د/ محمد عبد الملك محسن المحبشي

نائب مدير مركز الدراسات والاستشارات القانونية والتحكيم بجامعة صنعاء

مؤلف ومحاضر في تاريخ وفلسفة القانون “مقارنة بالشريعة الإسلامية

مقدمة:

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:

فمبدأ الشريعة الإسلامية مصدر جميع التشريعات يعد أهم مبدأ قانوني دستوري في النظام القانوني اليمني، منذ دخول الإسلام اليمن سنة” 10هـ”؛ لأن الشريعة الإسلامية في المجتمع اليمني لا تمثل قواعد أخلاقية تنظم الأخلاق والآداب في المجتمع اليمني فحسب، ولكنها تمثل قواعد تنظيم العلاقات بين الأفراد في المجتمع، لتكون بذلك القانون الذي ينظم سلوك الأفراد في المجتمع. وهذا المبدأ نابع من شعور الأفراد في المجتمع اليمني لأهمية تطبيقه بينهم كون ذلك هو عنوان دينهم وحضارتهم ورقيهم، والعجيب أننا نسمع بعض الآراء الشاذة والغريبة عن المجتمع اليمني والتي تنادي بإغفال هذا المبدأ من النص عليه في الدستور، بل نجدها تصرح –أحياناً- بأن هذا المبدأ هو سبب لتأخر المجتمع عن ركب الحضارة، وأن الشريعة لا تواكب التطورات العلمية الحديثة، وأنها تخالف قواعد الدولة المدنية الحديثة وقواعد القانون الدولي الحديث. ولا شك أن هذا الكلام إنما هو شبهات، وفيه افتراء وتعدٍ على الشريعة الإسلامية كما أن هذه الآراء لا يوجد لها أي مبررات علمية، وإنما هي قائمة على العاطفة وردة فعل خاطئة بسبب الانحراف في تطبيق قواعد الشريعة الإسلامية .والعجيب أن من يعارض هذا المبدأ في تطبيق الشريعة الإسلامية، يدعي أنه وطني وقومي، ولكن نجده يتنكر عن تراث المجتمع اليمني القانوني القائم على دين الإسلام الحنيف. إلا أننا نجد الفكر القانوني الغربي يقوم بإحياء التراث القانوني الروماني القائم على الوثنية بل نجدهم يعتزون بذلك. بينما نجد مفكرينا يحاربون تراثنا القانوني، ويحاولون طمسه، والأخذ من القوانين الغربية القائمة على التراث الفكري والقانوني الوثني لدى الرومان واليونان. ولا شك أن هؤلاء قد ظلموا أنفسهم وظلموا مجتمعاتهم باستيراد تلك القوانين الغريبة عن المجتمع اليمني المسلم.

وتكمن أهمية هذا الموضوع في كون هذه الشبهات الخطيرة قد تنطلي على عوام الناس، وعلى ضعاف النفوس، ويجدون في ذلك لهم انتصاراً على الجانب السياسي الآخر، وفي الحقيقة أن تطبيق الشريعة الإسلامية ليس انتصاراً لجانب سياسي لآخر ،وإنما هو انتصار للشعب اليمني في دينه وتراثه وثقافته وتاريخه، فالشريعة الإسلامية تمثل للشعب اليمني حياته وروحه     .

وسنتناول أهم الشبهات حول المعوقات القانونية من تطبيق الشريعة الإسلامية مع الرد عليها  هذا الموضوع  كما يلي:

الشبهة الأولى: الرد على معوق تعارض تطبيق الشريعة الإسلامية مع قواعد الدولة المدنية الحديثة.

الشبهة الثانية: الرد على معوق تعارض تطبيق الشريعة الإسلامية مع قواعد القانون الدولي.

الشبهة الثالثة: الرد على معوق تعارض تطبيق الشريعة الإسلامية مع مبادئ القانون الجنائي.

الشبهة الرابعة: الرد على معوق تعارض تطبيق الشريعة الإسلامية مع وجود أقلية غير مسلمة.

الشبهة الأولى: الرد عل معوق تعارض تطبيق الشريعة الإسلامية مع قواعد الدولة المدنية الحديثة

وأصحاب هذه الشبهة يحتجون بحجة يعتقدون أنها منطقية، حيث يقولون أن هناك معوقاً لتطبيق الشريعة الإسلامية، يتمثل في كونها تخالف قواعد تطبيق الدولة المدنية الحديثة، على اعتبار أن مصطلح الدولة المدنية الحديثة يقابله الدولة الدينية .ولما كان مبدأ تطبيق الشريعة الإسلامية أساسه تحكيم قواعد الدين الإسلامي فإننا سنكون بصدد تكوين دولة دينية مخالفة للدولة المدنية الحديثة التي اتفق عليها كافة القوى السياسية والوطنية .

وللرد على هذا المعوق وتفنيده سنذكر المقصود بالدولة المدنية الحديثة ومفهوم الدولة الدينية أولاً ومعرفة خصائصها وعناصرها ثم نسقطها على الدولة الإسلامية.

أولا: مفهوم الدولة المدنية الحديثة:

يقُصد بالدولة المدنية الحديثة بأنها: “كيان سياسي قانوني، ذو سلطة سيادية شرعية معترف بها تؤدي وظائف مقننة في مجتمع حديث .”

ومصطلح الدولة المدنية الحديثة يعُرف في فقه القانون الدستوري بالدولة القانونية وتعرف بأنها الدولة التي تخضع جميع السلطات الحاكمة في الدولة للقانون، فتكون هذه السلطات مقيدة بأحكام القانون شأنها في ذلك شأن الطبقة الحاكمة. وبمعنى آخر هي الدولة التي  تخضع للقانون في جميع مظاهر نشاطها سواء من حيث نشاط السلطة التنفيذية “نشاط الحكومة، ونشاط الإدارة” أو نشاط كل من السلطة القضائية والتشريعية.

وهو بهذا يخالف كلاً من الدولة الدينية والتي لا تخضع للقانون ويكون لرجال الدين فيها سلطة فوق القانون. ويقرر فقهاء القانون الدستوري للدولة القانونية عناصر رئيسية بتوافرها يتحقق وجود الدولة القانونية وتتمثل هذه العناصر في الآتي:

  1. وجود دستور.
  2. الفصل بين السلطات.
  3. خضوع الإدارة لحكم القانون.
  4. تدرج القواعد القانونية.
  5. الاعتراف بالحقوق وحمايتها.
  6. تنظيم الرقابة القضائية”1″.

ثانيا: تطبيق عناصر الدولة القانونية علي الدولة الإسلامية التي تطبق الشريعة الإسلامية

وبتطبيق عناصر الدولة القانونية على الدولة الإسلامية التي تطبق الشريعة الإسلامية نجدها متوافرة فيها كما يلي:

أ وجود دستور مكتوب:

أما عن وجود دستور، فإننا نلاحظ ذلك من نشوء أول دولة إسلامية في المدينة ،حيث تم إنشاء دستور يتولى تنظيم الخطوط الرئيسة للحياة السياسية بين أفراد مجتمع المدينة من مسلمين” مهاجرين وأنصار”، ويهود.

   و الذي عُرف هذا الدستور بوثيقة المدينة، وتعُد هذه الوثيقة باكورة الدساتير المكتوبة. كما وجدت كثير من القواعد الدستورية في الكتاب والسنة والتي تنظم مبادئ الحكم من شورى وعدالة ونحوها”2″.

ب–  الفصل بين السلطات:

أما الفصل بين السلطات والتي يقصد بها السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، فإن مظاهر هذا الفصل تظهر في أفعال النبي صلى الله عليه وآله وسلم في المدينة المنورة، حيث فرّق الفقه الإسلامي بين أعمال النبي صلى الله عليه وآله وسلم فمنها ما يكون على أساس الفتوى والتبليغ وهو من أعمال السلطة التشريعية ووضع القواعد القانونية، فلذلك هي حجة على كافة المسلمين؛ لأنه صلى الله عليه وآله وسلم فيها مشرّع ومبلغ عن الله سبحانه وتعالى.

ومنها ما يكون على أساس الإمامة باعتباره صلى الله عليه وآله وسلم رئيس الدولة وهي من أعمال السلطة التنفيذية، وهذه التصرفات مصدرها الشورى .

ومنها ما يكون من أعماله صلى الله عليه وآله وسلم على أساس القضاء في الفصل بين الخصومات، وهذا غالباً لا يكون حجة إلا بين المتخاصمين، ويكون على أساس أدلة الإثبات، وهو يشبه أعمال السلطة القضائية.

وبعد وفاته صلى الله عليه و آله وسلم ورث المسلمون أعماله: فورث الفقهاء وظيفة الفتوى والتشريع” السلطة التشريعية”، وورث الخلفاء وظيفة الإمامة “السلطة التنفيذية”، كما ورث القضاة وظيفة فصل الخصومات “السلطة القضائية.” كل ذلك يدلل على وجود مبدأ الفصل بين السلطات في الشريعة الإسلامية”3″.

  1.  خضوع الإدارة لحكم القانون:

أما عن خضوع الإدارة لحكم القانون: فيظهر ذلك جلياً منذ نشوء الدولة الإسلامية حيث كانت الدولة الإسلامية تخضع لحكم القانون وتنصاع له، فقد كان النبي صلى الله عليه و آله وسلم وخلفاؤه من بعده يخضعون لحكم القانون ويتحاكمون له ،وتوُجد في الحضارة الإسلامية دلائل كثيرة كتحاكم الإمام علي واليهودي أمام شريح القاضي، وكذا خضوع الجيش الإسلامي لحكم القضاء بخروجهم من سمرقند بسبب مخالفتهم للقاعدة القانونية القاضية بتخيير أهل البلد  قبل الفتح، وهناك كثير من السوابق التي تشهد لخضوع الإدارة ورجالها لحكم القانون وهي أحكام الشريعة الإسلامية”4″.

  1. تدرج القواعد القانونية في الشريعة الإسلامية:

أما عن تدرج القواعد القانونية في الشريعة الإسلامية، فإن ذلك يظهر جلياً في أمرين. الأمر الأول التدرج في وجود القواعد القانونية الشرعية كالتدرج في تحريم الخمر والربا. والأمر الثاني يظهر في تدرج القاعدة القانونية من حيث القوة والتعارض فقواعد الواجب أقوى من المندوب والمندوب أقوى من المباح، والمحظور مقدم على المكروه، كما هناك تدرج في الأخذ من مصادر القاعدة القانونية، فمصدر الكتاب مقدم على السنة، وهي مقدمة على الإجماع، والذي هو مقدم على القياس وهكذا”5″.

هـ الاعتراف بالحقوق وحمايتها في الشريعة الإسلامية:

أما عن الاعتراف بالحقوق وحمايتها في الشريعة الإسلامية، فيظهر ذلك جلياً في تقريرها لكثير من الأحكام الشرعية ومقاصدها والتي من تطبيقاتها حماية حقوق الأفراد من حرية الرأي والفكر والتعبير والحق في الحياة وحق التملك…الخ. وهو ما أكد عليه النبي صلى الله عليه و آله وسلم في خطبة الوداع بقوله: “إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا””6”.

و تنظيم الرقابة القضائية:

أما بالنسبة لتنظيم الرقابة القضائية: فإن الشريعة الإسلامية قد قررت وجود رقابة قضائية من بداية نشأتها في المدينة، ومارس النبي صلى الله عليه و آله وسلم سلطات هذه الرقابة القضائية باعتباره قاضياً كما سبق ومارسها من بعده القضاة في طول تاريخ الحضارة الإسلامية، وشملت الرقابة القضائية أعمال السلطة العامة والإدارة مما عرف ذلك في الحضارات الإسلامية بقضاء المظالم”7″.

وهكذا نجد توفر عناصر الدولة القانونية في الشريعة الإسلامية مما يدل على أن تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية ومبدأ “الشريعة الإسلامية مصدر جميع السلطات “لا يتعارض مع قواعد الدولة المدنية الحديثة.

الشبهة الثانية : الرد علي معوق تعارض تطبيق الشريعة الإسلامية مع قواعد القانون الدولي

ويحتج أصحاب هذا الشبهة بوجود معوق لتطبيق الشريعة الإسلامية، وهو معارضة الشريعة الإسلامية، مع قواعد القانون الدولي من حيث:

1 – تعارض القانون الداخلي القائم على تطبيق الشريعة، والقانون الدولي العام القائم على التشريع الوضعي.

2- مخالفتها لمبادئ القانون الدولي كمبدأ: التعايش السلمي، وتحريم الرق ،والقضاء على التمييز العنصري ضد المرأة.

ولدى التأمل في حجية هذا المعوق نجدها أنها جاءت دون فهم دقيق لأحكام الشريعة ومقاصدها التي لا تخالف قواعد القانون الدولي والتي سنبينها فيما يلي:

أولا: الرد علي شبهة تعارض القانون الداخلي القائم علي تطبيق الشريعة و القانون الدولي العام القائم علي التشريع الوضعي

أما بالنسبة لتعارض القانون الداخلي القائم على تطبيق الشريعة الإسلامية مع القانون الدولي القائم على التشريع الوضعي.  وينتج عن زعمهم هذا عدم جواز التصديق على أي اتفاقية دولية؛ لأن التصديق يصدر عن طريق تشريع داخلي، وهذا التشريع الداخلي يشترط فيه أن يكون مصدره الشريعة الإسلامية، والاتفاقيات الدولية قائمة – أساساً-  على التشريع الوضعي.

ولدى التأمل لهذه الشبهة نجد أنه صادر عن قصور في فهم مدلول الشريعة الإسلامية، القائم على ما فيه مصلحة الإنسان والمجتمع الإنساني، وبالتالي فإن مبادئ القانون الدولي من مواثيق وعهود واتفاقيات وإعلانات إذا كانت فيها مصلحة للإنسان وللمجتمع الإنساني، وهذه المصلحة غير ملغاة في الشريعة الإسلامية- بمعنى أنها لا تتعارض مع نصوص قطعية الثبوت والدلالة- فإنها هنا تكون موافقة للشريعة الإسلامية كمراعاة حقوق الإنسان ومراعاة حقوق الطفل والحماية من الإخفاء القسري ومحاربة العنصرية والرق…الخ .

إلا أنه ومع هذا فإن بعض الاتفاقيات والإعلانات قد يكون الغرض منها فرض ثقافة مجتمعات معينة قائمة على انحراف سلوك أفرادها عن فطرتهم السليمة كالإباحة الجنسية، والشذوذ الجنسي والزواج المثلي، فتسعى هذه المجتمعات بسبب قوتها في المنظمات الدولية إلى فرض هذه الثقافة على باقي المجتمعات المحافظة على فطرتها ودينها. ولما كان من مبادئ الأمم المتحدة والقانون الدولي عدم التدخل في الشئون الداخلية للدول، والتي لا شك أن منها ما يتعلق بثقافة مجتمعاتها وتراثها التاريخي والتي منها مبادئها الدينية ونحوها، فإنه شرعت مبدأ التحفظ على المعاهدات الدولية من أجل محافظة الدول على استقلاليتها الثقافية والدينية وقيمها الأخلاقية .ويقُصد بالتحفظ ” هو إعلان رسمي انفرادي تلحقه دولة ما وقت توقيعها على المعاهدة أو وقت إعلانها قبول الالتزام بها، والذي بمقتضاه تقصد الدولة أن تستبعد أو تعدل الأثر القانوني لبعض نصوص المعاهدة، وإبداء التحفظات على المعاهدات الدولية  حق دولي أقرته اتفاقية فينّا لعام 1969م. وقد استخدمته كثير من الدول كالكيان الصهيوني والفاتيكان ونحوها من أجل الحفاظ على هويتها ومقدساتها .فاستخدامها من أجل المحافظة على الثقافة الدينية الفطرية السليمة للمجتمع الإسلامي هو حق دولي كفله القانون الدولي لهذه المجتمعات، وبالتالي فإن استخدامه في المعاهدات المخالفة للشريعة الإسلامية هو من تطبيق قواعد القانون الدولي وليس مخالفته كما يزعمون”8″.

والمتأمل لأحكام الشريعة الإسلامية يجد أن الأصل هو الأخذ بقواعد المجتمع الدولي وأعرافه، فقد أخذ  النبي صلى الله عليه و آله وسلم بالعرف الدولي في ضرورة أن تكون الرسائل الدولية رسمية ومختومة بخاتم، فاتخذ النبي صلى الله عليه و آله وسلم خاتماً عند مراسلته لملوك العالم للدخول في الإسلام .

كما أنه صلى الله عليه و آله وسلم ذكر معاهدة دولية وقعت في الجاهلية تدعو إلى نبذ الظلم وهو من مبادئ الفطرة الإنسانية التي أقرتها الشريعة الإسلامية، وهي حلف الفضول. وقال صلى الله عليه و آله وسلم أنه لو دُعي لها في الإسلام لأجاب ووقع على هذه المعاهدات.

لنخلص من كل ما سبق على أن الأصل في القواعد الدولية التي توافق الفطرة الإنسانية أنها موافقة للشريعة الإسلامية، وما كان مخالفاً للفطرة الإنسانية والغرض منها فرض ثقافات مجتمعات منحرفة على المجتمع الدولي، فإنه يجب أن يستخدم فيه قواعد التحفظ الدولي، كونه مخالفاً للشريعة. وهذا من مبادئ القانون الدولي لنصل إلى نتيجة أن تحكيم الشريعة الإسلامية لا يتعارض مع قواعد القانون الدولي.

ثانيا: الرد علي شبهة تعارض الشريعة الإسلامية مع بعض مبادئ القانون الدولي العام

أ- الرد على شبهة تعارض الشريعة الإسلامية مع مبدأ التعايش السلمي:

أما عن مبدأ التعايش السلمي،  فالمقام هنا لا يتسع للتأكيد على أن الشريعة الإسلامية تؤمن بمبدأ التعايش السلمي بين الشعوب، وأن حالة الحرب إنما هي للضرورة كالدفاع عن النفس أو إزالة القوى الظلامية الرافضة لتبليغ الدعوة الإسلامية سلمياً من دون إكراه، قال تعالى: ” لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِينِ ولَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وتُقْسِطُوا إلَيْهِمْ إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ (8) إنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وظَاهَرُوا عَلَى إخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ ومَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ “(الحشر:8،9).

كما أمر الله سبحانه وتعالى بالسلم لتكون هي الحالة الطبيعية للمجتمع الدولي في الشريعة الإسلامية ” يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً ” (البقرة:208)، ” وإن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ” “الأنفال:61”.

ونتج عن مبدأ التعايش السلمي في الشريعة الإسلامية، وجود مصطلح دار العهد في فقه الشريعة الإسلامية، وهي غير دار الإسلام وغير  دار الحرب، وهي عبارة عن دار حرب يوجد بينها وبين الدولة الإسلامية عهد يأمن فيها أهل دار العهد في دار الإسلام على أنفسهم وأموالهم وأعراضهم وتكون للمعاهد نفس حرمة المسلم.

وجاءت فكرة دار العهد تأسيساً على معاهدة صلح الحديبية بين النبي صلى الله عليه و آله وسلم وقريش، نتج عنها التعايش السلمي بين الكفار والمسلمين، وكانت سبباً لدخول كثير من المشركين في الإسلام؛ ولذلك سماها الله فتحاً.

وبتطبيق قواعد الشريعة على المجتمع الدولي في الوقت المعاصر نجد أنه بدخول العالم تحت مظلة الأمم المتحدة والتوقيع على ميثاقها يصير هو دار عهد. وبالنسبة لنشر الدعوة الإسلامية والتي هي رسالة المجتمع الإسلامي فإنه يتم نشرها في حالة الصلح والسلم، ويكون ذلك أفضل كما حصل بعد صلح الحديبية حيث انتشر الإسلام بشكل أكبر بسبب التعايش السلمي واختلاط غير المسلمين بالمسلمين.

وفي تاريخ الحضارة الإسلامية نجد أن الإسلام انتشر بالدعوة والتبليغ والعقل لا بالإكراه والسيف –كما يدعون- لقوله تعالى: “لا إكراه في الدين” “البقرة:256”.

وما كان دور الفتوحات الإسلامية إلا لإزالة القوى السياسية المانعة من نشر الدين بالدعوة والعقل والاختيار، وأكبر دليل على أن انتشار الإسلام ليس بسبب الفتوحات هو أن أكبر دولة إسلامية إندونيسيا لم يدخلها الفتح الإسلامي”9″.

ب –  الرد على شبهة تعارض إقرار الشريعة الإسلامية للرق مع مبادئ القانون الدولي الذي تحرمه

والرد على هذه الشبهة يتمثل في التعرف على موقف الشريعة الإسلامية من الرق ، فالشريعة الإسلامية اعترفت بالرق كواقع اجتماعي فرضته ظروف البيئة. ولما كان من خصائص الشريعة الإسلامية الواقعية فقد اعترفت به كواقع مرير، وشر لا بد منه ، وهو حالة غير مرغوب فيها، إلا أنها لم تتركه كما هو عليه، بل هذبت من أحكامه وجعلت للرقيق مركزاً قانونياً وحقوقاً بعد أن كانوا لا شيء، بل إنها قررت أحكاماً مؤقتة هدفها إلغاء الرق تدريجياً، حيث كان من الصعوبة الواقعية إلغاء الرق مرة واحدة، فإنه سيحصل ضرر وفوضى ولا شك أن أول من سيتضرر من إلغاء الرق هم الرقيق أنفسهم.

وهناك أدلة كثيرة تدل على أن أحكام الرق حالة غير مرغوب فيها في الشريعة الإسلامية وتعتبر الشريعة أنها حالة انتقالية تسعى أحكامها للقضاء، ويظهر ذلك جلياً في الأحكام الشرعية التي تسعى للقضاء على حالات الرق الموجودة، وكذا التي تسعى لمنع حالات استرقاق جديدة كما يلي:

  1. – الأحكام الشرعية التي تجعل للرقيق مركزاً قانونياً من حيث حقوقهم ، وتعتبرهم عبئاً على ملاكهم، حيث أوجبت حسن التعامل معهم،  والإنفاق عليهم ،وتزويجهم، وعدم الاعتداء عليهم، كما جعلت الاعتداء عليهم سبباً في عتقهم.
  2. – أوجدت الشريعة الإسلامية أنظمة لعتق الرقيق اختياراً: حيث توجد الكثير من الأحكام الشرعية الداعية إلى تحرير الرق كالترغيب فيه ” فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ (11) ومَا أَدْرَاكَ مَا العَقَبَةُ (12) فَكُّ رَقَبَةٍ ” “البلد:11″، كنظام المكاتبة” بأن يكاتب العبد سيده بمبلغ من المال يؤديه ليكون بعده حرا”، كما أوجدت أنظمة لذلك: كنظام التدبير” بأن يوصي الشخص بعتق عبيده بعد وفاته، فيحُرم على السيد بيعهم حال حياته”، ونظام جواز وطء الجارية رغبة في أن تلد لسيدها ولداً يكون سبباً في عتقها، حيث تسمى بأم الولد والتي تكون حرة بمجرد وفاة سيدها وحرمت على سيدها بيعها حال حياته”  .
  1. أوجدت الشريعة الإسلامية أنظمة لعتق الرقيق إجباراً ، كتشريع عقوبة إلغاء الرق في كل وأكثر المخالفات” الكفارات الشرعية”، فيما يعرف بعتق رقبة، كما أنه في كل كفارة فيها عتق رقبة يكون هناك جزاء آخر احتياطي لحالة إلغاء الرق وانتهائه ،ومنها أيضا أوجدت نظام عدم تجزؤ الرق” حيث يكمل عتق العبد إذا أعُتق جزء منه” ،وكذا نظام سريان العتق “وذلك إذا أعُتق بعض العبد ولو شيء يسير منه، فإن العتق هنا يسري على باقي جسده” .
  2. كما قللت الشريعة كثيراً من حالات الرق الجديد، فحرمت الزواج بالأمة” الجارية” إلا للضرورة وحرمت استرقاق الناس عن طريق الخطف ونحوه . وجعلت حق الاسترقاق في الفتوحات الإسلامي خاصاً بولي الأمر حسب المصلحة وليس حقاً خاصاً بالجيش الإسلامي، بدليل أن النبي صلى الله عليه و آله وسلم في غزوات استرق وغزوات لم يسترق حسب المصلحة.

وهكذا نصل إلى أن الرق حالة غير مرغوب فيها، ولذلك ليس من تطبيق الشريعة المناداة بعودة الرق كونه كان موجوداً، وكون وجود أحكام شرعية تنظمه شرعاً. فمن استقراء هذه الأحكام نجدها أحكاماً وقتية انتقالية نظمت هذا الوضع القانوني غير المرغوب لفترة معينة تنتهي تلك الأحكام بانتهاء الرق، ولا يجوز إرجاعه لأن الشريعة لا ترغب فيه”10″.

ج_ الرد على شبهة وجود بعض صور التمييز العنصري ضد المرأة في الأحكام الشرعية المخالف لمبدأ القضاء على كافة صور التمييز العنصري ضد المرأة

والرد على هذه الشبهة يستلزم معرفة موقف الشريعة الإسلامية من القضاء على كافة صور التمييز العنصري ضد المرأة، فلا شك أن الشريعة الإسلامية هي التي دعت لعدم التمييز بين الذكر والأنثى، وجعلت الأنثى مكلفة مع الرجل بالتساوي، وجاءت السنة النبوية بمبدأ المساواة المطلقة وهو أن النساء شقائق الرجال.

ونتيجة لذلك نجد كثيراً من أحكام الشريعة الإسلامية جاءت بالتساوي بين الرجل والمرأة في الحقوق والواجبات مع مراعاتها التخفيف عن المرأة بسبب ضعفها البدني والتزامها الفطري والإنساني في جانب حماية الطفولة ونحوها. وهذا أيضاً ما تقوم به القوانين الوضعية من تقرير أحكام خاصة بالمرأة في جانب قانون العمل لحمايتها ومراعاة لظروفها.

مع ضرورة العلم واليقين والاعتقاد بأن الشريعة لم تظلم المرأة مطلقاً لأنها تنزيل من رب العالمين وهؤلاء خلقه وعباده الذكر والأنثى على السواء ” وأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ ” “آل عمران:182″، وإن وجدت بعض الفروق فهو ناتج عن التغير في الطبيعة الخلقية التكوينية والفسيولوجية للمرأة في طبيعة خلقتها استلزمت هذا التمايز وهو أكيد لمصلحة المرأة ” أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وهُوَ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ ” “الملك:14”.

وبالعكس نجد كافة التشريعات الوضعية تفضل الرجل على المرأة وذلك لأن واضعي القوانين هم الرجال، فتحرم المرأة من اسمها بعد زواجها، فتنسب إلى زوجها وتمنعها من التصرف في مالها إلا بإذن زوجها، وتجرم زنا الزوجة مطلقاً ولا يكون زنا الزوج جريمة إلا إذا كان في بيت الزوجية” بينما نجد الشريعة تساوي بين الرجل والمرأة في جريمة زنا المحصن، مع أن هذا الجرم من المرأة أفظع”11″.

كما أنهم يبتزون المرأة ويجعلونها سلعة رخيصة، ويظلمونها بإخراجها عن طبيعتها من أجل شهواتهم.

أما المبررات لتمييز الرجل عن المرأة في بعض أحكام الشريعة وفقهها في الإرث والشهادة والدية فسنذكرها كما يلي:

  1. التمييز في مجال الإرث: أما بالنسبة لكون نصيب الذكر ضعف نصيب الأنثى ،فنقول أن الشريعة الإسلامية جعلت للأنثى حق الإرث كالذكر بعد أن كان خاصاً بالذكر فقط، ” لِلرِجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الوَالِدَانِ والأَقْرَبُونَ ولِلنسَاءِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الوَالِدَانِ والأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا ” “النساء:7”.  أما تفضيل الذكر عن الأنثى، فهي حالات محددة مذكورة في القرآن وهو نصيب الأبناء مع البنات ،ونصيب الإخوة مع الأخوات الشقيقات أو لأب فقط، وما عداها من الإخوة لأم وذوي الأرحام فهؤلاء نصيبهم بالتساوي للذكر مثل نصيب الأنثى.

والشريعة الإسلامية عندما جعلت للذكر مثل حظ الأنثيين، فهو ناتج عن مراعاتها لعلاقة القرابة بين الذكر والأنثى وهي الأخوة، والتي تستوجب على الذكر هذا الإنفاق على الأنثى في حالة عوزها والعقل” المشاركة في دفع الدية” عنها في حالة قتلها خطأ والقيام بولايتها. وبالتالي لما كان الذكر يقوم بهذه الأعباء تجاه الأنثى الوارثة معه كان من العدالة أن يكون له ضعف نصيبها. بل إن أخذها لنصف نصيب الذكر تكون هي المستفيدة أكثر من الذكر؛ لأنها لا تتحمل أعباء مالية تجاهه. ونتيجة لمراعاة العلاقة الخاصة بين الذكر والأنثى الوارثين مع بعض فإذا لم يوجد هذا الذكر فإن الأنثى هنا تكون صاحبة فرض ويكون لها نصف المال كاملاً عند انفرادها أو الثلثان عند التعدد، وهو أكبر نصيب في القرآن”12″.

أما باقي الحالات فيتساوى فيها حظ الذكر مع حظ الأنثى فهو بسبب عدم وجود العلاقة الخاصة بين الرجال والنساء الوارثين كالإخوة لأم وذوي الأرحام.

  1. التمييز في مجال الشهادة: أما بالنسبة لكون شهادة الرجل بامرأتين، الواردة في قوله تعالى: “واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى”. ففي هذه الآية نصيحة للدائنين عند رغبتهم في توثيق ديونهم وحقوقهم والمحافظة عليها من الضياع ،أن يستوثقوا عليها بشهادة امرأتين، وذلك بسبب غلبة نسيان المرأة الواحدة بينما الاثنتان سوف تتعاونان في تذكر تفاصيل الدين ومقداره. وهذا ناتج أيضاً عن طبيعة تكوين المرأة وخلقتها، وبالتالي فإنه يجوز للدائن أن يوثق دينه بشهادة امرأة واحدة ،وعليه تحمل تبعة ضياع دينه عند نسيان المرأة. كما عليه أيضاً تحمل تبعة ضياع دينه في حالة عدم توثيقه بالكتابة في حالة إنكار المدين أو وفاته أو نسيانه، ولما كانت كتابة الدين مندوبة، فإن شهادة المرأتين مندوبة”13″.
  2. التمييز في مجال الدية: أما بالنسبة للتفريق بين الرجل والمرأة في الدية ،بحيث يكون للمرأة نصف الدية. والتي تناقلته كتب الفقه الإسلامي، فإننا أولاً يجب أن ننبه على أن هذا التنصيف لا يكون في الدية التي تكون بديلة عن القصاص؛ لأن القصاص متساو فيه الرجل والمرأة؛ لقول الله تعالى ” النَّفْسَ بِالنَّفْسِ ” “المائدة:45″، ولما كانت الدية في القتل العمد بديلة عن القصاص فتأخذ حكم التساوي.

كما ننبه- أيضاً-  على أن مستند الحكم الشرعي في تنصيف دية المرأة، دليل ظني الثبوت اختلف في صحة الحديث الوارد في ذلك. كما يجب أن ننبه أن سبب توارد دخول الفقهاء بالتنصيف في الدية بالرغم من ظنية الدليل الدال على ذلك الحكم. فهو راجع إلى تكييفهم للدية بأنها ليست عوضاً عن المتوفى وإنما هو تعويض للورثة عن فقد من يعولهم، ولما كانت ظروف المجتمع في كون المرأة لا تعمل فقد كان التعويض على قدر الضرر الذي أصاب الورثة فقرروا نصف الدية لتعويضهم عن فقد المرأة بينما الدية كاملة في حالة فقد الرجل. وفكرة تعويض الورثة على قدر ضررهم بوفاة مورثهم يعُمل بها في القانون الوضعي فتعويض ورثة الفقير المتوفى أقل من تعويض ورثة الغني المتوفى. مع العلم أن هذا فقه اجتهادي.

ويرى بعض الفقه الإسلامي الحديث أن الظروف الحديثة وعمل المرأة، والضرر الكبير الذي يصيب الورثة بقتل المرأة كل ذلك  يقتضي التسوية بين الرجل والمرأة في الدية”14″.

وهكذا نخلص إلى أن تطبيق الشريعة الإسلامية لا يتعارض مع مبادئ وقواعد القانون الدولي العام.

الشبهة الثالثة: الرد علي معوق تعارض تطبيق الشريعة الإسلامية مع مبادئ القانون الجنائي

ويحتج أصحاب هذه الشبهة القائلين بهذا المعوق بأن أحكام الحدود في الشريعة الإسلامية تتعارض مع القواعد الإنسانية في القانون الجنائي، ويتناولون ذلك في جانب التجريم حيث جرمت الشريعة أفعالاً لا تعد جرائم لأنه ليس فيها ضرر للغير كحد الزنا والردة، وفي جانب العقوبة يرون أن الشريعة الإسلامية قررت عقوبات قاسية لا تناسب المجتمع الحديث المتحضر، وهي –حسب زعمهم- عقوبات وحشية تناسب المجتمعات القديمة غير المتحضرة كالرجم وقطع الأعضاء،  كما أن هذه العقوبات –حسب زعمهم- لا تناسب الجرم كالسرقة والحرابة. والجانب الثالث أن حق القصاص في الشريعة الإسلامية ليس حقاً عاماً مع أنه اعتداء على النفس فهو حق خاص يجوز التنازل عنه بينما يكون حقاً عاماً في القانون الجنائي.

والرد على هذا المعوق سيكون من جانبين جانب التحريم وجانب الجزاء والعقوبة كما يلي:

أولاً: الرد عل شبهة تعارض الشريعة الإسلامية مع مبادئ القانون الجنائي في جانب التجريم

  1.    – بالنسبة لجريمة الزنا:  يعتبر فقهاء القانون الجنائي أن الزنا القائم على الرضا وكمال الأهلية إنما هو حرية شخصية والمجتمع لا يتضرر بذلك. حيث لا يشكل الزنا ضرراً –عندهم- ولا جريمة، فلا عقوبة عندهم عليه. والواقع الفطري للإنسان يخالف ذلك؛ فالزنا يترتب عليه ضياع الأخلاق وانتهاك الأعراض وضياع الأسرة التي هي أساس المجتمع ووجود أطفال بدون راع لهم يتربون في الملاجئ فيصابون من حرمان العيش في الأسرة ويتحولون إلى معقدين ثم مجرمين، وهذا فيه ضرر كبير على المجتمع.
  2.    – بالنسبة لجريمة الردة: حيث يعتبرون  الردة ليست جريمة ولا فعلاً ضاراً وإنما هو من باب حرية الرأي والتعبير. وهذا كله قائم على فكرة الثقافة الغربية. أما في الشريعة الإسلامية، فإن الردة والطعن في الأديان فيها خطر كبير على المجتمع؛ فالطعن في الدين ومبادئه وأحكامه السامية العظيمة، والطعن في الأنبياء والرسل دعاة الفطرة والخير والسلام، هو بلا شك جريمة خيانة عظمى ويرتب عليها أشد العقوبات وفيها أيضاً خروج عن النظام العام للمجتمع وبالتالي فهو جريمة كبرى يتعدى ضررها إلى المجتمع كاملاً ويخل بالأمن والسلم الوطنيين، ويخل بالنظام العام والآداب العامة في المجتمع. ومن متناقضات فقهاء القانون الجنائي الغربي أنهم يجيزون الطعن في الأديان والأنبياء والمقدسات بحجة حرية الرأي، إلا أنهم يقيدون حرية الرأي ويمنعونها ويحرمونها ويرتبون عليها الجزاء والعقوبة عندما تكون متعلقة بإنكار محرقة اليهود فيما يسمونه بقانون معاداة السامية، لكن إنكار المعلوم بالعقل بالضرورة كوجود الله الخالق، فهذه تعتبر حرية وليست جريمة”15″.

ثانيا: الرد علي شبهة تعارض الشريعة الإسلامية مع مبادئ القانون الجنائي في جانب العقوبات (المناسبة)

1 – بالنسبة لشدة العقوبات الشرعية: ما يتعلق بشدة عقوبات الحدود الشرعية ،فذلك ناتج عن كون الغرض منها الردع والزجر بسبب بشاعة الجريمة، كما أن التجارب أثبتت أن عقوبة الحبس في القوانين الوضعية لم تكن رادعة بل لقد زادت الجرائم وازداد المجرمون احترافاً بسبب اجتماعهم مع مجرمين محترفين .

  1. ضمانات تطبيق الحدود الشرعية: كما أنه يجب علينا أن نعلم أن لأحكام الحدود الشرعية نوعاً من الخصوصية وهذه الخصوصية متعلقة بكونها أحكاماً غير معقولة المعنى أي لا يقاس عليها وبالتالي فهي تشبه العبادات ولذلك ضُبط تطبيقها بضمانات شديدة. من أهمها كضمانات عامة ضرورة مراعاة درئها بالشبهات ما أمكن ليكون هو الأصل العام، ثم من حيث إثباتها بالشهادة المبنية على عدالة الشهود والتفريق بينهم وعدم التعارض بين الشهادات. ومن حيث العدد التشديد في جريمة الزنا بأربعة شهود، وكان من نتيجة ذلك صعوبة واستحالة ثبوت الزنا بالشهادة وإنما كان بالإقرار، مع العلم أنه يجوز الرجوع عن الإقرار في الحدود. ومن ضمانات تطبيق الحدود أن تكون الجريمة وقعت من الجاني من غير حاجة إليها كالمجاعة في حد السرقة إلى غيرها من الضمانات التي تجعل تطبيق الحدود الشرعية يكاد يكون قليلاً، وبالتالي لجأ الفقهاء إلى نظام التعازير لتكميل النقص الحاصل في تطبيق الحدود بسبب الضمانات المحاطة بها. لتكون بحق الحدود الشرعية زاجراً عن الوقوع في الجريمة ولو من غير تطبيق”16″.
  2. بالنسبة لمناسبة عقوبة حد السرقة: فالشريعة الإسلامية في تقريرها للحدود راعت الضرر الذي يصاب به المجتمع ولذا كان الحد زاجراً ليس للجاني فقط من العود وإنما لكل فرد من أن تحدثه نفسه من ارتكاب هذه الجريمة. فضرر جريمة السرقة لا يلحق بالمسروق فقط بل يحصل هلع في المجتمع من انتشار هذه الجريمة ،وهذا الخوف الكبير يناسبه عقوبة حد السرقة حتى ينزجر كل سارق لاسيما وأنها خفية.
  3. بالنسبة لمناسبة عقوبة حد زنا المحصن “الخيانة الزوجية”: الخيانة الزوجية وهي زنا أحد الزوجين، جريمة كبيرة يترتب عليها خلل كبير في نظام الأسرة في المجتمع والأسرة هي أساس المجتمع، كما أن انتشار جريمة الخيانة الزوجية سيؤدي بلا شك إلى القتل بين الزوجين بسبب الشك، وسيؤدي إلى اختلاط الأنساب وشك الآباء في أبنائهم هل هم أولادهم أم أولاد زنا، وكم من جرائم قتل يقوم بها الآباء ضد أبنائهم بسبب الشك وبسبب انتشار جريمة الخيانة الزوجية، فكانت العقوبة الشرعية لها هي الرادع والزاجر الوحيد لهذه الجريمة.
  4. بالنسبة لمناسبة عقوبة حد الحرابة: وأيضاً جريمة الحرابة والتقطع للناس وسلب أرواحهم وأموالهم بالقوة وتخريب المصالح العامة ولاشك أن هذه جريمة عظيمة تخل بكيان وأمن المجتمع ولذا سماها الله الذي يحاربون الله ورسوله، فكان جزاء حد الحرابة مناسبة لعظم تلك الجريمة”17″.

ثالثاً: الرد على شبهة تعارض الشريعة الإسلامية مع مبادئ القانون الجنائي في جانب عقوبة القصاص

أما ما يتعلق بجريمة القصاص ومدى جواز العفو عنها وكونها حقاً خاصاً لا عاماً وهذا مخالف لمبادئ القانون الجنائي وقد يؤدي إلى انتشار جريمة القتل، فإن الشريعة الإسلامية قد قررت أن الغرض من نظام القصاص هو تحقيق حياة المجتمع ،كما قررت أن القصاص خاص بأولياء المجني عليه، وذلك رغبة في التهذيب من عقوبة الإعدام، كما أنه قد يكون القاتل قريباً لولي الدم فلا يتضرر بقتل اثنين من أوليائه ،كما أن جريمة القتل غالباً ما تكون نتيجة لغضب ثم قد يندم القاتل، وبالتالي فإن ولي الدم إذا رأى دون إكراه له بدني أو معنوي أن يتنازل عن حقه في الإعدام ويأخذ الدية فهذا له فقد ملك تقرير القتل والعفو عنه .

ومع ذلك فإن لولي الأمر إذا رأى في هذه الجريمة وقوع خوف وضرر للمجتمع كأن يكون القتل بطريقة بشعة وإرهابية فلها أن تكيف الجريمة بأنها حرابة وتعاقب عليها بالقتل، كما يجوز لولي الأمر أيضاً أن يحكم بالإعدام تعزيرا؛ً كون جريمته قد أضرت بالمجتمع ضرراً كبيراً”18″.

ونخلص في الأخير إلى أن أحكام الشريعة الإسلامية في مجال الجرائم والعقوبات لا يخالف مبادئ القانون الجنائي في جواز التجريم ومناسبة العقوبة ونحوها.

الشبهة الرابعة: الرد على معوق تعارض تطبيق الشريعة الإسلامية مع وجود أقلية غير مسلمة

ويحتج أصحاب هذا الشبهة بحجة واهية لتطبيق أحكام الشريعة الإسلامية في اليمن بوجود أقلية غير مسلمة وهم اليهود، وأن تطبيق الشريعة الإسلامية القائمة على دين الإسلام فيه افتئات على حق هؤلاء. والرد على هذا الرأي يتمثل في الآتي:

1-  إن هذه الشبهة تنبني على نظرية أن تطبيق الشريعة يقوم على الدولة الدينية التي تراعي حقوق أتباع ملتها، وهذا كما سبق لا يتوافق مع الشريعة الإسلامية ،فهي دول مدنية تقوم على الحقوق والواجبات والنظام والقانون دون تفرقة في الدين ،ولذلك جاء المبدأ أنه ” لهم ما لنا وعليهم ما علينا”، بل إن غير المسلمين يكون لهم احترام خاص في الشريعة الإسلامية وأطلق عليهم بأهل الذمة إمعاناً في رعايتهم .ولذلك نجد أن تطبيقهم للشريعة الإسلامية سيؤدي إلى حفظ حقوقهم ومصالحهم ،بل إن تطبيق الشريعة هو أقرب إلى فطرة غير المسلمين في المجتمع الإسلامي القائمة على تقاليد المجتمع المحافظ على أساسيات مقومات حياته: كحفظ الدين والنفس والعرض والمال والعقل. وهو أفضل من تطبيق قانون وضعي غربي قائم على الثقافة الأوربية القائمة على الإباحية والشذوذ، وهذا ما يخالف جميع الأديان، وغير المسلمين في المجتمع الإسلامي هم متدينون ومحافظون ويتوافقون كثيراً مع البيئة اليمنية والتي يناسبها تطبيق الشريعة الإسلامية”19″.

2 – ومع هذا فإن الشريعة الإسلامية قد اعترفت لغير المسلمين في المجتمع الإسلامي بقواعدهم القانونية القائمة على الدين كقواعد الأحوال الشخصية، وحرمت الاعتداء على أموالهم وأوجبت التعويض عنها، وإن كانت لا تعد مالاً في الشريعة الإسلامية كالخنزير ونحوه”20″.

وفي ختام هذا البحث  نخلص إلى أن تطبيق الشريعة الإسلامية لها ما يبررها من الناحية الفلسفية والعلمية، وأنه لا يوجد معوق من تطبيق الشريعة الإسلامية، وأن ما أوردوه من معوقات إنما هي  عبارة عن شبهات وحجج واهية، ولا يوجد أي مبرر علمي أو عقلي يمنع من تطبيق الشريعة الإسلامية في المجتمعات المسلمة

“1”  د/ فؤاد محمد النادي، د/ أبكر أحمد الشافعي، النظم السياسية والقانون الدستوري، مكتبة الرسالة، القاهرة، 1998-1999م، ص210.

“2”  د/ عاصم عجيلة، القانون الدستوري ،1411هـ- 1991م، ص54، د/ محمد سعيد رمضان البوطي، فقه السيرة النبوية، دار الفكر المعاصر المعاصر، بيروت، دمشق ،1412هـ- 1991م، ص152.

“3”  كتاب الفروق المسمى أنوار الفروق، أحمد بن إدريس القرافي، دار السلام، القاهرة، ط2، 1428هــ- 2007م ، 1/346، عبد الوهاب خلاصة التشريع الإسلامي،، دار القلم، الكويت، ط3، 1416هـ- 1996م، ص61.

“4”  محمد أحمد أبو زهرة، المجتمع الإنساني في ظل الحكم الإسلامي، ملحق مجلة الأزهر ذي الحجة 1425هـ، ج2، ص96.

“5”  د/ محمد سلام مدكور، مباحث الحكم عند الأصوليين، دار النهضة العربية، القاهرة، ص59.

“6”  د/ محمد سعيد رمضان البوطي، المرجع السابق، ص328، موسوعة الحضارة الإسلامية، إصدار المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، القاهرة،1426هـ- 2005م، ص72.

“7”  د/ صالح الظبياني، القضاء والإثبات في الفقه الإسلامي، ط5، 1432هـ- 2011م، ص46.

“8”  د/ أحمد أبو الوفاء، الوسيط في القانون الدولي العام، دار النهضة العربية، القاهرة، ط5، 1431هـ- 2010م ،ص120، د/ عبد الكريم عوض خليفة، القانون الدولي العام دراسة مقارنة، دار الجامعة الجديدة- الإسكندرية ،2011م، ص46.

“9”  علي علي منصور، الشريعة الإسلامية والقانون الدولي العام، إصدار المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، القاهرة ، 1390هـ- 1971م، ص281.

“10”  حقائق الإسلام في مواجهة المشككين، إصدار المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، القاهرة، ص615.

“11”  د/ عبد الكريم زيدان، المفصل في أحكام المرأة، مؤسسة الرسالة بيروت، ط1، 1413هـ- 1993م ،1/615.

“12”  د/ حامد محمود شمروخ، أحكام المواريث في الشريعة الإسلامية ،،1410هـ- 1990م، ص22.

“13”  حقائق الإسلام في مواجهات المشككين، مرجع سابق، ص56.

“14” د/ وهبة الزحيلي، الفقه الإسلامي وأدلته، دار الفكر المعاصر، دمشق، ط4، 1425هـ- 2004م، جـ7، ص5715.

“15”  عبد القادر عودة، التشريع الجنائي الإسلامي، مقارناً بالقانون الوضعي، مؤسسة الرسالة، ط12، 1413هـ- 1993م، جـ1، ص68.

“16”  سيد عبد الله علي حسين، المرجع السابق، جـ1، ص45.

“17”  حقائق الإسلام في مواجهات المشككين، مرجع سابق، ص56.

“18”  د/ عبد الرزاق السنهوري، مصادر الحق في الفقه الإسلامي، مؤسسة التاريخ  العربي، دار إحياء التراث العربي ،بيروت- لبنان، ط1، 1417هـ- 1997م، جـ1، ص39، عبد القادر عودة، المرجع السابق، جـ2، ص160.

“19”  موسوعة الحضارة الإسلامية، مرجع سابق، ص84.

“20”  د/ صوفي حسن أبو طالب، تطبيق الشريعة الإسلامية في البلاد العربية، دار النهضة العربية، القاهرة، ط4، 1416هـ ،1997م، ص6.

https://powderencouraged.com/w3m6c9b5?key=af8b4909c0965493e9682d74bb50a646
https://powderencouraged.com/ksq5rgwdmh?key=b5b47a0d83f8742dcf71d4de8ef00494
https://powderencouraged.com/bkcduddx?key=0252cc21d0f4e0ae5f53245940611301
×
error: Content is protected !!

اكتشاف المزيد من

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading