عبد الوهاب لعبل

المحامي بهيئة آكادير

مقدمة:

إن تطور المجتمعات استلزم مواكبة القاعدة القانونية لهذا التطور، بل والحاجة للقانون في مختلف المجالات التي تمس الحياة داخل المجتمع، وقد كان الميدان الاقتصادي أحد هذه المجالات التي تطلبت حضورا مستمرا للقواعد القانونية فعلى الرغم من تدخل الدولة بمجموعة من الآليات الاقتصادية عن طريق مخططات وسياسات تستلزم تحقيق أهداف معينة، فقد كان من الضروري تدخل الدولة أيضا عن طريق آليات وقواعد قانونية من أجل ضمان الوصول إلى هذه الأهداف إلى حد يمكن معه القول أن تطور اقتصاد الدولة لم يكن ليحصل في غياب تكامل بين ما هو اقتصادي و ما هو قانوني.

وفي سياق الحديث عن تطور الاقتصاد في الوضع الحالي الذي توجد عليه الآن الأنظمة الاقتصادية سواء على المستوى الوطني أو على المستوى الدولي، جاء بعد تطور كبير وعبر مراحل مهمة، كانت أبرزها مرحلة اكتشاف النقود والتي جاءت بعد مرحلة المقايضة. وقد لعبت النقود دورا مهما في تطور اقتصاد الدول، إذ وضعت أمام الاقتصاد وسائل ملائمة لتجاوز مجموعة من الصعوبات التي عانى منها الاقتصاد في ظل نظام المقايضة.

إلا أن هذه المزايا التي خلقتها النقود لم تحم هذه الأخيرة من أن تكون محلا لأفعال وعمليات تتنافي مع وظيفتها بل تعوق تحقيقها للأهداف التي وضعت من أجلها، ومن ثم المساس بالنظام الاقتصادي نتيجة لذلك. وفي هذا الإطار فقد كان على الدول التدخل بقواعد قانونية لحماية النقود من كل ما يمكن أن يمس بكيانها وبأدائها لوظائفها. وهو تدخل كان في إطار أشمل لم يقتصر على حماية النقود بل كذلك كل أشكال المعاملات الاقتصادية.

وقد كان أهم أوجه هذا التدخل هو وضع قواعد قانونية ذات طابع زجري من خلال التجريم والمعاقبة على مجموعة من الأفعال والتصرفات المتنافية مع المعاملات الاقتصادية، وذلك من أجل حماية مجموعة من المصالح، وأهمها مصلحة الاقتصاد الوطني بالدرجة الأولى، ثم المصالح المالية للأفراد وكذلك مصلحة الكيانات الاقتصادية ذات الشخصية المستقلة كالشركات. ولم يكن تطور قواعد التجريم والعقاب دائما بنفس الوثيرة، إذ أنه عرف فترات ازدهار كما عرف فترات تراجع، وقد ارتبط ذلك باختلاف توجهات الدول من جهة، ومراحل التطور الاقتصادي من جهة أخرى.

ففيما يخص توجهات الدول فقد كانت هناك دول تتبنى المنهجية الليبرالية في الاقتصاد وفي إطارها كان حضور القواعد الزجرية ضعيفا، وذلك مقابل حضور مهم وفعال لهذه القواعد في ظل المنهجية التدخلية لدول أخرى، إلا أنه على الرغم من أن هذه المنهجية كانت تختلف من دولة إلى أخرى، فأنه حتى داخل الدولة الوحيدة كان يمكن الحديث عن سياسات مختلف المراحل التي يمر منه اقتصادها الوطني، فإذا كانت فترات الازدهار الاقتصادي تعرف تراجع للقواعد الزجرية، فإن فترات الأزمة الأقتصادية كان من بين نتائجها تقوية القواعد الزجرية.

وبغض النظر عن تطور هذه القواعد الزجرية، فإن تزايدها أدى إلى ظهور منظومة من القواعد الجنائية متفرقة بين مختلف القوانين التي تحكم ميدان الأعمال، وقد اصطلح على هذه القواعد “القانون الجنائي للأعمال”.

وقد ازدادت أهمية قواعد القانون الجنائي للأعمال مع التطور الاقتصادي سواء على المستوى الوطني أو على المستوى العالمي، وخاصة في ظل الأزمة التي يعرفها الاقتصاد العالمي في هذه الآونة.

ويطرح هذا الموضوع مجموعة من الإشكاليات أهمها: ما هي الغاية من وضع قواعد جنائية خاصة في ميدان الأعمال في ظل وجود قواعد القانون الجنائي التقليدية؟ وهل يمكن القول بوجود قانون جنائي للأعمال أم أن الأمر يتعلق فقط بقواعد ذات طبيعة خاصة متفرقة بين مجموعة من النصوص القانونية؟ هذه الإشكاليات وغيرها سنحاول التطرق إليها خلال المطلبين التاليين:

  • المطلب الأول: الإطار العام للقانون الجنائي للإعمال.
  • المطلب الثاني: مجال القانون الجنائي للأعمال وخصائصه:

المطلب الأول: الإطار العام للقانون الجنائي للأعمال:

سنتناول في هذا المبحث تعريف القانون الجنائي للأعمال وتطوره التاريخي (الفقرة الأولى) ثم بعد ذلك مجال القانون الجنائي للأعمال وخصائصه (الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى: تعريف القانون الجنائي للأعمال وتطوره التاريخي

إن تعريف القانون الجنائي للأعمال يبقى من أهم الإشكالات التي طرحت ومازالت تطرح بصدد هذا القانون (أولا)، وهو إشكال ارتبط بالتطور الذي مر منه القانون الجنائي للأعمال (ثانيا).

أولا: تعريف القانون الجنائي للأعمال:

  1. تعريف القانون الجنائي للأعمال من خلال النصوص القانونية:

إذا كان القانون الجنائي للأعمال يفتقد إلى مدونة خاصة به، يمكن أن تسعف في إيجاد تعريف محدد لهذا القانون، فإنه على الرغم من ذلك نصت مجموعة من القوانين على بعض الجرائم ذات الارتباط الوثيق بميدان الأعمال وفي هذا السياق جاء قانون 30 يونيو 1945 التعلق بالإثبات بفرنسا (الذي تم إلغاؤه) ليتضمن بعض المؤشرات التي تساعد على إيجاد تعريف لجرائم الأعمال، حيث تضمن في فصله الأول تعديدا لمجموعة من الجرائم ذات الطابع الإقتصادي كالجرائم المتعلقة بإشهار الأثمان، والأثمان غير الشرعية، والجرائم المتعلقة بالتموين، لكن على الرغم من ذلك فإن مفهوم جرائم الأعمال يبقى غير محدد وفي نفس السياق نصت الفصول 704 وما يليها من قانون المسطرة الجنائية الفرنسي على مجموعة من القواعد المسطرية الخاصة بجرائم الأعمال.

وبالرجوع إلى القانون المغربي نجد القانون الجنائي الحالي تضمن التنصيص في الفصول من 556 إلى 569 مجموعة من العقوبات التي يمكن أن تلحق بمسيري المقاولة التي تتعرض للصعوبات وذلك عند ارتكاب هؤلاء لبعض الأفعال التي يمكن أن تؤدي إلى فتح مسطرة التسوية أو التصفية في حق المقاولة.

ورغم ذلك فإن تحديد مفهوم جرائم الأعمال من خلال نصوص القانون يبقى صعبا على اعتبار تشتت التنصيص عليه بين مجموعة من النصوص القانونية كما يرجع ذلك إلى خضوع جرائم الأعمال للقواعد العامة للقانون الجنائي وفي أحيان أخرى إلى بعض النصوص الخاصة بناء على ذلك فإن مختلف النصوص التي تضمنت المعاقبة على الأفعال التي تدخل في إطار جرائم الأعمال لا تمكن من إيجاد تعريف محدد لهذه الجرائم ومن ثمة للقانون الجنائي للأعمال

  1. تعريف القانون الجنائي للأعمال من خلال الاجتهاد القضائي

في قرار فرنسي شهير اعتبر القضاء أن جرائم الأعمال هي التي ترتبط بشكل عام بإنتاج وتوزيع وتقسيم وتداول واستهلاك السلع والبضائع والتي تهم بشكل خاص النقود، وهذه المخالفات تضر بشكل مباشر باقتصاد الدولة سواء فيما يتعلق بالتوجيه أو المراقبة2، فهذا القرار لم يكن واضحا في وضع تعريف ملائم لجرائم الأعمال لكن رغم ذلك فان هذا القرار كانت له بعض الايجابيات اهمها انه وضع تعريفين لجرائم الاعمال الأول يهم الجرائم العصرية في القانون (تلك المتعلقة بالإنتاج والتوزيع…) والمفهوم الثاني يشمل جرائم الأعمال المصطنعة والتي تشمل تلك الأفعال الضارة بالاقتصاد.

  1. تعريف القانون الجنائي للأعمال على مستوى الفقه:

لقد بدأ الحديث عن القانون الجنائي للأعمال مع مجموعة من الأبحاث التي أنجزت في إطار علم الإجرام والتي شملت الجرائم التي ترتكب من طرف فئة خاصة وهم المهنيون في ميدان الأعمال ونشير إلى دراسة عالم الإجرام الأمريكي سيودلاند الذي تحدث عن جرائم ذوي الياقات البيضاء، والتساؤل الأساسي الذي طرح في علاقة تعريف القانون الجنائي للأعمال هو هل هناك قانون خاص ومدون يتضمن الجرائم والعقوبات المرتبطة بالأعمال؟ أم أن القانون الجنائي للأعمال هو مفهوم وتعبير واقعي يدخل ضمن كافة جرائم الأعمال وعقوباتها.

إن تشتت المقتضيات التشريعية التي تنص على جرائم الأعمال وعقوباتها في أكثر من مدونة يجعل تحديد تعريف القانون الجنائي للأعمال صعبا، وهو ما جعل الفقه يختلف حول مفهوم هذا القانون، وفي هذا الإطار ذهب بعض الفقة إلى أن القانون الجنائي للأعمال يشمل في مفهومه الضيق التشريع المتعلق بالأثمان والمنافسة من جهة، والنصوص التي تهدف إلى حماية المصالح الاقتصادية للدولة من جهة أخرى. في حين ذهب اتجاه آخر إلى أن القانون الجنائي للأعمال يشمل القواعد المتعلقة بالأثمان والبنوك والبورصة والشركات التجارية، وانطلاقا من هذا المفهوم فإن القانون الجنائي للأعمال يهدف إلى حماية المصالح الخاصة للأفراد في  إطار علاقاتهم الاقتصادية.

وقد ذهب الفقيه الفرنسيpradel بأن القانون الجنائي للأعمال هو القانون الجنائي للسوق وللمبادلات التجارية، في حين ذهب renucci إلى أن القانون الجنائي للأعمال يشمل القانون الجنائي الاقتصادي والقانون الجنائي المالي والقانون الجنائي الاجتماعي والقانون الجنائي للشركات.

وبشكل مختصر يمكن القول أن القانون الجنائي للأعمال هو مجموعة القواعد القانونية المتعلقة بالمخالفات المرتكبة في مجال الأعمال وهو كذالك مجموع القواعد الاقتصادية المعاقب عليها في القانون الجنائي، سواء كانت تمس ملكية الغير أو الاقتصاد الوطني، ويندرج تحت هذا التعريف ما جاء في ورقة العمل المعدة بمناسبة اجتماع 11 بمؤتمر الأمم المتحدة للوقاية من الجريمة والعدالة الجنائية ببنكوك في ابريل 2005 والذي اعتبر بأن الجريمة المالية والاقتصادية هي: جريمة عنيفة تنجم عنها بصفة عامة خسارة وبالتالي فإن تلك الجريمة تشمل طائفة من الأنشطة غير القانونية، منها الاحتيال أو الفساد أو التهريب الضريبي أو غسل الأموال، ومن أجل تصنيف مختلف الجرائم التي تدخل في إطار القانون الجنائي للأعمال ميز الفقه بين القانون الجنائي العام المتعلق بالأعمال الذي يشمل الجرائم المتعلقة بإخفاء الحقيقة كالنصب، التزوير، خرق القانون المتعلق بالشيك، الغش ألمعلوماتي، الغش الضريبي، الغش الجمركي، التصريحات الكاذبة، مخالفات البورصة والجرائم المتعلقة باستغلال الغير كالسرقة، خيانة الأمانة، الرشوة استغلال النفوذ وبعض الجرائم المكملة كالمس بالسلامة لقانون الشغل، مخالفات قانون البيئة، مخالفات قانون التعمير والقانون المخصص للأعمال وهو القانون المتعلق بالمقاولة والذي يهم الأنشطة المهنية المرتبطة بشكل خاص بالقانون التجاري والقانون الاجتماعي ، ويشمل الجرائم المتعلقة بالانشطة المهنية كالجرائم المرتبطة بالمنافسة والجرائم المرتبطة بالاستهلاك كما يشمل الجرائم المتعلقة بالتجمعات المهنية كالجرائم التي تهم البنيات الاقتصادية (تأسيس المقاولات والشركات وإداراتها وانحلالها)، وكذا الجرائم التي تدخل في إطار حماية العاملين من خرق مقتضيات حماية الأجراء (حرية الشغل، التحرش الجنسي، الصحة والسلامة، الحق النقابي). ومن جانب آخر يدرج البعض جرائم السرقة، النصب، خيانة الأمانة، إخفاء الأشياء، التزوير ضمن جرائم الأعمال التي يشملها القانون الجنائي العام، ويدرجون ضمن القانون الجنائي للأعمال كقانون يتعلق بالمال والاقتصاد طائفتين من الجرائم الأولى تتعلق بجرائم المال وتشمل جرائم الابناك ووسائل الأداء، والثانية تهم جرائم الاقتصاد وتشمل الجرائم المتعلقة ببداية النشاط التجاري أو نهايته، والجرائم المتعلقة بالمجموعات كأداة للاقتصاد والجرائم المرتبطة بالمنافسة وتلك المرتبطة بالاستهلاك.

الفقرة الثانية: التطور التاريخي للقانون الجنائي للأعمال

  1. بالنسبة للقانون الفرنسي:

إن ظهور القانون الجنائي للأعمال لم يأت بشكل مفاجئ وإنما عبر تطور تاريخي طويل وفي نفس الوقت بطيء إلا أنه بطء اتسم بالثبات، فقبل مدونة القانون الجنائي ل 1810 فإن القانون الجنائي للأعمال لم يكن معروفا وذلك رغم وجود بعض العقوبات للمحتكرين للاثمان وهي عقوبات كانت تهم في حقيقتها النظام العام أكثر منه النظام الاقتصادي، ومع وضع مدونة 1810 ظهرت بعض إرهاصات القانون الجنائي للأعمال وذلك من خلال بعض النصوص الزجرية التي تهدف إلى حماية.

الفرد من التعسف في الحماية الاقتصادية كجريمة منع حرية المزايدة (الفصل 412) وجريمة الزيادة في الإثمان (419_420)، وجريمة خرق السر المهني (الفصل 418) وستعزز هذه النصوص مع ظهور قوانين أخرى كقانون فاتح غشت 1509 المتعلق بتجريم الغش والتزييف في البيع وكذلك باقي الأوجه الأخرى، وكذلك قوانين 5 يوليوز1844، 23 يوليوز 1857، وقانون 14 يوليوز 1909.

وقد شكلت هذه القوانين بمثابة بوادر ظهور القانون الجنائي للأعمال، الذي مر بمجموعة من المراحل:

أ – المرحلة المالية:

عرفت سنة 1935 ظهور نظرية ومفهوم “القانون الجنائي المالي” وذلك في ظل صدور مجموعة من القوانين التي تعاقب على الأفعال الماسة بالمعاملات المالية عقب الأزمة الاقتصادية المالية سنة 1929، التي فرضت ضرورة تدخل القانون في المجال الاقتصادي والقانون الجنائي بشكل خاص وقد هم ذلك بشكل أساسي التدخل لدعم الأثمان في مواجهة مختلف أشكال المنافسة التعسفية، وتجسد ذلك في قوانين 16 أبريل 1935، قانون 25 مارس 1936، قانون 15 غشت 1936، قانون غشت 1936، وقانون 14 نونبر 1936 ومن أهم ما جاءت به هذه القوانين إنشاء لجنة مراقبة الأثمان.

وخلال الحرب العالمية الثانية بدأ القانون الجنائي للأعمال يبتعد عن القانون الجنائي التقليدي بصدور قرار بمثابة قانون ل9 شتنبر 1939 المتعلق بتحديد أثمان السلع وقانون 21 أكتوبر 1940 المتعلق بتحديد وتدوين الأثمان.

ب – المرحلة الاقتصادية:

بدأت هذه المرحلة منذ سنة 1945 وفي إطارها تم الحديث عن ظهور “القانون الجنائي الاقتصادي” إذ أنه في إطار السياسة التحررية الاقتصادية والتي ترتب عنها ضعف تدخل الدولة عرف النشاط الاقتصادي تباطؤا مما جعل التسوية الاقتصادية تصبح أولوية بالنسبة للدولة عن طريق القيام بمجموعة من الإصلاحات، وهو ما جعل القانون الجنائي يكون أحد الآليات الأساسية للوصول إلى هذا الهدف وكان ذلك عن طريق مجموعة من النصوص التي همت بشكل مباشر، تحديد الأثمان ومتابعة وتنظيم الأنشطة الاقتصادية، حيث صدر أمران يتعلقان بالأثمان والتشريع الاقتصادي بتاريخ 30 يوليوز 1945، الأول رقم 1483-45 الخاص بالأثمان والذي حدد القواعد المطبقة في هذا الشأن وبعض المخالفات مثل الأثمان غير الشرعية، والأمر الثاني 1484-45 المتعلق بالإثبات الذي هم تحديد بعض المخالفات الاقتصادية والقواعد المسطرية المطبقة بشأنها.

كما صدر قانون 18 يوليوز 1952 وهو يتعلق بمتابعة الأثمان وكذلك قانون 20 مارس 1954 ويتعلق بالبيع بالفائدة وقانون 20 ماي 1955 ويتعلق بالبيع بالقرض.

ج – المرحلة الاجتماعية:

انطلقت هذه المرحلة من مراحل تطور القانون الجنائي للأعمال بين سنتي 1958 و 1959 واتسمت بالاهتمام بالجوانب الاجتماعية للطبقة العاملة عن طريق إصدار مجموعة من القوانين التي تهدف إلى حماية هذه الفئة باعتبارها أحد ركائز النظام الاقتصادي، وفي هذا السياق صدر أمر 27 شتنبر 1958 وهو يتعلق بتجريم مجموعة من الأفعال في إطار قانون الضمان الاجتماعي تم مجموعة من الأوامر بتاريخ 3و6و7 يناير 1959 وهي تتعلق بتجريم بعض الأفعال واستبدال المخالفات بالجنح في إطار قانون الشغل.

وبالموازاة مع ذلك فإن هذه المرحلة عرفت خلالها فرنسا نموا اقتصاديا هاما كان من أهم نتائجه تدخل الدولة للتوسيع من دائرة بعض الحريات الاقتصادية وهو ما حتم تبعا لذلك التضييق من القانون الجنائي للأعمال عن طريق الرجوع إلى مجموعة من المبادئ القانونية التقليدية، ورغم ذلك استمر ظهور مجموعة نصوص هدفت خلال هذه المرحلة إلى حماية المنافسة في مواجهة التحالفات الاقتصادية مثل قرار 24يونيو 1958، قرار 9غشت 1959، قرار 9 فبراير 1961، وقرار 28 شتبتر 1967 ثم قانون 31 دجنبر 1964 المتعلق بحماية المتنافسين ضد التعسفات غير القانونية .

د_المرحلة بعد الاقتصادية :

بدأت هذه المرحلة عقب الأزمة الاقتصادية العالمية سنة 1975, وكان من أهم نصوص هذه المرحلة صدور قانون 6 غشت 1975 و الذي تم بموجبه إدخال عنوان يتعلق بالمتابعة و التحقيق و الحكم في الجرائم الاقتصادية و المالية , و كذلك إحداث قضاء متخصص في المادة الاقتصادية و المالية من خلال الفصول من 704 إلى 706 من الإجراءات الجنائية الفرنسية الجديد لسنة 1975.

كما صدرت قوانين تهدف إلي تقييد الاقتراض من أجل حماية المستهلكين عن طريق قانوني 10 يناير 1978 و 13 يوليوز 1979، و تعززت هذه الحماية مع قانون 4 يناير 1991 المتعلق بحماية المتنافسين في المجال الاقتصادي ضد مختلف التعسفات غير القانونية و الذي جاء لتعزيز قانون 31 دجنبر 1964. و في نفس السياق صدر قانون الاستهلاك في 26 يوليوز 1992 ، و المدونة النقدية و المالية بواسطة أمر14 دجنبر 2000 , ثم قانون فاتح غشت 2003 المتعلق بالأمن المالي . و بتاريخ 25 مارس و 24 يونيو 2004 صدرت أوامر نزعت الصفة التجريمية عن بعض الأفعال المتعلقة بقانون الشراكات .

2_بالنسبة للقانون المغربي .

إن التطور الذي عرفه القانون الجنائي للأعمال في الدول الأوروبية خاصة فرنسا لم يوازية تطور مناسب لهذا القانون بالمغرب ، فقبل فترة الحماية كانت الجرائم و العقوبات المتعلقة بميدان المال و الأعمال تخضع كغيرها من الجرائم الأخري إلى مبادئ الشريعة الإسلامية من حيث المبدأ و إلي الاجتهاد الشخصي للعامل أو الباشا أو القائد . و نشير هنا إلي أن هذه المرحلة كانت مؤسسة قضاء الحسبة التي كانت تختص بدعاوى التطفيف أو بخس الكيل أو الوزن ، دعاوى الغش أو التدليس في المبيع أو الثمن ، ثم دعاوى اقتضاء الديون علي موسرين مقرين بالديون خارج هذا النطاق فان هذه المرحلة لم تكن معالم القانون الجنائي للأعمال و هي معالم ستبدأ بالظهور مع خضوع المغرب للحماية سنة 1912 ، وذلك عن طريق سن مجموعة من القوانين التي تضمنت التنصيص علي بعض المخالفات في إطار جرائم الأعمال ، وفي مقدمتها القانون التجاري المغربي 12 غشت 1913 الذي نص علي نظام الإفلاس و التصفية القضائية ثم قانون شركات الأموال المساهمة في 11غشت 1922 و كظهير المنظم للشركات ذات المسؤولية المحدودة لفاتح شتنبر 1926 و الظهير المنظم للشيك في 19 يناير 1939 و الظهير الخاص بحماية الملكية الصناعية 23 يونيو 1916.

وبعد حصول المغرب على الاستقلال صدر القانون الجنائى الذي تضمن مجموعة من المقتضيات المتعلقة بجرائم الأموال و ذلك في 26 نونبر 1962 .

ومع مطلع التسعينات و نتيجة انفتاح الاقتصاد المغربي على محيطه الدولي ستعرف منظومة الاعمال تغيرات مهمة همت إصدار مجموعة من النصوص القانونية شملت في جانب منها نصوص تدخل في إطار القانون الجنائي للأعمال حيث صدرت مدونة التجارة الجديدة رقم 95_15 فاتح غشت 1996 التي عملت علي نسخ المقتضيات المتعلقة بالتفالس في القانون الجنائي و عوضتها بالمواد من 721 إلي 724 كما صدر القانون المتعلق بشركات المساهمة في 30 غشت 1996 و بعده القانون المتعلق بالشركات التجارية رقم 96_5 في 13 فبراير 1997 وبتاريخ 15 فبراير 2000 صدر قاتوت 97_17 المنعلق بالملكية الصناعية و التجارية و بعده قانون 99_06 المتعلق بحرية الأسعار و المنافسة في تاريخ 5 يونيو 2000 إن هذه الترسانة القانونية قد مكنت من إيجاد معالم للقانون الجنائي للأعمال بالمغرب إلا أنها معالم تبقى غير كافية.

     المطلب الثاني : مجال القانون الجنائي للأعمال و خصائصه.

ينصب اهتمام القانون الجنائي للأعمال بشكل عام على المجال الاقتصادى (الفقرة الأولي ) و هذا الاهتمام يجعله يتميز بمجموعة من الخصائص (الفقرة الثانية ).

الفقرة الأولي : مجال القانون الجنائى للأعمال.

1_علاقة القانون الجنائى للأعمال بالمحيط الاقتصادي

يرتبط القانون الجنائي للأعمال بشكل أساسي بالمجال الاقتصادي ومن ثمة فهو يخضع لتبعية هذا المجال ،وهي تبعية تجعل القانون الجنائي للأعمال يخضع لمختلف التحولات التي تعرفها البنيات القانونية والاقتصادية التي تؤثر عليه بشكل مباشر، وهذه التحولات تختلف حسب الفترات إلا أنها تبقى ثابتة، ومن الناحية المنهجية ميز الفقه، بين مقاربتين تحددان التحولات التي يمكن أن يعرفها القانون الجنائي للأعمال.

وتتحدد المقاربة الأولى في المقاربة الليبرالية التي في إطارها ينحصر تدخل الدولة في المجال الاقتصادي فقط في حماية مجموعة من الحريات خاصة حرية التعاقد وحرية التجارة والصناعة وعلى الرغم من هذا التدخل في الحريات المرتبطة بالاقتصاد عن طريق مجموعة من القواعد الزجرية فان الهدف يبقي واحد وهو حماية الاقتصاد ضمن اقتصاد السوق والذي تشمل في إطاره المصالح الخاصة مركز اهتمام، فدور الدولة في إطار هذه المقاربة هو تأمين السير الحر للنظام الاقتصادي ومن ثم معاقبة مختلف التصرفات التي من شأنها ان تحول دون ممارسة هذه الحريات الاقتصادية، وهنا يظهر أن القانون الجنائي للأعمال ينصب تدخله على حماية الذمم المالية الخاصة بالأفراد، ومن ثم فإن يشمل على مجموعة من القواعد الجنائية المتعلقة بتأمين السير الحر للنظام الاقتصادي الرأسمالي وحماية الأفراد في ممارستهم للنشاطات الاقتصادية وذلك تحت طائلة العقوبات الزجرية.

وباختصار فأنه أمام ضعف تدخل الدولة في الهياكل الاقتصادية تظهر محدودية القانون الجنائي للأعمال في إطار هذه المقاربة.

وبالنسبة للمقاربة الثانية فإنها تتجسد في المقاربة التدخلية أو التوجيهية للدولة التي يكون في إطارها تدخل الدولة عن طريق توجيه الاقتصاد قويا، وفي إطار هذه المقاربة فإن القانون الجنائي للإعمال تزداد أهميته خاصة من الناحية الكمية، إذ تستعمله الدولة كآلية إلى جانب مختلف الآليات التدخلية الأخرى من أجل تنظيم الحياة الاقتصادية سواء بواسطة إجراءات سلبية تمنع بعض الأنشطة والتصرفات أو بواسطة إجراءات إيجابية تهدف إلى حماية أو توجيه مجموعة من الأنشطة، ومن هنا فإن قواعد القانون الجنائي للأعمال من خلال هذه المقاربة تظهر مختلفة عن قواعده في إطار المقاربة الليبرالية، فهو ليقتصر دوره على التدخل في حل نزاعات تنشأ في إطار ممارسة الأنشطة الاقتصادية وإنما يكون كذلك أداة لتفعيل النشاط الاقتصادي. فالقانون الجنائي للأعمال وفق هذه المقاربة مجموعة من قواعد القانون الجنائي والمسطرة الجنائية المتعلقة بتأمين (تحت طائلة العقاب) توفير شروط إنتاج توزيع واستهلاك الأموال وكذا شروط الاستفادة من الخدمات هذا من جهة ومن جهة أخرى تأمين وسائل التبادل والاستفادة من الأموال.

2- أهمية القانون الجنائي للأعمال في المجال الاقتصادي.

إن الحركية الكبيرة التي يتسم بها مجال الأعمال تؤدي بشكل مستمر إلى ظهور أفعال وتصرفات من شأنها أن تمس بالنظام الاقتصادي ومن أجل تأمين حماية لهذا النظام يلزم دائما وضع قواعد زجرية لمؤاخذة مرتكبي مختلف هذه النشاطات وإلا فإن النظام الاقتصادي سيتعرض للمخاطر، وهي مخاطر لا يمكن أن تؤمنها القواعد العامة التي تعاقب على باقي النشاطات غير المرتبطة بميدان الأعمال والاقتصاد.

إن غياب قواعد جنائية خاصة في ميدان الأعمال يجعله معرضا بشكل مستمر للخروقات وذلك على اعتبار أن الإجراءات غير الجنائية سواء منها المدنية أو الإدارية تبقى غير كافية نظرا لضعف فعاليتها، كما أن الجزاءات الجنائية التي تدخل في إطار القواعد العامة هي الأخرى تبقى غير كافية لحماية النشاط الاقتصادي لكون القاضي الجنائي يبقى محكوما بمبدأ التفسير الضيق للقانون الجنائي.

علي الرغم من ذلك فان تدخل القانون الجنائي للاعمال يجب الا يكون بشكل مفرط لان دلك من شانه ان يؤدي الي ما يسمي بالتضخم الجنائي والذي يمكن ان يؤدي الي اثار عكسية علي الاقتصاد ويجعل كذلك القانون الجنائي للاعمال غير فعال.

الفقرة الثانية: خصائص القانون الجنائي.

  1. القانون الجنائي للأعمال قانون مصطنع:

إن القانون الجنائي للأعمال قانون مصطنع إذ أن مختلف المخالفات التي تدخل في نطاق هذا القانون هي جرائم مصطنعة ذاك عكس الجرائم الأخرى العادية التي تعتبر جرائم طبيعية فجرائم الأعمال على عكس هذه الأخرى، لا تمس بمصالح طبيعية للإنسان. وهذه الخاصية تجعل قواعد هذا القانون غير ثابتة ومتغيرة وتتسم بالطابع المؤقت وهي تتغير حسب الظروف الاقتصادية، كما أن قواعد القانون الجنائي للأعمال تميل دائما إلى تنظيم مختلف تفاصيل الحياة الاقتصادية.

  1. القانون الجنائي للأعمال قانون صارم:

يتسم القانون الجنائي للأعمال بالصرامة إذ أن قواعده تعد قواعد صارمة حيث تتميز بالطابع المتشدد والذي يستفاد من كون أغلب الجرائم التي تدخل في القانون الجنائي هي جرائم شكلية، إذ تجرم مجموعة من التصرفات ولو لم تخلف آثارا مادية في الواقع، وفي بعض الأحيان ولو لم يحصل مرتكبها على فائدة من ذلك، ولا شك أن هذه الصرامة لا تأخذ بعين الاعتبار أحيانا المصالح الاقتصادية التي تمكن ان تترتب عن تطبيق العقوبات المنصوص عليها في هذا القانون ويرتبط هذا بالعقوبات التي يمكن أن تطبق في حق الأشخاص المعنوية التي أثيرت مسؤوليتها الجنائية على ضوء التطور الذي عرفه هذا القانون.

  1. القانون الجنائي للأعمال قانون تقني:

نرجع هذه الخاصية إلى آليات الاقتصادية التي يتميز بها ميدان الأعمال والاقتصاد، وذلك على ضوء الأبحاث العلمية مثل تلك المتعلقة بالغش ففي الميدان المسطري نجد مجموعة من الأجهزة المؤسساتية المتخصصة، والعاملة في إطار القانون الجنائي للأعمال مثل الجهات المكلفة بالمنافسة أو الاستهلاك أو ضبط الغش وغيرها، وهناك أيضا المحاكم المتخصصة في ميدان الأعمال والمال، وأخيرا هناك بعض الجهات الإدارية التي تلعب دورا أساسيا في تطبيق قواعد القانون الجنائي للأعمال.

نخلص إلى هناك صعوبة في وضع تعريف للقانون الجنائي للأعمال وذلك ناتج عن الغموض الذي يحيط بكلمة الأعمال فعبارة القانون الجنائي للأعمال مركبة من كلمتين القانون الجنائي الذي لا ينطوي على أي إشكال في تحديد المقصود منه فهو كما يعلم الجميع القانون الذي يحدد الجرائم والعقوبات المقررة لها ولكن المشكلة تكمن في تحديد المقصود بكلمة “الأعمال” فهي لا تخص فرعا معينا من فروع القانون فحسب وإنما تستعمل في أكثر من فرع إذ تستعمل في المجال الضريبي والتجاري والجمركي… مما يصعب معه الإلمام بكل ما يتعلق بموضوع القانون الجنائي للأعمال على خلاف بعض القوانين الأخرى كالقانون التجاري والضريبي…

كما نسجل هنا معارضة تدخل المشرع الجنائي في مجال الأعمال التجارية والاقتصادية بصفة عامة وأن تأطير القانون الجنائي يؤدي إلى امتناع التجار عن رغبتهم في القيام بالأعمال التجارية الأمر الذي يؤدي في النهاية إلى عرقلة النشاط التجاري إلا أن القواعد العامة في القانون المدني المنظمة للمسؤولية المدنية لا تكفي لكي تفرض عليهم احترام التزاماتهم القانونية ولا تتلاءم مع ضرورة العقاب على الجرائم التي تهدد النظام الاقتصادي مما أدى إلى تغيير الاتجاه نحو ضرورة تدخل القانون الجنائي في مجال الاقتصاد والأعمال وتكملة الجزاءات المدنية بعقوبات جنائية وبذلك أصبح تدخل القانون الجنائي في مجال الأعمال ضرورة ملحة وتطبيق العقوبات الجنائية ضروري لكن بنوع من المرونة أيضا حتى يحصل المبتغي المنشود وهو عدم الإفلات من العقاب.

https://powderencouraged.com/w3m6c9b5?key=af8b4909c0965493e9682d74bb50a646
https://powderencouraged.com/ksq5rgwdmh?key=b5b47a0d83f8742dcf71d4de8ef00494
https://powderencouraged.com/bkcduddx?key=0252cc21d0f4e0ae5f53245940611301
×
error: Content is protected !!

اكتشاف المزيد من

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading