجزاءات التي قد يتعرض لها[4]،وتعتبر هذه البيانات أساسية بالنسبة للمدين لاسيما وأن الإنذار يشكل في أغلب الحالات بالنسبة للمدين بداية علمه الفعلي بوجود دين في ذمته وهو ما جعل القضاء يقضي في أحيان كثيرة بإبطال الإنذار الذي لا يتضمن جميع البيانات الموضحة للمدين، حيث جاء في حكم صادر عن المحكمة الإدارية بالرباط بتاريخ 20/01/2000 ” وحيث أن الإنذار لا يتضمن نوع الضريبة و الرسوم المطلوب استخلاصها، مما يجعله خاليا من البيانات الأساسية…و حيث والحالة هذه تكون الوسيلة المعتمدة من طرف المدعي مرتكزة على أساس، وبالتالي يتعين اعتمادها و التصريح لذلك ببطلان الإنذار المتعرض عليه…”[5]

غير أنه و على الرغم من أن المشرع لم يحدد شكله معينا لإنذار ولا للبيانات الواجب توافرها فيه فإنه تنبغي الإشارة إلى أن القاضي الإداري حفاظا على مصالح الخزينة لم يتوسع في هذه البيانات مكتفيا في كثير من أحكامه بالتحري عن اشتمال الإنذار على الحد الأدنى منها[6] ك:

  • الاسم العائلي و الشخصي والعنوان الكامل للمدين. وإذا تعلق الأمر بشخص معنوي يجب بيان اسم الشخص المعنوي، طبيعته، شكله، واسمه التجاري وعنوانه[7].
  • بيان مجموع المبالغ المستحقة الواجب أداؤها مفصلة حسب طبيعته الديون وسنوات الإصدار ورقم الجدول[8] بالإضافة إلى مبلغ صوائر الإنذار.
  • الإشارة إلى الأساس القانوني للإنذار ويتمثل في الفصول 40 إلى 43 من مدونة تحصيل الديون العمومية.
  • الاسم العائلي و الشخصي للعون المأمور بالتبليغ و التنفيذ الذي قام بالتبليغ مع الإشارة إلى رقم بطاقة الانتداب التي تؤهله لذالك[9].
  • الآمر الصريح الموجه إلى المدين للأداء داخل اجل ثلاثين يوما من تاريخ التوصل تحت طائلة اللجوء إلى إجراءات التحصيل الجبري الأخرى.
  • تاريخ وطريقة تبليغ الإنذار حيث يشهد مأمور التبليغ والتنفيذ الذي قام بالتبليغ على أن هذا الأخير قد تم بإحدى الطريقتين، إما بتسليم الإنذار للمدين نفسه أو من يقوم مقامه وإما بتعليقه في حالة عدم العثور عليه أو على أي شخص يقوم مقامه، ويعتبر الإنذار في هذه الحالة مبلغا تبليغا صحيحا في اليوم العاشر الموالي لتاريخ تعليقه في أخر موطن له[10].

ويرى البعض على أنه لا ضرورة للتوسع في تلك البيانات لأن الإنذار يجب أن يحرر وفق مطبوع خاص تعده وزارة المالية لهذا الغرض[11].

” وأن كل البيانات التي توجد على المطبوع المخصص للإنذار القانوني إلزامية ويجب أن تملا بكل دقة وأمانة حتى يتأتى للملزم معرفة وضعيته الضريبية…”[12].

الفرع الثاني: مسطرة تبليغ الإنذار بين النص القانوني والاجتهاد القضائي

تطرح النصوص القانونية المنظمة للتبليغ في مجال تحصيل الديون العمومية أكثر من تساؤل على الصعيدين القانوني والعملي حتى أن البعض وصفها بالمتاهة أو القنبلة الموقوتة، وذلك لما تحمله من تراجع ومس بأهم الضمانات التي كانت مخولة سابقا للملزم الضريبي، والتي ما فتئ القضاء يدافع عنها في العديد من اجتهاداته. حيث أنها تمنح للإدارة الجبائية صلاحيات واسعة في استعمال الوسيلة التي تراها مناسبة في التبليغ، وهذا الخيار يطرح  في اعتقادنا عدة إشكالات قانونية تواكبها أحيانا إشكالات عملية.

ويمكن ملامسة الإشكالات القانونية والعملية المتعلقة بالتبليغ على مستويين :

أول طرق  :تبليغ الإنذار القانوني

لقد حدد المشرع المغربي طرق تبليغ الإنذار القانوني وحصرها في ثلاثة أنواع، حيث نص في المادة 42 من م.ت.د.ع. على أنه” يتم تبليغ الإنذار من طرف مأموري التبليغ و التنفيذ للخزينة أو أي شخص منتدب لذلك. كما يمكن التبليغ بالطريقة الإدارية أو عن طريق البريد المضمون مع إشعار بالتوصل”.

  1. مأمورو التبليغ و التنفيذ التابعين للخزينة.

بالرجوع إلى أحكام الفقرة الأولى من المادة 42 من م.ت.د.ع. يتضح أن تبليغ الإنذار الضريبي له مصلحة تهتم به، تتمثل أساسا في أعوان التبليغ والتنفيذ التابعين للخزينة العامة للمملكة فلماذا؟

لأن التبليغ من طرف هذه المؤسسة القانونية يرتبط ارتباطا عضويا بالإدارة- ونعني بها مصالح التحصيل- نظرا لدرايتها بالجداول الضريبية وبكافة العمليات التي ترد عليها، وهي إجراءات تتميز بخصوصية معينة وتخضع لنصوص قانونية وقواعد تنظيمية خاصة.

ويقوم هؤلاء المأمورون بتبليغ الإنذار الضريبي وغيره من التدابير المقررة لإجبار مديني

الدولة على الأداء لحساب القابض المكلف بالتحصيل بموجب انتداب قانوني[13] يخول لهم القيام بالمهام المذكورة في إطار يجب أن تطبعه المشروعية.

ولقد اقتصرت التعليمية التفسيرية لمدونة التحصيل على شرح المقتضيات المتعلقة بطرق تبليغ الإنذار الموجه إلى المدين، الذي يقوم به أعوان الخزينة، لأن هؤلاء هم الذين تعتمد عليهم هذه الأخيرة بالدرجة الأولى في القيام بإجراءات التحصيل الجبري، بما فيها الإنذار[14].

وتجدر الإشارة إلى أن المشرع المغربي قد عمل بدوره في الفصل 37 من قانون المسطرة المدنية[15] على تبوئ طريقة التبليغ بواسطة أحد أعوان الكتابة الضبط المرتبة الأولى قبل التبليغ عن طريق البريد برسالة مضمونة مع الإشعار بالتوصل أو بالطريقة الإدارية.

وقد عالج المشرع من جهة أخرى في قانون المالية لسنة 1995 مسألة التبليغ من طرف أعوان مديرية الضرائب والذي يتعلق بصفة خاصة بمسطرة التصحيح و المراجعة، حيث أورد ترتيبا مغاير للترتيب الذي نصت عليه المسطرة المدينة و مغايرا كذلك لمسطرة التبليغ الواردة في مدونة التحصيل فأصبح التبليغ عبر البريد المضمون مع الإشعار بالتوصل هو الأصل و الاستثناء هو اللجوء إلى الطرق الأخرى المنصوص عليها في القانون المذكور.

أما مدونة التحصيل فقد نصت في المادة 42 منها –كما سلفت الإشارة إلى ذلك- على أنه يتم التبليغ من طرف مأموري التبليغ و التنفيذ للخزينة أو أي شخص منتدب لذلك[16] كما يمكن أن يتم التبليغ بالطريقة الإدارية أو بالبريد المضمون مع الإشارة بالتوصل.

وهذا معناه أن المشرع المغربي لم يعتمد نفس الترتيب الوارد في قانون المالية لسنة 1995 الشيء الذي نتأسف له نظرا لغياب رؤيا موحدة لدى المشرع في مسألة التبليغ لاسيما وأن الأمر يتعلق بنفس المجال رغم اختلاف المساطر.

  1. التبليغ بالطريقة الإدارية.

لقد صنف مشرع م.ت.د.ع. التبليغ بالطريقة الإدارية في المرتبة الثانية بعد التبليغ عن طريق مأموري التبليغ والتنفيذ التابعين للخزينة.وهي نفس المرتبة التي نص عليها قانون المسطرة المدنية[17].

ويتم اللجوء إلى هذه الوسيلة في التبليغ في الحالة التي يتعذر فيها تبليغ الإنذار من طرف مأموري التبليغ و التنفيذ  التابعين للخزينة حيث يرسل حينها القابض الإنذار إلى السلطة الإدارية المحلية التي تقوم بالتبليغ إلى الملزم أو من يقوم مقامه و تعيده للقابض المكلف بالتحصيل بعد الإشارة بكل وضوح في أصل شهادة التسليم والنسخة المسلمة إلى المدين أو الشخص الذي يقوم مقامه إلى المعلومات  التي تفيد ظروف التسليم و العنوان و تاريخ تسليم الإنذار مع ذكر اسم وإمضاء الشخص الذي قام بالتبليغ وكذا الشخص الذي تسلم طي التبليغ.

غير أنه لابد من التذكير إلى أن هذه الطريقة في التبليغ غالبا ما تترتب عنها العديد من الإشكالات منها ما يتعلق بشهادة التسليم حيث أن معظم هذه الشهادات لا يتم ملؤها بالطريقة و الدقة اللتين يتطلبها القانون، مما يترتب عنه أن تكون التبليغات التي يقوم بها أعوان السلطة الإدارية محل طعون[18]. ومنها ما يتعلق بانعدام مسؤولية المبلغين من شيوخ ومقدمين وغيرهم، هذا بالإضافة إلى نقصهم العددي المتزايد وانشغالاتهم الكثيرة و المتعددة التي لا تسمح لهم بالقيام بمهام إضافية أو لفائدة مؤسسات عمومية أخرى غير وزارة الداخلية و المصالح التابعة لها، ناهيك عن انعدام تكويناتهم في هذا المجال، ثم إن جميع المهام المحالة عليهم قد تتعرض للضياع و التلف، هذا بالإضافة إلى طبيعة علاقتهم داخل الوسط القروي، إلى غير ذلك من الملاحظات التي لا داعي لذكرها جميعا[19].

لهذا يستحسن في نظرنا تدريب وتكوين الموارد البشرية التابعة للمؤسسات العمومية المعنية للقيام بعملية التبليغ بمساعدة المؤسسات القضائية وباقي المؤسسات العامة المعنية بتحصيل الديون، الضريبية، مع التواصل و التنسيق بين مختلف هذه المؤسسات لاسترجاع واستخلاص ديون الدولة.

ج- التبليغ عن طريق البريد المضمون مع الإشعار بالتوصل.

يعتبر التبليغ عن طريق البريد الوسيلة الأخيرة التي يمكن بواسطتها إخبار المدين ومطالبته بأداء ديونه، وقد اعتبره البعض من بين أنجح الطرق في التبليغ[20] بالرغم من أن المشرع لم يعطي أية إيضاحات في مدونة التحصيل حول هذه المسطرة[21] إلا أن سلوكها لا يخلو أيضا من إشكالات عملية قد تؤثر سلبا على عملية التحصيل وهذه الإشكالات نلخصها فيما يلي:

  • حالة الرجوع الطي بعبارة غير مطلوب أو غير مطالب به.

يمكن تصور هذه الحالة عندما تلجأ الإدارة الجبائية إلى تبليغ الإنذار عن طريق البريد المضمون مع الإشعار بالتسلم . فهنا غالبا ما يتم إرجاع الظرف يحمل عبارة ” غير مطلوب ” .

إن ما يلاحظ على مستوى هذه الطريقة من التبليغ هو أن المشرع على الرغم من إعطائه الحق للإدارة في استعمال جميع وسائل التبليغ الممكنة و منها التبليغ عن طريق البريد ، فإنه و الحالة ما ذكر لم يشر في مضمون النص إلى حالة رجوع الطي بعبارة ” غير مطلوب ” فهل يعتبر ذلك تبليغا؟

   نعتقد أنه إذا كانت المادة 42 من م.ت.د.ع لا تسعف في معالجة هذه الإشكالية ، فيجب إخضاع هذا الإجراء إلى مقتضى قانوني أخر و هو في هذه الحالة المادة 10 من القانون رقم 26 – 04 المتعلق بالمساطر الجبائية للسنة المالية 2005 ، و التي اعتبرت أن رجوع الطي بعبارة ” غير مطلوب ” يفيد التوصل بعد انصرام 10 أيام التي تلي تاريخ إثبات تعذر التسليم .

غير أن الملاحظ على مستوى قضاء محكمة النقض و المحاكم الإدارية [22] أن القاعدة المعمول بها ، هي أن أي إجراء لا يمكن ترتيب الأثر القانوني عليه إلا من تاريخ توصل المعني به توصلا قانونيا مفسرا بذلك عبارة ” غير مطلوب ” بكونها لا تعني ولا تفيد التوصل[23].

  • حالة التصريح بعنوان ناقص.

الأصل أن الملزم عند تصريحه بعنوان ناقص في قراراته أو تظلماته  يتحمل  وزر خطئه ولا يمكن أن يستفيد من ذلك الخطأ سواء كان عن قصد أو غير قصد مادام أن الإدارة الجبائية قد أثبتت بمقتضى الإشعار بدون صائر أنها راسلته في العنوان المصرح به لدى الإدارة المكلفة بالوعاء، ورجع الطي بعبارة “عنوان ناقص” وبعد سلوك الإنذار القانوني وتحقق نفس النتيجة تكون محقة في اللجوء إلى مسطرة الحجز تم البيع مادام أن الإدلاء بالعنوان الصحيح هو التزام قانوني و أخلاقي وطني يجب احترامه وهو نفس الاتجاه الذي أقرته المحاكم الإدارية و على رأسها المحكمة الإدارية بوجدة في حكمها رقم 21/2002 ملف رقم 193/2001 ش.ض. بتاريخ 27/11/2002 إذ أكدت أن عدم إدلاء الملزم بعنوانه الصحيح أو تملصه من التوصل بالرسائل و الاستدعاءات الموجهة إليه من طرف الإدارة الجبائية أو من طرف المحكمة لا يجعل مسطرة التبليغ باطلة” [24].

وهو أيضا نفس الاتجاه الذي نحته في حكمها رقم 99/2004 في الملف رقم 718/2003 بتاريخ 15/04/2004 حيث جاء فيه ” أن الإدارة قد قامت بسلوك جميع المساطر القانونية قصد تبليغ المدعين إلا انه تعذر عليها ذلك لعدم تحديد العنوان الصحيح من قبلهم تحديدا دقيقا سواء من خلال رخصة البناء أو السكن الشيء الذي يعطي الحق للإدارة المدعى عليها اللجوء إلى مسطرة الفرض التلقائي”[25].

  • حالة مغادرة الملزم لمحل إقامته .

من المفروض أن تكون العلاقة التي تربط الإدارة الضريبية بالملزمين علاقة أساسها الشفافية والوضوح فإذا كانت هذه الإدارة ملزمة بتبليغ الخاضعين للضريبية في عناوينهم المصرح بها في مراسلاتهم أو قراراتهم أو عقودهم فانه في حالة تغيير العنوان أو إغلاق المحل من الضروري إخبار الإدارة بذلك، مادام أن الحق يجب أن يقابله دائما أداء الواجب و الواجب هنا في نظرنا هو ضرورة إعلام إدارة التحصيل بأي طارئ يطرأ على وضعية الملزم، وهذا ما أكدته المحكمة الإدارية بوجدة في الحكم الصادر عنها بتاريخ 23/01/2003 في ملف عدد 54/02 ش.ض حيث اعتبرت من خلاله أنه ” بغض النظر على أن ” الاعتقال لا يحول دون ممارسة المدعي لحقوقه في جميع الميادين وخاصة تلك التي تمس ذمته المالية  فانه لم يدل بما يثبت بالشكل المتطلب قانونا إعلامه للإدارة الجبائية بواقعة الاعتقال، وبالتالي يكون عدم توصله بالرسائل الموجهة إليه من طرف الإدارة يرجع إلى خطئه المتمثل في عدم إعلامها بالعنوان الذي يجب مراسلته فيه”[26].

ما يمكن استخلاصه من خلال تحليل بعض الحالات التي يتعذر فيها التبليغ، أن المشرع قد أعطى سلطة تقديرية للإدارة المكلفة بالتحصيل  في اختيار الطريقة المناسبة للقيام بعملية التبليغ إلا أن هذه السلطة يجب أن تكون متوازنة من حيث مراعاة مصلحة الإدارة وكذا مصلحة الملزم ، فإذا كانت الإدارة في الكثير من الحالات تلجأ لطريقة البريد المضمون مع الإشعار بالتوصل ويرجع الطي بعبارة “غير مطلوب” والتي أصبحت بمقتضى المادة 10 من قانون المالية لسنة 2005 تفيد التوصل فانه بإمكان الإدارة الحرص على تبليغ الإنذار القانوني بواسطة أعوانها المحلفين أو المفوضين القضائيين أو السلطة المحلية أو أي شخص تنتدبه لذلك لأنه لا يمكن للملزم أن يتحمل دائما عبئ إثبات تعذر التوصل بالإنذار الضريبي وبالتالي تحمل الآثار الناجمة عن صحة هذا التبليغ خاصة إذا تعلق الأمر بقطع أمد التقادم لان السؤال المطروح هو إذا كان التبليغ باطلا لأي سبب من الأسباب، هل يرتب أثار قانونية في قطع التقادم؟

ثاني :  الأشخاص المعنيون بتسلم الإنذار القانوني[27]

إن تبليغ الإنذار القانوني لا يتم إلا بعد مضي اجل ثلاثين (30) يوما ابتداء من تاريخ الاستحقاق، وعشرين (20) يوما على الأقل بعد إرسال أخر إشعار بدون صائر[28].

ويتم التبليغ للمعني بالأمر نفسه الذي يشهد بالتوصل على القائمة الأصلية،  وهذا هو المبدأ ، وإلا فإنه في حالة تعذر ذلك فيمكن تسليم الإنذار في ظرف مختوم في موطنه بين يدي أقاربه أو خدمه أو مستخدميه أو إي شخص آخر يسكن معه ويشهد الشخص الذي تسلم الإنذار بالتوصل عل الأصل.

  1.  التبليغ للمعني بالأمر.

من الشروط اللازمة في الإنذار لكي يقطع التقادم أن يكون من شأنه أن يجعل المدين في حالة مطل لتنفيذ المطلوب في الإنذار، ولا يتأتى ذلك إلا بثبوت التوصل به شخصيا[29].

فالتبليغ عموما وفي إطار القواعد العامة يجب أن يتم إلى الشخص نفسه لأنه هو المعني بالأمر في موطنه الحقيقي أو المختار أو محل إقامته. لكن في كثير من الأحيان قد يتعذر ذلك لعدة أسباب كان يرفض المدين تسلم الإنذار، أو أن يصعب تبليغه إليه من طرف القابض. فما العمل يا ترى في هذه الحالة خاصة و أن الخزينة ذات حق في مواجهة مدينيها، وأن الإجراءات التي يقوم بها القابض يجب انجازها في الآجال المحددة لها و إلا تعرضت ديون الخزينة إلى الضياع إذا ما حصل و طالها التقادم الذي لم يستطع القابض قطعه عن طريق تبليغ الإنذار.

يقتضي الجواب عن هذا السؤال مقاربة كل من نصوص مدونة تحصيل الديون العمومية و الاجتهاد القضائي.

فبالنسبة للحالة الأولى وهي الحالة التي يرفض فيها المدين تسلم الإنذار نص المشرع في الفقرة الرابعة من المادة 43 من م.ت.د. على أنه “…يشار إلى ذلك على الأصل، ويعتبر الإنذار حينئذ مبلغا تبليغا صحيحا في اليوم الثامن الموالي للتاريخ الذي تم فيه رفض استلام الإنذار” [30]، ونعتقد أن المشرع قد أحسن صنعا حينما قام بالتنصيص على هذا الإجراء حيث إن الواقع العملي أظهر أن العديد من المدينين يرفضون تبليغ الإنذار فلو لم يتم التنصيص على هذه

https://powderencouraged.com/w3m6c9b5?key=af8b4909c0965493e9682d74bb50a646
https://powderencouraged.com/ksq5rgwdmh?key=b5b47a0d83f8742dcf71d4de8ef00494
https://powderencouraged.com/bkcduddx?key=0252cc21d0f4e0ae5f53245940611301
×
error: Content is protected !!

اكتشاف المزيد من

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading