جمال مسرور
طالب باحث بسلك الدكتوراه
مقدمة:
تترتب عن الفصل غير المبرر أو ما يمكن تسميته بالفصل التعسفي مجموعة من الآثار، حيث يلجأ الأجير المفصول عن عمله إلى مطالبة المؤاجر بإصلاح الضرر الناتج عن الفصل التعسفي، وفي هذه الحالة يمكن للأجير المطالبة بذلك وديا في إطار مسطرة الصلح[1] التي استحدثها المشرع المغربي بموجب المادة 41 من م.ش حيث أناط بأعوان تفتيش الشغل إجراء محاولات الصلح، وذلك بتوظيف مؤهلاتهم وخبرتهم في إقناع الطرفين بالتصالح بدل اللجوء إلى القضاء، وهو ما كرسته أيضا المادة 532 من مدونة الشغل، ويعتبر الاتفاق الذي تم التوصل إليه في إطار الصلح التمهيدي نهائيا وغير قابل للطعن أمام المحاكم، إلا أن اللجوء إلى هذه المسطرة يعد اختياريا إذ أن للأجير أن يتجه إلى القضاء مباشرة للمطالبة بحقوقه الناتجة عن الفصل التعسفي، حيث يبقى للقضاء إما الحكم بإرجاع الأجير إلى العمل أو التعويض عن الطرد التعسفي بموجب الفقرة الأخيرة من المادة 41 من مدونة الشغل، وبالرغم من أن المادة السالفة الذكر أعطت الخيار للمحكمة في الحكم إما بالإرجاع إلى العمل أو الحكم بالتعويض بغية تبني الحل الأصلح للأجير باعتباره الطرف الضعيف، إلا أن التساؤل يبقى مشروعا حول مدى إمكانية إرجاع الأجير إلى العمل في ظل رفض المشغل لذلك، أو حتى في ضل رفض الأجير رجوعه للعمل وتشبته بالمطالبة بالتعويض، وبالتالي ما هي مساهمة التشريع والقضاء في تكريس قاعدة استقرار علاقة الشغل من خلال أحد الاختيارين؟
والملاحظ أن الفقرة الأولى من المادة 41 من مدونة الشغل كرست الحق في التعويض فقط في حالة إنهاء عقد الشغل تعسفيا، إلا أن المشرع تدارك ذلك في الفقرة الثالثة؛ حيث مكّن الأجير في حالة فصله تعسفيا من إمكانية الرجوع إلى شغله أو الحصول على تعويض، بل أكد ذلك في الفقرة الأخيرة من نفس المادة على مستوى القضاء، مع العلم بأن أهم ضمانة لاستمرار علاقة الشغل هي بقاء الأجير في منصبه، وهو ما حاول المشرع تكريسه من خلال المادة السالفة الذكر؛ حيث يستنتج بأن للمحكمة الخيار في أن تحكم إما بإرجاع الأجير إلى شغله أو الحصول على تعويض، وهو ما نجده غريبا ليس فقط لتعارضه مع الفصل 3 من قانون المسطرة المدنية أحيانا، بل إن الحكم بالإرجاع (مطلب أول) لن يكون غصبا على إرادة المشغل ولا عن إرادة الأجير كذلك، ليبقى الحكم بالتعويض فقط (مطلب ثان).
المطلب الأول: إشكالية الخيار بين الإرجاع للعمل من عدمه
إن إشكالية الخيار بين الإرجاع للعمل من عدمه خلقت ولا تزال تخلق جدلا كبيرا وسط الفقه[2] والقضاء[3]، وكل متتبع للتشريع[4] الاجتماعي، لذا نكون في حيرة أمام مضمون وأهمية هذا الاختيار الذي كرسه المشرع والذي ذهب فيه القضاء حتى أخر المطاف، واعتبر معه رفض المشغل إرجاع الأجير إلى العمل من حق المؤاجر، ليحيل الأجير على ضرورة إقامة دعوى أخرى للحصول على التعويض وتصحيح المقال من حيث طلبه في الأساس، وهي دعوى الرجوع إلى العمل.
وتجدر الإشارة إلى أن الأجير الذي لم يتوفر على 3240 يوم من التأمين على الأقل لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي لن يحصل على راتب الشيخوخة، وهو ما قد يعمد المشغل إليه بإحالة الأجير على التقاعد عند بلوغه السن القانوني بالرغم من عدم إكماله الفترة الواجبة قانونا لاستحقاق معاش التقاعد وهو ما يثير إشكالا عويصا، إلا أن المشغل هنا يكون قد تعسف في استعمال حق الإنهاء بخرقه لمقتضيات الفصلين الثاني و الخامس من ظهير 6 ماي 1982 بشأن تنفيذ القانون المحدد لسن التقاعد، حيث أن هذه الفئة من الأجراء تواجه بعد استيفاء المدة القانونية من التأمين حينما تطالب صندوق الضمان الاجتماعي بالحصول على راتب الشيخوخة، مما يجعلها تلتجئ إلى القضاء للمطالبة بإنصافها، وهنا نكون أمام فرضيتين:
الفرضية الأولى: أن يطالب الأجير بإرجاعه إلى العمل تطبيقا لمقتضيات الفصل الثاني من ظهير 06/05/1982، الذي ينص صراحة على تأخير سن التقاعد عند عدم توفر الأجير على مدة التأمين القانونية، تحت طائلة الحكم عليه بأداء أقساط التأمين المتبقية على راتب الشيخوخة دفعة واحدة.
والفرضية الثانية: حينما يتشبث الأجير بالمطالبة بالتعويضات عن الفصل التعسفي، ويرفض الاستجابة لطلب المحكمة أثناء جلسة الصلح بتقديم طلب الرجوع إلى العمل، فهنا يتعين وبالتأكيد رفض الطلب على اعتبار أن واقعة الفصل التعسفي غير واردة في هذه النازلة، ما دام توقيف الأجير عن العمل جاء تنفيذا للنص القانوني، أي بمقتضى الفصل 53 من ظهير 27 يوليوز 1972 المتعلق بنظام الضمان الاجتماعي[5].
أما فيما يخص دعوى الإرجاع في إطار مدونة الشغل فهي ناتجة عن الطرد التعسفي، والقضاء لا يضع يده على النزاع إلا اعتمادا على المقال الذي يتقدم به الأجير، حيث تختلف القرارات القضائية بهذا الشأن حسب الطلبات المرفقة بالمقال، وهي أربع حالات يمكن تصورها:
الحالة الأولى: عندما يقوم الأجير بتحديد طلبه الوحيد في المقال وهو الرجوع إلى العمل فقط.
وهو ما يثير التساؤل حول إمكانية المحكمة في الحكم وفق الطلب؟ حتى لو عبر المشغل صراحة عن عدم رغبته في تنفيذ الحكم القاضي بالإرجاع إلى العمل في ظل تواجد الخيار المخول للمحكمة حسب مقتضيات المادة 41 من مدونة الشغل؟ وبالتالي هل يمكنها الحكم بالتعويض بدل الإرجاع إلى العمل؟
لا شك أن المتتبع للقرارات الصادرة عن محاكم الموضوع يرى بان القرار غير مستقر [6]، وذلك ناتج أصلا عن تعارض في مضمون المادتين 41 من مدونة الشغل والفصل 3 من قانون المسطرة المدنية، فإذا ما تمسكت المحاكم بحرفية الفصل الثالث من المسطرة، يكون قرارها وفق الطلب وهو الحكم بالإرجاع، وإذا ما اعتمدت على المادة 41 من المدونة التي نسخت أحكام الفصل 6 من النظام النموذجي المنظم للعلاقة بين الأفراد و أرباب العمل الصادر بتاريخ 23/10/1948، سيكون الحكم إما بإرجاع الأجير إلى عمله أو الحكم له بالتعويض، رغم أن المدعي اقتصر في طلبه على الرجوع إلى العمل، مع العلم بأن المؤاجر الذي يعمل تلقائيا على إيقاف الضرر اللاحق بالأجير بإرجاعه إلى عمله بعد توقيفه لا يبقى معه مجال لمسألة التعسف في استعمال الحق من طرف المؤاجر و نتيجة لذلك لا محل لمناقشة طبيعة عقد العمل لأن الأجير يستحق فقط أجرته خلال مدة توقفه عن العمل[7].
لكن الحكم بالإرجاع لا يمكن تصوره غصبا عن إرادة المشغل، وذلك بأنه وفي الحالة هذه يمكن للقاضي الاجتماعي أن ينبه الأجير بإصلاح مقال دعواه والتنصيص على التعويض مادام المشغل أبدى عدم رغبته بإرجاع الأجير إلى العمل، وهو ما كرسه القضاء في أكثر من مناسبة حيث جاء في حيثيات القرار عدد 275[8] بأنه: “إذا حكم على رب العمل بإرجاع العامل إلى العمل مع الأجرة المستحقة له وقبل تنفيذ هذا الحكم، فان العامل يستحق الأجرة من تاريخ الطرد إلى تاريخ الرجوع للعمل.
أما إذا رفض فلا يستحق الأجرة، و يبقى له الحق في أن يطالب بالتعويض عن الطرد التعسفي، ونظرا لوجود نص خاص وهو الفصل 6 من قرار 23-10-1948 الذي يقرر الأحكام المذكورة، فإنه لا مجال لتطبيق الفصل 498 من قانون المسطرة المدنية المتعلقة بالغرامة التهديدية”، وهو أيضا ما سار على تأكيده القرار[9] القائل بأنه: “إذا حكم رب العمل بإرجاع العامل إلى عمله مع أدائه له الأجرة المستحقة من تاريخ الطرد إلى تاريخ الإرجاع فان العامل يستحق تلك الأجرة إذا قبل المشغل تنفيذ حكم الإرجاع، أما إذا امتنع عن ذلك فانه لا يكون أمامه سوى المطالبة بالتعويض عن الطرد التعسفي.”
وقد أكدت محكمة النقض على ضرورة تقيد محاكم الموضوع بمقتضيات الفصل 3 من المسطرة المدنية، حيث جاء في إحدى القرارات: “…حيث أنه مادام الطاعن قد طلب الرجوع إلى العمل وتبين للمحكمة أن طرده كان تعسفيا فلا يمكنها تعديل الطلب أو الحكم بما لم يطلب لان الفصل 3 من قانون المسطرة المدنية يمنعها من ذلك، وليس في قرارها أي الخيار ضد المشغل وإنما هو تطبيق للقانون[10]“.
بل أكثر من ذلك، فالملاحظ بأن تقديم طلب الرجوع إلى العمل لأول مرة أمام محاكم الدرجة الثانية لا يتم قبوله، حيث أكد القضاء[11] ذلك أكثر من مرة، لنجد قرارا صادرا عن محكمة النقض[12] جاء فيه بأنه: “لا يقبل الطلب الرامي إلى الرجوع إلى العمل المقدم أمام محكمة الدرجة الثانية لكونه يندرج ضمن الطلبات الجديدة المحظور تقديمها لأول مرة أمام محكمة الاستئناف طبقا للفصل 143 من قانون المسطرة المدنية، كما أنه لا يندرج ضمن الاستثناء المقرر في نفس المقتضى بخصوص الطلب الجديد الذي لا يعدو و أن يكون دفاعا عن الطلب الأصلي، إذ أنه غير ذلك، على اعتبار أن الطلب الأصلي المقدم أمام محكمة الدرجة الأولى هو التعويض عن الطرد التعسفي”.
ويرى الأستاذ آمال جلال في هذا الصدد “بأن المتأمل في الفقرة الأخيرة من المادة 41 من مدونة الشغل سيلاحظ أن الخيار في الحكم (في حالة ثبوت الفصل التعسفي) إما بإرجاع الأجير إلى شغله أو حصوله على تعويض عن الضرر، هو خيار متروك للقاضي أي للمحكمة وليس للأجير في حالة اكتفائه بطلب الرجوع إلى شغله، فإذا حكم القاضي بالتعويض في هذه الحالة فلا يعد متجاهلا لمقتضيات الفصل 3 من قانون المسطرة المدنية”، وهو ما يجعلنا نتساءل عن مدى إلزامية المشغل[13] بإرجاع الأجير من طرف السلطة القضائية؟
ذلك أن المشرع جعل الإمكانية موجودة من خلال تطبيق مقتضيات الفصل 448 من قانون المسطرة المدنية، والتي تنص على أنه: “إذا رفض المنفذ عليه أداء التزام بعمل أو خالف التزامات الامتناع عن العمل أثبت عون التنفيذ ذلك في محضر و أخبر الرئيس الذي يحكم بغرامة تهديدية ما لم يكن سبق الحكم بها”، حيث سبق للقضاء وأن حكم بالغرامة التهديدية في بعض القرارات[14]، وذلك لإجبار المشغل على تنفيذ الحكم القاضي بإرجاع الأجير إلى العمل، إلا أنه كرس ومن خلال مجموعة من القرارات بعدم جواز الحكم بالغرامة التهديدية على المشغل الذي لم يخضع لتنفيذ الحكم بالإرجاع، وذلك بعدم أخدها كوسيلة لإجبار المشغل على تنفيذ الحكم بإرجاع الأجير إلى عمله[15] وجاء في قرار آخر [16] بأنه: “لا موجب للحكم بالغرامة التهديدية استنادا إلى امتناع المؤاجر عن تنفيذ الحكم القاضي بإرجاع الأجير لعمله مادام رب العمل غير مجبر على إرجاعه.
ولا يكون إعلام الأجير في هذه الحالة، سوى بتقديم طلب جديد يرمي إلى تعويضه عن الضرر الحاصل له من جراء الطرد التعسفي.
أما فيما يخص الحالة الثانية: وهي التي يطالب فيها المدعي (الأجير) بطلب الرجوع إلى العمل واحتياطيا التعويض عن الفصل التعسفي، فهي في الغالب لا تثير أية مشاكل بحيث منح المدعي هنا إمكانية تفعيل مضمون المادة 41 من مدونة الشغل، ليمكن المحكمة الخيار بين الحكم إما بالإرجاع متى تمت موافقة المشغل على ذلك، وإما بالتعويض متى تشبث المؤاجر بعدم رغبته في إرجاع الأجير إلى العمل.
والحالة الثالثة: هي الأخرى لا تثير أي إشكال على مستوى التطبيق، وذلك حينما يطالب الأجير المدعي إما بالإرجاع إلى العمل أو التعويض، حيث يتيح للمحكمة أن تختار الخيار الأصلح والحل الأنسب لتطبيق مقتضيات المادة السالفة الذكر، وذلك بشكل لا يتعارض بتاتا مع مضمون الفصل الثالث من المسطرة المدنية، حيث تكون المحكمة قضت وفق الطلب.
صحيح بأن القرارات القاضية بإرجاع الأجير إلى عمله، نظرا لصعوبة التنفيذ إلا أن الرغبة في إقرار التوازن بين مصلحتي كل من المشغل والأجير أبانت في القليل من المناسبات بإرجاع الأجير إلى العمل سواء بموافقة المشغل أو بالرغم من عدم رغبته، مادام إرجاع الأجير في المؤسسات الكبرى لا يخلق نوعا من تشنج العلاقات بين المشغل والأجير، نظرا لانعدام الاحتكاك المباشر بين الأجراء والمشغلون في الأوساط الاقتصادية الكبرى، وهو ما قد يساعد على حماية نسبة مهمة من الأجراء، وبالتالي تحقيق قاعدة استمرار الشغل[17].
إلا أن الحالة الرابعة: التي يطالب المدعي من خلالها المطالبة بالتعويض فقط، و الحالتين السابقتين، حيث يمكن للمحكمة فيهم أن تختار الحكم بالتعويض بدل الإرجاع إلى العمل في الغالب، إنما تؤثر سلبا على قاعدة استمرار علاقة الشغل، حتى و إن أراد الأجير التشبث بالمطالبة بالرجوع إلى العمل، لأن المشغل هو صاحب القرار الأخير وهو تدبير مقاولته وعلى الأخص إنهاء العقود الذي يرى في إنهائها أهمية كبرى لاستمرار نشاطه أو المساعدة المقاولة على استعادة تنافسيتها من خلال إنهاء بعض العقود التي تشكل عبئا على تطورها، بل إن تحميل عبء الإثبات للأجير في حالة المنع من الرجوع إلى العمل[18] قد يساهم بحصة وافرة في عدم استقرار علاقة الشغل.
وهو ما جعل الجميع ينقسم إما إلى مدافع عن فكرة إرجاع الأجير إلى العمل[19] (أ)، أو معارض[20] للفكرة (ب) لما تخلقه من مشاكل عملية، ولكل فريق حججه ودوافعه.
- الاتجاه المنادي بالإرجاع إلى العمل
حيث نجد هذا الاتجاه دائما ما يريد لعلاقة المشغل أن تستمر، لأن إرجاع الأجير إلى العمل يساعد على ذلك، بل ويساهم في تحقيق إرادة المشرع من خلال القانون سواء المادة 41 من مدونة الشغل أو الفصل 6 من القانون النموذجي السابق ذكره.
كما يعد فعل الإرجاع رد فعل قوي ضد تعسف المشغل في إنهاء العقود، حتى لا يتسنى له التفكير في التمادي في استغلال حقه في إنهاء العلاقة الشغلية، و يساهم هذا الإجراء في تخفيف تكاليف الدول التي تتحمل مسؤولية دفع تعويضات عن البطالة، بل إن التعويض عن الفصل يوازي التعويض العيني، وهو الإرجاع خصوصا في الظروف التي تعرف الأزمات ويخيم شبح البطالة، بل يرون بأن الفسخ بدون مبرر يعتبر فسخا باطلا، وجزاء البطلان هو إعادة المتعاقدين إلى حالتهما السابقة، ومثل ذلك لا يتحقق إلا بإرجاع الأجير إلى عمله عندما يفقد شغله بسبب فسخ المشغل للعقد خصوصا وأن إرجاع الأجير قد لا يؤثر على المشغل في شيء نظرا لانعدام الاحتكاك المباشر بين هذا الأخير والأجير في الأوساط المهنية الكبرى و المؤسسات العملاقة.
وفي هذا الإطار نجد أحد الفقهاء[21] في القانون يقول: “إرجاع الأجير إلى العمل بحكم قضائي، حيث يصرح هذا الحكم بأن الإعفاء كان تعسفيا، وهو من المشاكل العويصة التي تضاربت فيها الآراء واختلفت التشريعات، وأن هذا التدبير أي إرجاع الأجير إلى العمل يعد وسيلة فعالة لحماية الأجير من تعسف المشغل الذي يعلم أنه إذا أعفى الأجير بدون سبب مشروع، فإنه معرض للحكم عليه بإرجاع الأجير إلى منصبه مع أداء أجره الذي حرم منه خلال المدة التي بقي منقطعا فيها عن العمل ولو استمرت عدة سنوات”.
وهو ما نجد الواقع يختلف عنه كثيرا، إذ أن الحكم بإرجاع الأجير إلى العمل يستلزم ثلاثة شروط أساسية، بأن يكون ذلك هو طلب الأجير المدعي أولا، وبأن تحكم المحكمة وفق الطلب ثانيا، وأخيراً بأن يوافق المشغل على إرجاع الأجير، فإذا انتفت إحدى هذه الشروط فلا يمكننا أن نتصور استمرار علاقة الشغل، ومع ذلك حرمانه من استحقاق الأجر على المدة التي تم توقيفه فيها عن العمل ولعلّ خير دليل هو القرار[22] الصادر عن محكمة النقض لسنة 2011 الذي اثبت تعارض موقف القضاء فيه مع المبادئ العامة التي تحكم تفسير القواعد الواردة بمدونة الشغل، حينما أقر بأن الإرجاع إلى العمل هو بمثابة تعويض عيني عن الطرد، و بالتالي فهو يعد بديلا عن التعويض النقدي، وبأن الأجر لا يكون إلا مقابل العمل الفعلي عملا بمقتضيات المادة 723 من قانون الالتزامات و العقود.
فرغم وجود إمكانية إلزام المؤاجر في بعض الحالات بإرجاع الأجير إلى العمل كإلزامية المشغل بإرجاع الأجير الذي ووجه أمام الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي بعدم استيفائه المدة المحددة قانونا لاستحقاق معاش التقاعد، وذلك إما بإرجاعه حتى يستكمل المدة المطلوبة قانونا أو على المشغل أن يدفع أقساط التأمين المتبقية كاملة إلى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي دفعة واحدة، كما رأينا سابقا، وكذلك حالة الأجيرة التي فصلت قبل إثبات حملها، حيث خول لها المشرع داخل أجل الخمسة عشر يوما من إبلاغها قرار الفصل إثبات الحمل بواسطة شهادة طبية توجهها إلى المشغل برسالة مضمونة مع الإشعار بالتوصل، ويصبح الفصل نتيجة لذلك باطلا مع مراعاة مقتضيات الفقرة الثانية من المادة 159 من مدونة الشغل، وهو ما كرسته الفقرة الثانية من المادة 160 من نفس المدونة.
إلا أنها غير كافية لضمان استمرار علاقات الشغل بالنسبة للعديد من الفئات التي يجب أن تولى بحماية أكثر؛ كممثلي العمال والأجراء الذين يفصلون بمناسبة تغيير المركز القانوني للمشغل والأجراء الذين أصيبوا بحالات مرضية فتعرضوا للفصل التعسفي جراء هذا الغياب.
حيث يجب على المشرع بإضافة جزاءات أخرى تكون أكثر ضمانة لاستقرار علاقة الشغل حينما يتشبث المؤاجر بعدم رغبته في إرجاع الأجير إلى عمله، بالإضافة إلى التعويض كغرامة مالية مثلا تقدر بحسب أقدمية وسن الأجير وظروفه الاجتماعية، وذلك بمنح السلطة التقديرية للقضاء للبث في الموضوع.
- الاتجاه المعارض لفكرة الإرجاع
فيما يخص هذا الاتجاه الذي يقول بصعوبات الإرجاع إلى العمل أو يعارض ذلك، فكثيرا ما يرجع صعوبة إرجاع الأجير إلى جانب المشغل، خصوصا في المقاولات الصغرى[23]، لأن من شأن ذلك أن يمس بسلطات المشغل و يعرضها للضعف أمام أجرائه، ممّا يؤثر بالسلب على تسييره و تنظيمه للمؤسسة، وبالتالي تسرب روح التمرد و الفوضى وسط الأجراء، بحيث يتحول ذلك إلى عرقلة تأهيل المقاولة وتسيرها، ناهيك على أنّ الحكم بالإرجاع لا يمكن أن يكون رغما عن إرادة المشغل، وهو ما يتيح إمكانية تحقير المقررات القضائية و افتقادها لقدسيتها و هيبتها رغم إصدار الحكم بتنفيذ هذا الإجراء[24]، وقد يكون له أثر نفسي على المشغل ويشكك في سلطاته القانونية على تدبير و تنظيم مقاولته، حيث يعتبر هو الحكم الوحيد في مقاولته وتحديدا في اختيار أجراءه[25].
المطلب الثاني: ماهية التعويض في حالة فصل الأجراء تعسفيا
إنّ الحل المتبقي أمام الأجير هو المطالبة بالتعويض جراء الفصل التعسفي، وهو الحالة الرابعة التي يمكن للأجير أن يطالب بها أمام القضاء، ليتار التساؤل حول إمكانية المحكمة الحكم بالرجوع إلى العمل دون التعويض بحكم الخيار المخول لها بموجب المادة 41 من مدونة الشغل؟ خصوصا إن أعرب المشغل عن استعداده لإرجاع الأجير إلى العمل، وهو ما يشكل خرقا لمقتضيات الفصل الثالث من قانون المسطرة المدنية التي تلزم المحكمة بالبث في حدود طلبات الأطراف دون تجاوزها؟
وهو ما يجيب عنه القرار الصادر عن محكمة النقض[26] سنة 2006، حيث جاء في حيثياته “…كما أن إجراء بحث لا تقوم به محكمة الاستئناف إلا إذا طلبه الأطراف أو كان ضروريا باعتبار أن مقتضيات الفصل 6 من النظام النموذجي حينما خولت للمحكمة إمكانية الحكم برجوع الأجير إلى عمله أو الحكم بتعويض لم تعط الأولوية للحكم بالرجوع و إنما منحتها حق اختيار أحد الإجرائيين، كما أن ذلك يكون مشروطا بطلب الأجير للحكم بالإرجاع وكذا الحكم بالتعويض كاختيار ثان والحال أن المطلوبة قد اقتصرت في مقالها على الحكم بالتعويض فان المحكمة الابتدائية بحكمها بإرجاع المطلوب إلى عمله تكون قد خرقت مقتضيات الفصل 3 من قانون المسطرة المدنية و أن ما ذهبت إليه الطاعنة من أن الفصل 3 يفرض أيضا تطبيق القانون الواجب التطبيق، وما استنتجت من ذلك أن المحكمة يمكن لها الحكم بالرجوع رغم عدم المطالبة به يشكل تحريفا للفصل المذكور و أن محكمة الاستئناف حينما قضت بإلغاء الحكم المستأنف القاضي بالحكم بالإرجاع و بعد التصدي الحكم بالتعويضات تكون قد طبقت الفصل 3 تطبيقا سليما”.
وبالتالي فلا يمكن للمحكمة أن تحكم بإرجاع الأجير إلى عمله من تلقاء نفسها رغم أن المدعي لم يطالب إلا بالتعويض عن الطرد التعسفي فقط، وهو ما يؤكده القرار الصادر عن محكمة النقض بتاريخ 2010، حيث جاء فيه بأنه: “لا تقضي المحكمة تلقائيا برجوع الأجير إلى عمله ضدا على إرادته الصريحة التي عبر عنها بأن اقتصر في طلباته على الحصول على تعويضات عن الفصل فالخيار بشأن الرجوع أو التعويض مقرر لفائدة الأجير ومن طرفه، ويتوجب على المحكمة ألا تتجاوز حدود طلبات الخصوم[27]“.
وبالإضافة إلى ذلك فالمدعي المتضرر جراء الإنهاء لا يحق له التنازل قانونا عن التعويض وعليه المطالبة بذلك لأنه يعتبر من النظام العام، حيث جزمت الفقرة الثانية من المادة 41 بذلك حيث جاء فيها بأنه “لا يمكن للطرفين أن يتنازلا مقدما عن حقهما المحتمل في المطالبة بالتعويضات الناتجة عن إنهاء العقد سواء كان الإنهاء تعسفيا أم لا”.
هذا ويجب على صاحب الحق أن يبادر خلال السنتين لرفع دعوى المطالبة بالتعويضات المستحقة قانونا، حسب ما نصت عليه المادة 395 من مدونة الشغل، منهية بذلك الخلاف الذي كان سائدا بين القضاء، وذلك إما بتحديد الأجل في 5 سنوات حسب الفصل 106 من قانون الالتزامات والعقود أو في أجل 15 سنة حسب الفصل 387 من نفس القانون[28]، وبالتالي فالإنهاء التعسفي للعقد تترتب عليه تعويضات مختلفة ويمكن تقسيمها إلى أربع تعويضات.
- التعويض عن عدم احترام أجل الإخطار[29]
يكون الحق في المطالبة بهذا التعويض ما لم يصدر خطأ جسيم من الطرف الأخر أو يكون ذلك ناتجا عن قوة قاهرة طبعا، والذي يحدد بمقتضى النصوص التشريعية أو التنظيمية[30] أو عقد الشغل أو باتفاقية جماعية أو النظام الداخلي أو العرف، وفي كل الأحوال يجب أن تقل مدّة أجل الإخطار[31] بأي شكل من الأشكال عن 8 أيام إلاّ حسب القانون[32] لأن أجل الإخطار يعدّ من النظام العام، وهو لا يستوجب شكلا معينا إذ يمكن إثباته بما يقوم مقام الكتابة كالإقرار أو اليمين[33]، وقد يتوقف أجل الإخطار خلال أوقات، وفي حالات معينة كما نصت على ذلك المادة 45 من مدونة الشغل.
هذا ويبقى الحال على ما هو عليه في السابق فيما يخص الالتزامات المتقابلة بين الطرفين خلال مدة أجل الإخطار، إلا أن الأجير في هذه المرحلة يستفيد من فترات التغيب للبحث عن الشغل، وذلك وفق ما تقتضيه كل من المادة 49 و50 إلى أن ينتهي الحق في التغيب بمجرد حصول الأجير على شغل جديد، حيث يجب عليه في هذه الحالة إبلاغ مشغله تحت طائلة إنهاء أجل الإخطار، كما ينتهي الحق في التغيب إذا توقف الأجير عن تخصيص فترات تغيبه للبحث عن الشغل.
فالتعويض عن عدم احترام أجل الإخطار[34] يعادل الأجر الذي كان من المفروض أن يتقاضاه الأجير لو استقر في أداء شغله، ما لم يتعلق الأمر بخطأ جسيم أو قوة قاهرة كما سلف الذكر حسب مدونة الشغل في المادة 51، إلا أنه قد يكون غير ذلك وفق التزامات أخرى في أي شكل جاءت شرط ألا يقل أجل الإخطار فيها عن 8 أيام، حيث نذكر على سبيل المثال النص التنظيمي الذي سبق وأشرنا إليه في الهامش، والذي ميز بين نوعين من الأجراء:
أجل الإخطار بالنسبة للأطر وأشباههم:
- أقل من سنة يستحق الأجير شهر واحد.
- من سنة إلى خمس سنوات يستحق الأجير شهرين.
- أكثر من خمس سنوات يستحق الأجير ثلاثة أشهر.
أجل الإخطار بالنسبة لباقي الأجراء:
- أقل من سنة يستحق الأجير 8 أيام.
- من سنة إلى خمس سنوات يستحق الأجير شهرا واحد.
- أكثر من خمس سنوات يستحق الأجير شهرين.
وبالتالي فالملاحظ أن التعويض عن عدم احترام أجل الإخطار يكون محدد سلفا، دون ترك السلطة التقديرية للقاضي في ذلك.
- التعويض عن الفصل[35]
وهو ما يستحقه الأجير المرتبط بعقد شغل غير محدد المدة، حسب المادة 52 من مدونة الشغل والتي عملت على وضع شروط[36] لاستحقاق هذا النوع من التعويض، وهي أن يكون عقد الشغل غير محدد المدة، وأن يكون الفصل صادر عن المشغل؛ حيث أن الأجير المستقيل لا حق له في التعويض، ويجب ألا يكون هذا الأخير قد اقترف خطأ جسيما كان سببا للفصل.
مع ضرورة قضاء ستة أشهر عن الشغل على الأقل[37] داخل نفس المقاولة، ويجب أن يكون إنهاء عقد شغل الأجير نهائيا حتى يستحق هذا التعويض، لتكون بذلك المادة 52 قد خفّفت من الشروط المطلوبة خلافا لما كان في السابق، كما عملت مدونة الشغل على مضاعفة التعويض عن الفصل[38].
وبالرجوع إلى المادة 53 من مدونة الشغل نجد بأن المشرع حدد التعويض من خلال عنصرين مهمين، وهما: مدة الشغل الفعلي؛ حيث قام من خلال المادة 54 بتحديدها في فترات العطلة السنوية المؤدى عنها وفترات استراحة…، ومدة عجز الأجير عن الشغل مؤقتا بسبب المرض المهني أو حادثة الشغل أو مدة توقف الشغل بسبب التغيب المأذون به، أو بسبب إغلاق المقاولات مؤقتا.
و العنصر الثاني الذي يدخل ضمن تحديد التعويض عن الفصل، هو الأجر سواء بمعناه الأساسي أو مع توابعه المبينة بالمادة 57 من نفس المدونة؛ حيث يقدر التعويض عن الفصل على أساس الأجور المقاضاة خلال الأسابيع الاثني و الخمسين السابقة لتاريخ الإنهاء، شريطة ألا يكون الأجر المعتمد دون الحد القانوني الأدنى للأجر، وهو ما أكدته مقتضيات المادتين 55 و 56 من المدونة، كما تجدر الإشارة هنا إلى وجود بعض التعويضات المرتبطة بالشغل التي لم يتم إدخالها في احتساب الأجر المذكور حسب المادة 57 مثل: التعويضات المدفوعة للأجير عن الأعمال الشّاقة أو الخطرة التي يقوم بها أو التعويضات المدفوعة للأجير عن قيامه بأعمال في بعض المناطق الصعبة، حيث كان يستحسن إدخالها في تكوين الأجر لاحتساب تعويض الفصل من الشغل[39].
وبالتالي فالتعويض عن الفصل حددته المادة 53 ولم تترك بذلك مجالا لسلطة القاضي التقديرية حيث نصت عليه بأنه:
“يعادل مبلغ التعويض عن الفصل، عن كل سنة، أو جزء من السنة من الشغل الفعلي ما يلي:
96 ساعة من الأجرة، فيما يخص الخمس سنوات الأولى من الأقدمية.
144 ساعة من الأجرة، فيما يخص فترة الأقدمية المتراوحة بين السنة السادسة والعاشرة.
192 ساعة من الأجرة، فيما يخص الأقدمية المتراوحة بين السنة الحادية عشرة والخامسة عشرة.
240 ساعة من الأجرة، فيما يخص مدة الأقدمية التي تفوق السنة الخامسة عشرة.
يمكن النص في عقد الشغل أو اتفاقية الشغل الجماعية أو النظام الداخلي على مقتضيات أكثر فائدة للأجير”.
إلا أن التعويض المستحق لمندوب الأجراء والممثل النقابي بالمقاولة عند وجوده، اللذين يفصلون من شغلهم خلال مدة انتدابهم، فيرفع التعويض لهم بنسبة 100% حسب المادة 58 من نفس المدونة.
- أما التعويض عن الضرر
فقد أقرته المادة 59 من مدونة الشغل في فقرتها الأولى، كما كرسته المادة 41 أيضا من نفس المدونة في فقرتها الأخيرة، حيث تحدّد مقدار التعويض عن الفصل التعسفي من جانب المؤاجر في حين أغفلت التعويض عن الضرر بالنسبة للمشغل، والذي يحدد مبلغه على أساس أجر شهر ونصف عن كل سنة عمل أو جزء من السنة على ألا يتعدى سقف 36 شهرا، في حين أغفلت التعويض عن الضرر بالنسبة للمشغل.
والملاحظ بأن هذا التعويض في الوضعية الراهنة غالبا ما يلعب في تحديده عنصر الأقدمية دورا حاسما خلافا لما كان عليه في السابق في ظل القانون الملغى، والذي كان مقدار التعويض فيه محل خلاف.
بحيث كان تقديره موكول للسلطة التقديرية لقضاة الموضوع مع احترام بعض المعايير التي أوردها المشرع في الفصل 754 من قانون الالتزامات والعقود في الفقرة السادسة التي تقول بأنه: لتحديد التعويض عندما يكون له محل تلزم مراعاة العرف وطبيعة الخدمات وأقدمية أدائها وسن الأجير أو المستخدم والمخصومات المقتطعة والمدفوعات الحاصلة من أجل ترتيب معاش التقاعد، وعلى العموم كل الظروف التي تبرر وجود الخسارة الحاصلة وتحدد مداها.
وبذلك كان للسلطة التقديرية أثر كبير على اختلاف مقدار التعويضات بالنسبة لكل حالة، وبالتالي تباين على مستوى الأحكام الصادرة بشأن هذا التعويض[40]، ممّا جعل مدونة الشغل تضع حدّا لهذا الاختلاف بتكريسها للطابع الجزافي للتعويض عن الضرر، حيث يساعد ذلك في خلق نوع من التوازن والحد من التضارب على مستوى الأحكام والقرارات القضائية، لكن ما يعاب على الطابع الجزافي للتعويض هو الأساس الذي يعتمده في هذا التحديد والسقف الذي تنتهي عنده قيمة التعويض عن الضرر[41]، بحيث كان على المشرع أن يطعم ذلك بعناصر أخرى قد تحقق العدالة الاجتماعية بالنسبة لظروف بعض العمال[42] و الطبيعة المتميزة لبعض الأعمال كالوكيل أو الوسيط أو الممثل التجاري، حيث أن الضرر الذي يلحق بكل أجير سيختلف حتما، فالضرر الذي يلحق الوكيل أو الممثل التجاري الذي يغادر كل يوم منزله لمدة طويلة قصد تسويق السلع أو تمثيل الشركة لن يكون هو نفس الضرر بالنسبة للعامل الذي يعود كل يوم لمنزله حتى يلبي مختلف الحاجيات الأسرية[43].
وعليه فقد تباينت التشريعات بخصوص كيفية تحديد هذا التعويض، فمنها من سار حدو التشريع المغربي ليجعل التعويض محدد بحكم القانون، ومنها من ترك السلطة التقديرية للقاضي كامل الحرية في تحديده[44]، إلا أن ما يمكن التساؤل حوله هنا هو مدى ارتباط الحصول على التعويض عن الضرر، بالضرر الحاصل فعلا للأجير؟ وبمعنى آخر هل يتوقف الحصول على هذا التعويض في إثبات الضرر؟
فبالعودة إلى صياغة المادة 41 من مدونة الشغل، نجد بأنها كرست الحق في المطالبة بالتعويض عن الضرر بمجرد ثبوت الفصل التعسفي للأجير من قبل المشغل، حيث يكون هذا الأخير بموجب المادة 63 من نفس المدونة إثبات وجود مبرر مقبول للفصل وإلا كان الفصل تعسفيا موجب للتعويض عن الضرر[45]، وبالتالي فما دام هناك طرد تعسفي إلا وكان من الطبيعي حصول ضرر، هذا المصطلح الذي يرتبط ارتباطا بالفصل التعسفي.
فبمجرد حصول الفصل التعسفي يستفيد الأجير من تعويضات عن الضرر دون اشتراط حصول الضرر من عدمه، استنادا لما ورد في المادة 59 من نفس المدونة، وهو ما ينسجم أيضا مع التحديد الجزافي لهذا التعويض، إذ أن الأجير حتى لو أثبت تعرضه لعدة أضرار نتيجة فصله، فهو رغم ذلك لا يستحق إلا التعويض المقدر مسبقا بموجب الفقرة الأخيرة من المادة 41 من نفس المدونة، بل إن المادة 51 كرست تعويضا رابعا وهو التعويض عن فقدان الشغل[46] الذي جاء في الفقرة الأخيرة منها.
- التعويض عن فقدان الشغل [47]:
يقصد بالتعويض عن فقدان الشغل ذلك التعويض الذي يدفع للأجير الذي تم فصله من عمله، كما يعتبر نوع من التعويض عن البطالة، جاء لتعزيز نظام الحماية الاجتماعية للأجراء[48]، وذلك لمدة محددة قانونا، أثناء فترة البحت عن عمل آخر؛ حيث تمّ التنصيص على ذلك بموجب المادة 59 من م.ش، وهذا التعويض يعتبر من أهم مستجدات مدونة الشغل، بالرغم أنها لم توضح كيفية صرفه والشروط الواجب توفرها للاستفادة منه[49]، كما لم توضح الجهة المختصة بصرف هذا النوع من التعويض، وكان الأستاذ الحاج الكوري موفقا عندما قال بأنه: “من المنتظر تدبير هذا التعويض الجديد من طرف مؤسسة الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي”[50].
وبالتالي فلا مجال للتساؤل؛ هل يعتبر هذا النوع من التعويضات مندرجا في إطار التعويضات التي يستحقها الأجير المفصول من عمله بكيفية تعسفية؟، لأن النّص كرّسه وبصريح العبارة ممّا يكون معه القضاء[51] قد جانب الصواب عندما حكم بغير ذلك في الفترة الممتدة ما بين تضمين هذه المقتضيات في مدونة الشغل وقبل صدور قانون 03.14 المتعلق بالتعويض عن فقدان الشغل، حيث أن هذا القانون يشترط للحصول على هذا التعويض، أن يكون الأجير قد فقد شغله بكيفية لا إرادية سواء أكان فصلا تعسفيا أو لأسباب اقتصادية تكنولوجية أو هيكلية، بالإضافة إلى توفر بعض الشروط المحددة قانونا[52]، هذا ويجب على المؤمن له إيداع طلب التعويض عن فقدان الشغل لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي تحت طائلة سقوط الحق داخل أجل الستين يوما الموالية لليوم الأول من فقدان الشغل ما عدا في حالة قوة قاهرة، وذلك بغية الحصول على التعويض الذي يساوي 70% من الأجر الشهري المتوسط المصرح به لفائدة الأجير خلال الستّة والثلاتين شهرا الأخيرة التي تسبق تاريخ فقدان الشغل، دون أن يتجاوز هذا المقدار الحد القانوني الأدنى للأجر، حيث يمنح هذا التعويض لمدة ستّة (6) أشهر تبتدئ من اليوم الموالي لتاريخ فقدان الشغل، كما يمكن للمؤمّن أن يستفيد من جديد من هذا التعويض إذا استوفى الشروط المنصوص عليها قانونا.
خاتمة :
فرغم تكريس المشرع للخيار بين الإرجاع إلى العمل أو التعويض إلا أن هذا المقتضى يبقى قاصرا عن تحقيق الحماية الاجتماعية المنشودة، لأن السلطة الأخيرة في الواقع تبقى للمشغل في القبول بأحد الإجرائين، وهو ما يجعلنا نتساءل عن أهمية هذا الإجراء مع العلم بأن المؤاجر لو أراد لعلاقة الشغل أن تستمر لما ترك المجال للقضاء، وبذلك كان ليحسم في الأمر بإرجاع الأجير إلى العمل، أمام مفتش الشغل أو حتى بينه وبين الأجير مباشرة دون أن يحمّل نفسه مصاريف إضافية ناتجة عن دعوى الرجوع إلى العمل.
ومن تمّ فلابد من إدراج بعض الاقتراحات التي من شأنها التأكيد على ضرورة المزيد من الاهتمام التشريعي في هذا المجال، كتحصين الأجير ضد الإكراهات التي تحدّ من إثباته لمنعه من الرجوع إلى العمل، بل ولتفعيل هذا الحق المخول للمحكمة، يجب التنصيص بصريح العبارة على إلزامية إرجاع الأجير إلى العمل تحت طائلة غرامات مالية، متى كان استيعابه في منصب آخر ممكنا، ولاسيما في الحالات التي يستهدف فيها المؤاجر مندوبي الأجراء أو الذين توقفوا عن مزاولة العمل لإصابتهم بحالة مرضية مؤقتة، وذلك لإضفاء ضمانات أكثر على ذلك.
[1] – للمزيد من التفاصيل راجع، “الفصل المبرر للأجراء أية حماية لاستقرار علاقات الشغل الفردية”، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة في قانون الشغل والتحولات الاقتصادية والاجتماعية جامعة الحسن الثاني، عين الشق، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية – الدار البيضاء – السنة الجامعية 2006-2007، من الصفحة 11 إلى 123.
[2] – للاطلاع أكثر حول مواقف الفقه راجع المحمودي فريدة، “إشكالية ممارسة الحق في الشغل على ضوء قانون الشغل المغربي”، أطروحة لنيل الدكتوراه في القانون الخاص، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، أكدال، الرباط، السنة الجامعية 2000-2001، من الصفحة 208 إلى 212.
[3]للاطلاع على مواقف بعض القضاء، أنظر نفس المرجع من الصفحة 213 إلى 215.
[4]أنظر نفس المرجع من الصفحة 204 إلى 208.
[5] – للمزيد من التفاصيل راجع عائشة السعيد إشكالية الخيار بين الإرجاع إلى العمل والحكم بالتعويض، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا المتخصصة في المهن القضائية والقانونية، كلية العلوم القانونية والاجتماعية والاقتصادية السويسي، الرباط، السنة الجامعية 2008-2009، الصفحات 89-90-91.
[6] – انظر، نفس المرجع، ص :86-87-88 خالد زرايكة، مرجع سابق، ص:131.
[7] – القرار عدد 402 الصادر بتاريخ 28-05-1984 في الملف الاجتماعي عدد 1305، المنشور بمجلة المحاكم المغربية هيئة المحامين بالدار البيضاء / العدد 53 يناير، فبراير 1988، من ص 102 إلى 105.
[8] – القرار عدد 275 الصادر بتاريخ 28-7-1986 في الملف الاجتماعي عدد 6467/85، منشور بمجلة القضاء والقانون، وزارة الشغل، العدد 138، الصفحة من 227 إلى 230.
[9] – قرار صادر بتاريخ 20-2-1989 في الملف الاجتماعي عدد 9499/88، منشور بمجلة الإشعاع، وهيئة المحامين بالقنيطرة العدد الأول يونيو 1989، الصفحة من 84 إلى 87.
[10] – قرار للمجلس الأعلى رقم 362 الصادر بتاريخ 8/4/1997، في الملف الاجتماعي عدد 1234/4/95.
[11] – القرار عدد 18 الصادر بتاريخ 7 يناير 2009 في الملف عدد 224/5/1/2008.
[12] – قرار للمجلس الأعلى عدد 348 الصادر بتاريخ 25 مارس 2009 في الملف الاجتماعي عدد 732/5/1/2008.
[13] – للمزيد من التفاصيل أنظر كل من: – يونس آيت حمو، “الرقابة القضائية على إنهاء عقد الشغل غير محدد المدة –وفق مدونة الشغل-“، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة في القانون الخاص، جامعة محمد الأول، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية –وجدة-، السنة الجامعية 2006-2007، من ص 60 إلى 65.
– الحسن آيت حمو، “دعوى الخيار بين الرجوع إلى العمل أو التعويض”، عقود العمل والمنازعات الاجتماعية من خلال قرارات المجلس الأعلى، ص 461 وما بعدها.
[14] – القرار رقم 1581 بتاريخ 10 يونيو 1991 في الملف الاجتماعي، عدد 8519/90، مجلة المحاكم المغربية، العدد 16 ماي/يوليوز 1992، ص 105 وما بعدها.
– القرار عدد 383 الصادر عن محكمة الاستئناف بمراكش بتاريخ 19/1/19987 حيث جاء في حيثياته: “على رب العمل الذي امتنع من تنفيذ الحكم بإرجاع المدعي إلى العمل بغرامة تهديدية قدرها 150 درهم عن كل يوم تأخر به عن التنفيذ ولمدة سنة ابتداءا من تاريخ إشعاره بالقرار المذكور”.
[15] – القرار الصادر بتاريخ 20-2-1989 في الملف الاجتماعي عدد 9499/88 المنشور بمجلة الإشعاع هيئة المحامين بالقنيطرة، العدد الأول، يونيو 1989 من الصفحة 105 إلى 108.
[16] – القرار عدد 1581 الصادر بتاريخ 10-6-1991 في الملف الاجتماعي عدد 8519/90 المنشور بمجلة المحاكم المغربية، هيئة المحامية الدار البيضاء، العدد 66، ماي يوليوز 1992، من الصفحة 105 إلى 108.
[17] – للمزيد من التفاصيل، انظر المحمودي فريدة، م.س، الصفحة 213 – 214 – 215.
[18] – قرار محكمة النقض عدد 2225 الصادر بتاريخ 22 نونبر 2012 في الملف الاجتماعي عدد 1205/5/1/2011.
[19] – أنظر كل من: -دنيا مباركة، حقوق العامل بعد إنهاء عقد الشغل بين التشريع الحالي والقانون رقم 65.99 المتعلق بمدونة الشغل، دار النشر الجسور 40 شارع رمضان الكاضي، وجدة، سنة 2004، ص 89-90.
– خالد زرايكة، م.س، ص 126-127.
– عائشة السعيد، م.س، من ص 31 إلى 35.
[20] – راجع كل من: – دنيا مباركة، “حقوق العامل بعد إنهاء عقد الشغل، بين التشريع الحالي والقانون رقم 65.99 المتعلق بمدونة الشغل”، م.س، ص 87-88.
– خالد زرايكة، مرجع سابق ص: 127 – 128.
– عائشة السعيد، مرجع سابق، من الصفحة 35 إلى 40.
[21] – موسى عبود:” دروس في القانون الاجتماعي” الطبعة الثانية 1994، المركز الثقافي العربي الدار البيضاء الصفحة 203.
[22] – قرار عدد 616 صادر بتاريخ 5 ماي 2011 في الملف الاجتماعي عدد 335/5/1/2010 علق عليه الحسن الثاني، تحت عنوان: ” الآثار القانونية للحكم بإرجاع الأجير إلى عمله” في المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، العدد 107، السنة 2012، من الصفحة 199 إلى 205.
[23] – محمد سعيد بناني، قانون الشغل بالمغرب في ضوء مدونة الشغل، علاقات الشغل الفردية، الجزء الثاني، المجلد الثاني، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، طبعة يناير 2007، ص 1230.
[24] – بلال العشيري، “مستجدات مدونة الشغل في مجال إنهاء عقود الخدمة”، مقال منشور بمجلة المحاكم المغربية، العدد 109- يوليوز/غشت 2007، مرجع سابق، ص: 34.
[25] – محمد الشرقاوي، علاقات الشغل بين تشريع الشغل ومشروع مدونة الشغل، الطبعة الأولى، دار القلم الرباط 203، ص: 175 وما بعدها.
[26] – القرار عدد 220 الصادر بتاريخ 15/03/2006 في الملف الاجتماعي 1203/5/1/2005، منشور بمجلة قضاء المجلس الأعلى العدد 67 ص: 337، أشار إليه الحسان ايت حمو مرجع سابق ص: 458 و459.
[27] – القرار عدد 711 الصادر عن محكمة النقض بتاريخ 26 غشت 2010، في الملف الاجتماعي عدد 1122/5/1/2009، منشور بنشرة قرارات المجلس الأعلى المتخصصة، الغرفة الاجتماعية، السلسلة 2 الجزء 7 لسنة 2011 ص:117 و118.
[28] – للمزيد من التفاصيل راجع عصام الخليفي، مرجع سابق، ص:61 وما بعدها.
[29] – والذي نظمه المشرع المغربي من خلال تسعة مواد في فرع مستقل مخصص لذلك، من المادة 43 إلى المادة 51 في الفرع الثالث ممن الباب الخامس من القسم الأول في الكتاب الأول من مدونة الشغل.
[30] – المرسوم رقم 469.04.2 الصادر في 16 من ذي القعدة 425 الموافق ل 29/12/2004 المتعلق بآجل الإخطار لإنهاء عقد الشغل غير محدد المدة بإرادة منفردة، المنشور بالجريدة الرسمية عدد 5279 بتاريخ 03/01/2005 الصفحة 11.
[31] – للمزيد من التفاصيل حول أحكام الإخطار راجع دنيا مباركة، حقوق العامل بعد إنهاء عقد الشغل بين التشريع الحالي والقانون رقم 99-65 المتعلق بمدونة الشغل، م.س، أنظر الصفحة 34 إلى 65.
[32] – كمثال على ذلك راجع المادة 13 من مدونة الشغل.
[33] – أنظر خالد زرايكة، مرجع سابق، ص 133.
[34] – أنظر أيضا، محمد سعد جرندي، “الطرد التعسفي للأجير في ظل مدونة الشغل والقضاء المغربي” قراءة تحليلية نقدية لأهم مستجدات مدونة الشغل مدعمة ببعض الأمثلة العملية والجداول البيانية، مطبعة الأمنية –الرباط، الطبعة الثانية لسنة 2007، من ص 220 إلى 228.
[35] – وقد نظمه المشرع هو الآخر في فرع خاص يتكون من تسعة مواد من المادة 52 إلى المادة 60.
[36] – للتوضيح أكثر راجع، عائشة السعيد مرجع سابق من الصفحة 54 إلى 57.
– عصام خليفي مرجع سابقن من الصفحة 70 إلى 72.
[37] – مع العلم بأن الإشكال مطروح هنا في الحالة التي يفسخ العقد فيها بعد ستة أشهر فقط دون أن ينص في العقد على انه محدد المدة خصوصا في القطاعات غير الفلاحية، انظر محمد سعد جرندي، مرجع سابق ص: 230.
[38] – انظر الصفحة 137، خالد زرايكة، مرجع سابق.
[39] – انظر الحاج الكوري، “مدونة الشغل الجديدة القانون رقم 65.99 أحكام عقد الشغل” مرجع سابق، الصفحة 184.
[40] – انظر، عائشة السعيد، مرجع سابق الصفحة 63.
[41] – راجع نفس المرجع، الصفحة 66.
[42] – فالظروف تختلف حسب القطاعات، حيث أن الأضرار التي تحدد في الميدان الصناعي ليس كنظيرتها في القطاع الفلاحي، وعمال المناجم ليس كمن يعمل في النسيج بل إن الظروف تختلف حسب كل عامل على حدى كالمعاق والحدث وغير ذلك.
[43] – للمزيد من التوضيح راجع:” ملاحظات حول تعويض الفصل التعسفي”، الحاج الكوري مرجع سابق من الصفحة 221 إلى 225.
[44] – انظر كل من: – خالد زرايكة، مرجع سابق، ص: 143 – 144.
– عائشة السعيد، مرجع سابق، الصفحات 67 – 68.
[45] – انظر أيضا في هذا الصدد، عصام خليفي، مرجع سابق، الصفحة 89 وما بعدها.
[46] – ضرورة مراجعة المستجدات في إطار القانون الجديد الخاص بالتعويض عن فقدان الشغل.
[47] – قانون رقم 03.14 يقضي بتغيير وتتميم الظهير الشريف بمثابة قانون رقم 1.72.184 الصادر في 15 من جمادى الاخرة 1392 (27 يوليوز 1972) المتعلق بنظام الضمان الاجتماعي المنشور بالجريدة الرسمية عدد 6290-15 ذو القعدة 1435 (11 سبتمبر 2014)، ص 6811.
[48] – خالد زرايكة، م.س، ص 145.
[49] – أنظر عبد الهادي طالبي، تسريح الأجراء لأسباب اقتصادية بين مدونة الشغل ومدونة التجارة، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة في القانون الخاص، وجدة 2006/2007، ص 109-110 والصفحة 133.
[50] – راجع بهذا الخصوص، الدكتور الحاج الكوري، “مدونة الشغل الجديدة القانون رقم 65.99 أحكام عقد الشغل”، م.س، ص 269-270.
[51] – الحكم رقم 28/2005 في الملف عدد 26/2005 بتاريخ 19-04-2005، صادر عن المحكمة الابتدائية بسيدي سليمان؛
– قرار محكمة الاستئناف بالدار البيضاء في الملف الاجتماعي 5051/2005 بتاريخ 25-05-2006، منشور بمجلة المحاكم المغربية، عدد 104-2006، ص 67، أشار إليهما جعفر بوكنين، م.س، ص 209-2010.
[52] – راجع المادة الثانية المتممة للجزء الخامس من الظهير الشريف بمثابة قانون السالف الذكر في الباب الرابع المكرر.
يمكنك تحميل المقال عبر الرابط التالي:


